الرايات في سِيَر الأمم ليست ألواناً ورموزاً فحسب، بل هي شهادات على التضحيّات، وعنوان للهُويّة، ومرآة لأحلام افتدتها الشعوب بالدماء. فإذا ما رفرفت راية فوق ساحة عامّة بعد سنين من القمع والمنع، فإنّما تروي حكايات أولئك الذين دفعوا أثماناً باهظة ليشهدوا هذه اللّحظة. وهذه التدوينة سيرة راية سوريا الحرّة، وما جرى خلف كواليسها من اجتماعات سرّية وتعذيب ودماء وصبر طال ثلاثة عشر عاماً.

شهدت سوريا منذ آذار من العام ٢٠١١ انتفاضة شعبية عارمة عُرفت بثورة الكرامة، طالبت بإسقاط نظام الأسد الاستبدادي وإنهاء احتكار السلطة. ورافقت هذه الانتفاضة تحوّلات رمزية عميقة، كان أبرزها اعتماد راية الاستقلال السورية بنجماتها الثلاث بديلاً عن راية نظام الأسد (راية الناصريّين سابقاً). غير أنّ وراء هذا التحوّل الرمزي قصصاً مؤلمة من التعذيب والاعتقال والتهجير. وهذه التدوينة شهادة شخصية عن محاولة تنظيم أوّل اعتصام سلمي في دمشق، وعن الاجتماع السرّي الذي أفضى إلى اختيار راية الثورة، وعن الأثمان الباهظة التي دفعها المشاركون في هذه المساعي.

النساء: تمرّد على جميع السلطات
أمر لافت رافق ثورة الكرامة السورية: فأغلب النساء اللّاتي شاركن في الثورة غيّرن أسماءهنّ منذ بداية الانتفاضة. ولعلّ هؤلاء النسوة يعرفن ما أتحدّث عنه، إذ سلوكهنّ هذا تعبير صارخ عن نضج واعٍ ورفض لجميع أشكال القهر، سواء منها السياسيّ أو الاجتماعيّ.
استُهلّ الأمر بتغيير الأسماء ضرورة أمنية لإخفاء الهُويّة الحقيقية، حماية للنفس وللأهل من أعين قوّات أمن الأسد. ثمّ غدا التخفّي دريئة كذلك من أعين المجتمع بتقاليده التي لا تنفع. غير أنّ الأمر تجاوز الضرورة الأمنية؛ فلمّا اختارت الواحدة منهنّ اسمها الجديد، غدا عنواناً ورمزاً للتخلّي عن الخضوع لكلّ سلطة: من سلطات القهر السياسيّ إلى سلطات القهر الأبويّ.
تمرّدت المرأة السورية ابنة الثورة على سيطرة مجتمع ذكوريّ ظالم باختيار هُويّة صنعتها بيدها، فخلعت جميع ما اختاره الآخرون لحياتها، حتى الاسم. وهذا التمرّد جدير بالدراسة والتحليل؛ فهذه ظاهرة عامّة بين أغلب بنات الثورة، لاحظتها بنفسي على مدى تسع سنوات. ولعلّ أبرز ما نقرأه في هذه الظاهرة مقدار الانقهار الكظيم في حيوات هؤلاء النساء السوريّات، حتى دفعهنّ الحال إلى التخلّي حتى عن أسمائهنّ، صنعاً لهُويّة جديدة يخترنها بأنفسهنّ رمزاً للحرّية. فهنّ، في نظر أنفسهنّ، مذ وُلدن، لم يُعطَين فرصة واحدة لاختيار شيء واحد يمسّ حياتهنّ وتكوينهنّ.
فالحرّية مطلب طبيعيّ للإنسان، كما الهواء والماء والغذاء والحبّ. وأشدّ الناس انقهاراً في مجتمع تراكم فيه الظلم هنّ النساء؛ إذ البنات في أسفل هرم القهر. فتراكم الظلم حتى غدونا في شوق لاختيار، أيّ اختيار، لنختار على الأقلّ مَن نكون.
