من شيم أخلاق العرب ومنذ القِدم أنّهم كرهوا السُباب فاستعاضوا عنه بالهجاء. وتطوّرت آداب الهجاء حتّى صار فنّاً يتبارى فيه المبدعون. ونرى من تدوينات التراث العربي أنّ الناس صارت تنظر إلى الشاتم السابّ كناقص؛ في حين أنّها رفعت من شأن المستهجي المبدع في فنون الهجاء. وصارت العرب “تحشد في المربد وفي الكناسة حول الشعراء يستمعون منهم إلى ما ينشدونه في الهجاء، وكأنّهم وجدوا في ذلك لهواً لهم وتسلية” *. في الواقع، كانت فعّاليّات الهجاء من أبرز أدوات السياسة عبر تاريخ دول العرب.

الهجاء هو ببساطة ضرب العيوب وطرق الخطايا دون استعمال الشتيمة. فلا سُبّة يعتذر عنها هاجي.
قال حسّان بن ثابت في هِجاء هوازِن مثلاً:
أبلِغ هوازِن أعلاها و أسفلها
أنْ لستُ هاجِيَها إلا بِما فيها
قبيلةٌ، الأَمُ الأحياءِ أكرمُها
وأعذرُ الناس بالجيران وافِيها
تبلى عظامهم إمّا هُمُو دُفِنُوا
تحت التراب، ولا تبلى مخازِيها
وكانت من آداب الهجاء أن إن تسرّع الهاجي ونطق سبّة أن يصمت ثمّ يعتذر عنها فوراً بمدح ووصف.
حين تطوّرت آداب الهجاء صارت مدرسة بحدّ ذاتها حتّى صنّفتها العرب ضمن مدارس الشعر الست: الاعتذار والوصف، والرثاء، والغزل، والفخر والحماسة، والمدح، والهجاء. وعن مدرسة الهجاء تطوّرت مدارس المناظرة السياسيّة. وهو علم يُدرس اليوم في الأكاديميّات ويتدرّب عليه باستمرار كلّ من يريد احتراف السياسة، على الصعيد الدولي. ويتعلّم المناظِر أن يهجو عيوب عرض المنافس باستخدام النقاش المنطقي وقوّة الحوار باستخدام البلاغة والإقناع، مع الحفاظ على رفيع الخُلُق واحترام شخص المنافِس… كما هي آداب شعر الهجاء تماماً، يسقط المناظر من أعين الجمهور متى انحدر إلى الشتيمة، ويصعد في أنظارهم إن استطاع إقناعهم بقوّة عرضه في مقابل ضعف عرض المنافس.
وينبغي التنبيه هنا إلى أنّ المناظرة السياسيّة تختلف عن المناظرة العلميّة، إذ أنّ الأخيرة هي سعي دؤوب وراء الحقيقة، غاية النقاش فيها هي إثبات صحّة فكرة، وليس إثبات جدارة الذات. لذا لا نجد في أدوات المناظرة العلمية بلاغة ولا عاطفة، برغم التزامها آداب المناظرة وأخلاقيّاتها. لذا، تهدف المناظرة السياسيّة إلى إثبات خطأ الخصم، وهو ما لا تسعى إليه المناظرة العلميّة، هذي التي تهدف إلى إثبات صحّة الفكرة المطروحة دون ضرب فكرة المناظِر الثاني، ويكون ذلك بعرض الأدلّة والبيّنات، لكي يُنظر فيها. وهذا مصدر تسميتها بالمناظرة.
في المناظرة السياسيّة يكون المنافس خصماً تجب هزيمته. أمّا في المناظرة العلميّة يكون المنافس شريكاً في نقاش، الهدف منه هو الوصول إلى الحقيقة.

في المناظرات السياسية، الهدف الأساسي هو الفوز. يتنافس الزعماء لإقناع التابعين وينافس المرشّحون لإقناع الناخبين بأنّهم أكثر قدرة على تلبية احتياجاتهم وتحقيق تطلعاتهم. يحاول كلّ منافس تقديم نفسه على أنّه الاختيار الأفضل، وغالباً ما يشمل ذلك تقليل أهمّية المنافسين الآخرين أو التشكيك في قدراتهم. في هذا السياق، يمكن اعتبار المنافس خصماً يجب هزيمته.
بينما في المناظرات العلمية، الهدف الأساسي هو الوصول إلى الحقيقة. يتنافس الباحثون للتوصّل إلى أفضل تفسير للبيانات والأدلّة المتاحة. في هذا السياق، يمكن اعتبار المنافس شريكاً في البحث عن الحقيقة. وبدلاً من محاولة “هزيمة” بعضهم البعض، يعمل العلماء عادة على تحديد الأخطاء أو الثغرات في أفكار بعضهم البعض، ليس للفوز، ولكن لتحقيق فهم أعمق وأدق للعالم.
التعاون والتنافس في البيئة العلمية يؤدّيان إلى تقدّم العلم. في حين أنّ العلماء قد يتنافسون على الأموال لتمويل البحوث أو نيل الاعتراف، فإنّ الهدف النهائي للجميع يبقى البحث عن الحقيقة وتحقيق فهم أعمق للعالم.
هذا التفريق بين النوعين من المناظرات لا يعني أن المناظرة السياسية لا تهدف إلى الحقيقة أو أنّ المناظرة العلمية لا تتضمّن أي جوانب تنافسية. ولكنّه يوضح الغرض الأساسي والطبيعة السلوكيّة لكلّ نوع من المناظرات.

