تشكّل قصّة استقالة جيري گرينفيلد من شركة بن آند جيري للمثلّجات نموذجاً نادراً في عالم الأعمال المعاصر، إذ تكشف عن التوتّر العميق بين القيم التأسيسية للشركات والمصالح التجارية للشركات الكبرى التي تستحوذ عليها. وتبرز هذه الحادثة أهمّية الحفاظ على المبادئ الأخلاقية في مواجهة الضغوط المؤسّساتية، وتطرح تساؤلات جوهرية حول إمكانية بقاء النشاط الاجتماعي والسياسي حيّاً داخل الشركات متعدّدة الجنسيات.

أعلن جيري گرينفيلد، واحد من مؤسِّسَيّ شركة بن آند جيري للمثلّجات، استقالته من الشركة التي أنشأها مع شريكه بن كوهين منذ قرابة نصف قرن. جاءت هذه الخطوة بعد سلسلة طويلة من النزاعات مع شركة يونيليڤر التي استحوذت على بن آند جيري عام ٢٠٠٠، وتحديداً حول موقف الشركة من القضية الفلسطينية ودعمها لحقوق الإنسان. وأوضح گرينفيلد، البالغ من العمر ٧٤ عاماً، في بيانه الأخير في أيلول ٢٠٢٥ أنّ الشركة لم تعُد تتيح له نشر رسالته الاجتماعية كما كانت في البداية، ممّا دفعه إلى اتّخاذ قراره بالرحيل. ووصف قراره بأنّه “أحد أصعب القرارات وأكثرها إيلاماً” في حياته، مشيراً إلى أنّه اتّخذه “بقلب مكسور”.

النشأة والرسالة الاجتماعية
أسّس بن كوهين Ben Cohen وجيري گرينفيلد Jerry Greenfield شركتهما للمثلّجات المصنوعة يدويّاً عام ١٩٧٨ في محطّة وقود مُجدَّدة بمدينة برلينگتون في ولاية ڤيرمونت الأميركية. ولم تكن رؤيتهما مقتصرة على صناعة المثلّجات الشهية، بل امتدّت لتشمل الدفاع عن قضايا اجتماعية متنوّعة. آمن المؤسّسان بأنّ الشركات تحمل مسؤولية أخلاقية تتجاوز الربح المالي، وسعَيا لجعل علامتهما التجارية منبراً للتغيير الاجتماعي.
نجحت هذه الفلسفة نجاحاً باهراً، فأصبحت بن آند جيري Ben & Jerry’s العلامة الأكثر مبيعاً للمثلّجات في الولايات المتّحدة. واشتهرت الشركة بإطلاق نكهات تحمل رسائل سياسية واجتماعية، مثل نكهة “إمپاورمنت” للحديث عن حقوق التصويت، ونكهة “پيكون ريزيست” لدعم العدالة القومية، ونكهة “آي دو، آي دو” لمساندة المساواة في الزواج. ولم تقتصر مواقفها على الشعارات، بل اتّخذت خطوات عملية مثل وقف المبيعات في فلسطين المحتلّة.

الاستحواذ وشروط الاستقلالية
استحوذت شركة يونيليڤر البريطانية-الهولاندية العملاقة على بن آند جيري عام ٢٠٠٠ مقابل ٣٢٦ مليون دولار. ولم يكن المؤسّسان راضيَين تماماً عن البيع، إذ أعرب كوهين وگرينفيلد علناً عن تفضيلهما الاحتفاظ بالسيطرة على الشركة، لكنّهما وجدا في عرض يونيليڤر فرصة للتوسّع العالمي مع الحفاظ على المبادئ. لذا، تضمّنت الصفقة شرطاً استثنائيّاً استغرق التفاوض عليه أكثر من عام: احتفاظ بن آند جيري بمجلس إدارة مستقلّ يحمي رسالتها الاجتماعية ويملك “المسؤولية الأساسية” عن هذه الرسالة وهوية العلامة التجارية.
كما التزمت يونيليڤر بتقديم منحة لمرّة واحدة بقيمة خمس ملايين دولار لمؤسّسة بن آند جيري الخيرية، وتخصيص ٧.٥٪ من أرباح الشركة السنوية أو ١.١ مليون دولار سنوياً، أيّهما أكبر، لدعم القضايا الاجتماعية. وأُنشئ أيضاً صندوق بقيمة خمس ملايين دولار لدعم الشركات الصغيرة المملوكة للأقلّيّات الأميركية أو المحرومة. وبدا هذا الترتيب في البداية مثاليّاً، إذ منح الشركة الموارد المالية والتوزيعية لشركة عملاقة مع الحفاظ على استقلالها الأخلاقي. غير أنّ التجربة أثبتت أنّ التوفيق بين المبادئ التأسيسية والمصالح المؤسّساتية الكبرى أصعب ممّا توقّع المؤسّسان.

