تقدّم هذه المقالة قراءة نقدية متعدّدة المستويات لكتاب الأصنام لهشام بن محمّد الكلبي (ت. 204 هـ/819 م)، الوثيقة الأقدم والأكثر تفصيلاً عن المنظومة الدينية في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام. تنطلق المقالة من فرضية أنّ هذا النصّ التراثي لا يقدّم مجرّد معلومات تاريخية عن أصنام بائدة، بل يفتح نافذة على بنية اجتماعية-اقتصادية-سياسية كاملة كانت تنتظم حول تلك المعبودات.
تتبنّى المقالة منهجاً ثلاثيّ الأبعاد: إعادة بناء تاريخي منظّم للمادّة الأصلية، تحليل أنثروپولوجي للوظائف الاجتماعية للعبادات الوثنية، ونقد مصدري يعالج إشكاليّات الرواية الشفاهية والمسافة الزمنية والأيديولوجية بين المؤلّف وموضوعه. الهدف ليس السرد الوصفي بل طرح أسئلة تحليلية: كيف كانت المعبودات تؤدّي وظائف تتجاوز الدين الضيّق؟ لماذا ارتبطت كلّ قبيلة بصنم محدّد؟ كيف نفهم استمرار عناصر توحيدية برغم الانحراف الوثني؟ وإلى أيّ حدّ يمكن الوثوق بنصّ متأخّر ضعيف السند؟
تدور الإشكالية حول التحوّل من منظومة دينية لامركزية متعدّدة (وثنية قبلية) إلى منظومة مركزية موحّدة (الإسلام)، وكيف تمّ هذا التحوّل على مستوى البنى الاجتماعية بِرُمَّتها لا المعتقدات فحسب. الأصنام المحطّمة كانت مراكز قبلية ومصادر نفوذ وهويّات جماعية ومؤسّسات اقتصادية، وهدمها أحدث فراغاً بنيويّاً احتاج لإعادة بناء مؤسّسية كاملة. من زاوية أخرى، تطرح المقالة سؤالاً أعمق: هل نعرف الوثنية العربية كما كانت، أم كيف تذكّرها المسلمون الأوائل؟

تخلص المقالة إلى أنّ الوثنية العربية كانت منظومة لامركزية تتوزّع فيها المعبودات قبليّاً، مع بروز تدريجي لأصنام كبرى عابرة للقبائل مهّدت لإمكانية قبول دين موحّد. لم تكن الأصنام ظاهرة دينية خالصة بل محاور لبنى اجتماعية-اقتصادية معقّدة. استمرار عناصر توحيدية برغم الانحراف الوثني يفسّر نسبيّاً سهولة الانتقال إلى التوحيد الخالص. كتاب الأصنام – برغم إشكالياته المنهجية – يبقى المصدر الأكثر أهمّية لفهم الحقبة، لكن يجب التعامل معه بوصفه مرآة مزدوجة تظهر الجاهلية ونظرة الإسلام المبكّر إليها معاً.
القيمة المضافة للمقالة تكمن في تنظيم المعلومات تنظيماً موضوعيّاً، وطرح أسئلة تحليلية عميقة، ومعالجة إشكاليات منهجية بجدّية أكاديمية، ووضع الظاهرة في سياق مقارن مع وثنيات أخرى، ممّا يحوّل النصّ التراثي من مجرّد مصدر معلومات إلى موضوع دراسة متعدّد الأبعاد.

تمهيد: الأهمّيّة التاريخية للمصنَّف
يشكّل كتاب الأصنام لهشام بن محمّد الكلبي (المتوفّى سنة 204 هـ/819 م) مصدراً أساسيّاً لفهم المعتقدات الدينية في شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام. ينفرد هذا المصنَّف بتقديم وصف تفصيلي للأصنام والمعبودات المختلفة، وأماكن عبادتها، وشعائر التقرّب إليها، والقبائل المرتبطة بكلّ منها. برغم التحفّظات على سند ابن الكلبي في الحديث النبوي، يبقى عمله هذا مرجعاً لا غنى عنه للمؤرّخين وباحثي الأديان المقارنة.
مقدّمة: نشأة العبادات الوثنية عند العرب
جذور الانحراف عن التوحيد
يروي ابن الكلبي بناءً على مصادره أنّ العرب ورثوا التوحيد عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. لمّا استوطن إسماعيل مكّة وكثُر نسله، ضاقت بهم الأرض وتفرّقوا في البلاد طلباً للمعاش. اعتاد هؤلاء المهاجرون حمل أحجار من الحرم المكي معهم تعظيماً للكعبة وحنيناً إلى مكّة. أينما حلّوا نصبوا تلك الأحجار وطافوا بها تيمّناً بالكعبة، مع بقائهم على أصول الحج والعمرة.
تدريجيّاً، انحرف هذا السلوك من مجرّد تذكار رمزي إلى عبادة فعلية. نسي الناس الأصل ووقعوا فيما وقعت فيه الأمم السابقة من عبادة الأصنام والأوثان. مع ذلك، ظلّت بقايا من دين إبراهيم وإسماعيل حاضرة في ممارساتهم: تعظيم الكعبة، الطواف بها، الحجّ، العمرة، الوقوف بعرفة ومزدلفة، وإهداء البُدْن، وإن خلطوا ذلك بما ليس منه.
تلبية الجاهلية: توحيد مشوب بالشرك
كانت قبيلة نزار تقول في تلبيتها: “لبّيك اللّهم لبّيك، لبّيك لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك”. فهم يوحّدون الله في التلبية لكنّهم يُدخلون معه آلهتهم ويجعلون ملكها بيده. في هذا السياق نزل قوله تعالى: “وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون”، أي لا يوحّدونه بمعرفة حقّه إلا وجعلوا معه شريكاً من خلقه.

عمرو بن لحي: الرائد الأوّل لنصب الأصنام
شخصيّته ودوره المحوري
كان عمرو بن ربيعة (المعروف بلُحَيّ) بن حارثة الأزدي أبو خزاعة أوّل من غيّر دين إسماعيل، فنصب الأوثان وابتدع السوائب والبحائر والوصائل. تولّى حجابة الكعبة بعد صراع مع جُرهُم، إذ قاتلهم بمعونة بني إسماعيل فأجلاهم عن مكّة.
رحلته إلى الشام ونقل الأصنام
أصيب عمرو بن لحي بمرض شديد فأُشير عليه بالذهاب إلى حِمَّة بالبلقاء في الشام للاستشفاء. استحمّ فيها فبرأ، ووجد أهلها يعبدون الأصنام. سألهم عنها فأخبروه أنّهم يستسقون بها المطر ويستنصرون بها على الأعداء. طلب منهم أن يعطوه بعضها ففعلوا، فعاد بها إلى مكّة ونصبها حول الكعبة.
الأصنام الخمسة من زمن نوح
يذكر ابن الكلبي أنّ عمرو بن لحي كان له رئيّ من الجنّ أمره بالذهاب إلى ساحل جدّة حيث وجد الأصنام الخمسة التي عبدها قوم نوح: ودّ، سواع، يغوث، يعوق، ونسر. حملها إلى مكّة وعرضها على العرب في موسم الحج فتوزّعتها القبائل.

