لطالما سألت نفسي هذا السؤال، ولطالما تساءلت عن مدى تأثير مقاومة الغباء على حياتي الشخصية.
أحد أهمّ فيزيائيّي هذا العصر ألبرت أينشتاين قال في إحدى مقابلاته ذات مرّة: {إنّ الغباء نعمة حقيقية للإنسان، فإنّه يخلق له حدودًا ويحميه من تراكم المسؤوليّات الزائدة والأعباء الفكرية الكبيرة.}. وهي وجهة نظر منطقيّة لو فكّرنا بها من باب الأمن والاستقرار والراحة النفسية. فهل تتّفق مع وجهة نظر أينشتاين هذه؟
ولعلّنا هنا ينبغي أن نحدّد وُصوف الغباء، هذا الذي نتداول فيه القيم والمكانة، فما هو الغباء؟
الغباء هو حالة أو صفة تعبّر عن قلّة الفهم. ويمكن تعريف الغباء على أنّه عدم القدرة على فهم المفاهيم بسرعة أو بشكل صحيح، أو عدم القدرة على اتّخاذ القرارات المناسبة في وقتها المناسب أو التصرّف بشكل غير سليم. بكلّ حال، بين البشر صنفين من الغباء، الأوّل هو الغباء الطبيعي الناتج عن عوامل وراثية أو الفسيولوجية. والثاني هو الغباء العمد الناتج عن الجهل أو الغفلة التي يمكن تغليبها بواسطة التعلّم والتطوير الشخصي.
قديماً، عاش مدرّس إغريقي اسمه صوفيسطاس Σοφιστές (أي الحكيم) وتكلّم هذا المدرّس في فلسفة قال فيها في القرن الخامس قبل الميلاد أنّ الحكمة الحقيقيّة هي أن تدرك عدم تمكّنك من معرفة أي شيء، وهذا يعني قبول الغباء كجزء من الحكمة. وقصد صوفيسطاس هنا الغباء العمد، فتفرّع عنه مذهب الغباء الاختياري.
فلسفة صوفيسطاس هذه انطبعت على اسمه وصار اسمها السفسطة أو السفسطائية، هذه التهمة التي يُواجه بها اليوم كلّ من يتحدّث في مخالفة التيّار العام، ويقال كلامه “صف حكي”. لكن، مع ذلك، نشأت في الدولة العبّاسية فلسفة شعبية انتشرت لاحقاً في الدول المتفرّعة عنها، كان نواتها هي سفسطة صوفيسطاس، حين عدّت أنّ الحكمة تخرج أحياناً من أفواه أبسط دراويش المجتمع وأغباهم، حتّى صار للمهرّج الشريد مكانة يجول بها قصور الأمراء والسادة، لا يتعرّض له فيها أحد مهما قال. وغالى البعض حتى اعتقدوا أنّ الله يراسلهم على ألسنة أغبى أغبيائهم.

بكلّ حال، مدرسة صوفيسطاس: السفسطائية، مدرسة تُنكر وجود حقيقة واحدة، وتفترض وجود حقائق مختلفة وفق وجهة نظر كلّ واحد منّا. وعليه، نفت مدرسة السفسطة وجود الحقائق الثابتة وزعمت أنّ الحقيقة تعتمد على الاعتقاد الشخصي والتفكير الفردي، وبالتالي نقلت الفلسفة من المحسوس إلى الفكر والعقل. وركّزت على الشك والاعتراض على العقائد والأفكار التقليديّة بشكل راديكالي. وهذا كان سبب تسامح المنطق الملكي العبّاسي مع الدراويش والبسطاء، على أنّهم أغبياء يُنكرون العقائد والتقاليد والسلطة من باب فلسفة الظن والاعتقاد، وليس من باب الدليل المحسوس.
في النهاية، يبقى السؤال حول ما إذا كان الغباء نعمة أم لا قضيّة مستمرّة للنقاش. وعلى الرغم من استعدائي الغباء ومعاداتي لمتعمّدي الغباء، لا أرى نفسي إلّا واحداً من أغبياء هذه الحياة الساعين إلى المعرفة بغباء، إذ أنّ بإمكاني اعتناق مبادئ أينشتاين وصوفيسطاس والتخلّي عن البحث عن المعرفة طمعاً بالسكينة والاستقرار النفسي. بدل صرف الحياة كما صرفها الأذكياء أينشتاين وصوفيسطاس بكلّ غباء في السعي إلى المعرفة.
هذا لا يعني أنّني أشجّع على سلوك مذهب الغباء العمد الاختياري، بالعكس تماماً، أنصح بمقاومة الغباء وبأن نفهم أنّ التعلم والتطوّر الشخصي يساعدنا في التغلّب على أي حالة من الغباء والجهل.





اترك رد