تمهيد في أهمّية الدراسة اللّسانية للمفردات الشائعة
تمثّل دراسة المفردات المستعملة في الحياة اليومية للناطقين بالعربية ميداناً خصباً لفهم التطوّر اللّساني والتحوّلات الصوتية التي مرّت بها هذه اللّغة عبر القرون. وليس من المنهج العلمي السليم أن نُعرض عن بحث هذه الألفاظ لكونها لا تنضوي تحت ما اصطُلح على تسميته “اللّغة الفصحى” الواضحة أو “المهذّبة”. فاللّغة كائن حيّ ينمو ويتبدّل، وتتشعّب منه لهجات محلّية تختزن في طيّاتها آثار التاريخ والجغرافيا والتلاقح الحضاري بين الأمم والشعوب.
وما نصطلح عليه اليوم بـ”اللّهجات العامّية” ليس إلّا امتداداً طبيعيّاً لمسار تطوّر اللّسان العربي منذ أزمان سحيقة. بل ربّما احتفظت هذه اللّهجات بألفاظ عتيقة اندثرت من الاستعمال الفصيح (الواضح) أو تغيّر معناها والمقصود منها على ميزان التهذيب، أو اقترضت مفردات من لغات شقيقة للعربية كانت تتداولها القبائل العربية القديمة في أصقاع مختلفة من الجزيرة العربية وما جاورها.
في الجرأة على تناول المسكوت عنه
نتناول في هذه الدراسة جانباً لسانيّاً ربّما استنكره بعض الناس لحساسيته الاجتماعية، لكنّه في حقيقة الأمر درس علمي صريح في آليات تسمية إحدى أعضاء الجسم البشري عبر مختلف اللّهجات العربية المعاصرة. ونستكشف ما وراء هذه التسميات من جذور تاريخية وتحوّلات صوتية تكشف النقاب عن قواعد لسانية عميقة تحكم تطوّر الألسن البشرية. وقد اعتمدنا في جمع المعلومات الإحصائية على استقصاء ميداني أُجري في مجموعة معجم اللّهجات العربية على منصّة فيسبوك، حيث شارك ناطقون من مختلف أنحاء العالم العربي بإفادات قيّمة حول المصطلحات المستعملة في مناطقهم.

ولا نهدف بهذا البحث إلى الدفاع عن استعمال ألفاظ قد يراها البعض “نابية”، وإنّما نسعى لفهم الجذور اللّسانية والقواعد الصوتية التي تحكم هذه التحوّلات اللّغوية، وإدراك أنّ ما نحسبه “خطأً” أو “انحرافاً” هو غالباً تطوّر طبيعي محكوم بقوانين صوتية ضاربة في القِدَم.
ثراء المعجم العربي القديم في وصف الجسد الإنساني
لم تكن العربية يوماً لغة متحرّجة في تسمية أعضاء الجسم البشري، بل امتلكت معجماً واسعاً دقيقاً يفرّق بين كلّ عضو وكلّ حالة بمصطلحات محدّدة. فالمنطقة التي نبحثها، التي يسمّيها الطبّ الحديث “الأرداف” أو “المنطقة الخلفية”، حملت في المعاجم العربية القديمة أسماء وفيرة، جميعها عاربة صحيحة، ومنها: المؤخِّرة، الأرداف والرِّدْفان، الكَفَل والكفلان، الوَرِك والوركان، العُجُز والعجيزة، المقعدة، الدُّبُر، الفَلْقتان والفَلَقات، العورة والسَّوْءة، المُكَوَّة، التُّرْمة، الخَلْفية، الوَراء، والقَفا.
وليس هذا الثراء في المصطلحات عبثاً، بل يشهد على دقّة اللّغة العربية في التمييز بين الأجزاء المختلفة لهذه المنطقة من الجسد، إذ لكلّ مصطلح دلالته الخاصّة ومساحته المحدّدة. وما نشاهده اليوم في اللّهجات العربية المعاصرة استمرار لهذا التنوّع، مع ظهور مصطلحات مستحدثة أو تحريف ألفاظ قديمة أو اقتراض كلمات من اللّغات العروبية القريبة.
