عند النظر إلى خريطة أمريكا الشمالية يخال للمرء أنّه يرى في وسطها كياناً سياسيّاً واحداً متجانساً، يمتدّ بسلاسة من المحيط الأطلسي إلى الهادئ، تحكمه قوانين فيدرالية واحدة ويجمعه دستور واحد.
لكنّ الحقيقة التي تتوارى خلف حدود الولايات الخمسين القانونية تكشف واقعاً مغايراً تماماً وأكثر تعقيداً. فالولايات المتّحدة، في جوهرها الاجتماعي والسياسي، ليست أمةً واحدة، بل هي تحالف هشّ يضمّ اثنتي عشرة أمّةً متنافسة، تتشارك الجغرافيا لكنّها تختلف جذريّاً في الهوية، والمشارب، والرؤى، وحتى في فهمها لمعنى الحرّية. يشبه هذا الوضع سكن اثني عشر شخصاً غريباً في منزلٍ واحد؛ لكلّ منهم طباعه الحادة، ومصالحه المتضاربة، وتاريخه الخاص، ممّا يجعل العراك بينهم حالةً مستمرةً لا عرضية.

يستند هذا الطرح الجذري إلى بحوث الصحفي والمؤرخ {كولن وُدارد} Colin Woodard، وتحديداً في كتابه المرجعي {أمم أمريكية: تاريخ الهويات الإقليمية المتنافسة في أمريكا الشمالية} American Nations: A History of the Eleven Rival Regional Cultures of North America. يجادل وُدارد Woodard بأنّ القارّة لم تُعمر كتلة واحدة، بل استعمرتها مجموعات بشرية متباينة الأهداف والأصول، شكّلت كلّ منها أمّة لها قيمها الخاصّة، وظلّت هذه الأمم تتصارع للسيطرة على الحكومة الفيدرالية لفرض قيمها على الآخرين، وتتداولها في كلّ بضعة عقود.
ولفهم الانقسام الأمريكي الحالي، يجب إعادة رسم الخريطة بناءً على سلوك الناس وتصويتهم، لا بناءً على الخطوط الإدارية.
صراع التأسيس: اليوتوبيا مقابل الأرستقراطية
تبدأ القصة في الشمال الشرقي، حيث ترسخت أمّة يانكيدوم Yankeedom. وتمتدّ هذه الأمّة من مِاين Maine ونيو هامبشَير New Hampshire وڤيرمونت Vermont نزولاً لتقطع شمال ولاية نيويورك New York وتصل إلى البحيرات العظمى Great Lakes. أسّسها الپيوريتان Puritans الذين ما جاؤوا بحثاً عن الثروة، بل لبناء مجتمع ديني مثالي.
يؤمن سكّان هذه المناطق إيماناً راسخاً بجدوى الهندسة الاجتماعية، ويرون في الحكومة امتداداً للمواطن وأداةً ضروريةً لتحسين حياة الناس. هنا أُسّست جامعة هارڤارد Harvard لتدريب رجال الدين، وهنا تقدّس التعليم والمشاركة المدنية. فهُم يريدون إصلاح العالم، وهو ما يفسّر رغبتهم الدائمة في فرض قيمهم على بقية الأمم، الأمر الذي يثير حفيظة جيرانهم.
وعلى النقيض تماماً، نجد في الجنوب أمّة تايدوُوتر Tidewater، التي تشمل المناطق الساحلية لڤيرجينيا Virginia وماريلاند Maryland وجنوب ديلاوير Delaware. أسّسها أبناء النبلاء الإنگليز بهدف استنساخ المجتمع الأرستقراطي شبه الإقطاعي الذي عرفوه في الريف الإنگليزي. وتؤمن هذه الأمّة باحترام السلطة والتقاليد، لكنّها اليوم في حالة انحسار وتراجع أمام تمدّد جيرانها الأقوياء.
وإلى الجنوب أكثر، تسيطر أمّة الجنوب العميق The Deep South، الممتدّة من ألاباما Alabama وميسيسيپي Mississippi إلى جورجيا Georgia وكارولينا الجنوبية South Carolina. شكّل هذه المنطقة مُلاك العبيد القادمون من مستعمرة باربادوس Barbados البريطانية، ونقلوا معهم نظاماً وحشيّاً يعتمد على الزراعة الكثيفة والسخرة.