بدأت الخلافات تتكشّف تدريجياً، لكنّها تفاقمت بشكل حادّ عام ٢٠٢١ عندما قرّرت بن آند جيري وقف المبيعات في المستوطنات الإسرائيلية بالضفّة الغربية المحتلّة. اعترضت يونيليڤر على هذا القرار بشدّة، ورأت فيه تهديداً لمصالحها التجارية في الشرق الأوسط. وتصاعد النزاع حتّى وصل إلى المحاكم، إذ رفعت بن آند جيري دعوتين قضائيّتين ضدّ شركتها المظلّة.

الصراع القانوني والرقابة
تمحورت الدعوى القضائية الأولى، المرفوعة في تمّوز ٢٠٢٢، حول قرار يونيليڤر ببيع حقوق التوزيع في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلّة إلى الموزّع المحلّي، الأمر الذي تجاوز فعليّاً قرار المقاطعة الذي اتّخذته بن آند جيري. وانتهت هذه الدعوى بتسوية في كانون الأوّل ٢٠٢٢، أكّدت بموجبها يونيليڤر منح مجلس إدارة بن آند جيري المستقلّ “المسؤولية الأساسية” عن رسالتها الاجتماعية وهوية علامتها التجارية.
أمّا الدعوى الثانية، المرفوعة في تشرين الثاني ٢٠٢٤، فاتّهمت يونيليڤر بممارسة الرقابة على تصريحات الشركة بشأن الحرب في غزّة. وذكرت الدعوى أنّ يونيليڤر هدّدت بتفكيك المجلس المستقلّ ومقاضاة أعضائه بشكل فردي إذا أصدرت بن آند جيري بياناً يدعو إلى “السلام” و”وقف إطلاق نار دائم وفوري”. كما منعت يونيليڤر الشركة من نشر تصريحات تدعم اللّاجئين الفلسطينيّين في أيّار ٢٠٢٤، وحظرت نشر بيان يحتفي بشهر تاريخ السود في شباط ٢٠٢٥، وأوقفت نشر منشور يدعم حرّية التعبير ويطالب بالإفراج عن محمود خليل، الناشط الفلسطيني وخريج جامعة كولومبيا الذي احتُجزته السلطات الأمريكية.
وازدادت الأمور تعقيداً عندما منعت يونيليڤر بن آند جيري من نشر بيان بعد الانتخابات الرئاسية في كانون الثاني ٢٠٢٥، لأنّه ذكر اسم الرئيس دونالد ترامپ صراحةً وتطرّق إلى قضايا مثل الحدّ الأدنى للأجور، والرعاية الصحّية الشاملة، والإجهاض، والتغيّر المناخي. وكشفت هذه النزاعات عن هشاشة الاستقلالية الموعودة، إذ اتّضح أنّ الشركة الأمّ تمتلك القدرة على تقويض قرارات المجلس المستقلّ عند تعارضها مع مصالحها.