الأصنام الرئيسية: توزّعها الجغرافي وعبادتها القبلية
مناة: أقدم الأصنام الكبرى
نُصبت مناة على ساحل البحر قرب المشلّل بقُديد بين مكّة والمدينة. كانت أقدم الأصنام الثلاثة الكبرى، عظّمتها العرب جميعاً لكنّ الأوس والخزرج أفرطوا في تعظيمها. اعتادوا الحجّ والوقوف بالمواقف كلّها، لكنّهم لا يحلقون رؤوسهم إلا عند مناة، فلا يرَون لحجّهم تماماً إلا بذلك. كانت لهذيل وخزاعة خاصّة، وسمّى العرب بها أبناءهم: عبد مناة وزيد مناة.
ظلّت على حالها حتى السنة الثامنة للهجرة، عام فتح مكّة، حين بعث النبي محمّد علي بن أبي طالب فهدمها. أخذ علي ما كان لها، ومنه سيفان أهداهما الحارث بن أبي شمر الغساني: مخذم ورسوب، وهبهما النبي لعلي، ويُقال إن ذا الفقار أحدهما.
اللّات: صنم الطائف
كانت اللّات أحدث من مناة، صخرة مربّعة بالطائف في موضع منارة المسجد اليسرى. كان يهوديّ يلتّ (أي يخلط) عندها السويق. بنت عليها ثقيف بناءً وتولّت سدانتها بنو عتّاب بن مالك من ثقيف. عظّمتها قريش وجميع العرب، وسمّوا بها: زيد اللّات وتيم اللّات.
لما أسلمت ثقيف بعد فتح مكّة، بعث النبي المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها. في ذلك يقول شدّاد بن عارض الجشمي محذّراً ثقيفاً من العودة إليها:
لا تنصروا اللّات إنّ اللّه مهلكها / وكيف نصركم من ليس ينتصر
إنّ التي حُرقت بالنار فاشتعلت / ولم تقاتل لدى أحجارها هدر
العزّى: أعظم أصنام قريش
كانت العزّى أحدث الثلاثة الكبرى، نصبها ظالم بن أسعد بوادٍ من نخلة الشامية يُسمّى حِراض. بُني عليها بيت وكانت العرب وقريش يسمّون بها: عبد العزّى. صارت أعظم الأصنام عند قريش، يزورونها ويُهدون لها ويتقرّبون عندها بالذبح. حُمي لها شِعب من وادي حراض اسمه سِقام، يضاهون به حرم الكعبة، وكان لها منحر يُسمّى الغبغب.
تولّى سدانتها بنو شيبان من بني سليم، وكان آخرهم دُبيّة بن حَرْمِيّ السلمي. لما كان عام الفتح، بعث النبي خالد بن الوليد لهدمها. قتل خالد السادن وعضد ثلاث سمرات كانت العزّى تأتيها (وفق الرواية كانت شيطانة). في السمرة الثالثة ظهرت له حبشية نافشة شعرها فقتلها، فقال النبي: “تلك العزّى ولا عزّى بعدها للعرب، أما إنّها لن تُعبد بعد اليوم”.

الأصنام الأخرى: تنوّع المعبودات وانتشارها
هُبَل: صنم جوف الكعبة
كان هُبَل من أعظم أصنام قريش، منصوباً داخل الكعبة. صُنع من عقيق أحمر على صورة إنسان مكسور اليد اليمنى، فجعلت له قريش يداً من ذهب. نصبه خزيمة بن مدركة، وكان أمامه سبعة أقداح للاستقسام في المواليد والميتات والنكاح وغيرها. عنده ضرب عبد المطلب بالقداح على ابنه عبد الله والد النبي. يوم أُحد صاح أبو سفيان بن حرب: “أُعْلُ هُبَل”، فردّ النبي: “اللّه أعلى وأجلّ”.
إساف ونائلة: أسطورة المسخ
يروي ابن الكلبي عن ابن عباس أنّ إسافاً ونائلة كانا رجلاً وامرأة من جُرهُم تحابّا. دخلا الكعبة فخلا بهما المكان ففجر بها داخلها فمُسخا حجرين. أُخرجا ووُضعا عند الكعبة عبرة، لكن لما طال الزمن وعُبدت الأصنام عُبدا معها. كان أحدهما بلصق الكعبة والآخر عند زمزم، فنقلتهما قريش ليكونا معاً وصارا يُنحر ويُذبح عندهما.
ذو الخَلَصة: صنم تِبالة
كان ذو الخلصة مَرْوة بيضاء منقوشة عليها تاج، بتبالة بين مكّة واليمن على مسيرة سبعة أيام من مكّة. سدنته بنو أمامة من باهلة، وعظّمته خثعم وبجيلة وأزد السراة ومن قاربهم. لما أسلمت العرب وقدم جرير بن عبد اللّه على النبي، وجّهه لهدمه. سار جرير ببني أحمس من بجيلة فقاتلته خثعم وباهلة دونه، قُتل من سدنته مئة رجل ومن خثعم مئتان، فظفر بهم وهدمه وأحرقه. صارت عتبة باب مسجد تبالة اليوم.
الفَلْس: صنم طيء
كان الفَلْس أنفاً أحمر في وسط جبل أجأ الأسود كأنّه تمثال إنسان. عبدته طيء وأهدت له واعتَرت عنده، ولا يأتيه خائف إلا أمِن. سدنته بنو بَولان. لمّا بعث النبيّ علي بن أبي طالب هدمه، وأخذ منه سيفين كان الحارث الغسّاني قلّده إياهما: مخذم ورسوب، فتقلّد النبيّ أحدهما ثمّ دفعه لعلي.
أصنام القبائل الأخرى
تفرّقت الأصنام بين القبائل: كان لدوس “ذو الكفّين” حرقه الطفيل بن عمرو الدوسي بعد إسلامه، ولبني الحارث بن يشكر “ذو الشَّرى”، ولقضاعة ولخم وجُذام وعاملة وغطفان “الأقيصر” بمشارف الشام، ولمزينة “نُهْم” كسره خُزاعي بن عبد نُهم حين سمع بالنبيّ، ولأزد السراة “عائم”، ولعنزة “سُعير”، ولخولان “عُميانس” الذي قسّموا له من أنعامهم وحروثهم نصيباً.

الممارسات الشعائرية: العتائر والنحر والأنصاب
شعائر الذبح والنحر
كانت العرب تذبح وتنحر عند أصنامها تقرّباً إليها. سمّوا ذبائح الغنم عند الأصنام “العتائر”، والمذبح “العَتْر”. كان لكلّ صنم منحر خاص تُهدى إليه البُدن وتُذبح عنده الذبائح. عند العزّى كان الغبغب، حيث يُقسّم لحم الهدايا على الحاضرين. كانت هذه الممارسات محاكاة لشعائر الحجّ عند الكعبة لكن موجّهة للأصنام.
الأنصاب والدوار
الأنصاب حجارة غير منحوتة ينصبونها للطواف حولها، يسمّون هذا الطواف “الدوار”. كان الرجل في سفره يأخذ أربعة أحجار فينتقي أحسنها فيتّخذه ربّاً ويجعل الثلاثة الباقية أثافي لقدره. إذا ارتحل تركه، وإذا نزل منزلاً آخر فعل مثل ذلك. هذه الممارسة تشير إلى مرونة العبادة الوثنية وارتباطها بالمكان المؤقت أكثر من الإله الثابت.
الاستقسام بالأزلام
استعملت العرب الأزلام (القِداح) عند الأصنام للاستخارة في الأمور. عند هُبل كانت سبعة أقداح: للنسب (صريح/ملصق)، للميت، للنكاح، وثلاثة أخرى. عند ذي الخلصة كانت ثلاثة: آمر وناهٍ ومتربّص. حين أراد امرؤ القيس الغارة على بني أسد استقسم عند ذي الخلصة فخرج الناهي ثلاث مرات، فكسر القداح وضرب بها وجه الصنم قائلاً: “عضضت بأير أبيك! لو كان أبوك قُتل ما عوّقتني”، ثم غزا فظفر.

الأسماء المعبّدة: الشاهد اللّغوي على انتشار العبادات
تحفظ لنا الأسماء العربية المركّبة بـ”عبد” ذكرى تلك المعبودات: عبد مناة، زيد مناة، عبد اللّات، زيد اللّات، تيم اللّات، عبد العزّى، عبد ودّ، عبد يغوث، عبد نُهم، عبد نَصر، عبد كُلال، عبد رُضى، عبد يالِيل، عبد غَنَم، وغيرها. هذه الأسماء منتشرة في أنساب القبائل، وتشير إلى عمق تغلغل العبادات الوثنية في مجتمعات جزيرة العرب قبل الإسلام. لم تكن العبادة الوثنية ممارسة هامشية بل كانت محور الحياة الدينية والاجتماعية.

أصل الأصنام: الرواية الأسطورية
القصّة الآدمية
يروي ابن الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس أنّ أوّل ما عُبدت الأصنام: لمّا مات آدم جعله بنو شيث في مغارة بجبل نوذ بالهند، وكان بنو شيث يأتون جسده يعظّمونه. فقال رجل من بني قابيل لقومه: إنّ لبني شيث دواراً يدورون حوله وليس لكم شيء، فنحت لهم صنماً فكان أوّل من صنعها.
أصنام قوم نوح
كان ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر قوماً صالحين ماتوا في شهر واحد فجزع عليهم أقاربهم. عرض عليهم رجل من بني قابيل أن ينحت لهم خمسة أصنام على صورهم فقبلوا. صار الناس يأتون تلك الأصنام ويطوفون حولها تذكّراً لأولئك الصالحين. جاء قرن آخر فعظّموها أشدّ، ثم قرن ثالث قالوا: ما عظّم أسلافنا هؤلاء إلّا رجاء شفاعتهم عند اللّه، فعبدوهم. اشتدّ الكفر فبعث اللّه إدريس ثم نوحاً، لكنّهم كذّبوهما. جاء الطوفان فأهبط الماء تلك الأصنام من جبل نوذ حتى قذفها إلى ساحل جدة فسفت الريح عليها حتى واراتها، إلى أن استخرجها عمرو بن لحي.