الجذر السرياني: “طيزاء” و”شِرماء” نموذجان للاستعارة اللّسانية
تُعدّ كلمة “طيز” من أشهر الألفاظ المتداولة اليوم في اللّهجات العربية، وأصلها مفردة سريانية قديمة. والسريانية – كما يؤكّد الباحثون المحقّقون – مرحلة من مراحل تطوّر اللّسان العربي في أقاليم وسط آسيا وغربها، تحدّثت بها قبائل عربية كثيرة مثل تغلب وإياد وبكر وبهراء وقضاعة في منطقة حرّان وما حولها من البلاد. وكلمة “طيزاء” بالسريانية الشرقية تُكتب هكذا: ܛܝܼܙܵܐ، وفي الغربية: ܛܺܝܙܳܐ، وتدلّ حرفياً على الدُّبُر.
واستُعملت هذه الكلمة في السياقات الساخرة والتحقيرية، فكان العربي إذا رفض فكرةً أو رآها تافهة سفيهة قال: “خذها طيزاء”، وكأنّه يقول إنّها فكرة أحقر من الريح التي تخرج من ذلك الموضع، فلا قيمة لها البتّة. وهنا نصل إلى نقطة لسانية بالغة الأهمّية، ألا وهي أصل كلمة “طز” المشهورة للاستهزاء والسخرية.
ومن المفردات السريانية الأخرى المتداولة في بعض اللّهجات كلمة “شَرْمة”، وأصلها السرياني “شِرما” ܫܸܪܡܵܐ، وتعني حرفياً المستقيم أو الشَّرَج. واللّافت للنظر أنّ هذه الكلمات: طيزاء (صيزاء)، صَرْم، طَرْم، شَرْم، جميعها من جذر واحد، وتبدّل حرفها الأوّل وفق قاعدة لسانية عميقة تُسمّى “قاعدة التقليب بين أحرف الإطباق”.

الجدل حول أصل كلمة “طز”: تفنيد الرواية “العثمانية” الشائعة
تشيع في الأوساط العامّة رواية منتشرة انتشاراً واسعاً مفادها أنّ كلمة “طز” مشتقّة من الكلمة التركية “توز” بمعنى الملح. وتزعم هذه الخرافة أنّ الحكومة العثمانية كانت تفرض ضرائب على جميع البضائع ما عدا الملح، فكان التجّار العرب عند مرورهم بنقاط التفتيش العثمانية يقولون “طز” إشارةً إلى أنّهم يحملون ملحاً فحسب، وتحوّلت الكلمة تدريجيّاً إلى تعبير عن الاستهانة والتهكّم.
غير أنّ هذه الرواية محلّ نقد شديد من الباحثين اللّسانيّين، إذ إنّ الكلمة التركية الصحيحة هي “توز” (بمعنى غبار) وليست “طز”. والأهمّ من ذلك أنّ كلمة “توز” التركية ذاتها مأخوذة من العربية “طُوز”، التي تدلّ على غبار العاصفة الترابية الصحراوية، تلك الرياح الموسمية في البلدان العربية حين تتحوّل السماء إلى اللّون الأحمر من كثافة الغبار المتطاير. فالعربية “طُوز” بمعنى الغبار والمسحوق انتقلت إلى التركية، واستُعملت هناك للدلالة على كلّ مسحوق ناعم، ومنه الملح. فالكلمة عربية في منبتها، والتركية اقترضتها واستعملتها. والأهمّ من ذلك كلّه أنّ استعمال كلمة “طز” في اللّهجات العربية كان معروفاً معهوداً قبل العهد العثماني بقرون طويلة.
والتفسير الأقرب إلى الصواب أنّ “طز” اشتُقّت من الجذر السرياني “طيز” أو “طيزاء”، وهي تعبير عن الاستخفاف والاحتقار، إذ تشير إلى أنّ الشيء المُستهزَأ به لا يساوي شيئاً ذا بال، أو أنّه في منزلة الريح التي تخرج من الدُّبُر، فلا قيمة له ولا اعتبار. وهذا التفسير ينسجم انسجاماً تامّاً مع الاستعمال القديم للعرب حين كانوا يقولون “خذها طيزاء” تعبيراً عن رفض قاطع مُذِلّ.