موقف اليهودي ذو الضمير من إسرائيل
تكتسب قصّة كوهين وگرينفيلد بُعداً إضافيّاً عميقاً عندما نضع في الاعتبار خلفيّتهما الدينية. نشأ المؤسّسان في عائلات يهودية في ميريك في لونگ آيلاند، والتحقا معاً بالمدرسة العبرية وأقاما احتفالات البار متسڤاه في معبدهما الإصلاحي المحلّي. وبرغم هذه الجذور اليهودية العميقة، اتّخذا موقفاً واضحاً وصريحاً لدعم الحقوق الفلسطينية، متحدّيَين بذلك السردية السائدة التي تحاول ربط الهوية اليهودية حصراً بالدعم غير المشروط لسياسات الحكومة الإسرائيلية.
وفي مقال رأي نُشر في صحيفة نيويورك تايمز عام ٢٠٢١، دافع المؤسّسان عن قرار شركتهما بوقف المبيعات في الضفّة الغربية المحتلّة، معرّفَين نفسيهما بوضوح: “بصفتنا يهوديَّين نؤيّد دولة إسرائيل، نرفض تماماً فكرة أنّ التشكيك في سياسات دولة إسرائيل يُعدّ معاداة للسامية”. وأوضح كوهين في مقابلة تلفزيونية لاحقة: “ما معنى أن أكون معادياً لليهود وأنا يهودي؟ كلّ عائلتي يهود، أصدقائي يهود”. وأضاف في سياق آخر: “إذا كنت أهتمّ بالناس في فلسطين بقدر اهتمامي بالناس في إسرائيل، فهل هذا معادٍ للسامية؟ هناك أمّهات وآباء وأخوات وإخوة في فلسطين أهتمّ بهم، وأهتمّ بحقوقهم الإنسانية”.

يمثّل هذا الموقف تحدّياً جذريّاً للمحاولات المستمرّة لاحتكار تعريف الهوية اليهودية وربطها قسراً بموقف سياسي واحد. فقد أشار گرينفيلد في مناسبات عدّة إلى أنّ نشاطهما الاجتماعي ينبع أساساً من القيم اليهودية التي تربّيا عليها، تلك القيم التي تؤكّد على العدالة والإنصاف واحترام كرامة الإنسان. وهذا الموقف ليس شاذّاً أو استثنائيّاً في التاريخ اليهودي، بل يمثّل امتداداً لتقليد عريق من النقد الذاتي والتفكير الأخلاقي المستقلّ الذي ميّز الفكر اليهودي التقدّمي عبر العصور.
غير أنّ هذا الموقف جلب عليهما هجوماً شرساً من منظّمات يهودية ومؤيّدة لإسرائيل، ووصل الأمر إلى حدّ قيام عدّة ولايات أمريكية بسحب استثماراتها من يونيليڤر بسبب قرار بن آند جيري. وسحبت متاجر كوشر عدّة منتجات الشركة من رفوفها، وأطلقت حملات لإلغاء الشهادة الكوشر عن المثلّجات. لكنّ المؤسّسَين لم يتراجعا، مؤكّدَين أنّ دعم حقوق الفلسطينيّين لا يتناقض مع هويّتهما اليهودية، بل ينبثق منها.
وتكشف هذه القصّة عن حقيقة أعمق: أنّ الصراع ليس بين اليهود والفلسطينيّين كما تحاول السرديّات المبسّطة أن تصوّره، بل بين من يؤمنون بالعدالة والمساواة وحقوق الإنسان من جهة، ومن يضعون المصالح السياسية والاقتصادية فوق القيم الأخلاقية من جهة أخرى. واستقالة گرينفيلد، في هذا السياق، ليست مجرّد خلاف تجاري، بل شهادة على استحالة التعايش بين الالتزام الأخلاقي الحقيقي والمصالح الرأسمالية الكبرى، حتّى عندما يكون هذا الالتزام نابعاً من أعمق القناعات الدينية والإنسانية.