نهاية الأصنام: الفتح الإسلامي وهدم المعبودات
فتح مكّة وتطهير الكعبة
يوم فتح مكّة في السنة الثامنة للهجرة، دخل النبي محمّد المسجد الحرام والأصنام منصوبة حول الكعبة. أخذ يطعن بسِية قوسه في عيونها ووجوهها قائلاً: “جاء الحق وزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقاً”. أمر بها فكُفئت على وجوهها ثم أُخرجت من المسجد وحُرقت. في ذلك يقول راشد بن عبد الله السلمي:
أوَما رأيت محمّداً وقبيلَه / بالفتح حين تُكسّر الأصنام
لَرأيت نور اللّه أضحى ساطعاً / والشرك يغشى وجهه الإظلام
البعوث لهدم الأصنام الكبرى
بعث النبي عدّة سرايا لهدم الأصنام في أنحاء الجزيرة السفلى والعليا: بعث عليّ بن أبي طالب لهدم مناة فهدمها وأخذ ما كان لها، وبعث المغيرة بن شعبة لهدم اللّات فهدمها وحرقها، وبعث خالد بن الوليد لهدم العزّى فعضد سمراتها وقتل شيطانتها، وبعث خالداً أيضاً لهدم ودّ بدومة الجندل فقاتل بني عبدود وهدمه، ووجّه جرير بن عبد الله لهدم ذي الخلصة فقاتل دونه وهدمه وأحرقه، وبعث عليّاً لهدم الفَلْس فهدمه وأخذ سيفيه، وبعث الطفيل بن عمرو الدوسي فحرق ذا الكفّين.
استمرار بعض الممارسات
برغم هدم الأصنام وانتهاء عبادتها، تنبّأ النبي ببقاء شيء من تلك الممارسات. قال فيما رُوي: “لا تذهب الدنيا حتى تصطك أليات نساء دوس على ذي الخلصة يعبدونه كما كانوا يعبدونه”. هذا التنبّؤ يشير إلى إمكانية عودة الممارسات الوثنية في أزمنة لاحقة، وهو موضوع له أهمّيّة في فهم التحوّلات الدينية على المدى الطويل.

ملاحظة منهجية
النص أعلاه ليس نسخة حرفية من كتاب الأصنام لهشام بن محمّد الكلبي (ت. 204 هـ)، بل هو إعادة صياغة معاصرة للمادة التاريخية الواردة في المخطوط الأصلي. اعتمدت هذه الصياغة على النص الكامل للكتاب كما وصلنا عبر سلسلة النُسّاخ المذكورة في مقدّمة المخطوط، التي تنتهي بنسخة قرئت على المؤلف سنة 201 هـ.
أُجريت عملية إعادة الصياغة بهدف تحويل النص من صيغته السردية التراثية – المتّسمة بالإسناد المتكرّر، والاستطرادات، وتداخل الروايات، والأشعار المقحمة – إلى صيغة تحليلية منظّمة تناسب القارئ المعاصر والباحث الأكاديمي. شملت التحويلات: إعادة ترتيب المعلومات موضوعيّاً بدلاً من السرد التراكمي، وإضافة عناوين فرعية ومقدّمة تمهيدية وخاتمة تحليلية، واستخلاص الاستنتاجات الاجتماعية والدينية من المادّة الخام، مع الحفاظ على جوهر المعلومات والشواهد الشعرية والأسماء والأماكن كما وردت في الأصل.
ينبغي التنبيه إلى أنّ أي دراسة أكاديمية جادّة لموضوع الأصنام والعبادات العربية قبل الإسلام لا بدّ أن تعود إلى النص الأصلي بكامل أسانيده وتفاصيله، وأن تقارنه بمصادر أخرى كما السيرة النبوية وكتب التفسير والتاريخ. النصّ المعاد صياغته هنا أداة تعريفية وتوضيحية، لا بديل عن المصدر الأولي في البحث العلمي الدقيق.

خاتمة إعادة البناء: دلالات تاريخية واجتماعية
يكشف كتاب الأصنام عن مشهد ديني متنوّع ومعقّد في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام. لم تكن العبادات الوثنية موحّدة بل متعدّدة ومرتبطة بالقبائل والأماكن. احتفظت تلك العبادات ببقايا من التوحيد الإبراهيمي، لكنّها خلطته بممارسات وثنية متعدّدة المصادر. ارتبطت الأصنام بالهوية القبلية والإقليمية، فكان لكلّ قبيلة أو منطقة معبوداتها الخاصّة إلى جانب الأصنام الكبرى المشتركة.
تُظهر الروايات المحفوظة في الكتاب أنّ العبادات الوثنية لم تكن عقائد جامدة بل كانت تتطوّر وتتغيّر. نُقلت الأصنام من مكان لآخر، وتبدّلت أسماؤها، وتغيّرت القبائل العابدة لها. بعض الأصنام فقد أهمّيّته مع تحوّلات سياسية أو دينية (كما حدث لنسر حين تهوّدت حِميَر)، في حين نشأت أصنام جديدة (كالعزّى التي كانت أحدث من اللّات ومناة).
أخيراً، يشكّل هذا المصنّف وثيقة تاريخية فريدة للباحثين في تاريخ الأديان والمجتمعات العربية القديمة، برغم ما يثيره من إشكاليّات منهجية تتعلّق بمصداقية الروايات ودقّة الإسناد، وهي إشكاليّات لا تُلغي قيمته العلمية بل تدعو للتعامل معه بحذر نقدي ومقارنته بمصادر أخرى.

تحليل كتاب الأصنام: قراءة في التحوّلات الدينية والبنى الاجتماعية
مدخل: الكتاب بوصفه شاهداً على التحوّل التاريخي
يمثّل كتاب الأصنام لابن الكلبي وثيقة استثنائية لفهم المنظومة الدينية في شبه الجزيرة العربية خلال القرون السابقة للإسلام. لا يقتصر الكتاب على سرد أسماء الأصنام وأماكنها، بل يقدّم نافذة على بنية اجتماعية كاملة نسجت علاقاتها حول تلك المعبودات. ما يميّز هذا المصنّف أنّه يصف منظومة انتهت للتوّ، فالمؤلّف يكتب في أوائل القرن الثالث الهجري عن ممارسات توقّفت منذ جيلين أو ثلاثة فحسب، ممّا يجعل روايته قريبة زمنيّاً من الأحداث برغم المسافة الأيديولوجية الفاصلة بينه وموضوعه.

الذاكرة الجمعية والتدرّج نحو الشرك
التفسير البنيوي للانحراف الديني
يطرح ابن الكلبي تفسيراً بنيويّاً للانتقال من التوحيد الإبراهيمي إلى التعدّد الوثني، وهو تفسير يستحق التأمّل من منظور تاريخ الأديان المقارن. تدور الفكرة المحورية حول التحوّل التدريجي للرمز إلى معبود: بدأ الأمر بحمل حجر من الحرم المكّي تذكار وصلة رمزية بالمركز المقدّس، ثمّ صار الحجر موضع طواف تيمّناً، ثم تحوّل مع الأجيال إلى معبود قائم بذاته. هذا النموذج التطوّري للانحراف الديني – من الرمز إلى الطقس إلى العبادة – يتكرّر في تواريخ ديانات كثيرة، ويشبه ما وصفه علماء الأنثروپولوجيا الدينية في سياقات أخرى.
الذاكرة المنقوصة والاستمرارية الشعائرية
الملاحظة الأهمّ تكمن في استمرار عناصر من الدين الأصلي برغم الانحراف عنه. ظلّت قريش والعرب يحجّون ويعتمرون ويقفون بالمواقف ويطوفون بالكعبة، لكنّهم أضافوا إلى ذلك عبادة الأصنام والأوثان. هذه الظاهرة – التي يمكن تسميتها “الاستمرارية الشعائرية المصحوبة بالتحريف العقدي” – تشير إلى أنّ الممارسات الدينية أكثر مقاومة للتغيير من المعتقدات المجرّدة. تنتقل الشعائر عبر الأجيال عادات اجتماعية حتى لو غاب الوعي بمعناها الأصلي، في حين تتحوّل المعاني وتتبدّل بسهولة أكبر.
التلبية الجاهلية نموذج فاقع لهذا التناقض: “لبّيك اللّهم لبّيك، لبّيك لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك”. يحضر التوحيد والشرك في الجملة الواحدة دون إحساس بالتناقض، ممّا يكشف عن ذهنية دينية مركّبة لا تتبع المنطق اللّاهوتي الصارم. الإله الأكبر موجود ومعترَف به، لكنّ الآلهة الصغرى تُضاف إليه وسطاء أو شفعاء، في تراتبية دينية تشبه نماذج متعدّدة من الديانات القديمة.