وإذا كانت المرأة السورية قد اختارت اسمها الجديد رمزاً لحريّتها، فإنّ الثورة بأسرها اختارت رموزها ورايتها بنفس المنطق: تحرّراً من كلّ سلطة مفروضة، وبحثاً عن هُويّة وطنية صافية لا تُختزل في شعارات حزبية ولا في أيديولوجيّات مستوردة. ومن هنا تبرز أهمية فهم طبيعة هذه الثورة وبوصلتها الحقيقية.
البوصلة الوطنية: القضيّة سوريا
منذ البداية، كانت قضيّتنا مع سوريا أو مع غيرها. فثُرنا مع سوريا، ولم نثر لغيرها. وثورتنا كانت لأجل سوريا، ولم تكن لسواها. ثمّ انتصرت الثورة، ولم تزل قضيّتنا مع سوريا أو مع غيرها. وهذه هي بوصلة الوطنية.
فسواء أكنت مع طائفتك أو مع جميع السوريّين، إن اشتغلت من صميم قلبك لمصلحة سوريا، فلن تخطئ. وإن اشتغلت لمصلحة دولة غير سوريا، فستخطئ حتماً. وإن اشتغلت لمصلحة فكرة غير سوريا، فأنت بكلّ تأكيد عدوّ لبلدك. فلا تحدّثني عن “سايكس بيكو” و”مرجعية” و”قضية قومية” و”مظلومية”؛ فالقضيّة سوريا وحدها.
غير أنّ هذه البوصلة الوطنية الواضحة لم تمنع البعض من الخلط بين مفاهيم أساسية، فراحوا يتحدّثون عن “سرقة” الثورة ومنجزاتها، متجاهلين الفرق الجوهري بين انتفاضة شعب وحراك أحزاب.

وهم “سرقة الثورة”
منذ سنة ٢٠١٥ وبعض مواطني “جمهورية النقّ” في سوريا يتحدّثون عن “سرقة” الثورة و”سرقة منجزات” الثورة. واليوم علا صوتهم بسبب فيلم وثائقيّ صنعته قناة “العالم” الإيرانية، استضافت فيه بعض المتسلّقين ممّن يدّعون أنّهم نشطاء لثورة الكرامة. وصحفية أنتجت الفيلم فاخترعت مصطلح “انسرقت ثورتي”.
فالآن وقد نجحت الثورة، لنقُلها بوضوح: لم نخرج في ثورة طمعاً في سلطة. ولم نخرج في ثورة الكرامة لأنّنا نريد مكان الأسد. بل خرجنا لأنّ كرامتنا انتُهكت، فهتفنا “الشعب السوريّ ما بينذلّ”؛ أتذكرون هذا الهتاف؟ كان أوّل هتافات الثورة السورية على الإطلاق، يوم كانت كلمة الشعب المتنفّض بأسره واحدة.
فالثورة ما كانت تقاتلاً على السلطة؛ بل انبثقت لإزالة احتكار السلطة. وانبثقت لإسقاط نظام الأسد الاستبداديّ وتفعيل صندوق الاقتراع. أمّا الثورة نفسها فما انبثقت لاختيار الحاكم؛ فهذا إنّما يجري وفق الانتخابات الديمقراطية وحدها، ولا يحصل بالسلاح، ولا تصنعه الثورات.
فالثورات لا تُسرق؛ بل الثورات تنجح أو تفشل. والآن، نجحت الثورة فأسقطت استبداد الأسد، وانتهت مهمّتها. وغدت المرحلة التالية على عاتق السياسيّين ومؤسّسات الدولة والعاملين فيها، والشعب. فالثورة لا تقود الشعب، ولا تدير الشعب، ولا تحكم الشعب. إنّما الثورة انتفاضة تنبثق لمنع الاستبداد بالشعب، ولمنحه القدرة على اختيار إدارته بكلّ حرّية. فالثورة تنبثق لإسقاط نظام الحكم وهدمه، ولا تختار نظام الحكم ولا تبنيه.
