لماذا نتحدّث اليوم عن اليسار العربيّ؟ فالقصّة هنا لا تتعلّق بنظريّاتٍ جامدةٍ في كتبٍ قديمةٍ، بل بفرص تغييرٍ ضاعت، وأحلامِ أجيالٍ كاملةٍ تبخّرت. ولسنواتٍ طويلةٍ، اعتدنا سماع روايةٍ واحدةٍ تفسّر تراجع الأحزاب الماركسيّة والاشتراكيّة في بلداننا، تتلخّص في الملاحقات الأمنيّة والسّجون. لكنّ هذه الرّواية، على صدقها، لا تقول الحقيقة كاملةً؛ فالأنظمة قمعت الجميع، لكنّ الشّارع اختار الانحياز لتيّاراتٍ أخرى، وترك اليسار وحيداً في مكاتبه المترهّلة.
هذا المقال محاولةٌ للنظر في المرآة دون مجاملةٍ، يطرح سؤالاً جوهريّاً: كيف تحوّل الّذي خرج ليدافع عن العمّال والفلّاحين، إلى غريبٍ يتحدّث بلغةٍ لا يفهمها العامل والفلّاح؟ وكيف استبدل النّضال لتغيير الواقع، برفضٍ دائمٍ لهذا الواقع، تحوّل مع الوقت إلى «نادي تشاؤمٍ» مغلقٍ يطرد كلّ من يحاول تقديم حلٍّ عمليٍّ ملموسٍ؟

مقدّمة: في نقد النّسق البنيويّ والفكريّ … الاغتراب المزدوج ومأزق العزلة
تأخذ هذه المراجعة شكل رحلةٍ من جزأين: في الجزء الأوّل، نغوص في العقل اليساريّ العربيّ لنشرح عيوبه البنيويّة، بدءاً من استيراد الأفكار المعلّبة من موسكو وبكّين، وصولاً إلى فخّ التّمويل الأجنبيّ ومعاداة الهويّة الرّوحيّة للبسطاء. أمّا في الجزء الثّاني، فننتقل من التّحليل الاستنتاجيّ إلى التّوثيق الميدانيّ، عبر مراجعةٍ وتلخيصٍ شاملٍ لواحدٍ من أهمّ المراجع الّتي رصدت هذا الطّيف؛ وهو مشروع «خارطة اليسار العربيّ» بجزأيه، الّذي أصدرته مؤسّسة روزا لوكسمبورگ الألمانية في كانون الأوّل ديسمبر 2013 م صفر 1435 هـ ونشر بطبعته النّهائيّة سنة 2014 م 1435 هـ، ليغطّي مسيرة الأحزاب وتحدّياتها في 12 بلداً عربيّاً.
الهدف هنا ليس الهدم، ولا الشّماتة في تجربةٍ سياسيّةٍ دفعت أثماناً باهظةً، بل وضع اليد على الجرح؛ لأنّ إصلاح البوصلة هو الخطوة الأولى لأيّ جيلٍ جديدٍ يريد صياغة مشروعٍ للعدالة الاجتماعيّة، ينبع من طين هذه الأرض ولا يهبط عليها بمظلّاتٍ مستوردةٍ.

الخطيئة التّأسيسيّة: استيراد القوالب الجاهزة
يواجه الطّيف اليساريّ في المنطقة العربيّة برمّته أزمةً بنيويّةً ووجوديّةً عميقةً، تتجاوز في جذورها حدود القمع الأمنيّ الّذي سلّطته الأنظمة الحاكمة، لتستقرّ في صميم التّكوين الفكريّ والتّنظيميّ لهذا المعسكر. وعند النّظر إلى التّجربة العربيّة الممتدّة من المشرق إلى المغرب، يظهر بوضوحٍ أنّ العلل الّتي أصابت التّجمّعات الماركسيّة والشّيوعيّة ليست أعراضاً محلّيّةً عابرةً، بل هي نتاج «خطيئة تأسيسيّة» رافقت ولادة هذا التّيّار، وتتمثّل في ظاهرة الاغتراب المزدوج؛ إذ نشأت النّواة الأولى لليسار العربيّ في كنف التّبعيّة الفكريّة للمركزين السّوڤييتيّ والصّينيّ، وجرى استيراد المقولات النّظريّة قوالب جاهزة وإسقاطها قسراً على مجتمعاتٍ زراعيّةٍ ورعويّةٍ وتجاريّةٍ لم تخض مساراً صناعيّاً يفرز طبقةً عاملةً متبلورةً.