وهكذا نرى أنّ ما ظُنّ أنّه تركيّ الأصل هو في الحقيقة عربي سرياني عتيق، والخلط بين الكلمتين (طز وتوز) ربّما نشأ من التشابه الصوتي السطحي، لكنّ البحث اللّساني الدقيق يكشف عن جذور مختلفة تمام الاختلاف. وهذا درس مهمّ في ضرورة التحقّق من أصول الكلمات والتثبّت منها، وعدم الانسياق وراء الروايات الشعبية الشائعة دون تمحيص ونقد.

تنويعات أسماء الملح في اللّغات التركية تنهي الموضوع: في التركية الأناضولية tuz، في الأذرية duz. في التركمانية duz. في القرهقلباقية tuz. في الغاغاوزية tuz. في الأويغورية tuz. في الأوزبكية tuz. في القازاقية tūz. في القيرغيزية tuz. في التترية (القازانية) toz. في الياقوتية (الساكية) tuus. في التوفية dus. في الچوفاشية (البلغارية) tăvar و yăva … وجميعها عن الأصل الأوّل بمعنى غبار أو مسحوق.
يعود أصل الكلمة إلى الجذر التركي (الساكي) الأوّلي tūŕ (أو dūŕ في بعض إعادات البناء) بمعنى “جبل ملح” (مسحوق الجبل).
في الفرع الأوغوري البلغاري، يُفترض أنّ الشكل الأقدم كان tubuŕ أو tuwuz، الذي تطوّر إلى الشكل الچوفاشي الحالي tăvar. يفسّر هذا الشكل الشاذ لماذا تختلف الچوفاشية كثيراً عن بقية اللّغات التركية. وفي الفرع التركي المشترك، تطوّر الجذر إلى tūz، وهو الشكل الذي نجده في معظم اللّغات التركية الحديثة.
الفرق الأساسي بين الفرعين يكمن في ظاهرتين صوتيّتين: الروتاسيزم rhotacism حيث تحوّل صوت ŕ التركي الأولي إلى z في اللّغات التركية المشتركة، في حين بقي r في الفرع الأوغوري.
في اللّغات العروبية (السامية)، يُعاد بناء الجذر السامي الأولي *ʿapar- بمعنى “غبار، تراب”، وهو موجود في السبئية pr “أرض للبذر قبل المطر”. لهذا الجذر انعكاسات واسعة عبر اللّغات العروبية:
- العبرية: עָפָר (ʿafar/aphar) – عفر\أفر = غبار، تراب
- العربية: غُبَار (ḡubār) – غُبار
- الآرامية: עַפְרָא (ʿap̄rā) – عَفّراء = غبار
تمتلك اللّغات العروبية سلسلة من الأصوات الإطباقية emphatic consonants التي تشمل: ṭ (طاء), ṣ (صاد), ḍ (ضاد), ṭh (ظاء). وهذه الأصوات تُنتج بإطباق مؤخّرة اللّسان باتّجاه سقف الحنك، مما يعطيها صوتاً “مظلّماً”. وفي العديد من اللّغات العروبية، اندمجت الأصوات الأسنانية الأصلية dental continuants تماماً مع الأصوات السيبلانتية š, z, ṣ، في حين اندمجت في الآرامية المتأخرة مع t, d, ṭ. هذا يعني أن هناك تبادلاً طبيعيّاً بين:
- الطاء (ṭ) والصاد (ṣ) والضاد (ḍ)
- التاء (t) والطاء (ṭ)
إذا نظرنا إلى:
- التركية: tuz (ملح) من الجذر التركي الأولي *tūŕ
- العربية: طوز (عاصفة ترابية، غبار)
نجد تشابهاً صوتيّاً مثيراً للاهتمام. والسؤال المهم: هل هناك علاقة بين الجذر السامي *ʿapar- (غبار) والكلمة العربية “طوز” (غبار/عاصفة ترابية) والكلمة التركية “tuz” (ملح). المواد الثلاث (الغبار، المسحوق، الملح) تشترك في الشكل الفيزيائي فجميعها مساحيق ناعمة دقيقة، وفي الانتشار إذ تتطاير وتنتشر في الهواء أو على الأسطح، والنعومة فهي ذرات دقيقة جداً