لسبب ما حُذفت علوم المناظرة من مناهج المدارس العربية بعد الحرب العالمية الثانية، وأُهملت وخسر العرب بالتالي تطوير مهارات واحد من أهمّ العلوم؛ عربية المنشأ، في الحياة اليومية. وانحدر لسان العربيّ بالتالي إلى الشتيمة والسبسبة غير مطّلع ولا متمكّن من أدوات بديلة للحوار والجدال، هي أدوات علم المناظرة. وانحازت بالتالي لهجات العرب، تبزّ المسبّة والشتيمة على حساب غمر آداب الهجاء، فصارت على الهامش، لا في متن الفكر.
أليس غريباً أن ينال علم المناظرة أشدّ الاهتمام في المدارس الإنگليزية حول العالم، ولا يلق أيّ اهتمام في المدارس العربيّة؟ وهو في الأساس علم عربيّ المنشأ! وضع أسسه الشرواني.

علم المناظرة العربيّ هو فنّ الجدل والحوار في قضية معينة، بهدف إقناع الآخرين بالرأي الذي يطرحه المناظر. ويُعدّ هذا الفنّ من المهارات المهمّة التي يجب أن يمتلكها الطلاب في البلدان العربية، لما له من فوائد عديدة، منها:
- تنمية مهارات التفكير النقدي والإبداعي: إذ يساعد علم المناظرة الطلاب على تطوير مهارات التفكير النقدي والإبداعي، وذلك من طريق تدريبهم على تحليل القضايا والأفكار، وطرح الأسئلة، وبناء الحجج، وتقديم الأدلة والبراهين.
- تعزيز الثقة بالنفس والقدرة على التحدّث أمام الجمهور: إذ تساعد المناظرات الطلاب على تعزيز الثقة بالنفس والقدرة على التحدّث أمام الجمهور، وذلك بواسطة تدريبهم على التعبير عن أفكارهم وآرائهم بوضوح وسلاسة.
- تطوير مهارات التواصل والتعاون: إذ تساعد المناظرات الطلاب على تطوير مهارات التواصل والتعاون، وذلك من طريق العمل الجماعي وتبادل الآراء مع الآخرين.
- تعلم كيفية حلّ النزاعات: إذ تساعد المناظرات الطلاب على تعلّم كيفيّة حلّ النزاعات بطريقة سلمية وبنّاءة، وذلك بواسطة تدريبهم على النقاش والحوار واحترام آراء الآخرين.
وفيما يلي بعض الخطوات التي يمكن اتّباعها، وفق اعتقادي، لإدراج علم المناظرة في مناهج المدارس في البلدان العربية:
- إعداد المناهج والمواد التعليمية المناسبة: إذ يجب إعداد مناهج ومواد تعليمية خاصّة بعلم المناظرة، تتناسب مع قدرات الطلاب واحتياجاتهم.
- تدريب المعلّمين على كيفية تدريس علم المناظرة: إذ يجب تدريب المعلّمين على كيفية تدريس علم المناظرة، وذلك حتى يتمكّنوا من تعليمه بطريقة فعالة.
- تنظيم المسابقات والفعاليات المتعلّقة بالمناظرات: إذ يمكن تنظيم المسابقات والفعاليات المتعلقة بالمناظرات، وذلك لتحفيز الطلّاب على المشاركة وممارسة هذا الفن.
وتهدف هذه الخطوات إلى تنمية مهارات الطلاب في علم المناظرة، وجعلها من المهارات الأساسية التي يمتلكها كل طالب.
يبق أن أقول أنّ أغلب أسس علم المناظرة المعاصر وُضعت في العراق، سردها محمّد أمين بن صدر الدين الشرواني سنة 1614 في كتابه الفوائد الخاقانيّة الأحمدخانيّة، وهي:
- رسالة آداب البحث لشمس الدين: محمد بن أشرف الحسيني السمرقندي. وهي أشهر كتب الفنّ.
- آداب العلامة عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي.
- رسالة في آداب البحث لابن كمال باشا، أحمد بن سليمان.
- رسالة في الأدب والمناظرة لعصام الدين أبو الخير أحمد بن مصطفى بن خليل طاشكبري زادة، المتوفّى سنة 962 (1555م) وهو جامع لمهمّات هذا الفنّ.
ومحمّد أمين الشرواني من شروان أحد الضواحي العربيّة لمدينة بخارى في أوزبكستان المعاصرة، أبوه صدر الدين الشرواني من أئمّة النقشبنديّة. درس محمّد في بخارى وأقام في شروان يشتغل في مدرسة أبيه ثمّ نزح إلى آمد (ديار بكر) شمال الجزيرة بسبب الحرب الأهلية التي تسبّبت بانهيار الأسرة الشيبانيّة وتحوّل الحكم إلى الأسرة الجانيّة الأستراخانيّة، ثمّ اشتغل في القسطنطينيّة آخر عمره وتوفّي سنة 1626.
مراجع:
* الاقتباس في النص عن د. بلقيس خلف رويّح، الجامعة المستنصريّة.
- “البلاغة العربية: الهجاء والثناء”، محمد عبده حاتم، دار الفكر العربي، 2014.
- “الشعر الجاهلي والهجاء”، توفيق الحكيم، دار الشروق، 1998.
- “الثقافة العربية: الشعر والهجاء”، محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، 2002.
- “المناظرة السياسية: النظريات والتطبيقات”، جون أ. لوك، دار النهضة العربية، 2013.
- “المناظرة العلمية: الأساليب والتقنيات”، ديفيد زاريفسكي، دار الفكر، 2011.
- “المناظرات في العالم العربي: من الشعر الجاهلي إلى السياسة المعاصرة”، محمد عبد القادر محي، دار الشروق، 2019.





اترك رداً على 3aynwowإلغاء الرد