إقالة المدير التنفيذي وتصعيد الأزمة
تصاعدت الأزمة بشكل دراماتيكي في آذار ٢٠٢٥ عندما أقالت يونيليڤر ديڤيد ستيڤر من منصبه مدير تنفيذي لبن آند جيري. وكان ستيڤر قد انضمّ إلى الشركة عام ١٩٨٨ مرشد سياحي، وترقّى عبر السنين حتّى أصبح مديراً للتسويق لمدّة ١٢ عاماً، قبل أن يُعيَّن مديراً تنفيذياً في أيّار ٢٠٢٣، ليكون أوّل موظّف يُرقّى إلى هذا المنصب من داخل الشركة بعد ٣٤ عاماً من الخدمة.
زعمت بن آند جيري في دعوى قضائية مُعدَّلة أنّ يونيليڤر انتهكت اتّفاقية الاندماج التي تنصّ على وجوب استشارة المجلس المستقلّ قبل إقالة المدير التنفيذي. وأشارت الدعوى إلى أنّ يونيليڤر وبّخت ستيڤر في تقييم أدائه السنوي في كانون الثاني ٢٠٢٥ لأنّه “استجاب مراراً لمطالب مجلس الرسالة الاجتماعية المستقلّ” بالسماح لبن آند جيري بنشر تصريحات عملت عليها الإدارة والمجلس معاً. وأكّدت الدعوى أنّ دافع يونيليڤر لإقالة ستيڤر كان “التزامه برسالة بن آند جيري الاجتماعية وهوية علامتها التجارية، وليس أيّة مخاوف حقيقية بشأن أدائه”، برغم أنّ بن آند جيري حقّقت أداءً متفوّقاً على محفظة المثلّجات الأخرى التابعة ليونيليڤر تحت قيادته، وحصلت على المرتبة الثانية في مؤشّر “براند ٥٠٠” للأصالة لعامين متتاليَين.
ردّت يونيليڤر بتقديم طلب لرفض الدعوى، معتبرةً الادّعاءات “عديمة الأساس”، وعبّرت عن خيبة أملها من “نشر تفاصيل محادثة مهنية سرّية تتعلّق بموظّف”.

حملة “حرّروا بن آند جيري”
أعلنت يونيليڤر في آذار ٢٠٢٤ عن فصل جميع علاماتها التجارية للمثلّجات، بما فيها بن آند جيري، لتشكيل شركة منفصلة باسم “ماگنوم آيس كريم كومپني”. وتشمل هذه الخطوة علامات مثل ماگنوم وكورنيتّو وولز، وتبلغ قيمة قسم المثلّجات نحو ٨ مليارات دولار من إجمالي إيرادات يونيليڤر البالغة ٦٠ مليار دولار. غير أنّ قسم المثلّجات يعاني من هامش ربح منخفض يصل إلى ٢.٣٪ فقط، مقارنةً بمعدّل ٧٪ على مستوى الشركة بِرُمَّتها.

طالب كوهين وگرينفيلد بإعادة الاستقلال الكامل لشركتهما، وأطلقا حملة بعنوان “حرّروا بن آند جيري” #FreeBenAndJerrys، لكنّ الرئيس التنفيذي الجديد پيتار دوكولڤا رفض الفكرة رفضاً قاطعاً، مؤكّداً أنّ بن آند جيري “ليست معروضة للبيع”. وفي أيلول ٢٠٢٥، كتب المؤسّسان إلى مجلس إدارة شركة ماگنوم آيس كريم والمستثمرين المحتملين، طالبِين إطلاق سراح العلامة التجارية من الشركة المتعدّدة الجنسيات.
وأوضح كوهين لشبكة CNN أنّ القيادات التي وقّعت الاتّفاقية الأصلية مع بن آند جيري لم تعُد موجودة في يونيليڤر، وأنّ الإدارة الجديدة بدأت في عدم احترام شروط الترتيب الفريد الذي ضمن استقلالية الشركة.