العلاقة بين هذه الكلمات قد تكون اتصال مباشر قديم أدّى إلى تبادل لغوي قديم جداً بين اللّغات العروبية والتركية في مرحلة مبكّرة. وقد يكون تطوّر صوتي مشترك: بتحوّل الطاء ṭ في العروبية إلى t في التركية (فقدان الإطباق). وقد يكون توسّع دلالي من معنى “غبار/مسحوق” العام إلى “ملح” الخاص (مسحوق معين). وليس هذا التشابه مجرّد صدفة صوتية، بل يظهر تواصلاً لغوياً عميقاً بين الشعوب الناطقة بالعروبية والتركية عبر آلاف السنين في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
التأصيل مبني على أعمال
- Gerard Clauson: “An Etymological Dictionary of pre-thirteenth-century Turkish” (1972)
- Starostin, Dybo & Mudrak: “Etymological dictionary of the Altaic languages” (2003)
- Sevan Nişanyan وGerhard Doerfer: اللذان افترضا الشكل الأقدم *tuwuz

قاعدة أحرف الإطباق: التحوّلات الصوتية المنهجية في اللّهجات
يشرح خالد الأزهري في كتابه “شرح التصريح بمضمون التوضيح في النحو” أنّ العرب كثيراً ما تُبدل ما بين أحرف الإطباق بعضها ببعض. وأحرف الإطباق هي: الصاد ص والضاد ض والطاء ط والظاء ظ، وجميعها حروف أصلها التاء ت، تبدّلت إلى أحرف الإطباق على طريقة تاء الافتعال. ويُبدّل العرب ما بين هذه الأحرف لكونها جميعاً من أسرة واحدة، ينحصر فيها الصوت ما بين اللّسان وما يحاذيه من الحنك الأعلى بإطباق اللّسان على الحنك. وهذا سبب تسميتها بأحرف الإطباق.
ووفق هذه القاعدة اللّسانية، يصير من الطبيعي أن تتحوّل كلمة “ترى” إلى “نظر”، وأن تصير “النَّظْرة” “نَطْرة”. ومن الطبيعي كذلك أن تتحوّل “خضراء” إلى “خَطْرة” وأن تكون بدايتها “قَتْر”. وهذا ما يفسّر التحوّل بين “طيزاء” و”صيزاء”، وبين “شَرْم” و”صَرْم” و”طَرْم”.
وهذا التقليب بين أحرف الإطباق في اللّهجات العربية ليس فيه خطأ ولا مخالفة للعربية الصحيحة العاربة، وإنّما هو تنويعات قديمة للسان عربي عتيق بلهجاته المتنوّعة، فرضتها تطوّرات النطق الصوتي وحاجات تمييز المعاني وتبايُنها. فجميع هذه التنويعات عربية أصيلة صحيحة، ولا يجوز تخطئة لهجة على حساب أخرى أو الجزم بأنّ إحداها أصحّ من الأخرى.

رحلة جغرافية في تنوّع التسميات عبر الأقطار العربية
إذا تجوّلنا في أرجاء العالم العربي من محيطه إلى خليجه، نجد أنّ كلّ إقليم احتفظ بمصطلحاته الخاصّة أو استحدث ألفاظاً جديدة تناسب بيئته اللّسانية. ففي الشام، يستعمل الناس كلمة “طيز” على نطاق واسع، وفي بعض الأحيان يستعملون “كَفَل” أو “مَقْعَد”. وفي مصر والسودان، نجد مصطلحات مثل “طيز” و”قُنَيْطة” و”جَعْبة” و”فَلَكة”. وفي العراق والأهواز، نسمع ألفاظاً مثل “عِز” (من العُجُز الفصحى)، و”صَرْم”، و”مَكْوَة”، و”طيز”، و”مَقْعَد”، و”تَناحة”.