يتمحور هذا المجتمع حول نظام طبقي صارم يخدم مصالح القلّة، ويرى في الديمقراطية تهديداً لامتيازات النخبة. وبرغم هزيمة هذه الأمّة عسكريّاً في الحرب الأهلية (بين عامي 1861 و 1865)، إلّا أنّها نجحت في تصدير نموذجها السياسي المناهض للتنظيمات الحكومية إلى واجهة السياسة الأمريكية، مشكّلةً بذلك القوّة المحافظة الأبرز في البلاد.
التجارة والاعتدال: المنطقة العازلة
بين فكي الكماشة لهتين القوّتين المتطرّفتين يانكيدوم Yankeedom والجنوب العميق The Deep South، تقع أمّتان تعملان منطقة عازلة. الأولى هي «الأراضي الخفيضة الجديدة» New Netherland (هولاندا الجديدة)، المتمركزة في مدينة نيويورك New York City وشمال نيوجيرسي New Jersey. هذه المنطقة ذات جذور هولاندية Dutch، وتتميّز منذ نشأتها بأنّها مركز عالمي للتجارة. لا يهتم سكّانها بقضايا الأخلاق والصفاء القومي بقدر اهتمامهم بالربح وحرّية التبادل. هي المنطقة الأكثر تنوّعاً وتسامحاً، ليس حبّاً في التسامح ذاته، بل لأنّ التعصّب يعيق التجارة. هنا، السعي والعمل الدؤوب هما الدين الحقيقي.
وبجوارها تمتدّ أمّة الأراضي الوسطى The Midlands، التي أسّسها القويكرز Quakers المسالمون والمهاجرون الألمان. تغطّي هذه الأمّة پنسلڤانيا Pennsylvania وأوهايو Ohio وأجزاء كبيرة من الغرب الأوسط Midwest التي توصف عادة بالولايات المتأرجحة. يتميّز مجتمعها بكونه مخصّصاً للطبقة الوسطى، ويركّز على العائلة والعمل الاعتيادي، وينفر من التدخل الحكومي ومن التطرّف السياسي على حدّ سواء. غالباً ما تقرّر هذه المنطقة الفائز في الانتخابات الرئاسية لأنّها لا تنتمي لأيّ من المعسكرين الأيديولوجيّين الكبيرين.
المحاربون والمستقلّون: أمم الجبال والحدود
عند التوغّل غرباً، تظهر أمّة أپّالاچيا الكبرى Greater Appalachia، التي تمتدّ من ويست ڤيرجينيا West Virginia عبر جبال الأپالاچ Appalachians وصولاً إلى شمال تكساس Texas. واستوطن هذه المنطقة الوعرة مهاجرون من المناطق الحدودية التي دمّرتها الحروب في أيرلاندا الشمالية Northern Ireland وشمال إنگلترا Northern England واسكتلاندا Scotland.
جلب هؤلاء معهم أخلاق المحارب؛ فهم يمقتون الأرستقراطية ويكرهون الإصلاحيّين الاجتماعيّين اليانكيز Yankees بنفس القدر. الحرّية عندهم تعني السيادة الشخصية المطلقة والاستعداد للدفاع عنها بالسلاح. وهذه المنطقة هي مهد موسيقى الكانتري Country Music والنزعة الفردية الشرسة.
أما الغرب الأمريكي الشاسع، فيخضع لسيطرة أمّة الغرب الأقصى The Far West. وتغطي هذه الأمّة المناطق الداخلية القاسية والجافّة صحاري وجبال الروكي Rockies. المفارقة في هذه الأمّة تكمن في أنّ استيطانها كان مستحيلاً دون تدخّل الحكومة الفيدرالية بمليارات الدولارات لبناء السدود والسكك الحديدية ومشاريع الري، ومع ذلك، يسود فيها خطاب سياسي معادٍ بشدّة للحكومة المركزية ومؤسّساتها، وتسيطر الشركات الكبرى على مقدراتها.