البنية القبلية للعبادات: الصنم بوصفه هوية
التوزيع الجغرافي-القبلي للأصنام
أبرز ما يكشفه الكتاب هو الارتباط العضوي بين القبيلة ومعبودها. لم تكن العبادة الوثنية في الجزيرة العربية ديانة موحّدة ذات بانثيون مشترك، بل كانت منظومة لامركزية تتوزّع فيها الأصنام حسب القبائل والمناطق. ودّ لكلب بدومة الجندل، سواع لهذيل، يغوث لمذحج، يعوق لهمدان، نسر لحِميَر، مناة للأوس والخزرج وهذيل وخزاعة، اللّات لثقيف، العزّى لقريش، الفَلْس لطيء، ذو الخلصة لخثعم وبجيلة، وهكذا. كلّ قبيلة أو تحالف قبلي له صنمه الخاص أو مجموعة أصنامه.
ليس هذا التوزيع عشوائيّاً بل يعبّر عن وظيفة اجتماعية للصنم: المعبود علامة على الهوية الجماعية، ومركز للتجمّع الشعائري، ورمز للتمايز عن القبائل الأخرى. السدانة (خدمة الصنم) تُوَرّث في بطون معيّنة من القبيلة، ممّا يمنحها سلطة دينية واجتماعية. بنو عتّاب من ثقيف سدنة اللّات، بنو شيبان من سليم سدنة العزّى، بنو أمامة من باهلة سدنة ذي الخلصة، بنو لحيان سدنة سواع، بنو بولان سدنة الفَلْس. السدانة مصدر نفوذ ومورد اقتصادي أيضاً، إذ تأتي الهدايا والذبائح إلى الصنم فينتفع منها السدنة.
الأصنام الكبرى والهوية فوق القبلية
لكن إلى جانب الأصنام المحلّية القبلية، برزت ثلاث أصنام كبرى عابرة للقبائل: مناة واللّات والعزّى. هذا التراتب – أصنام محلّية وأصنام إقليمية كبرى – يشير إلى بداية تشكّل هوية دينية أوسع من القبيلة الواحدة. العزّى خاصّة، برغم كونها أحدث الثلاثة، صارت أعظم الأصنام عند قريش، والقرشيون بحكم موقعهم في مكّة وسيطرتهم على طرق التجارة كانوا مركز ثقل في الجزيرة. وتعظيم قريش للعزى منحها مكانة خاصة، حتى سُمّيت “بنات اللّه” هي واللّات ومناة في منطق لاهوتي يجعلها وسيطات بين اللّه الأكبر والبشر.
في تدمر، كان بعل شامين (إله السماء) يتربّع على قمة المنظومة الإلهية، وتحته آلهة أخرى مثل يرح-بعل (إله الشمس) وعجل-بعل (إله القمر) واللّات وغيرها. هذه التراتبية – إله أكبر وآلهة أصغر تتوسّط بينه والبشر – تشبه فعلاً البنية العربية حيث اللّه الأكبر في القمّة واللّات والعزّى ومناة وسيطات.
الوظيفة اللّاهوتية متشابهة: الإله الأكبر بعيد ومتعالٍ، يصعب الوصول إليه مباشرة، فتظهر الحاجة لآلهة وسيطة أقرب للبشر وأكثر اهتماماً بشؤونهم اليومية. هذا النمط التراتبي موجود في منظومات دينية كثيرة من جزيرة العرب القديمة: في بابل (مردوق وآلهة أصغر)، في فلسطين (إيل وبعل وعشتروت)، في مصر (آمون-رع والآلهة الأخرى).
لكنّ الفارق المهمّ: في تدمر وسائر منظومات جزيرة العرب الكلاسيكية، الآلهة الصغرى آلهة حقيقية لها شخصيّات وميثولوجيّات وقصص وصلاحيات مستقلّة. بعل له قصّة ولادة وصراع مع يم (البحر) وموت وقيامة، عشتروت لها أسطورة نزول للعالم السفلي، يرح-بعل لها وظيفة محدّدة (الشمس)، عجل بعل له وظيفة أخرى (القمر).
أمّا اللّات والعزّى ومناة في الجزيرة السفلى فلا ميثولوجيا لها تقريباً (أو لم تصلنا لإتلاف التوثيق). لا نعرف قصّة ميلادها، ولا صراعاتها، ولا وظائفها الكونية المحدّدة، ولا علاقاتها ببعضها. هي في فهمنا وفي التراث العربي كائنات ساكنة ثابتة، أقرب للرموز منها للشخصيّات. الرواية الوحيدة المقاربة لميثولوجيا (إساف ونائلة) قصّة مسخ أخلاقية لا قصّة كونية.
هذا الفرق ربّما يفسّر لماذا كان الانتقال من الوثنية العربية إلى التوحيد أسهل نسبيّاً من الانتقال من الوثنيّات الأخرى. الإله الأكبر كان حاضراً في الوعي العربي (“اللّه” مذكور في الجاهلية)، ولم تكن الآلهة الصغرى متجذّرة ميثولوجيّاً، فحذفها وإبقاء اللّه وحده لم يكن قطيعة تامّة بل كان – من زاوية معيّنة – تنقية وإرجاعاً لأصل منسي.
السؤال الأهمّ: هل هناك تأثير مباشر من تدمر (أو من النماذج الشامية-الفراتية عموماً) على الجزيرة السفلى؟ الاحتمال وارد. تدمر كانت مركزاً تجاريّاً يربط الشام بالحجاز، والقوافل التجارية تنقل السلع والأفكار معاً. اللّات موجودة في تدمر وموجودة في الطائف، وهذا ليس صدفة. عمرو بن لحي – في الرواية – ذهب إلى الشام وجاء منها بالأصنام.
لكنّ الأرجح أنّ التشابه يعود لأصل مشترك أقدم من تدمر ومن الجزيرة السفلى. المنظومات الدينية الشرق أوسطية كلّها – من سومر إلى تدمر إلى الجزيرة – تشترك في خصائص: التعدّد الإلهي، التراتبية، ارتباط الآلهة بالظواهر الطبيعية والأماكن، الشعائر القربانية. يشير هذا إلى استمرارية حضارية في المنطقة كلّها، مع تنويعات محلّية.
الحجاز العربي طرف من هذه المنظومة شرق الأوسطية، لا معزولة عنها. الغريب ليس التشابه بل الاختلاف: لماذا لم تطوّر الجزيرة السفلى ميثولوجيا معقّدة كما فعلت تدمر وبابل وفلسطين؟ الجواب ربّما في الظعن والتنقّل: الميثولوجيّات تحتاج استقراراً وكتابةً ومعابد دائمة وكهنوتاً متفرّغاً، وهذه كلّها غير متوفرة في مجتمع ظاعن متنقّل. وربّما أنّنا نحن اليوم نجهل وجودها في الماضي بسبب حقبة دمّرت ومحت كلّ التراث المادّي، فلم ينج منه برمّته إلّا كتاب الأصنام.
عموماً، هذا التطوّر نحو أصنام مشتركة بين قبائل متعدّدة كان يمهّد – على المستوى البنيوي – لإمكانية قبول دين موحّد يتجاوز القبيلة. لمّا جاء الإسلام بإله واحد لكلّ العرب، لم يكن يخترع فكرة الوحدة الدينية فوق القبلية من العدم، بل كان يستبدل أصناماً مشتركة بإله واحد، مع إلغاء الأصنام المحلّية كلّها. المقاومة الشرسة التي واجهها الإسلام في بداياته لم تكن فقط دفاعاً عن معتقدات دينية، بل دفاعاً عن بنية اجتماعية كاملة قائمة على تلك المعتقدات.