ولقد تأهّل الشعب السوريّ، وغدا ذا خبرة وتجربة، وسيُسقِط من جديد كلّ مَن ينوي الاستفراد بالسلطة. فإن أردت الاعتراض على نتيجة “الانتخابات” و”المؤتمرات” و”الاتّفاقات”، فإدارتها مهمّتك أنت أيّها المواطن السوريّ، وليست نتيجة ثورة. أخائف أنت من استبداد آخر بالسلطة؟ أخائف من حكم مَن لا يجاري هواك؟ شارك في العملية السياسية، وساهم في اختيار السلطة، ثمّ انقدها كما تشاء.
ولعلّ أهمّ ما يوضّح هذا الخلط المفاهيميّ هو عدم التمييز بين الثورة والمعارضة، فكثيرون خلطوا بينهما حتى غدا الأمر يحتاج إلى توضيح جذريّ.

الفرق بين الثورة والمعارضة
ثلاثة عشر عاماً والناس ما يزالوا “يعرجون” في المصطلحات السياسية. وهذا طبيعيّ؛ فالناس في سوريا لم تعرف سبيلاً إلى التوعية السياسية، وأغلب البلدان العربية ليست من أهل الانتخابات ولا المنافسة السياسية. غير أنّنا نحتاج إلى توضيح: فالثورة شيء، والمعارضة شيء آخر.
أمّا الثورة: فهي ثورة الشعب السوريّ على عائلة مجرمة استبدّت بسوريا.
وأمّا المعارضة: فهي الحركات السياسية التي وجدت في انتفاضة الثورة فرصة للتفوّق على جماعة الأسد في الطبقة السياسية في سوريا.
فالمعارضة لم تُطلق الثورة؛ بل الثورة انتفاضة الشعب السوريّ. ونحن لم نشارك ولم ننتفض في الثورة تلبية لطلب قوى المعارضة السورية؛ بل العكس هو الصحيح. فالثورة بدأت في آذار من سنة ٢٠١١، وقوى المعارضة تجمّعت أوّل مرّة في نهاية تمّوز من سنة ٢٠١١ لترى كيف يمكن أن تستفيد من حراك الثورة. أربع أشهر تفصل انطلاق الثورة، عن استيعاب قوى المعارضة لفرصة وجود الثورة.
ودعمت المعارضة الثورة في صورة جماعات وتجمّعات منفصلة. غير أنّ كلّ جماعة من هؤلاء دعمت حيث رأت أنّها يمكن أن تحقّق مصالحها، بغضّ النظر عن مصالح الثورة الكبرى. فقوى المعارضة لم تقد ثورة الشعب السوريّ؛ بل فشلت عن قيادتها، فخذلت الشعب السوريّ إذ لم تقدر على قيادة ثورة الكرامة.
وكانت مصلحة الثورة وهدفها إسقاط حكم الأسد فقط. ونجحت في ذلك. فالثورة في سوريا لم تثر لتعيين حركة سياسية بعينها في مكان الأسد. فليست هناك حركة سياسية قادت الثورة، ثمّ انتصرت بإسقاط الأسد. بل الشعب السوريّ وحده هو المنتصر بإسقاط الأسد. وليس لقوى المعارضة نصيب في نصر الشعب السوريّ.
والآن، تشتغل حركة سياسية جديدة، كانت ممنوعة على سوريا منذ سنة ١٩٥٨، لتأسيس إدارة سياسية ومؤسّسات سياسية، وهي أشياء لم يعرفها السوريّون طيلة ستّة وستّين سنة. فكان هدف الثورة هدم الاستبداد، لكي تتاح فرصة تأسيس حراك سياسيّ طبيعيّ في سوريا.
فالثورة لم تهتف لاسم أحد، ولم ترفع راية لأحد، ولم تطالب بزعامة أحد. بل كان هتاف الثورة الوحيد “الشعب السوريّ ما بينذلّ”، ثمّ غدا “ارحل عنّا ما منحبّك ارحل عنّا إنت وحزبك”، ثمّ غدا “ارحل ارحل يا بشّار الشعب هو بيختار”. وراية الثورة الوحيدة هي راية الاستقلال السورية، تلك الراية التي رفعتها المؤسّسات السورية بعد جلاء القوات الفرنسية عن سوريا. فهذه الراية لا تُسمّى راية المعارضة؛ بل هذه راية الاستقلال.
