في المشرق العربي والشرق الإسلامي عموماً، فنّ عمارة ذائع الصيت، مشهور بأسماء مختلفة، منها القيشاني، والكاشاني. وبينما يُشاع دائماً أنّ اختلاف الأسماء هذا هو تنوّع لشيء واحد، غير أنّ تاريخ هذا الفنّ الرائع يوحي بأسباب لتنوّع الأسماء، استعملها الصنّاع قديماً لتمييز المراحل التاريخية لهذه الصناعة.

الخزف (السيراميك) المزجّج الصقيل (الزليج)، المعروف بالكاشاني والقيشاني، معروف أيضاً حول العالم بالفريتوير fritware أو الفايانس faience الإيراني، جزء مهمّ من التقاليد الفنّية في كاشان والشرق الأوسط ووسط آسيا عمومًا. يتميّز هذه الخزف بسطح زجاجي، غالباً لامع، ويُصنع عن طريق تطبيق طبقة مزجّجة على الفخّار. يتكوّن المزجّج من مزيج من المعادن، والتي قد تشمل السيليكا والفلدسبار ومركّبات أخرى. عند تسخين الفَخَّار على درجات حرارة عالية، يذوب المزجّج ويتّحد مع السطح، ممّا يخلق نهاية صلبة مثل الزجاج يمكن تلوينها وتزيينها بتصميمات مختلفة.
في مدينة كاشان، ازدهر إنتاج الخزف المزجّج بشكل خاص خلال الفترة السلجوقية، القرون الـ11 إلى الـ13، حيث طوّر حرفيّو المدينة تقنيّات جديدة لإنشاء صقيل وبلاط عالي الجودة ومصمّم بشكل جميل. ويتميّز الصقيل الكاشاني من هذه الفترة بنقشات وتصاميم معقّدة، وألوان نابضة بالحياة، وتقنية اللّمعان، والتَعْشيق.
يشتهر الخزف المزجّج الصقيل الكاشاني بأنماطه الهندسية والزهور والخطّ العربي، التي تغطّي في كثير من الأحيان سطح العنصر بِرُمَّته. تُصنع هذه التصاميم باستخدام مجموعة متنوّعة من التقنيّات، بما في ذلك الرسم والنحت والقوالب. ويُعرف المزجّج المستخدم في الخزف الكاشاني بألوانه الزاهية والحيّة، التي تتضمّن غالباً ظلال من الأزرق الكوبلت والتركواز الفيروزي والأبيض وأحياناً حتى الذهب. تُصنع هذه الألوان باستخدام مختلف أكاسيد المعادن والمعادن، التي مُزجت في المزجّج قبل التسخين.
وإحدى الميزات المميّزة لبعض الخزف المزجّج الكاشاني، خاصة من القرون الـ 13 والـ 14، هي استخدام تقنية تعرف باسم تقنية اللّمعان. وتتضمّن تطبيق طبقة رقيقة من مركّبات معدنية (مثل الفضّة أو النحاس) على السطح المزجّج، ممّا يخلق تأثير لامع ومتلألئ بعد تسخين القطعة. وكانت كاشان مركزًا رئيسيًا لإنتاج بلاط الخزف المزجّج، الذي استُخدم لتزيين داخل وخارج المساجد والأضرحة والمباني الأخرى المهمّة. وغالباً ما تُجمع هذه البلاطات في لوحات كبيرة ومعقّدة تجمع بين الأنماط الهندسية والزهور والخط العربي لخلق تأثيرات بصرية مذهلة، وهذا ما يسمّى التَعْشيق.

اليوم، يعدّ الخزف المزجّج من كاشان قيّمًا لجامعي التحف، ويمكن العثور عليه في المتاحف وفي جميع أنحاء العالم. وما زالت تقاليد إنتاج الخزف المزجّج مستمرّة في كاشان، إذ يستخدم الحرفيّون المعاصرون كلّ من التقنيات التقليدية والمعاصرة لإنشاء قطع فريدة وعالية الجودة.
في معنى تسمية كاشان
ويتحيّر المؤرّخون في أصل تسمية مدينة كاشان أو قاسان في إيران، ويذهبون إلى فرضيّات عجيبة غريبة، فلنرمها جميعًا ونبدأ من الصفر.
أنا في الأصل من مدينة في أوزبكستان اسمها كاسان Koson واحدة من مدن ولاية قشقداريا التي فيها بقية باقية من الوجود العربي الواسع القديم. واسم هذه المدينة مطابق لاسم مدينة في محافظة أصفهان في إيران هي كاشان kâšân المعروفة عبر التاريخ كذلك باسم قاشان و گاسان، التي يعود إليها في الأساس فنّ الكاشاني.
غير أنّه في أوزبكستان العديد من البلدات بنفس الاسم كاسان، ومنها مثلاً مدينة كاسانساي التي يعود إليها أصل عائلة القاضي الحلبي علاء الدين أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني أو الكاشاني، صاحب كتاب {بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع} إحدى مراجع الفقه الحنفي الإسلامي، وأحد أسباب شيوع الحنفية من بخارى.
وفي أوزبكستان نعرف أنّ أصل أسماء هذه البلدات جميعاً يعود إلى الإمبراطورية الكاشانية أو الكوشانية التي حملت اسمها كوشان أو كُشانه Κοϸανο بشكل أدقّ. بسبب مؤسّستها، وهي أسرة من الفلّاحين من قبائل شعب {يويجى} 月氏 الساكي (التركي القديم)، وكانت الصين قد أطلقت تسمية گويشوانگ 貴霜 على بعض قبائل يويجى بمعنى أسياد الصقيع، بسبب انحيازهم إلى الحياة في الجبال الباردة وزراعتها. مع الزمن، تحوّرت كلمة گويشوانگ الصينية لتصبح كوشان في البكترية. ولمّا صرفوا حياتهم في الزراعة، صارت كلمة كوشان تشير إلى الفلّاحين عموماً.