الشعائر والممارسات: المقدّس والاقتصادي
اقتصاد الأصنام
كان للأصنام اقتصاد كامل: الهدايا، الذبائح، النحر، العتائر، الحِمى (الأرض المحمية للصنم)، المناحر الخاصّة. الغبغب عند العزّى منحر تُذبح فيه الهدايا ويُوزّع لحمها، سِقام الشِعب المحمي لها مضاهاة لحرم الكعبة، اللّات لها سادنها الذي يلتّ السويق عندها. هذا الاقتصاد الشعائري كان يعيد توزيع الموارد بطريقة دينية: يأتي الأغنياء بهداياهم وذبائحهم، وتُوزّع على الحاضرين والسدنة والفقراء. الصنم مركز اقتصادي بقدر ما هو مركز ديني.
بعض الروايات تكشف الجانب الاقتصادي بوضوح مفاجئ. قصّة جَرْم وبني جَعدة عند الأقيصر مثلاً: كان الحاج حين يحلق رأسه يضع مع كل شعرة قبضة من دقيق، وكانت هوازن الفقيرة تأتي فتأخذ ذلك الدقيق (مع القمل!) وتخبزه وتأكله. يُظهر هذا المشهد البُعد الاجتماعي-الاقتصادي للشعائر الدينية بصراحة مدهشة، ويكشف كيف كانت تلك الممارسات – مهما بدت غريبة – تؤدّي وظائف إعادة توزيع الموارد من الأغنياء إلى الفقراء في مجتمع قبلي لا يملك آليّات تكافل أخرى.
الحجّ بوصفه مؤسّسة اجتماعية
الحجّ إلى الأصنام (وليس فقط إلى الكعبة) كان مؤسّسة اجتماعية جامعة. تأتي الناس من مناطق بعيدة إلى ذي الخلصة أو اللّات أو العزّى، يلتقون ويتبادلون الأخبار والتجارات ويعقدون التحالفات ويحلّون النزاعات. الصنم مركز سنوي للتجمّع القبلي أو فوق القبلي، ومكان للأمان (فالخائف يأمن عند الصنم كما في حالة الفَلْس). هدم الأصنام لم يكن فقط إلغاءً لعبادة، بل كان تفكيكاً لمنظومة اجتماعية كاملة، ولذلك احتاج الإسلام لإعادة بناء مؤسّسات بديلة (المسجد، الحضرات، الحجّ الإسلامي الموحّد، الأضاحي، الزكاة المؤسّسية) لتؤدّي الوظائف الاجتماعية التي كانت تؤدّيها تلك البنى القديمة.

الاستقسام بالأزلام: العشوائية بوصفها قراراً إلهيّاً
ممارسة الاستقسام بالأزلام عند الأصنام جديرة بالتحليل من منظور سوسيولوجيا القرار. في مجتمع قبلي تتعارض فيه المصالح وتتشابك فيه الولاءات، يصعب اتّخاذ قرارات حاسمة في مسائل مثل النسب (هل الطفل صريح أم ملصق؟) أو الزواج أو الحرب أو السفر. الاستقسام بالقِداح وسيلة لنقل القرار من المستوى البشري إلى المستوى الإلهي، ممّا يُعفي متّخذ القرار من المسؤولية الشخصية ويجعل النتيجة ملزمة لجميع الأطراف.
لكن ما يثير الاهتمام أنّ البشر لم يكونوا يخضعون دائماً لنتيجة الاستقسام. القصّة الشهيرة لامرئ القيس الذي استقسم عند ذي الخلصة ثلاث مرّات فخرج الناهي، فكسر القداح وشتم الصنم وغزا فظفر، تكشف عن موقف براگماتي من الدين: الصنم مفيد ما دام يوافق رغبة الإنسان، فإذا خالفها فلا قداسة تمنع من تجاهله. هذه البراگماتية الدينية سِمة مهمّة للوثنية العربية، وتختلف جذريّاً عن الإيمان المطلق المطلوب في الديانات التوحيدية اللّاحقة.

شخصية عمرو بن لحي: الإصلاح الديني بالمقلوب
الكاهن-المصلح
عمرو بن لحي شخصية محورية في السردية التاريخية لنشأة الوثنية العربية. وصفه بأنّه “أوّل من غيّر دين إسماعيل” يجعله – من منظور إسلامي – مُفسداً للدين، لكن من منظور تاريخي محايد يمكن رؤيته مصلح ديني (وإن كان إصلاحه نحو التعدّد لا التوحيد). كان كاهناً له رئيّ من الجنّ، ما يشير إلى مكانة دينية خاصّة. انتزع السيطرة على الكعبة من جُرهم، ما يشير إلى قدرات سياسية وعسكرية. رحلته إلى الشام ورؤيته لعبادة الأصنام هناك ونقله لها إلى مكّة تشير إلى انفتاح على المؤثّرات الخارجية.
ما فعله عمرو بن لحي – في التحليل الأخير – هو دمج الأصنام الشامية في المنظومة الدينية العربية القائمة حول الكعبة. لم يُلغِ الكعبة ولم يدعُ لهجرها، بل أضاف إليها أصناماً أخرى وجعلها جميعاً تدور في فلك مكّة. بهذا المعنى كان مركِّزاً لمكّة مركز ديني جامع، وإن كان على حساب التوحيد. التناقض الظاهري بين تعظيم الكعبة وعبادة الأصنام حولها لم يكن تناقضاً في ذهنية ذلك الزمن، بل كان تراتبية: الكعبة بيت اللّه الأكبر، والأصنام وسائط وشفعاء منصوبة حولها.
الأسطورة والتاريخ في رواية عمرو بن لحي
رواية استخراج عمرو للأصنام الخمسة من ساحل جدة – الأصنام التي عبدها قوم نوح ودفنتها الرمال بعد الطوفان – رواية أسطورية بامتياز. لكنّ الأسطورة هنا تؤدّي وظيفة أيديولوجية: ربط الأصنام العربية بأصنام قديمة ذُكرت في القرآن، ممّا يُعطيها عمقاً تاريخيّاً ويفسّر كيف عادت العبادات الوثنية بعد الطوفان الذي أهلك قوم نوح. الأسطورة تحلّ مشكلة لاهوتية: إذا كان الطوفان قد أهلك المشركين، فكيف عادت الأصنام؟ الجواب: الطوفان نفسه حملها من جبال الهند إلى ساحل جدّة حيث دفنتها الرمال، ثمّ استخرجها عمرو بن لحي بعد آلاف السنين.
تُظهر هذه السردية كيف كان المسلمون الأوائل يفكّرون في تاريخ الأديان: التاريخ البشري كلّه صراع متكرّر بين التوحيد والشرك، والأصنام العربية ليست ظاهرة محلّية بل جزء من دورة عالمية تبدأ من آدم وتمرّ عبر نوح وصولاً إلى محمّد. بهذا التأطير، يصير هدم الأصنام في الجزيرة العربية حلقة في سلسلة طويلة من الصراع الكوني بين الحقّ والباطل، لا مجرّد تغيير ديني محلّي.

الأسماء المعبَّدة: اللّغة شاهدة على العقيدة
أسماء الأعلام المركّبة بـ”عبد” تشكّل أرشيفاً لغويّاً لتاريخ العبادات. عبد مناة، زيد مناة، عبد اللّات، تيم اللّات، عبد العزّى، عبد ودّ، عبد العزّى بن كعب (من أقدم من سُمّي بها)، وغيرها. لم تكن هذه الأسماء مجرّد ألقاب بل كانت إعلانات انتماء وولاء ديني. التسمية بـ”عبد الصنم الفلاني” تُدخل المسمّى في حماية ذلك الصنم وقبيلته العابدة له، وتُنشئ رابطة روحية واجتماعية.
ما يلفت الانتباه أنّ بعض الأصنام (مثل يعوق ونسر) لم تُحفظ لها أسماء معبّدة، في حين حُفظت لمناة واللّات والعزّى أسماء كثيرة. يُرجع ابن الكلبي هذا إلى تحوّل همدان وحِميَر إلى اليهودية، ممّا أوقف التسمية بتلك الأصنام. هذه الملاحظة ذات دلالة منهجية: الأسماء المحفوظة في اللّغة تظهر الاستمرار الزمني للعبادة وانتشارها الجغرافي. الأصنام التي عُبدت طويلاً وعبدتها قبائل كثيرة تركت آثاراً لغوية، في حين تلك التي انقطعت عبادتها مبكّراً أو اقتصرت على منطقة ضيّقة لم تترك إلّا أثراً ضئيلاً. ولربّما كانت الإسلام ألين بالتعامل مع الأسماء الموروثة عن حقبة وثينة، لم تبالي بها الحكومات.