وأمّا في بلاد المغرب الكبير، فنجد تنوّعاً لافتاً يستحقّ الوقوف عنده: “التُّرْمة” هي الأشهر في المغرب، مع استعمال “الكَرّ” و”الزَّكّ” و”السَّوَة” أحياناً. وفي الجزائر، يسود مصطلح “التُّرْمة” أيضاً، مع “بَگَّة” (بضمّ الباء وگاف مرقّقة تقارب القاف) و”زَرّ” و”مَقْعَدة”. وفي تونس، تُستعمل “بَگَّة” و”تُرْمة”. وفي ليبيا، نجد “تُرْمة” و”أتْرَم” و”تْرامي” و”تْواني” و”زَرّ” في مناطق البادية الغربية. وفي موريتانيا، يقولون “لُوراك”.
وفي عموم الجزيرة العربية واليمن، نجد مصطلحات مثل “طيز” في عدن بجنوب اليمن، و”قَعْو” في دَثينة (أي قاع الشيء ونهايته، وهو مصطلح عربي عارب النَّسَب). وفي فلسطين وسيناء، يستعمل الناس “جَعاب” أو “حَلْقة”. وفي بعض مناطق الأردن، نسمع كلمة “خارون”.
الدلالات الاشتقاقية والتوسّع المجازي في الاستعمال
لم تقتصر هذه الألفاظ على معناها الحرفي المباشر، بل توسّعت دلالاتها مجازياً في الاستعمال اليومي. ففي الشام، يقولون “الأمور مُطَيِّزة” إشارةً إلى أنّ الأوضاع في أسوأ حالاتها وأردأ أحوالها. وهذا التوسّع المجازي يدلّ على أنّ الكلمة صارت جزءاً عميقاً من النسيج اللّساني، تتفرّع منها اشتقاقات ومعانٍ مستجدّة تُستعمل في سياقات مختلفة.

في تقدير التنوّع اللّهجي وفهم التطوّر اللساني
ما تقدّم ليس دراسة في الألفاظ “الفاحشة” أو “النابية” كما قد يتوهّم بعض الناس، وإنّما هو بحث لساني جادّ في آليات تطوّر اللّهجات العربية والعلاقة الوثيقة بينها واللّغات العروبية الشقيقة. والسريانية – كما يؤكّد المحقّقون من الباحثين – مرحلة من مراحل تطوّر اللّسان العربي، وليست لغة منفصلة عنه انفصالاً تامّاً. فقد كانت لهجة عربية قديمة تحدّثت بها قبائل عربية عديدة في شمال الجزيرة العربية وبلاد الشام، وقعّدها ملك نبطي عربي في مدينة الرُّها، فصارت لغة رسمية تحمل اسم دولته.
وفي المراجع القديمة، في الحِقبة التي سبقت الإسلام وما تلاه، نقرأ مصطلحات مثل “العربية السريانية” و”عربي سورياني” و”لسان سورياني وسوريايا”، ممّا يؤكّد أنّ التمييز الحادّ بين العربية والسريانية تمييز متأخّر لا يعكس الواقع التاريخي واللّساني الحقيقي. فاللّسان العربي القديم كان له فروع ولهجات متعدّدة، ومنها ما صار يُعرف باسم السريانية، ومنها ما صار يُعرف باسم العربية الفصحى، ومنها ما اندثر ولم يصل إلينا منه إلّا شذرات في النقوش والكتابات الأثرية القديمة.
وإنّ دراسة اللّهجات، بكلّ ما فيها من مفردات قد نستهجنها اجتماعيّاً أو نستحي من ذكرها، دراسة ضرورية لا غنى عنها لفهم مسار تطوّر اللّغة العربية وعلاقاتها بأخواتها من اللّغات العروبية. وما نصطلح عليه اليوم بـ”العامّية” أو “الدارجة” هو في جوهره امتداد طبيعي لتطوّر لساني بدأ منذ آلاف السنين. فلنتعامل مع هذا التراث اللّساني بعين الباحث الموضوعي المتجرّد، لا بعين المتزمّت الذي يرفض كلّ ما لا يوافق معاييره الضيّقة ومقاييسه المحدودة.