الأطراف والوافدون الجدد: فسيفساء معقّدة
لا تكتمل الخريطة دون النظر إلى الأطراف. فهناك أمّة الساحل الأيسر The Left Coast، وهي شريط رفيع يمتدّ بمحاذاة المحيط الهادئ في كاليفورنيا California وأوريگون Oregon وواشنطن Washington. ونشأ هذا الإقليم من تحالف فريد: مستوطنون من يانكيدوم Yankeedom جاؤوا عبر البحر لبناء مجتمع مثالي جديد، ومستوطنون من أپالاچيا Appalachia جاؤوا برّاً بحثاً عن الذات. فأنتج هذا المزيج مجتمعاً يجمع بين الإيمان بالمؤسّسات العامّة، الرعاية الصحية، التعليم والحرّية الشخصية المطلقة والابتكار في وادي السيليكون Silicon Valley.
وفي الجنوب الغربي، تبرز أمّة إل نورتي El Norte، وهي أقدم الأمم الأوروپية في القارّة، وتمتدّ جذورها للقرن السادس عشر. تشمل جنوب تكساس Texas وكاليفورنيا California وأريزونا Arizona. وتمتزج في هذه منطقة حدودية الهوية الأنگلوزاكسونية Anglo بالإسپانية Spanish، وتتميّز بتقدير العمل الجاد والروابط الأسرية المتينة. وفي المقابل، نجد جيباً صغيراً في جنوب لويزيانا Louisiana يسمّى فرنسا الجديدة New France، يمتدّ تأثيره ليشمل قيبيك Quebec الكندية، ويتميّز بروح المساواة والبهجة والتوافق الاجتماعي.
يضاف إلى هذه القائمة في التحليلات الحديثة منطقتان؛ الأمّة الأولى First Nation التي تمثّل السكّان الأصليّين في المناطق الشمالية الشاسعة والقاسية ألاسكا Alaska وشمال كندا Canada والذين لم ينزلوا يوماً عن أراضيهم. ومنطقة الكاريبي الإسپاني Spanish Caribbean التي تضمّ جنوب فلوريدا Florida ميامي Miami وپورتوريكو Puerto Rico، حيث تشكّلت هويّة حضرية حديثة مرتبطة بالكاريبي Caribbean وأمريكا اللّاتينية Latin America أكثر من ارتباطها بالجنوب الأمريكي التقليدي. وأخيراً، پولينيزيا الكبرى Greater Polynesia المتمثّلة في هاواي Hawaii، التي تملك تاريخاً ملكيّاً وتوجّهاً آسيويّاً-محيطيّاً فريداً.

الولايات الممزّقة: عندما تقسم الثقافة ما رسمته السياسة
لعلّ الدليل الأبرز على أنّ الحدود السياسية للولايات الخمسين هي مجرّد خطوط هندسية لا تعبّر عن الواقع البشري، هو أنّ خريطة وُدارد Woodard لا تحترم هذه الحدود بتاتاً. فقلّما نجد ولاية أمريكية تقع بكاملها داخل نطاق «أمّة» واحدة، بل إنّ معظم الولايات الكبرى تعيش حالة «انفصام هويّة» داخلي، إذ يمرّ خطّ التقسيم الثقافي في وسطها تماماً، شاطراً الولاية الواحدة إلى عالمين أو ثلاثة عوالم متنافرة، وهو ما يفسّر التوتّرات السياسية العنيفة داخل المجالس التشريعية للولاية نفسها.
تبرز كاليفورنيا California بوصفها المثال الأوضح لهذا التمزّق؛ ففي حين يُنظر إليها خارجياً على أنّها كتلة ليبرالية متجانسة، إلّا أنّها في الواقع مقسّمة بين ثلاث أمم: يسيطر الساحل الأيسر The Left Coast على الشريط الساحلي من سان فرانسيسكو San Francisco، في حين تخضع المناطق الداخلية والزراعية لسيطرة الغرب الأقصى The Far West المحافظ، في حين تتبع المناطق الجنوبية حدود إل نورتي El Norte. وينطبق الأمر ذاته على تكساس Texas، التي لا تمثّل ثقافة «رعاة البقر» وحدها كما يشاع، بل تتنازعها ثلاث قوى: الشرق الذي يتبع الجنوب العميق The Deep South، والشمال والوسط اللذان يدينان بالولاء لأپّالاچيا Greater Appalachia، والجنوب الهيسپاني التابع لإل نورتي.