الشعر الجاهلي: المصدر والإشكالية
يستشهد ابن الكلبي بعشرات الأبيات الشعرية لإثبات وجود الأصنام وأماكنها وشعائر عبادتها. الشعر الجاهلي المصدر الأساسي للمعلومات لأنّ عرب الحجاز لم يدوّنوا تواريخهم، والشعر كان الذاكرة الجماعية المحفوظة شفاهيّاً. شاعر يحلف باللّات، وآخر بالعزّى، وثالث بمناة، ورابع بالأنصاب، كل ذلك شهادات على حضور تلك المعبودات في الحياة اليومية.
لكن هذا يثير إشكالية منهجية: كم من ذلك الشعر صحيح النسبة؟ شكّك المستشرقون ونقّاد عرب معاصرون في صحّة جزء كبير من الشعر الجاهلي، وادّعى بعضهم أنّه صُنع في العصر العبّاسي لأغراض دينية أو سياسية أو لغوية. إذا كان الشعر المستشهد به في كتاب الأصنام مصنوعاً أو محرّفاً، فهذا يهدم جزءاً من الأساس التوثيقي للكتاب. لكن، حتّى لو صحّت بعض الشكوك، يبقى الكتاب ذا قيمة لأنّه يظهر على الأقل كيف كان المسلمون في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) يتصوّرون الجاهلية، وهذا التصوّر نفسه ظاهرة تاريخية جديرة بالدراسة.

المرأة والطهارة الشعائرية
إشارة عابرة في النص تستحقّ التوقّف: “لم تكن الحيّض من النساء تدنو من أصنامهم ولا تمسح بها، إنّما كانت تقف ناحية منها”. تكشف هذه القاعدة الشعائرية عن تصوّر للنجاسة مرتبط بدم الحيض، وهو تصوّر موجود في ديانات كثيرة قديمة وحديثة. الحائض مستبعدة من التماس المباشر مع المقدّس، لكنّها ليست مستبعدة كلّيّاً (فهي تقف ناحية من الصنم). يشير هذا الاستبعاد الجزئي إلى تراتبية في الطهارة: المرأة الحائض في حالة نجاسة مؤقّتة تمنعها من التماس المباشر لكن لا تلغي حضورها الديني كلّيّاً.
غياب تفاصيل أكثر عن دور المرأة في العبادات الوثنية يظهر غياباً أوسع للمرأة من الروايات التاريخية عموماً. نعرف أسماء السدنة وهم جميعاً رجال، ونعرف أسماء من حطّم الأصنام وهم رجال، لكنّنا لا نعرف شيئاً تقريباً عن الكاهنات أو العرّافات أو دور النساء العاديّات في الشعائر اليومية. هذا الصمت ليس بالضرورة دليلاً على غياب المرأة، بل قد يكون دليلاً على أنّ الرواة الذكور لم يهتمّوا بتسجيل أدوارهن.

هدم الأصنام: العنف الديني والتحوّل الاجتماعي
المقاومة المسلّحة للهدم
لم يكن هدم الأصنام سلميّاً دائماً. حين بعث النبي جرير بن عبد الله لهدم ذي الخلصة، قاتلته خثعم وباهلة دونه، وقُتل من سدنته مئة رجل ومن خثعم مئتان. حين ذهب خالد بن الوليد لهدم العزّى، قتل السادن دُبيّة بن حَرْمِيّ. تكشف هذه المقاومة المسلّحة أنّ الأصنام لم تكن مجرّد حجارة بلا معنى، بل كانت مراكز قوّة اجتماعية وسياسية واقتصادية. هدمها يعني إنهاء سلطة السدنة، وتفكيك مركز التجمّع القبلي، وإلغاء الهوية الدينية المميّزة للقبيلة.
لم تكن المقاومة فقط من السدنة أصحاب المصلحة المباشرة، بل من القبيلة كلّها. هذا يشير إلى أنّ الارتباط بالصنم كان ارتباطاً جماعيّاً عميقاً، لا مجرّد مصلحة اقتصادية لفئة محدودة. حين هُدمت اللّات بكى الشاعر شدّاد بن عارض الجشمي محذّراً ثقيفاً من العودة إليها، وحين قُتل دُبيّة السلمي رثاه أبو خراش الهذلي بأبيات حزينة. هذا الحزن والرثاء والتحذير كلّها علامات على صدمة جماعية: عالم ينتهي، ومركز معنى يتهاوى، وهوية تُمحى.
استراتيجية الهدم المنهجي
الملاحظ أنّ النبيّ لم يبدأ بهدم الأصنام إلّا بعد فتح مكّة، أي بعد أن صار في موقع قوّة كافٍ. قبل ذلك كان الصراع فكريّاً ودعويّاً، لكن بعد الفتح صار الهدم المادّي ممكناً وضروريّاً. البعوث التي أُرسلت لهدم الأصنام الكبرى (مناة، اللّات، العزّى، ودّ، ذو الخلصة، الفَلْس) كانت منظّمة ومتتابعة، ممّا يشير إلى خطّة منهجية لتفكيك البنية الدينية القديمة.
كان هذا الهدم المنهجي ضروريّاً – من المنظور الإسلامي – لإنهاء الشرك نهائيّاً، لكنّه كان أيضاً – من منظور تاريخي اجتماعي – عملية تفكيك للبنى الاجتماعية القديمة وإعادة بنائها حول مركز جديد هو الإسلام. تركت الأصنام المحطّمة فراغاً كان لا بدّ من ملئه بمؤسّسات إسلامية بديلة: المساجد بدلاً من معابد الأصنام، الزكاة والأضاحي بدلاً من الهدايا للأصنام، الحجّ الإسلامي الموحّد بدلاً من الحجّ المتعدّد للأصنام المختلفة، الأمّة بدلاً من القبيلة، الخليفة (الإمام) بدلاً من السادن.

الرواية الشفاهية وإشكالية التدوين المتأخّر
المسافة الزمنية والأيديولوجية
يكتب ابن الكلبي في أوائل القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) عن أحداث وممارسات انتهت قبل قرنين تقريباً. تطرح هذه المسافة الزمنية سؤالاً منهجيّاً حاسماً: ما مدى دقّة المعلومات المنقولة شفاهيّاً عبر جيلين أو ثلاثة؟ الرواية الشفاهية معرّضة للتحريف والنسيان والإضافة والحذف، خاصّة حين تمرّ عبر انقلاب أيديولوجي جذري كالانتقال من الوثنية إلى الإسلام. الجيل الذي عاش في الجاهلية مات أو أسلم، والجيل الثاني تربّى في الإسلام ونظر إلى الجاهلية نظرة استنكار، والجيل الثالث (جيل ابن الكلبي) يعرف الجاهلية فقط عبر روايات الأجداد.
المسافة الأيديولوجية ربّما أخطر من المسافة الزمنية. ابن الكلبي مسلم يروي عن ممارسات يعدّها كفراً وضلالاً. يحتّم هذا الموقف الديني انتقائية في الرواية: سيميل الراوي المسلم إلى التركيز على ما يُظهر سخافة عبادة الأصنام وانحطاطها، وسيُغفل أو يُقلّل من أهمّية ما قد يُظهرها في ضوء إيجابي أو محايد. حكاية الرجل الذي نفرت إبله من صنم سعد فشتمه ورماه بحجر، أو حكاية امرئ القيس الذي شتم ذا الخلصة وكسر قداحه، هذه الحكايات تخدم غرضاً أيديولوجيّاً: إظهار أنّ حتى أهل الجاهلية أنفسهم كانوا يدركون سخف عبادة الأصنام أحياناً.
السند وإشكالية الوثوقية
يروي ابن الكلبي عن أبيه محمّد بن السائب الكلبي، والأخير يروي عن أبي صالح عن ابن عباس. هذا السند يبدو قوياً للوهلة الأولى (ينتهي إلى صحابي)، لكنّ علماء الحديث طعنوا فيه. محمّد بن السائب الكلبي متّهم بالكذب والوضع، وأبو صالح مجهول أو ضعيف حسب بعض الأقوال. أحمد بن حنبل قال عن الكلبي الأب: “إنّما كان صاحب سَمَر ونسب، ما ظننت أحداً يحدّث عنه”. الذهبي وابن حجر والدارقطني كلّهم طعنوا في الكلبيّين.
هذا الطعن يضع كتاب الأصنام في موقف صعب من حيث الوثوقية. إذا كان المؤلّف وأبوه كلاهما متّهمان بالضعف أو الوضع في الحديث، فكيف نثق برواياتهما التاريخية؟ الجواب المنهجي المعقول: نميّز بين الحديث النبوي والرواية التاريخية. الحديث يحتاج سنداً صارماً لأنّه مصدر تشريع، أمّا التاريخ فمعاييره أوسع. الرواية التاريخية لا تحتاج للقطع بصحّتها، بل يكفي أن تكون محتملة ومتّسقة مع معلومات أخرى. كتاب الأصنام – برغم ضعف سنده الحديثي – يظل مصدراً تاريخيّاً قيّماً لأنّه يتّسق مع معلومات أخرى من القرآن والسيرة والشعر، ولأنّه يقدّم تفاصيل لا نجدها في مصادر أخرى.
تعدّد الروايات والتناقضات الداخلية
يحتوي الكتاب تناقضات داخلية تظهر تعدّد مصادر ابن الكلبي. مثلاً، يقول مرّة إنّ عمرو بن لحي جاء بالأصنام من الشام، ثم يقول في موضع آخر إنّ رئيّاً من الجنّ أمره باستخراجها من ساحل جدّة. الروايتان متناقضتان جغرافيّاً، لكنّهما تتّفقان على الفكرة الأساسية: عمرو بن لحي هو من أدخل الأصنام. مثل هذه التناقضات طبيعية في مصنّف يجمع روايات شفاهية متعدّدة، والمؤلّف لا يحاول إخفاءها أو التوفيق بينها دائماً، بل يسردها كما سمعها.
هذه الأمانة في نقل الروايات المتعدّدة – حتى المتناقضة – تزيد ثقتنا بالمؤلّف برغم ضعف سنده. لو كان يضع الحكايات من عنده لوحّدها ونسّقها، لكنّه ينقل ما سمعه كما سمعه، ويترك للقارئ الحكم. أحياناً يُصرّح بعدم معرفته: “لم أسمع لهذيل في أشعارها له ذكراً”، “لم أسمع همدان سمّت به”، “ولا أدري أعبَّدوها للأصنام أم لا”. هذا الإقرار بالجهل علامة صدق، لأنّ الوضّاع يدّعي المعرفة دائماً.