تولّدت هذه الخطيئة من التّعامل مع الماركسيّة بوصفها «وصفةً سحريّةً» صالحةً للتطبيق الفوريّ في كلّ زمانٍ ومكانٍ. وفي مقارنةٍ تاريخيّةٍ، نجد أنّ الفكر الاشتراكيّ في أوروپا تخلّق طبيعيّاً داخل أحشاء الثّورة الصّناعيّة، وجاء استجابةً لتناقضاتٍ ملموسةٍ ويوميّةٍ بين ملّاك المصانع والپروليتاريا، في حين هبطت النّظريّة على المشرق والمغرب من أعلى، عبر نخبٍ مثقّفةٍ مدينيّةٍ عجزت عن فكّ شيفرة البُنى العشائريّة والدّينيّة المحيطة بها.
تجلّى هذا الاغتراب مبكّراً في التّجربة التّأسيسيّة للحزب الشّيوعيّ السّوريّ اللّبنانيّ الّذي أبصر النّور في تشرين الأوّل أكتوبر 1924 م ربيع الأوّل 1343 هـ؛ حين توجّهت كوادره بمخاطبة الفلّاحين في قرى جبل لبنان وغوطة دمشق بمصطلحات فائض القيمة وديكتاتوريّة الپروليتاريا، في أوساطٍ كانت لا تزال محكومةً بالولاءات الإقطاعيّة والمذهبيّة، ممّا بنى جداراً عازلاً بين النّصّ المستورد والمتلقّي المحليّ.

فخّ ما بعد الاستقلال: ثنائيّة التّطويع والإبادة
وضاعفت مرحلة ما بعد الاستقلال من حجم التّيه الأيديولوجيّ؛ فمع صعود الأنظمة العسكريّة وتبنّيها لما سمّي بالاشتراكيّة أو رأسماليّة الدّولة، انقسم اليسار العربيّ على نفسه بين خيارين كلاهما مميت. اختار شقٌّ منه القبول بالتّطويع والاندماج المؤسّساتيّ داخل جبهاتٍ سلطويّةٍ، كما حدث في مصر وسوريا والعراق والجزائر، ممّا جرّده من وظيفته النّقديّة وحوّله إلى موظّفٍ بيروقراطيٍّ يبرّر سياسات الحكم، في حين تعرّض الشّقّ الرّافض المستقلّ لحملات إبادةٍ وتصفيةٍ جسديّةٍ في السّجون. وأدّى هذا الفرز القسريّ إلى إخلاء السّاحة من أيّ عقلٍ يساريٍّ نقديٍّ قادرٍ على ممارسة التّفكيك الجذريّ لبنى التّخلّف والاستبداد.
تكمن المفارقة التّحليليّة هنا في أنّ الأنظمة القوميّة الحاكمة سَلَبَت من الأحزاب الشّيوعيّة برنامجها الاقتصاديّ (كالتّأميم والإصلاح الزّراعيّ)، لكنّها طبّقته بقبضةٍ أمنيّةٍ ألغت التّعدّديّة وحظرت الإضرابات. وفي مقابل النّموذج الغربيّ الّذي حافظت فيه الأحزاب الاشتراكيّة على استقلالها التّنظيميّ وخاضت تداولاً ديمقراطيّاً على السّلطة، تحوّلت الأحزاب المشرقيّة والمغاربيّة إلى ملحقاتٍ تابعةٍ تدور في فلك الحزب الحاكم.