الموقف الشخصي والاحتجاج العلني
لم يكتفِ المؤسّسان بالصراع القانوني، بل انتقلا إلى الاحتجاج العلني. وفي أيّار ٢٠٢٥، طُرد بن كوهين من جلسة استماع في مجلس الشيوخ الأمريكي بطريقة مهينة بعد احتجاجه على الدعم الأمريكي للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزّة، حيث قاطع وزير الصحّة روبرت ف. كينيدي الابن للتحدّث عمّا وصفه بـ”الإبادة الجماعية في غزّة”. وجسّد هذا الموقف التزام المؤسّسَين العميق بقضاياهما، حتّى لو أدّى ذلك إلى مواجهات مع السلطات.
أعلن گرينفيلد استقالته في بيان نُشر على منصّة إكس، قائلاً: “لم تكن الشركة مجرّد مثلّجات قطّ، بل وسيلة لنشر المحبّة ودعوة الآخرين للانضمام إلى النضال من أجل المساواة والعدالة وعالم أفضل. والوصول إلى قناعة بأنّ ذلك لم يعُد ممكناً في بن آند جيري يعني أنّني لا أستطيع البقاء جزءاً منها”. وأضاف: “إنّه لمن المخيّب للآمال بشدّة أن أصل إلى استنتاج أنّ تلك الاستقلالية، الأساس ذاته لبيعنا إلى يونيليڤر، قد تلاشى. وهذا يحدث في وقت تهاجم فيه الإدارة الأمريكية الحالية الحقوق المدنية، وحقوق التصويت، وحقوق المهاجرين، والنساء، ومجتمع المثليّين”. تكشف هذه الكلمات عن خيبة أمل عميقة لدى رجل كرّس حياته لبناء مشروع تجاري مبني على القيم الأخلاقية.

وأوضح كوهين في تصريحات لشبكة NBC أنّ گرينفيلد شعر بأنّه “ممزّق” و”مكمّم” من قبل يونيليڤر، مشيراً إلى أنّ شريكه “يملك قلباً كبيراً حقّاً، وهذا الصراع مع يونيليڤر كان يمزّقه منذ وقت طويل”. وأضاف: “شعر جيري بأنّ القيم تُكمّم من قبل يونيليڤر والآن ماگنوم، ولم يكن قادراً على تحمّل ذلك، فقرّر الاستقالة”. وأشار كوهين إلى أنّ گرينفيلد “حزين نوعاً ما لوصول الأمر إلى هذا الحدّ، لكنّ جزءاً منه يشعر بالراحة لأنّه لم يعُد في هذا الصراع المكثّف”.
أمّا كوهين نفسه فأعلن أنّه لن يتبع گرينفيلد بالاستقالة، قائلاً: “أعتقد أنّ بن آند جيري ظاهرة فريدة. إنّها منصّة كبيرة، شركة بمليار دولار، لا تبدأ شيئاً كمثل هذا بين ليلة وضحاها، وأعتقد أنّها تستحقّ الإنقاذ. أثبتت بن آند جيري أنّه يمكنك امتلاك هذه القيم الإنسانية، وممارسة السلام والمحبّة والاهتمام بالناس المستَغلّين والمهمّشين والمضطهَدين فعليّاً، وفي الوقت نفسه إدارة عمل تجاري مربح للغاية”. وأضاف: “قلبي يقول استمرّ في القتال، وجيري يدعم ذلك بشدّة”.

ردّ يونيليڤر والخلاف المستمرّ
أصدر متحدّث باسم شركة ماگنوم آيس كريم كومپني TMICC بياناً رسميّاً عبّر فيه عن الامتنان لگرينفيلد “لدوره في تأسيس شركة مثلّجات مذهلة ولخدماته ودعمه على مرّ السنين”. غير أنّ البيان أعرب عن رفض وجهة نظر گرينفيلد، مؤكّداً أنّ الشركة “حاولت التواصل مع المؤسّسَين لإجراء محادثة بنّاءة حول كيفية تعزيز موقع بن آند جيري القوي القائم على القيم في العالم”. وأضاف: “نبقى ملتزمين برسالة بن آند جيري الفريدة ثلاثية الأجزاء – المنتج، الاقتصاد، والمسؤولية الاجتماعية – ونواصل التركيز على حمل إرث السلام والمحبّة والمثلّجات لهذه العلامة التجارية الشهيرة والمحبوبة”.
غير أنّ هذا البيان يبدو متناقضاً مع الواقع الذي عاشه المؤسّسان، إذ شهدا سلسلة من القرارات التي قوّضت استقلالية شركتهما وحدّت من قدرتها على التعبير عن مواقفها.
أشارت آن ليپتون، أستاذة القانون في جامعة كولورادو، إلى أنّ التوتّر بين بن آند جيري ويونيليڤر ينبع من اتّفاقية الاندماج غير العادية التي منحت مجلس إدارة بن آند جيري سيطرة على الرسائل السياسية والاجتماعية، في حين احتفظت يونيليڤر بالإشراف التشغيلي. وأوضحت: “من غير الواضح تماماً أين يقع هذا الخطّ الفاصل. جزء ممّا حدث على مدى العامين الماضيين هو صراع، حيث يقول المجلس: هذا جزء من جانب المسؤولية الاجتماعية، وتقول يونيليڤر: لا، إنّه جزء من الجانب التشغيلي”.