المقارنة مع الوثنيات الأخرى: الخصوصية والعمومية
التشابهات البنيوية
حين نضع الوثنية العربية في سياق مقارن مع وثنيات أخرى (اليونانية-الرومانية، الجرمانية-الإسكندناڤية، الهندية، شرق الأوسطية القديمة)، نلاحظ تشابهات بنيوية مذهلة. التعدّد الإلهي المرتبط بمواقع جغرافية ووظائف اجتماعية، الشعائر القربانية (ذبائح، نحر)، الكهانة والعرافة، الاستقسام والتنبّؤ، الأعياد الموسمية، التماثيل والأيقونات، الأماكن المقدّسة والحِمى، كل هذه العناصر موجودة في وثنيات متفرّقة لم يكن بينها اتّصال مباشر دائماً (ربّما).
يطرح هذا التشابه سؤالاً أنثروپولوجيّاً: هل الوثنية نمط ديني طبيعي تتّجه إليه المجتمعات الزراعية-الرعوية تلقائيّاً؟ أم أن هناك أصلاً مشتركاً قديماً تفرّعت عنه كل تلك الأشكال؟ النظريات الحديثة تميل إلى الخيار الأول: الوثنية حلّ “طبيعي” لاحتياجات دينية واجتماعية معينة في مجتمعات ما قبل الدولة. الحاجة لتفسير الظواهر الطبيعية، الحاجة لشعائر جماعية تعزّز التماسك القبلي، الحاجة لآليّات اتّخاذ قرار فوق بشرية، الحاجة لرموز هوية تميّز القبيلة عن غيرها، كل هذه الحاجات تدفع تلقائياً نحو أشكال متشابهة من الدين.
ولو أنّني شخصيّاً أميل إلى فكرة تجميع الرأيين القديم والحديث، فبرعم الحاجة البشرية إلى رموز هوية دينية، مع ذلك فلا بدّ أنّ التساؤل سبق الإجابة، وكثيراً ما وجد الرحّالة إجابات في اختيارات الآخرين الدينية والاجتماعية، فنقلوها وطبّقوها في مجتمعاتهم. وانتقلت العادات الدينية هكذا وانتشرت بين شعوب مختلفة متباعدة جغرافيّاً وإثنيّاً. هكذا تجتمع فرضية الأصل المشترك بفرضية الحلّ الطبيعي لتكوين نظرية منطقية لا تنافر بين أجزائها.
الخصوصية العربية
لا نملك معرفة بميثولوجيا عربية معقّدة، لا أنّها لم تكن موجودة. غياب الدليل ليس دليل الغياب. ربّما كانت هناك أساطير غنية عن اللّات والعزّى ومناة وودّ وسواع، لكنّها لم تُحفظ لأنّ الجيل الذي آمن بها مات، والجيل الذي جاء بعده (المسلمون) لم يهتم بتدوينها، والجيل الذي دوّن (ابن الكلبي وغيره) كان يبحث عن تاريخ الأصنام لا عن أساطيرها. حياة الظعن والتنقّل لا يمنعان الميثولوجيا المعقّدة (الڤايكنگ دليل حيّ)، لكنّ غياب التدوين في اللّحظة المناسبة قد يمحو ميثولوجيا كاملة من الذاكرة البشرية.
نحن نعرف الميثولوجيا اليونانية والإسكندناڤية لأنّها دُوّنت لاحقاً، لا لأنّ مجتمعاتها كانت مستقرّة حين أنتجتها. ونتعلّم اليوم عن الميثولوجيا النهرينية حين نستخرجها من النقوش المستخرجة من الأرض. الإلياذة والأوديسة تحكيان عن مجتمعات محاربة متنقّلة (الأخيون)، والإدّا والساگات الإسكندناڤية تروي أساطير الڤايكنگ الذين كانوا أبعد ما يكون عن الاستقرار. نشأت هذه الميثولوجيات في مجتمعات شفاهية تماماً مثل مجتمع الجزيرة السفلى العربي، لكنّ الفارق أنّ اليونانيّين دوّنوها في العصر الكلاسيكي (هوميروس، هسيودوس) والإسكندناڤيون دوّنوها في العصور الوسطى (القرن الثالث عشر الميلادي على يد سنوري ستورلسون وغيره).
فهل فعلاً لم يكن للعرب ميثولوجيا معقّدة، أم أنّنا فقط لا نعرفها لأنّها لم تُدوَّن؟
الاحتمال الأرجح: كان للعرب ميثولوجيا غنية لكنّها ضاعت لسببين:
- أوّلاً، الإسلام قطع استمرارية الذاكرة الوثنية. لم يعد أحد مهتمّاً بحفظ أساطير الأصنام أو روايتها، بل صار ذكرها مذموماً. اليونانيّون والإسكندناڤيّون تنصّروا لكن بعد قرون من التدوين الكتابي لميثولوجيّاتهم، فبقيت محفوظة تراث أدبي حتّى بعد زوال الإيمان بها. العرب دخلوا الإسلام قبل أن يدوّنوا ميثولوجيّاتهم، فماتت شفاهياً ولم تُسجَّل.
- ثانياً، ابن الكلبي وأمثاله كانوا يجمعون معلومات عن الأصنام لأغراض تاريخية-نسبية، لا لحفظ الأساطير أدب. كانوا يسألون: أين كان الصنم؟ من عبده؟ متى هُدم؟ لا: ما قصّته؟ ما أسطورته؟ ربّما كانت هناك قصص لكنّ الرواة المسلمين لم يهتمّوا بجمعها أو عدّوها خرافات لا تستحق الحفظ.
من جهة ثانية، استمرار فكرة الإله الأكبر (اللّه) برغم التعدّد الوثني خصوصية مهمّة للعرب. كانت قريش تقول “لبّيك لا شريك لك إلّا شريك هو لك”، أي تعترف بإله أكبر لكنّها تضيف إليه شركاء. هذا الشكل من “التوحيد التعدّدي” أو “الشرك التوحيدي” نادر في الوثنيّات الأخرى. في اليونان مثلاً، زيوس أكبر الآلهة لكنّه ليس الإله الواحد، بل واحد من آلهة متعدّدين متساوين في الألوهية وإن اختلفوا في القوّة. أمّا في الجزيرة العربية فاللّه الأكبر ليس إلهاً ضمن ثلّة آلهة، بل هو فوقها، والآلهة الصغرى وسطاء لا آلهة مستقلة.
أخيراً، ارتباط الوثنية العربية بالكعبة خصوصية فريدة. الكعبة مركز ديني ثابت عابر للقبائل، ورمز وحدة برغم التعدّد الوثني. كل القبائل – مهما تعدّدت أصنامها – تحجّ إلى الكعبة وتعدّها الأقدس. هذا المركز الموحّد وسط التعدّد ربّما هيّأ العرب لقبول دين موحّد: الإسلام استبدل أصناماً متعدّدة حول مركز واحد بإله واحد في المركز نفسه، فالبنية المكانية بقيت والمضمون تغيّر.