وتتجلّى هذه الظاهرة بأعقد صورها في ولايات «حزام الصدأ» مثل پنسلڤانيا Pennsylvania وأوهايو Ohio وإلينوي Illinois. فهذه الولايات ليست مجرّد كيانات إدارية، بل هي ساحات معارك؛ إذ يتبع شمالها الصناعي (مثل شيكاگو Chicago وكليڤلاند Cleveland) لأخلاقيات يانكيدوم Yankeedom، في حين يتبع وسطها الزراعي لـ الأراضي الوسطى The Midlands، في حين تنتمي أطرافها الجنوبية الجبلية والفقيرة لثقافة أپّالاچيا Appalachia. وهذا التقسيم الثلاثي داخل الولاية الواحدة هو ما يجعلها «ولايات متأرجحة» Swing States تحسم مصير الرئاسة، لأنّها صورة مصغّرة عن الصراع القارّي الأكبر، حيث توجد الأمم المتناحرة جنباً إلى جنب داخل الحدود الإدارية ذاتها.
الاتّحاد المستحيل
قراءة الولايات المتّحدة United States من طريق عدسة هذه الأمم الاثنتي عشرة يفسّر لماذا يبدو الخطاب السياسي وكأنّه حوار طرشان. فالمصطلحات نفسها تعني أشياء متناقضة لكلّ طرف؛ الحرّية في يانكيدوم Yankeedom تعني التحرّر من العوز والجهل، في حين تعني في أپالاچيا Appalachia والجنوب العميق The Deep South التحرّر من القيود الحكومية.
وهكذا، يبدو جليّاً أنّ الولايات المتّحدة لم تكن يوماً متّحدةً بالمعنى العضوي، بل هي اتّفاقية تعايش معقّدة بين شعوب متنافرة. ومع تعمّق الشروخ الحالية، يطرح السؤال نفسه: هل يستمرّ هذا المنزل في احتواء ساكنيه المتنازعين، أم أنّ الجدران بدأت بالتصدّع بالفعل تحت وطأة هذه التباينات التاريخية العميقة؟

سرّ {الصمغ} الإمبراطوريّ: ما الذي يمنع انفجار الولايات المتّحدة؟
إذا كانت هذه الكيانات تبغض بعضها البعض وتختلف في جذورها وقيمها إلى هذا الحدّ، فما الذي منع الولايات المتّحدة من التفكّك كما حدث ليوگوسلاڤيا Yugoslavia أو الاتّحاد السوڤييتي Soviet Union؟ وكيف استطاعت هذه «القبائل» المتنافرة بناء أقوى دولة في التاريخ الحديث والتوسّع المستمر؟
يُظهر البحث الاستقصائي في التاريخ السياسي والاجتماعي الأمريكي أنّ الوحدة الأمريكية ليست نتاج تجانسٍ طبيعيّ، بل هي ثمرة هندسةٍ سياسيةٍ پراگماتية وظروفٍ تاريخيةٍ قاهرة عملت صمغاً لاصقاً أبقى الهيكل قائماً برغم التصدّعات.
يكمن العامل الأوّل والأهم في طبيعة النظام الفيدرالي ذاته، الذي صمّمه الآباء المؤسّسون Founding Fathers ليس بصفة عقدٍ اجتماعيّ مثاليّ، بل معاهدة سلامٍ بين أممٍ تدرك اختلافاتها. أدرك المؤسّسون استحالة دمج يانكيدوم Yankeedom والجنوب العميق The Deep South في قالبٍ واحد، فابتكروا نظاماً يسمح لكلّ أمةٍ بإدارة شؤونها الداخلية بحرّيةٍ نسبية، مع تفويض قضايا الدفاع والتجارة الخارجية لسلطةٍ مركزيةٍ محدودة. يتيح مجلس الشيوخ Senate والمجمع الانتخابي Electoral College للأمم الأقلّ سكّاناً مثل أپّالاچيا Appalachia والغرب الأقصى The Far West حماية مصالحها من هيمنة الأمم المكتظّة مثل يانكيدوم Yankeedom، ممّا يمنع شعور أيّ طرفٍ بالإقصاء التام الذي قد يدفعه للانفصال. سمح هذا الهيكل المرن للأمم المتناحرة بالتنفيس عن غضبها داخل المؤسّسات بدلاً من ساحات القتال.