وإذا أردنا أن نفهم كيف بدأت هذه الثورة فعلاً، وكيف كانت محاولاتها الأولى، فلا بدّ من العودة إلى تلك الأيّام المبكّرة حين حاولنا تنظيم أوّل اعتصام سلميّ في دمشق. وهنا تبدأ الشهادة الشخصية.

حكاية أوّل محاولة لتنظيم اعتصام سلميّ في دمشق
تردّدت طويلاً قبل نشر هذه القصّة، ولم أزل في حيرة من أمري بين صواب قراري وخطئه. غير أنّ رؤية صور احتفالات الناس في دمشق أمس أدمعتني، فذكّرتني بما حبسته طيلة ثلاثة عشر عاماً، وسكتّ عن البوح به.
فلمّا تصاعدت الأحداث في درعا ووصلت الأخبار عن اقتتال الفرقتين الثالثة والرابعة حول الجامع العمريّ، وهو ما أوحى بانقسام الجيش، فكّرت جماعة من المثقّفين السوريّين بالدعوة إلى اعتصام كبير في ساحة الأمويّين بدمشق؛ لأنّها عاصمة سوريا. وكانت أهداف الاعتصام إجبار نظام الأسد، وبطريق سلميّ، على قبول إجراء إصلاحات ديمقراطية في نظام الحكم السوريّ، وإيقاف ربطه بآل الأسد، وإيقاف جميع العمليّات العسكرية في وجه الشعب؛ ومن ذلك وقف العمليّات العسكرية في حمص ودرعا.
وأذكر أنّ مَن قاد المبادرة في تلك الأيّام المفكّر الجليل جمال جمال الدين، صاحب طائفة من أجمل الكتب العربية المعاصرة في إدارة العقل والتفكير العلميّ. فالأستاذ جمال، من حُسن نيّاته، تواصل مع الجهات الأمنية ليطمئنها إلى أنّ الاعتصام سلميّ بالكلّية، ولن ينادي بإسقاط النظام. غير أنّ له مطالب محقّة يريد من الحكومة سماعها ومناقشتها.
ومن الأهمّية بمكان أن نذكر أنّ هتاف إسقاط النظام لم يخرج في مظاهرات الانتفاضة السورية باكراً، بل تأخّر عدّة أشهر، لإيمان البعض (عن براءة) بحرص جيش الوطن على الشعب أكثر من حرصه على آل الأسد، ولظنّهم أنّ التغيير ممكن بصورة جزئية دون هدم النظام بالكامل.
فقرّرنا أن يكون الاعتصام في السابع عشر من نيسان سنة ٢٠١١، وحدّدنا موضعه ساحة الأمويّين، ونالت الفكرة الدعم من بعض الأثرياء الذين وعدوا بتأمين الماء والغذاء والكهرباء وأكياس النوم والخيام للمعتصمين. وسلّمتني الجماعة مهمّة جذب الرأي العامّ باستعمال وسائل الإعلام المجتمعيّ وتنظيم الدعوة للاعتصام بوساطتها، وتفرّغ الآخرون لمهمّات سواها.
وفعلاً، بدأنا الدعوة، فصنعت حدث الاعتصام على فيسبوك، فانجذب الآلاف. وكانت الدعوة والمشاركات علنية، ليس فيها سرّية البتّة، لننزع (كما اعتقدنا) مخاوف الأجهزة الأمنية من الحراك. وما كنّا نظنّ أنّ في الحراك ذاته كفراً بالأسد، بمقتضى مبادئ عناصر هذه الأجهزة الأمنية.