بقايا الوثنية: الاستمرارية المقنّعة
التنبّؤ النبوي بالعودة
النبيّ – حسب الرواية – تنبّأ بعودة بعض الممارسات الوثنية: “لا تذهب الدنيا حتى تصطك أليات نساء دوس على ذي الخلصة يعبدونه كما كانوا يعبدونه”. هذا التنبّؤ مثير للاهتمام من عدّة جوانب.
- أولاً، يُظهر وعياً بأنّ التحوّل الديني ليس نهائيّاً، وأنّ الممارسات القديمة قد تعود.
- ثانياً، يربط العودة بالنساء تحديداً، ربّما لأنّ النساء – في مجتمعات تقليدية كثيرة – أكثر تمسكاً بالعادات القديمة من الرجال.
- ثالثاً، يحدّد مكاناً (ذو الخلصة) وقبيلة (دوس)، ممّا يُضفي واقعية على التنبؤ.
تاريخيّاً، نعرف أنّ بعض الممارسات الوثنية استمرّت مقنّعة تحت أشكال إسلامية. زيارة أضرحة الأولياء، التبرّك بأحجار وأشجار معيّنة، تعليق التمائم، الذبح عند مقامات، الطواف حول قبور، كلّها ممارسات يعتبرها بعض علماء المسلمين امتداداً للوثنية القديمة تحت غطاء إسلامي. الجدل الفقهي حول “البدع” و”الشرك الأصغر” جدل حول هذه الاستمرارية بالضبط: أين الحدّ الفاصل بين التوحيد الخالص واستمرار الممارسات الوثنية بأشكال جديدة؟
الأسماء المعبّدة: تحويل الانتماء
بعد الإسلام، توقّفت التسمية غالباً بـ”عبد اللّات” و”عبد العزى” وحُوّلت الأسماء إلى “عبد اللّه” و”عبد الرحمن”. يظهر هذا التحويل اللّغوي تحوّلاً في الانتماء والولاء: من العبودية للصنم إلى العبودية للّه. لكنّ البنية بقيت: التسمية بـ”عبد + اسم إلهي”. لم يُلغِ الإسلام هذه البنية بل ملأها بمضمون جديد. حتى اليوم، أكثر الأسماء العربية شيوعاً مركّبة بـ”عبد”: عبد اللّه، عبد الرحمن، عبد الرحيم، عبد العزيز، عبد الكريم. الفرق أنّ الاسم المضاف إليه “عبد” صار صفة من صفات اللّه الواحد لا اسم صنم مستقل.
هذه الاستمرارية البنيوية مع تغيير المضمون نمط متكرّر في تاريخ الأديان. الديانات الجديدة نادراً ما تُلغي كل شيء وتبدأ من الصفر، بل تعيد استعمال البنى القديمة بمعانٍ جديدة. الكعبة نفسها أعظم مثال: كانت مركزاً للوثنية فصارت مركزاً للتوحيد، المكان لم يتغيّر لكنّ ما يُعبد فيه تغيّر كلّيّاً. هذه الاستراتيجية التحويلية أنجح من الاستراتيجية الإلغائية، لأنّها تحافظ على استمرارية نفسية واجتماعية تسهّل قبول الجديد.

خاتمة التحليل: الكتاب بوصفه مرآة ووثيقة
كتاب الأصنام لابن الكلبي مرآة تظهر صورتين: صورة الجاهلية كما كانت، وصورة الإسلام المبكّر كما تذكّر الجاهلية. الصورة الأولى مشوّشة وغير مكتملة بسبب المسافة الزمنية والأيديولوجية، لكنّها كافية لإعطائنا فكرة عن بنية اجتماعية-دينية معقّدة كانت قائمة قبل الإسلام. الصورة الثانية أوضح: نرى كيف كان المسلمون الأوائل ينظرون إلى ماضيهم، كيف يفسّرونه، كيف يبرّرون قطيعتهم معه، كيف يحفظون ذكراه برغم استنكارهم له.
الكتاب وثيقة لا غنى عنها لفهم التحوّل الديني الأعظم في تاريخ الجزيرة العربية، وهو تحوّل لم يكن مجرّد تغيير معتقدات بل كان إعادة بناء كاملة للبنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. الأصنام المحطّمة لم تكن حجارة فحسب، بل كانت مراكز قبلية ومصادر نفوذ وهويّات جماعية. هدمها أحدث فراغاً ملأه الإسلام بمؤسّسات بديلة، لكن بقايا من البنية القديمة ظلّت حاضرة تحت السطح، وهي حاضرة إلى اليوم في ممارسات وخلافات لا تزال تشغل المسلمين: ما الحدّ الفاصل بين التوسّل المشروع والشرك؟ بين التبرّك الجائز والوثنية؟ بين تعظيم الصالحين وعبادتهم؟
هذه الأسئلة الحية اليوم هي امتداد للصراع القديم بين التوحيد والتعدّد، وكتاب الأصنام يضيء الجذور التاريخية لهذا الصراع الذي لا يبدو أنّه انتهى.

المراجع
- ابن الكلبي، هشام بن محمد (ت. 204 هـ/819 م): كتاب الأصنام، تحقيق: أحمد زكي باشا. القاهرة: دار الكتب المصرية، الطبعة الرابعة، 2000م. https://shamela.ws/book/6513
- جمهرة النسب، تحقيق: د. ناجي حسن. بيروت: عالم الكتب ومكتبة النهضة العربية، الطبعة الأولى، 1407 هـ/1986م.
- أنساب الخيل في الجاهلية والإسلام وأخبارها، تحقيق: د. حاتم صالح الضامن. دمشق: دار البشائر، الطبعة الأولى، 1423 هـ/2003م.
- Wellhausen, Julius. Reste arabischen Heidentums. Berlin: G. Reimer, 1897. https://archive.org/details/restearabischen00wellgoog. https://digi.ub.uni-heidelberg.de/diglit/wellhausen1897
- Montgomery, James A. Arabia and the Bible. Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 1934. https://archive.org/details/in.ernet.dli.2015.76203
- Fahd, Toufic. Le Panthéon de l’Arabie centrale à la veille de l’Hégire. Paris: P. Geuthner (Bibliothèque archéologique et historique, tome LXXXVIII, Institut français d’archéologie de Beyrouth), 1968. La divination arabe: Études religieuses, sociologiques et folkloriques sur le milieu natif de l’Islam. Leiden: E. J. Brill, 1966.
- Hawting, G. R. The Idea of Idolatry and the Emergence of Islam: From Polemic to History. Cambridge: Cambridge University Press (Cambridge Studies in Islamic Civilization), 1999. https://www.cambridge.org/core/books/idea-of-idolatry-and-the-emergence-of-islam/3C3931355BB0DC259205F94398382ACA
- Hoyland, Robert G. Arabia and the Arabs: From the Bronze Age to the Coming of Islam. London and New York: Routledge, 2001.
- Crone, Patricia. “Two Legal Problems Bearing on the Early History of the Qur’ān”, Jerusalem Studies in Arabic and Islam (JSAI), 18 (1994): 1–37.
- Juynboll, G. H. A. (ed.). Studies on the First Century of Islamic Society. Carbondale: Southern Illinois University Press (Papers on Islamic History, V), 1982.
- ابن هشام، أبو محمد عبد الملك (ت. 213 هـ): السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ شلبي. بيروت: دار المعرفة، د.ت.
- الطبري، محمد بن جرير (ت. 310 هـ): تاريخ الرسل والملوك، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. القاهرة: دار المعارف، الطبعة الثانية، 1967م.
- الأزرقي، أبو الوليد محمد بن عبد الله (ت. نحو 250 هـ): أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار، تحقيق: رشدي الصالح ملحس. بيروت: دار الأندلس، د.ت.
- Smith, William Robertson. Lectures on the Religion of the Semites. London: Adam and Charles Black, 1894 (First published 1889).
- Newby, Gordon D. A History of the Jews of Arabia: From Ancient Times to Their Eclipse under Islam. Columbia: University of South Carolina Press, 1988.
- Peters, F. E. The Hajj: The Muslim Pilgrimage to Mecca and the Holy Places. Princeton: Princeton University Press, 1994. Jerusalem and Mecca: The Typology of the Holy City in the Near East. New York: New York University Press, 1987.
- الزركلي، خير الدين: الأعلام: قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين. بيروت: دار العلم للملايين، الطبعة الخامسة عشرة، 2002م.
- ابن منظور، محمد بن مكرم (ت. 711 هـ): لسان العرب. بيروت: دار صادر، الطبعة الثالثة، 1414 هـ.





اترك رد