ويؤدّي العامل الاقتصادي دور الرشوة الكبرى التي تضمن الولاء. فمنذ صعود هولاندا الجديدة New Netherland مركز مالي، أدركت كافّة الأمم الأمريكية أنّ الانفصال يعني انتحاراً اقتصاديّاً. إذ حوّل الدستور القارّة إلى أكبر سوقٍ مشتركةٍ خاليةٍ من الرسوم الجمركية في العالم، ممّا ربط مصالح مزارعي الوسط The Midlands بموانئ يانكيدوم Yankeedom، ومناجم الغرب The Far West بمصانع الشرق. وخلقت الرأسمالية الأمريكية شبكةً معقدةً من المصالح المتبادلة جعلت تكلفة الاتّحاد أقل بكثير من كلفة الاستقلال، موحّدةً الجميع تحت رايةٍ خضراء واحدة: الدولار US Dollar.
علاوةً على ذلك، شكّل العدو المشترك محرّكاً نفسيّاً هائلاً للتضامن. فعلى مدار تاريخها، وجدت الأمم الأمريكية سبباً للتكاتف في مواجهة تهديدٍ خارجيّ يهدّد وجودها جميعاً. وحّد الملك جورج الثالث King George III المستعمرات الأولى، ثم جاءت الحروب العالمية لتدفع أبناء أپالاچيا Appalachia للقتال جنباً إلى جنب مع أبناء الساحل الأيسر The Left Coast في خنادق أوروپا Europe. وخلال الحرب الباردة Cold War، نجح التهديد السوڤييتي Soviet في صهر الخلافات الداخلية مؤقّتاً لمصلحة جبهةٍ موحّدة. غياب عدوٍ خارجيّ واضحٍ اليوم هو ما يجعل الخلافات الداخلية تطفو على السطح بحدّةٍ أكبر.
ولعلّ الابتكار الأمريكي الأخطر لضمان الوحدة هو ما يسمّيه علماء الاجتماع {الديانة المدنية الأمريكية} American Civil Religion. نظراً لافتقار أمريكا لقومية واحدة أو دينٍ واحدٍ أو تاريخٍ قديمٍ مشترك، اخترعت الدولة مقدّساتها الخاصّة: العَلم Flag، والدستور Constitution، والنشيد الوطني، وأسطورة الحلم الأمريكي American Dream. هذه الرموز تعامل بقدسيةٍ دينية، وتعمل أرضيةٍ مشتركةٍ يلتقي عليها اللّيبرالي من كاليفورنيا California والمحافظ من تكساس Texas. ويؤمن الجميع، برغم اختلاف تفسيراتهم، بأنّهم جزءٌ من تجربةٍ استثنائيةٍ في التاريخ البشري، وهذا الإيمان بـ {الاستثناء الأمريكي} American Exceptionalism يخلق كبرياءً وطنيّاً يتجاوز الانتماءات الإقليمية.
وأخيراً، تؤدّي الجغرافيا البشرية والحركية المستمرّة دور مذيب الفوارق الحادة. الأمريكيّون شعبٌ دائم الترحال؛ يولد المرء في الجنوب العميق The Deep South، ويدرس في يانكيدوم Yankeedom، ويعمل في الساحل الأيسر The Left Coast، ويتقاعد في إل نورتي El Norte أو الكاريبي الإسپاني Spanish Caribbean. هذه الهجرة الداخلية المستمرّة تخلط الأوراق الديموغرافية وتخفّف من حدّة نقاء الأقاليم القومي، جاعلةً رسم حدودٍ فاصلةٍ واضحةٍ تبرر الانفصال التام صعباً للغاية.