الرئيس زعيم حتّى لو كان شركة
تطرح قصّة بن آند جيري تساؤلات جوهرية حول مستقبل الشركات ذات الرسالة الاجتماعية في ظلّ الرأسمالية المعاصرة. هل يمكن لشركة أن تحتفظ بقيمها الأخلاقية بعد استحواذ شركة عملاقة عليها؟ وهل الاتّفاقات القانونية التي تضمن الاستقلالية كافية لحماية الرسالة التأسيسية أمام الضغوط المالية والسياسية؟
تشير تجربة گرينفيلد إلى أنّ الإجابة سلبية في الغالب. فالشركات الكبرى تمتلك أدوات متعدّدة لفرض إرادتها، سواء بالضغط المالي أو بالتحكّم في التعيينات الإدارية أو بممارسة الرقابة على التصريحات العامّة. وتبقى استقالة مؤسّس شركة من مشروعه الذي بناه على مدى سبع وأربعين عاماً شهادة مؤلمة على صعوبة الحفاظ على المبادئ في عالم تحكمه المصالح المالية الضخمة.
تجدر الإشارة إلى أنّ بن آند جيري حصلت على شهادة “بي كورپوريشن” B-Corporation عام ٢٠١٢، وهي شهادة تُمنح للشركات التي تلتزم بمعايير عالية من الأداء الاجتماعي والبيئي والشفافية والمساءلة. ومع ذلك، لم تكن هذه الشهادة كافية لحماية الشركة من الضغوط المؤسّساتية التي تعرّضت لها.

ختاماً
تمثّل استقالة جيري گرينفيلد نهاية حقبة في تاريخ بن آند جيري، لكنّها تطرح أيضاً بداية تساؤلات جديدة حول دور الشركات في المجتمع. وتبقى رسالته واضحة: النشاط الاجتماعي والموقف الأخلاقي ليسا شعارات تسويقية، بل التزامات حقيقية تستحقّ التضحية من أجلها، حتّى لو كان الثمن الابتعاد عن الشركة التي بناها بيديه. وكما قال في بيانه الختامي: “إذا لم أستطع حمل هذه القيم إلى الأمام داخل الشركة اليوم، فسأحملها إلى الأمام خارجها، بكلّ المحبّة والإيمان اللذَين أستطيعهما”.
أمّا بن كوهين، الذي اختار البقاء ومواصلة النضال، فيمثّل نهجاً مختلفاً في مواجهة الأزمة نفسها. ويبقى مستقبل بن آند جيري غامضاً، إذ تواصل الشركة صراعها القانوني مع يونيليڤر، في حين تستعدّ الأخيرة لفصل قسم المثلّجات بالكامل وإبعاده إلى هولاندا بحلول نهاية عام ٢٠٢٥. وسواءٌ استعادت بن آند جيري استقلالها أم لا، فإنّ قصّتها تبقى درساً قاسياً حول التحدّيات التي تواجه الشركات الراغبة في الجمع بين النجاح التجاري والمبادئ الأخلاقية في عصرنا الحالي.