إذا بتنزلوا ع الأمويين واللّه لترجع الناس تلمّكم من ع الساحة شِقَف
فقبل موعد بدء الاعتصام بأربع أيّام نشرت قوّات الأمن السورية سيّارات مدرّعة مصرية صفراء في أرجاء الشوارع المحيطة بساحة الأمويّين والنافذة إليها. (وذهب بعضهم إلى أنّها عربات VBTP وليست فهد). ثمّ قبل موعد الاعتصام بيومين بدأت اتّصالات التهديدات. وأخيراً جاء اتّصال من رأس فرع الأمن السياسيّ، فقال للأستاذ جمال بالحرف: “إذا بتنزلوا ع الأمويين واللّه لترجع الناس تلمّكم من ع الساحة شِقَف”، وراح يهدّد بالمدرّعات ذات البرج المتحرّك المسلّح بالرشّاشات.
فاتّصل بي الأستاذ جمال بصوت قلق يرتجف، وطلب حذف “الحدث” من على فيسبوك وإخبار جميع الناس بأنّ الاعتصام مُلغى وأنّ التوقيت غير مناسب. وكان جميع همّه أرواح الناس الذين دعوناهم للمشاركة.
وانتقل بعض رافضي الإلغاء بالفكرة إلى مدينة دوما قرب دمشق، فعُقد فيها اعتصام استمرّ أسابيع، ودعمه التجّار فعلاً بالغذاء، وانتهى بقتل وتهجير أغلب مَن شاركوا فيه. وكان من عواقب هذا المشروع أنّني طُردت من سوريا بعد أشهر فصرت من المهجّرين.
وكما تبيّن لنا من هذه المحاولة الأولى، لم يكن نظام الأسد ليسمح بأيّ حراك سلميّ مهما كانت نواياه. وما جرى في دوما لاحقاً يؤكّد هذه الحقيقة المرّة.
تروي واحدة من سكّان دوما فتقول: “مشهد مظاهرة ساحة الأمويّين ذكّرني بحلم الوصول إلى ساحة الأمويّين. ففي كلّ جمعة كنّا نقول: ‘الجمعة الجاية بالأمويّين إن شاء الله’. فما أنسى المظاهرات التي كانت تمرّ من تحت بيتنا في دوما، إذ كانت تخرج فيها دوما بأسرها وجميع عائلتنا وجيراننا. وأذكر أنّ المظاهرات كانت تخرج في كلّ يوم جمعة أو بعد كلّ تشييع، وكان يأتي كثير من الناس من “الشام” (أي وسط دمشق). فكانت مظاهرات قوية عنيفة عنيدة جنونية جريئة شجاعة بكلّ معنى الكلمة. وكان نظام الأسد يكره اسم دوما وأهلها فيعدّهم أعداء ويعاملهم على هذا الأساس. وأكيد ما أنسى البراميل والدبّابات التي دمّرت دوما، والكيماويّ وغاز الكلور والحصار والجوع. فكان الثمن غالياً غالياً كثيراً. وأتى اليوم الموعود فرفعوا العلم في وسط الساحة فسقط للأبد ودخلت ثورتنا التاريخ للأبد.”
ولم يكن الاعتصام وحده ما كلّفنا أثماناً باهظة؛ بل حتى اختيار الراية التي سترفرف في هذه المظاهرات كان له ثمن شخصيّ دفعته بجسدي، وقصّة لا بدّ من روايتها.

راية سوريا الحرّة: سيرة تعذيب وصبر
راية سوريا الحرّة، هذه الراية كلّفتني يدي اليمنى ولها سيرة أقصّها عليك. وقبل أن تستبق الأحداث، فإنّني لا أدّعي أنّني اخترعت هذه الراية ولا ساهمت في وجودها.
غير أنّه في صيف سنة ٢٠١١ اجتمعنا في بيتي طائفة من شباب تنسيقيّات عدّة من دمشق وريفها، وكان موضوع الاجتماع تغيير راية سوريا واختيار راية للثورة. فبدأنا بطرح تصاميم؛ فبعضنا يرسم وبعضنا يبحث وأنا على الحاسوب وأطبع، ونتناقش ونتجادل، دون الوصول إلى إجماع.