يقدّم {فالح عبد الجبّار} في رصده لتحوّلات الحزب الشّيوعيّ العراقيّ مثالاً ناصعاً على هذا المأزق؛ إذ حين وافق الحزب سنة 1973 م 1393 هـ على الدّخول في «الجبهة الوطنيّة التّقدّميّة» مع حزب البعث، متنازلاً عن تنظيماته داخل الجيش والجامعات، لتكون النّتيجة الحتميّة تصفية كوادره فورَ تفرّد النّظام بالسّلطة كليّاً سنة 1979 م 1399 هـ.

الكهنوت التّنظيميّ: المركزيّة البيروقراطيّة وعقليّة الطّليعة
وعلى الصّعيد التّنظيميّ، أنتج التّطبيق الحرفيّ لمبدأ المركزيّة الدّيمقراطيّة هياكل حزبيّةً هرميّةً صلبةً، قتلت الدّيناميكيّة الدّاخليّة وحوّلت الماركسيّة من منهج تحليلٍ جدليٍّ إلى كهنوتٍ أيديولوجيٍّ مقدّسٍ.
وتولّدت عن هذا التّكلّس عقليّةٌ أبويّةٌ استعلائيّةٌ تنظر إلى الجماهير بوصفها كتلةً قاصرةً تنتظر بصيرة الطّليعة المعلّمة لتقودها. ولعلّ هذا التّعالي النّظريّ هو الّذي يفسّر حالة الذّهول والشّلل الّتي أصابت أحزاب اليسار إبّان انطلاق الشّرارة الأولى للاحتجاجات الشّعبيّة في كانون الأوّل ديسمبر 2010 م ذي الحجّة 1431 هـ وامتدادها في كانون الثّاني يناير 2011 م محرّم 1432 هـ؛ إذ عجزت هذه الأطر عن التقاط لحظة الحراك لأنّها كانت تنتظر كتباً مدرسيّةً وثوراتٍ پروليتاريّةً مطبوخةً في قوالب نظريّةٍ، فسبقتها الجماهير، وابتلعتها قوى الثّورة المضادّة وتيّارات الإسلام السّياسيّ.
يكشف تشريح الهياكل الحزبيّة عن تناقضٍ حادٍّ بين مفهوم الدّيمقراطيّة المرفوع في الشّعارات، والممارسة الفعليّة الّتي تجعل المكتب السّياسيّ يتصرّف بمنزلة مجلسٍ عسكريٍّ يقمع أيّ تيّارٍ تجديديٍّ ينبع من القواعد الشّابّة.
يَظهَر هذا الجمود التّنظيميّ في تحليل {ناصر جابي} لليسار الجزائريّ؛ إذ تحوّلت الأحزاب هناك إلى مكاتبَ مغلقةٍ تديرها نخبٌ هرميّةٌ متكلّسةٌ تحتكر المقاعد منذ سنوات 1970 م 1390 هـ. وعندما اندلعت الإضرابات العماليّة الكبرى في مصانع الشّرق الجزائريّ، كانت القيادات الحزبيّة مشغولةً بإصدار فتاوى أيديولوجيّةٍ تخوّن المغامرين، بدلاً من النّزول إلى الميدان لتأطير المحتجّين.

نادي التّشاؤم المؤسّسيّ: متلازمة يسار المعارضة
ويقودنا هذا التّشخيص إلى صميم العقد النّفسيّة والسّياسيّة الّتي تحكم سلوك اليساريّ العربيّ، والّتي تظهر بصورةٍ مكثّفةٍ في التّجربة السّوريّة، والمتمثّلة في التّحوّل إلى نادي تشاؤم مؤسّسيّ مغلقٍ. فبسبب انسداد أفق الدّيمقراطيّة وحرمان الأحزاب من أيّ فرصةٍ لاختبار مسؤوليّة الحكم وإدارة الدّولة، تكرّس النّموذج العربيّ بوصفه يسار معارضة مزمناً، يقتات على الرّفض الشّعائريّ الموروث، ويفتقر كليّاً إلى مرونة يسار المشاركة القادر على طرح البدائل العمليّة وعقد التّسويات البرغماتيّة.