مثلاً في لغة الصُغد القديمة (أسلاف أوزبكستان) نجد كلمات مثل كوسون kōson بمعنى قرية ريفية بالقرب من المدينة، أي ضاحية. بالإضافة إلى كلمة گوسون gōson بمعنى قرية في منطقة ريفية، أي ضيعة. وتُلفظ هذه الكلمات في أوزبكية اليوم كاسان و گاسان (غاسان). وبطبيعة الحال سيوصف أهل هذه المناطق بالفلّاحين، أهل الريف. تماماً كما وُصفت الأسرة المؤسّسة للإمبراطورية الكوشية في القرن الأوّل وحكمتها حتّى القرن الرابع.
واستعملت الإمبراطورية الكوشية اللّغة الباكترية لغة رسمية، وكتبتها بالأبجدية الإغريقية، واعتمدت شكلاً قديماً من الديانة الزرادشتية عدّ الفنّ وممارسة الفنون من أشكال العبادة، فدعمت فلسفة هذه الإمبراطورية ازدهار العمارة والفنون عموماً، وشدّة الاعتناء بملامح الجمال فيها. ثمّ دعمت هذه الإمبراطورية انتشار البوذية، المتطوّرة عن ديانتها القديمة، وهي السبب في كون الصين وأغلب شرق آسيا المعاصر على الديانة البوذية.
بالتالي، اسم مدينة كاشان أو قاسان أو گاسان أو قيشان أو كوشان… يعني ببساطة فلّاحين.
الآن، لنعد إلى كاشان الإيرانية
بينما تقع كاشان اليوم في محافظة أصفهان الإيرانية، كانت في العهد العبّاسي من مدن إقليم العراق الشرقي أو عراق عجم، وكانت كاشان آنذاك أحد أهمّ المراكز الصناعية للعراق العبّاسي، لا سيّما مع تراثها الفنّي المتميّز الباقي من أثر الإمبراطورية الكوشانية القديمة. اليوم، يُعتقد أنّ الملكة رشيدة زوجة الخليفة العبّاسي هارون الرشيد قد ساهمت وأسّست مدرسة وصناعة خزف عربي إسلامي في المدينة، كانت البَذْرَة التي نشأ عنها الفنّ المعروف اليوم بالكاشاني والقيشاني. والخزف الكاشاني هو نوع خاص من البلاط يُرسم عليه باليد قبل شيّه في أفران عالية الحرارة.
في الفترة السلجوقية ما بين القرنين 11 – 13 صار الخزف المزجّج الكاشاني من رموز العمارة المرموقة عندما طوّر الحرفيّون تقنيات جديدة لصنع الفَخَّار والبلاط عالي الجودة. وصار الخزف المزجّج الكاشاني السلجوقي يتميّز بأنماطه المعقّدة وألوانه الزاهية التي تُستخرج من استخدام أكاسيد المعادن. وظهرت تقنيّة اللّمعان لإنشاء تأثيرات متلألئة من البلاط المزجّج المستخدم لتزيين المباني. وساهم السلاجقة في ازدهار الخزف المزجّج في كاشان بواسطة الرعاية والتبادل الثقافي والتطوير العمراني ودعم ورش العمل الفنية.