إذاً، لم تتوحّد أمريكا لأنّ شعوبها وقعت في حبّ بعضها البعض، بل لأنّها وجدت في الاتّحاد صيغةً پراگماتية تضمن الأمن والرفاهية، مدعومةً بدينٍ مدنيّ قويّ ونظامٍ سياسيّ صُمّم لامتصاص الصدمات لا لمنعها. ليست الوحدة الأمريكية قدراً محتوماً، بل هي صفقةٌ مستمرّةٌ تتجدّد يوميّاً، وتواجه اليوم أصعب اختباراتها مع تآكل بعض هذه الروابط الصمغية التي أمسكت بأوصال هذا العملاق لقرنين من الزمان.

خاتمة: هل يتّحد العرب؟
تُفضي بنا رحلة استكشاف الخارطة الجينية للولايات المتّحدة إلى حقيقةٍ جوهريةٍ غالباً ما تغيب عن الأذهان: الدولة هنا ليست «عائلة كبيرة» تجمعها روابط الدم والتاريخ السحيق، بل هي «شركة مساهمة» عملاقة وناجحة، أُسّست بموجب عقدٍ واضح (الدستور) لإدارة مصالح متباينة، حيث يكون الربح المشترك (الأمن والرفاهية) هو الضامن الوحيد لاستمرار الشراكة، لا العاطفة.
ولو تخيّلنا تطبيق هذه الهندسة الفيدرالية الپراگماتية على الواقع العربي، لوجدنا أنفسنا أمام مفارقةٍ تاريخية صارخة. يملك العالم العربي المقوّمات العضوية لـ «أمّة» واحدة (لغة مشتركة، دين غالب، تاريخ متداخل، وجغرافيا متّصلة) وهي روابط تتفوّق بمراحل على ما يملكه الأمريكيّون، لكنّه يفتقد «العقد الپراگماتي» والمؤسّسات التي تدير الاختلاف.
اعتمدت محاولات الوحدة العربية السابقة (مثل التجربة الناصرية أو البعثية) على نموذج الانصهار القسري Melting Pot، محاولةً صهر الفوارق المحلّية بين المغربي والشامي والخليجي في قالبٍ أيديولوجي واحد، وهو ما يشبه محاولة «يانكيدوم» فرض قيمها على «أپالاچيا»، الأمر الذي أدّى غالباً إلى التصدّع والفشل. لكنّ هذا الصهر استند إلى تحول القيم المحلّية إلى «خطأ» يحتاج إلى التصويب، فصارت فوارق الهويّة المحلّية «خطأ» يحتاج إلى تصحيح. فانعزل «العربي القويم» قيمةً افتراضية عن «العربي الحقيقي» في الواقع.

في المقابل، يقدّم النموذج الأمريكي -برغم عيوبه- درساً في إدارة التنوّع عبر «الفيدرالية المرنة». فلو طُبّق هذا المنظور افتراضيّاً، لتطلّب الأمر تخلّي العرب عن فكرة الدولة المركزية التي تذيب الجميع، والاستعاضة عنها باتّحادٍ كونفيدرالي أو فيدرالي يعترف بوجود «أمم» عربية فرعية (مغاربية، نيلية، يمانية، شامية، خليجية، نهرينية، إلخ)، تملك كلّ منها استقلالاً واسعاً في إدارة قوانينها وأنماط عيشها المحلّية، في حين يجمعها «صمغ» المصالح العليا: سوق مشتركة مفتوحة، عملة موحّدة، ومنظومة دفاعية مشتركة.
الدرس المستفاد من الحالة الأمريكية هو أنّ الوحدة الراسخة لا تُبنى على الشعارات العاطفية بوجود «أمّة واحدة ذات رسالة خالدة» فحسب، بل تُبنى عندما يدرك الشركاء المختلفون أنّ كلفة بقائهم معاً أقل بكثير من كلفة انفصالهم، وأنّ مصالحهم محفوظة ضمن كيانٍ أكبر يحترم خصوصيّاتهم ولا يحاول محوها. هنا نجحت أمريكا لأنّها اعترفت بانقسامها ونظّمته، في حين تعثّر العرب لأنّهم أنكروا اختلافاتهم وحاولوا قمعها بدلاً من استثمارها.