وأخيراً، طرح شابّ من تنسيقية معضّمية الشام فكرة العودة إلى راية سوريا قبل راية جمال عبد الناصر. وفعلاً نال هذا الرأي إجماعاً، إلّا واحداً اعترض؛ وهو الصحفيّ محمود الزيبق، الذي نهض فخرج من بيتي بعد أن نهرني بأنّني بخاريّ لا عربيّ ولا سوريّ، وأنّه لا يجوز أن يكون لي رأي في هذه المسألة. فمانع فكرة تغيير العلم.
وفعلاً، في الجمعة التالية خرجت أوّل مظاهرة رفعت هذه الراية في معضّمية الشام، فتتالت بعدها في سوريا بأسرها. وتعرّضتُ للمساءلة والتحقيق في أفرع أمنيّة مرّات عدّة، والمطلوب أسماء حضور هذا الاجتماع، فحبستها. وفي إحدى هذه المرّات غُرست إلكترودات صغيرة في رؤوس أصابع يدي اليمنى تحت الأظافر، مع تمرير الكهرباء فيها مرّات عدّة، وهو ما سبّب ألماً مبرّحاً لا أنساه.
سبّب هذا التعذيب لي ألماً مستمرّاً ودائماً في معصم يدي لن يذهب مع الوقت؛ أي عاهة دائمة. ولو أنّ يدي عولجت لاحقاً في عمّان فأُنقذت. غير أنّ الألم باقٍ ومستمرّ، واعتدت وجوده. فأصبر عليه، كما صبرنا ثلاثة عشر عاماً لنرى رايتنا راية رسمية تمثّل سوريا.
لي، هذه الراية لا تمثّل حزباً ولا فكراً ولا شخصاً ولا أيديولوجيا. بل إنّ هذه الراية تمثّل سوريا؛ هكذا بتجرّد. ولا يجب عليها غير هذا. ولا أرى لسوريا سواها. ونجماتها الثلاث؛ دمشق وحلب وديرالزور.
فلي، في رفع هذه الراية دَينٌ أراه يُسدَّد لمن رحل من أولئك الشباب، أوائل المبادرين. ورفرفة فخر ترفع اسم كلّ شهيد من شهداء ثورة الكرامة؛ ولا سيّما الذين رحلوا في عهد السلمية، حين افتدوا كرامتنا جميعاً بصدورهم، وبتقديم أرواحهم لنا، لنحيا كما نحبّ.
رابط تسجيل أوّل مظاهرة رفعت علم الاستقلال في ثورة الكرامة السورية، يوم السادس من أيّار سنة ٢٠١١ في معضّمية الشام:

خاتمة
هذه شهادة على زمن لم ينتهِ بعد، وعلى تضحيات لا تُقدَّر بثمن. فالراية التي ترفرف اليوم في ساحة الأمويّين ليست قماشاً ملوّناً فحسب؛ بل هي شاهدة على دماء ودموع وصبر طويل. وهي رمز لشعب رفض الذلّ فاختار الكرامة، مهما كان الثمن.
ملحوظة تاريخية عن المدرّعة:
تعود أصول مشروع ناقلة الجنود المدرعة المصرية “فهد” إلى المدرّعة الألمانية “TH 390” التي صُمّمت وأُنتجت بطلب خاصّ من الجيش المصريّ سنة ١٩٨٣ لدى شركة “تيسين هينشيل Thyssen Henschel” المعروفة اليوم بـ”راينميتال للأنظمة الأرضية Rheinmetall Landsysteme GmbH”، وذلك لإحلالها محلّ ناقلات الجند المدرّعة البالية في هذه الفترة من طراز “وليد Walid” (والمدرّعة وليد من إنتاج الهيئة العربية للتصنيع وتعود لحقبة الستينيات من القرن العشرين، ومبنيّة في تصميمها على مدرّعات BTR-40 السوڤييتية، واستُعملت فيها هيكل الشاحنة العسكرية Unimog الألمانية، وصُدّرت إلى جملة من الدول منها الجزائر والسودان واليمن الشماليّ والعراق وبوروندي وأنغولا، وهي تخدم اليوم في مهامّ الدورية وبعض المهامّ الأخرى غير الرئيسية).






اترك رد