المصادر
- NBC News – “Ben & Jerry’s exit: Jerry Greenfield felt ‘torn apart’ and ‘muzzled’ before resigning, his co-founder says” https://www.nbcnews.com/news/us-news/ben-jerrys-resign-ice-cream-company-rcna232009. (September 17, 2025)
- NPR – “Ben & Jerry’s co-founder Jerry Greenfield resigns over dispute with Unilever”. https://www.npr.org/2025/09/17/nx-s1-5544283/ben-jerrys-jerry-greenfield-resigns-unilever. (September 17, 2025)
- CNN Business – “Ben explains why Jerry quit Ben & Jerry’s”. https://www.cnn.com/2025/09/17/food/ben-and-jerry-interview-departure. (September 17, 2025)
- CNBC – “Ben & Jerry’s co-founder Jerry Greenfield quits over social activism row with Unilever”. https://www.cnbc.com/2025/09/17/ben-jerrys-jerry-greenfield-quits-in-independence-row-with-unilever.html. (September 17, 2025)
- ABC News – “Ben & Jerry’s co-founder resigns from company, emphasizes core values”. https://abcnews.go.com/GMA/Food/ben-jerrys-resign-ice-cream-co-founder-values-unilever/story?id=125659735. (September 17, 2025)
- NPR – “Ben & Jerry’s alleges its CEO was fired over its political activism. Here’s the scoop”. https://www.npr.org/2025/03/20/nx-s1-5334417/ben-jerrys-ceo-removed-unilever-lawsuit-activism. (March 20, 2025)
- CBS News – “Ben & Jerry’s claims Unilever unlawfully fired its CEO over political issues”. https://www.cbsnews.com/news/ben-jerrys-says-unilever-fired-its-ceo-over-his-political-position/. (March 19, 2025)
- NBC News – “Ben & Jerry’s alleges parent company CEO was fired over political posts in new court filing”. https://www.nbcnews.com/news/us-news/ben-jerrys-alleges-parent-company-ceo-was-fired-political-posts-new-co-rcna197066. (March 20, 2025)
- CNN Business – “Ben & Jerry’s says its CEO was fired for the company’s political posts”. https://www.cnn.com/2025/03/19/food/ben-and-jerrys-ceo-lawsuit/index.html. (March 19, 2025)
- Wikipedia – “Ben & Jerry’s”. https://en.wikipedia.org/wiki/Ben_&_Jerry’s.
- Ben & Jerry’s Official Website – “About Us”. https://www.benjerry.com/about-us
- Unilever Official Website – “Ben & Jerry’s”. https://www.unilever.com/brands/ice-cream/ben-jerrys/
- History.com – “Ben & Jerry’s opens its first ice cream shop” https://www.history.com/this-day-in-history/may-5/ben-jerry-open-their-first-ice-cream-shop. (May 5, 1978)
- Stanford Social Innovation Review – “The Truth About Ben and Jerry’s”. https://ssir.org/articles/entry/the_truth_about_ben_and_jerrys. (Fall 2012)
- CBS News – “Unilever bought Ben & Jerry’s 24 years ago. Now it’s exiting the ice cream business” https://www.cbsnews.com/news/unilever-ben-jerrys-spinning-off-ice-cream/. (March 19, 2024)
- Fortune – “Ben and Jerry sold out to Unilever 25 years ago—now they’re going to war” https://fortune.com/2025/04/23/ben-and-jerry-sold-out-to-unilever-25-years-ago-now-theyre-going-to-war/. (April 23, 2025)
- Vermont Business Magazine – “Unilever to spin off Ice Cream companies including Ben & Jerry’s” https://vermontbiz.com/news/2024/march/19/unilever-spin-ice-cream-companies-including-ben-jerrys. (March 19, 2024)
- Axios – “Jerry Greenfield: Ben and Jerry’s co-founder says parent company ‘silenced’ activism” https://www.axios.com/2025/09/17/ben-and-jerrys-cofounder-resigns-unilever. (September 17, 2025)
- The Advocate – “Ben & Jerry’s founder Jerry Greenfield resigns, says he’s ‘been silenced’ over LGBTQ+ rights” https://www.advocate.com/news/ben-and-jerrys-founder-resigns. (September 17, 2025)
- Business Insider – “Ben & Jerry’s co-founder Jerry Greenfield resigns after nearly 50 years with the ice cream brand”





اترك رد