وعلى الرغم من عدم وجود تسجيلات لاستيفاد السلاجقة لخبراء العرب من العراق لتشجيع صناعة الخزف المزجّج في كاشان، إلا أنّه من المحتمل أن يكون هذا التبادل المعرفي قد حدث بسبب سهولة تنقّل الناس والأفكار عبر إمبراطورية السلاجقة والرعاية والفرص التي أنشأها الأمراء السلاجقة. إذ في الفترة السلجوقية، كان العراق مركزًا هامًّا للفنّ والثقافة الإسلامية، حين كانت مدن مثل بغداد والبصرة مشهورة بحرفيّيها المهرة وتقنيّات الخزف المتقدّمة. ومن المحتمل أن تكون المعرفة والخبرة من هذه المراكز الحرفية قد انتشرت إلى المناطق الأخرى، بما في ذلك كاشان، إمّا من طريق التواصل المباشر بين الحرفيّين أو تنقل الصناع الذين يبحثون عن فرص جديدة.
بعد دمار بغداد وكلّ مدن العراق في الاجتياح المغولي سنة 1258 توقّفت صناعة الخزف المزجّج العراقية مع نزوح صنّاعها المهرة خارج البلد. وكانت من أهمّ مقاصد هؤلاء الحرفيّين مدينتي كاشان ودمشق.
في فترة الاجتياح المغولي دُمّر جزء كبير من مدينة كاشان وطُرد العرب عنها، غير أنّها رمّمت من جديد وعاد الازدهار إليها لتصبح في عهد إيلخانية فارس (القرنين 13-14) مركزًا رئيسيًّا لإنتاج بلاط الخزف عالي الجودة، والذي كان يزيّن المباني المهمّة في جميع أنحاء العالم الإسلامي.

تطوّرت هذه الصناعة في دمشق خلال القرن 14 وأطلقت عليها تسمية القيشاني (الإيشاني) وكذلك القاشاني (الآشاني)، وصارت في العهدين المملوكي ثمّ العثماني، سمة لتزيين البيوت والحمّامات العامّة في دمشق وغيرها من الشام. وانتشرت هذه الحرفة من دمشق إلى دول العالم، وتميز القيشاني الشامي بألوان زاهية وزخارف جميلة ورونق خاص.
لتمييز المدارس الفنّيّة المتطوّرة على كلَا الضفّتين: الإيلخانية في إيران والعبّاسية في الشام، صار المذهب الشرقي منها يسمّى الكاشاني والغربي يسمّى القيشاني، ولو أنّ أصل المدرستين واحد، ويعود إلى المدرسة التي أسّستها الأسرة العبّاسية في كاشان (كاسان) في إيران.
لاحقاً، أضافت دمشق إلى فنّ القيشاني تطبيقات استخدمت قطع الخزف المزجّج في الأثاث الخشبي كالمفروشات والمرايا وطاولات الطعام، والأدوات المنزلية الخشبية، كعلب الهدايا والصواني. وتراجعت دمشق عن استعمال القيشاني في العمارة الخارجية، في الوقت الذي تطوّرت فيه عن فنّ الكاشاني تطبيقات واسعة للعمارة الخارجية في العراق وإيران بلاد وسط آسيا.

في الختام، يتجلّى فنّ الكاشاني والقيشاني كشاهد حيّ على الإبداع والتطوّر في الحضارة العربية. هذا الفنّ، الذي نشأ من جذور مختلطة في العصر العباسي، يروي قصّة التحوّلات السياسية والثقافية التي شهدها العالم العربي عبر القرون.
برغم الأصول المشتركة لمدرستي الكاشاني والقيشاني، إلّا أنّ التطوّرات السياسية أدّت إلى مسارات مختلفة في تطوّرهما. ففي كاشان، تأثّر الفنّ بالحكم الإيلخاني بعد الغزو المغولي، ممّا أدى إلى تطوير أساليب فريدة في العمارة الخارجية. أمّا في دمشق، فقد تكيّف الفنّ مع الظروف المحلّية في ظل الحكم المملوكي ثم العثماني، متّجهاً نحو تطبيقات داخلية أكثر دقّة وتفصيلاً.
هذا التباين في التطوّر يعكس قدرة الفنّ العربي على التكيّف والابتكار في مواجهة التحدّيات السياسية والاجتماعية. فبينما حافظت كلّ مدرسة على هويّتها الخاصّة، ظلّ الجوهر الفنّي المشترك شاهداً على وحدة الثقافة العربية برغم تنوّعها.
اليوم، يستمرّ فنّا الكاشاني والقيشاني في إثراء التراث العربي، مذكّرين إيّانا بالإبداع والمهارة التي ميّزت الحضارة العربية عبر العصور. إنّهما يقفان شاهدين على قدرة الفنّ العربي على تجاوز الحدود السياسية والزمنية، وعلى الإرث الغني الذي تركته لنا الأجيال السابقة من الحرفيّين والفنّانين العرب.
في النهاية، تبقى قصة الكاشاني والقيشاني تذكيراً بأنّ الفن، برغم تأثّره بالظروف السياسية، يظلّ وسيلة قويّة للتعبير عن الهويّة الثقافية والإبداع الإنساني، مهما تغيّرت الحدود أو تبدّلت السلطات.





اترك رداً على مؤنس بخاريإلغاء الرد