مراجع ومصادر
- American Nations: A History of the Eleven Rival Regional Cultures of North America – Colin Woodard https://www.colinwoodard.com/books/american-nations/
- Albion’s Seed: Four British Folkways in America – David Hackett Fischer https://global.oup.com/academic/product/albions-seed-9780195069051
- The Nine Nations of North America – Joel Garreau https://www.amazon.com/Nine-Nations-North-America/dp/0380578859
- Nationhood Lab – Pell Center for International Relations and Public Policy (Colin Woodard’s Research Lab) https://nationhoodlab.org/
- The Island at the Center of the World: The Epic Story of Dutch Manhattan – Russell Shorto https://www.russellshorto.com/book/the-island-at-the-center-of-the-world
- Born Fighting: How the Scots-Irish Shaped America – James Webb https://www.penguinrandomhouse.com/books/188075/born-fighting-by-james-webb/
- Civil Religion in America – Robert N. Bellah (Daedalus, Journal of the American Academy of Arts and Sciences) http://www.robertbellah.com/articles_5.htm
- The Big Sort: Why the Clustering of Like-Minded America Is Tearing Us Apart – Bill Bishop http://www.thebigsort.com/home.php
- Cadillac Desert: The American West and Its Disappearing Water – Marc Reisner https://www.penguinrandomhouse.com/books/329587/cadillac-desert-by-marc-reisner/
- Battle Cry of Freedom: The Civil War Era – James M. McPherson https://global.oup.com/academic/product/battle-cry-of-freedom-9780195168952
- Union: The Struggle to Forge the Story of United States Nationhood – Colin Woodard https://www.colinwoodard.com/books/union/
- Why We’re Polarized – Ezra Klein https://www.simonandschuster.com/books/Why-Were-Polarized/Ezra-Klein/9781476700328
- The Federalist Papers – Alexander Hamilton, James Madison, John Jay (Library of Congress) https://guides.loc.gov/federalist-papers/full-text
- Democracy in America – Alexis de Tocqueville https://www.gutenberg.org/ebooks/815
- The Cousins’ Wars: Religion, Politics, Civil Warfare, And The Triumph Of Anglo-America – Kevin Phillips https://www.basicbooks.com/titles/kevin-phillips/the-cousins-wars/9780465013706/
- American Character: A History of the Epic Struggle Between Individual Liberty and the Common Good – Colin Woodard https://www.colinwoodard.com/books/american-character/
- Red State, Blue State, Rich State, Poor State – Andrew Gelman http://www.stat.columbia.edu/gelman/redstate/
- Hillbilly Elegy: A Memoir of a Family and Culture in Crisis – J.D. Vance https://www.harpercollins.com/products/hillbilly-elegy-j-d-vance
- Captive Paradise: A History of Hawaii – James L. Haley https://www.stmartins.com/book/captive-paradise/9780312600655
- El Norte: The Epic and Forgotten Story of Hispanic North America – Carrie Gibson https://www.carriegibson.co.uk/el-norte
- American Exceptionalism: A Double-Edged Sword – Seymour Martin Lipset https://wwnorton.com/books/9780393316148
- The Fall of the House of Dixie: The Civil War and the Social Revolution That Transformed the South – Bruce Levine https://www.penguinrandomhouse.com/books/99634/the-fall-of-the-house-of-dixie-by-bruce-levine/
- Geography By Geoff – Geoff (YouTube Channel & Substack – The source of the visual summary) https://www.youtube.com/@GeographyByGeoff
- The Arab Predicament: Arab Political Thought and Practice Since 1967 – Fouad Ajami (For the comparative analysis on Pan-Arabism failure) https://www.cambridge.org/core/books/arab-predicament/20124317921345969567954316936355
- The United Arab Republic, 1958-1961: Arab Unity and Egyptian Nationalism – Adeed Dawisha (For the comparative analysis)
- Federalism and the Accommodation of Diversity – Center for Constitutional Studies (Theoretical basis for the conclusion) https://www.constitutionalstudies.ca/





اترك رد