هل تساءلت يوماً في معنى مفهوم الزنى، وشدّة تشدّد نصوص القرآن في تحريمه، وسنّ العقوبات الصريحة لمواجهته وردعه؟
في القرآن تُفتتح سورة النور بهذه الآيات:
- سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
- الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ.
- الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
- وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.
في طفولتي، لمّا سألت في المسجد من هم الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي؟ نلت إجابة تفيد في أنّ الواحد منهم هو من ناكح غيره دون رابطة الزواج. ثمّ، كبرتُ مع دروس مادّة التربية الدينية في المدرسة لأتعلّم أنّ الزنى هو كلّ مناكحة تخالف آداب الشرع. ومنها تصانيف كثيرة، تختلف وفق المذاهب الإسلامية، لكنّها تشمل مثلاً “زنى” المحارم، أي نكاح القرابة من الدرجة الأولى. وهذا يترك أثراً في فهم هذه الآيات الاستفتاحية من سورة النور.
لكنّني اليوم أمام معضلة لغوية، لا خصّ لها بالفقه أو التآويل أو التفاسير. لأنّ معجمات اللّغة العربية وثّقت وحدّدت معان واضحة لكلمات اللّغة العربيّة، خصوصاً هذي المستخدمة في القرآن الكريم. بعلم وموافقة أعلى مؤسّسة في الدولة الإسلامية، وهي مؤسّسة الخلافة وتوابعها. وبعض المعجمات منشورة أساساً صوناً لفهم كلمات آيات القرآن.
- في كتاب العين للفراهيدي نقرأ: زَنَى يزني زنا وزناء. و[هو] وَلَدُ زَنْيةٍ. (أي أنّ الزَنى هو إنجاب طفل من زِنى).
- في كتاب الجيم للشيباني نقرأ: المصافح من الرجال: الذي لا يترك أمة ولا غيرها إِلاَّ زنى بها، وهو العابر.
- في الصحّاح للجوهري نقرأ: قال تعالى: “ولا تَقْرَبوا الزِنى. لأهل نجد. والمرأةُ تُزاني مُزاناةً وزِناءً، أي تُباغي. وقولهم: هو لِزِنْيَةٍ وزَنْيةُ: نقيض قولك هو لِرِشْدَةٍ ورَشْدَةٍ.
- في القاموس المحيط للفيروزآبادي نقرأ: زَنَى يَزْنِي زِنًى وزِناءً، بكسرهما: فَجَرَ. وزانَى فلاناً: هو ابنُ زَنْيَةٍ. والزِنْيَةُ: آخِرُ وَلَدِكَ.
- قال العجاج (في الرجز في ديوان رؤبة ص ٦٢): إنّ تميما لم يُراضِعْ مُسْبَعا … ولم تلده أمّه مقنّعا. أي: لم يكن ملفّفا خوف الفضيحة، أي: لم يولد زنى. وقال أبو ليلى وعرّام: المُسْبَعُ ولد الزنى.
الآن أستفسر. لماذا يتعارض المفهوم العام للزنى، ولتوصيف الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي، مع ما ورد في معجمات اللّغة العربية؟
في الواقع، في التاريخ القديم، كانت بعض الثقافات والأديان الباغانية تمارس أشكالاً مختلفة من الطقوس الجنسية كجزء من العبادة أو الاحتفالات الجماعية، وكانت تزنّ على بعضها في غرف مغلقة، تضيق بزحام المحتفلين، والزنّ هنا هو التضييق والشدّ. هذه الطقوس اشتملت على تقدير وتقديس للطفل المُنجب عن طريق هذه الممارسات، فلا يُعرف له أب ولا نسب، ويقدّر إلى بركة الله.
هذه الممارسات عرفها العرب، واستمرّت في القرون الوسطى في طوائف مختلفة، وتعود بجذورها القديمة إلى عبادة الإلهة الأم، التي كانت غالباً ما تتضمّن الإنجاب كجزء من العبادة، وكانت لها طقوس النكاح الجماعي المعروف بالزنّ أو الزناق (الزناء). والطفل الناتج هنا كما قال الفراهيدي من العراق زناء أي وَلَدُ زَنْيةٍ. وسمّاه الفيروزآبادي من اليمن الزانَى.
حين أمر الإسلام بإيقاف هذه الممارسات وبتحريمها قطعاً، حتى فرض عقوبة قاسية على ممارسيها، كانت تعرفها العرب وتعرف أسماء طقوسها ومفرداتها. ثمّ، لمّا غابت هذه الممارسات نسيت الناس معاني مفرداتها، ولجأت إلى التأويل. وهنا بدأ التعارض بين المعاني المدرجة في المعجمات الأمّهات من القرون ٨-١٠، والمعاني المتداولة منذ القرن ١٣. لكنّ الزنى كما هو مفهوم اليوم، ليس الزنى المذكور في سورة النور من القرآن الكريم.
ومن الطبيعي والمنطقي أن يحرّم الإسلام طقوس الزنّ والزنى لأنّه فجور (وفق المفهوم الإسلامي) يتعارض مع نظام الأنساب وأهميّته. وفي الإسلام، النسب له أهمّية كبيرة لعدّة أسباب. إذ، يُعدّ النسب جزءًا مهمًّا من هُوِيَّة الشخص ويوضّح انتماءه لعائلته وقبيلته. هذا الانتماء يشكّل جزءًا من هويّته الشخصية ويمكن أن يؤدّي دورًا في تشكيل العلاقات الاجتماعية والسياسية في الثقافات الإسلامية.
بالإضافة إلى ذلك، النسب يؤدّي دورًا مهمًّا في تحديد الحقوق الشرعية، مثل الإرث. القرابة والنسب مهمّة في تحديد من يحق له الإرث وكم يحقّ لهم. والنسب أيضًا مهم في حالات الزواج والطلاق. فالإسلام يحظر الزواج بين بعض الأقارب، وإذا تمّ الطلاق، فالنسب يحدّد من يحصل على حقّ الحضانة. والنسب قد يحتمل أهمّية دينية، تختلف وفق مفاهيم المذاهب المختلفة.
وفي الإسلام، ضياع الأنساب مسألة لا تهاون فيها لأنّه يمكن أن يضرّ بالنسيج الاجتماعي للمجتمعات الإسلامية، والإسلام شرعٌ مبنيّ على هيكل المجتمع وبنيته. والأنساب تمثّل أساساً مهمّاً للعلاقات الاجتماعية، وضياعها قد يؤدّي إلى تفكك العلاقات العائليّة والقبليّة، وهو ما يمكن أن يؤدّي إلى النزاعات والانقسامات. وإلى ضياع الأرحام. لهذا، كان تحريم طقوس الزنّ والزنى من أشدّ ضرورات بناء المجتمع الإسلامي، وصيانة لنسيجه، وفق المنهج الإسلامي.
للمزيد في تاريخ حفلات الزنّ أو الزناء أو الزناق، أنصحك بقراءة المقال التالي: The Complete History of the Sex Orgy





اترك رد