واللّغة، في نهاية المطاف، مرآة تظهر المجتمع وتاريخه وتفاعلاته الحضارية، وليست قالباً جامداً نفرضه على الناس فرضاً. فكلّ لهجة تختزن في أطوائها حكاية، وكلّ كلمة تروي فصلاً من رحلة الإنسان العربي عبر الزمان والمكان. ودراستنا لهذه التنويعات اللّهجية ليست دفاعاً عن استعمال الألفاظ التي قد يراها البعض “نابية”، وإنّما هي محاولة جادّة لفهم الجذور والقواعد اللّسانية التي تحكم هذه التحوّلات الصوتية، وإدراك أنّ ما نحسبه “خطأً” أو “انحرافاً” عن الصواب هو في الغالب تطوّر طبيعي محكوم بقوانين صوتية عريقة ضاربة في أعماق التاريخ اللّساني البشري.
المراجع والمصادر
- ابن منظور، محمد بن مكرم (ت. 711هـ/1311م). لسان العرب. بيروت: دار صادر، الطبعة الثالثة، 1414هـ. (15 مجلداً). متوفر على: https://shamela.ws/book/1687 ومتوفر على: https://archive.org/details/LissanuAlArab
- الفيروزآبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب (ت. 817هـ). القاموس المحيط. بيروت: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع. متوفر على: https://archive.org/details/QamusMuhit ومتوفر على: https://shamela.ws/book/7283
- الأزهري، محمود بن أحمد (ت. 370هـ). تهذيب اللغة. بيروت: دار إحياء التراث العربي، 2001م.
- ابن سيده، أبو الحسن علي (ت. 458هـ). المحكم والمحيط الأعظم في اللغة. بيروت: دار الكتب العلمية، 2000م.
- الأزهري، خالد بن عبد الله (ت. 905هـ/1499م). شرح التصريح على التوضيح أو التصريح بمضمون التوضيح في النحو. تحقيق: محمد باسل عيون السود. بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1421هـ-2000م. (3 مجلدات). متوفر على: https://archive.org/details/hmmt00290 ومتوفر على: https://shamela.ws/book/9985
- تيمور، أحمد (ت. 1348هـ/1930م). معجم تيمور الكبير في الألفاظ العامية. القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية.
- أنيس، إبراهيم (1966). في اللّهجات العربية. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية.
- داود، المطران توما (1896). اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية. الموصل: المطبعة الدومنيكية.
- منّا، المطران يعقوب أوكين. قاموس كلداني – عربي. الموصل: مطبعة الآباء الدومنيكان.
- 10 البستاني، بطرس (1987). محيط المحيط: قاموس مطول للغة العربية. بيروت: مكتبة لبنان.
- حجازي، محمود فهمي (1998). مدخل إلى علم اللغة. القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع.
- أنيس، إبراهيم (2003). الأصوات اللغوية. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة السادسة.
- بلعلي، عبد الحميد (2022). “الصلات الحضارية واللغوية بين السريانية والعربية”. حكمة يمانية. متوفر على: https://hekmahyemanya.com/أشتات/الصلات-الحضارية-واللغوية-بين-السريان/
- زكا الأول، البطريرك إغناطيوس (1985). الإسلام والسريان: تاريخ مشترك. دمشق: دائرة الدراسات السريانية. متوفر على: https://dss-syriacpatriarchate.org/إغناطيوس-زكا-الأول/الإســـلام-والســريـــان-تـــــاريخ/
- الدوري، عبد العزيز (1960). مقدمة في تاريخ صدر الإسلام. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
- الدراري اللامعات في منتخبات اللغات: قاموس اللغة العثمانية (1900). إسطنبول.
- Nişanyan, Sevan. The Etymological Dictionary of Contemporary Turkish | Nişanyan Sözlük. متوفر على: http://www.nisanyansozluk.com
- “اللغة السريانية”. ويكيبيديا، الموسوعة الحرة. متوفر على: https://ar.wikipedia.org/wiki/اللغة_السريانية
- “آخر المتحدثين بالسريانية في العراق يسعون للحفاظ على لغتهم العريقة”. الجزيرة نت، 31 مايو 2023. متوفر على: https://www.aljazeera.net/culture/2023/5/31/
- “طز”. ويكيبيديا، الموسوعة الحرة. متوفر على: https://ar.wikipedia.org/wiki/طز (مصدر تسجيل الخرافة).





اترك رداً على مؤنس بخاريإلغاء الرد