في المجتمع البخاري في أوزبكستان وما حولها، وبينما يفتخر الرجال ويباهون بطبخهم الپلو (الرز البخاري) تجتمع النساء لطبخ السُمَلَك في شعائر تكاد تخلوا من الرجال.
يقول عالم اللّغات محمود الكاشغري في كتابه “ديوان لغات الترك” بأنّ تسمية “سُمَلَك” أو “سومليك” تعود أساساً إلى كلمة “سوما” التي تعني القمح المنتبج، أي المبرعم في الماء، في حين تعني كلمة “لك” أو “ليك” لذيذ أو حلو في لغة الصغد القديمة.
سُمَلَك هي وجبة عيد النوروز شبه المقدّسة في وسط آسيا، وتنتشر بين شعوب تركية وفارسية على السواء، حيث يسبق وجودها وجود الترك والفرس معاً، ومن بقايا حضارة الصُغد القديمة في المنطقة. ومن أجمل شعائر تحضير السُمَلَك اجتماع نساء القرية جميعاً حول قدر واحد لطبخ دبس القمح طوال الليل، فتتبادل النساء أخبار القرية وبيوتها في حين يملأن الوقت بالغناء والرقص احتفالاً بالعيد.
أمّا الرجال فيسبقون مرحلة التدبيس بعصر حبوب القمح المنبّت بعد طحنها، ثمّ يتفرّغون لتحضير خبز “النان” الأوزبكي الذي يؤكل مع السُمَلَك، وتختلف التسمية حَسَبَ لهجات المناطق. كلمة “نان” أساساً معناها طعام، من كلمة “نن” الصُغدية التي تعني “ملئ الفم”… ومنها ما نقوله لأطفالنا اليوم لإطعامهم “نينى” كتسمية للطعام.
خبز النان خبز طري ومنفوش مصنوع من طحين القمح ويشبه المعروك السوري بقوامه لكن بطعم يخلوا من الحلاوة. في الواقع خبز النان خبز يومي في أوزبكستان إلى جانب أنواع عديدة من الخبز اليومي، لكن من ميزاته استمتاع الأطفال بطلبه وأكله مع الحليب. أما صباح العيد فيتسلّى الأطفال بتلوين أرغفة الخبز باستخدام ألوان غذائية طبيعية من الزيت مع الخضار، تماماً كما يتسلى الأطفال في مصر وأوروپا بتلوين البيض للفصح.
يؤمن البخارية بمعتقدات لطيفة من أساطير النوروز المرتبطة بالسُمَلَك وخبز النان، أحد تلك المعتقدات مثلاً أنّ على من يلمس حجارة السُمَلَك صدفة أن يتمنّى فوراً أمنية ستحقّقها له روح الربيع، وحجارة السُمَلَك هي حجارة نهرية مكوّرة تضعها النساء في قدر التدبيس لمنع التصاق عصير القمح بأسفل القدر. كذلك يؤمن البخارية بأنّ طبخ السُمَلَك يمحوا الأحقاد من القلوب فتتبخّر الخلافات، بطبيعة الحال باجتماع نساء ورجال القرية طوال الليل لتحضير مأكولات النوروز مع الشعائر الاحتفالية، كلّها ممارسات ستؤلّف ما بين القلوب بكلّ تأكيد.
من معتقدات السُمَلَك كذلك أنّ من يتمكّن من تذوق دبس القمح من سبعة قدور مختلفة سيحظى حتماً بسنة سعيدة، لذا يتسابق الرجال ما بين القرى لتناول سكبات السُمَلَك من القرى المجاورة طمعاً بسنة خير سعيدة. أمّا الفتيات فيتسابقن لفتح قدر تدبيس السُمَلَك إيماناً بأنّ أمنيات من يسبق لفتح القِدر ستتحقّق حتماً فتُسابق الصبيّة لفتح الغطاء وذكر اسم حبيبها في قلبها عسى أن يصبح عريساً لها.





اترك رد