وفي هذا النّسق المحاصر، صار التّشاؤم والنّقد العدميّ صفة نقاءٍ ثوريٍّ، يخوّن ويقصى بسببه كلّ من يطرح مقاربةً إيجابيّةً أو حلّاً ملموساً، ممّا جعل النّقد غايةً بحدّ ذاتها، وحوّل الأيديولوجيا إلى مخدّرٍ يعفي أصحابه من مشقّة العمل ومخاطرة الإنجاز.
تتجلّى أبعاد هذه النّقطة عند تحليل ما طرحه {مؤنس بخاري} في مقاله {لماذا أنفر من اليسار السوري؟} بشأن الفارق الجوهريّ بين ممارستي المعارضة والمشاركة؛ فالحزب التّقدّميّ في أوروپا (كحزب «دي لينكه» الألمانيّ) يخوض الانتخابات المحلّيّة، ويدير ميزانيّات البلديّات، ويقبل بتسوياتٍ مرحليّةٍ لتخفيض أسعار تذاكر النّقل أو توفير مساكنَ للاجئين. أمّا النّسق المشرقيّ، فيرى في المساومة التّكتيكيّة تلوّثاً، مفضّلاً الاحتفاظ بطهارة العجز في صفوف المعارضة الأبويّة.
تُثبت مسيرة الحزب الشّيوعيّ اللّبنانيّ في عقب اتّفاق الطّائف سنة 1990 م 1411 هـ هذه الحقيقة؛ إذ وجد الحزب نفسه مُبعداً عن جنّة المحاصصة، وبدلاً من صياغة برنامجٍ خدميٍّ يخترق به النّقابات المِهنيّة، اعتكف يجترّ أمجاد «جبهة المقاومة الوطنيّة اللّبنانيّة» الّتي أطلقها سنة 1982 م 1402 هـ، ليتحوّل إلى منظّمٍ بارعٍ لمسيراتٍ غاضبةٍ تنتهي فورَ وصول المتظاهرين إلى ساحة رياض الصّلح، دون أن تفرزَ مقعداً برلمانيّاً واحداً.

العلمنة الصّداميّة: استعداء الشّارع واحتكار المظلوميّة
وتكتمل حلقات هذه العزلة بسقوط اليسار العربيّ في فخّ العلمنة الصّداميّة الّتي جعلته في موقع الخصومة الوجدانيّة مع الشّارع الّذي يدّعي تمثيله. انزلق العقل اليساريّ من مشروع مواجهة حركات الإسلام السّياسيّ إلى معاداة التّديّن الشّعبيّ البسيط، متبنّياً معادلةً صفريّةً ومقنّعةً تصنّف الأكثريّة المسلمة في خانة المحافظة والظّلم حتماً، مقابل احتكار مظلوميّة الأقلّيّات. وأدّى هذا الانحراف عن مبدأ شموليّة العدالة الاجتماعيّة إلى قطع الشّريان الحيويّ الّذي يربط الحزب بالطّبقة الكادحة؛ إذ لا يمكن لحركةٍ تحرّريّةٍ أن تكسب معركة الخبز والحرّيّة وهي تخوض حرباً باردةً ضدّ الموروث الرّوحيّ للفقراء الّذين تطلب نصرتهم.
تتأكّد فداحة هذا التّخندق عند مقارنة اليسار المشرقيّ بحركات «لاهوت التّحرير» في أمريكا اللّاتينيّة؛ فهناك، فهم الماركسيّون أنّ الكنيسة يمكن أن تكون متراساً للمظلومين، فزاوجوا بين الإنجيل ومناهضة الإمبرياليّة، ليقود القساوسة المظاهرات. أمّا في البلدان العربيّة، فاختار النّاشط اليساريّ مخاطبة العامل بلغةٍ تزدرِي معتقداته، محوّلاً الصّراع من معركةٍ تقسيمِ ثروةٍ إلى مناظرةٍ ميتافيزيقيّةٍ.
تجلّى هذا التّشَوّه في مصر بين سنتي 2011 م 1432 هـ و 2013 م 1434 هـ؛ حين انحاز قطاعٌ واسعٌ من اليسار للمؤسّسة العسكريّة نكايةً بالإخوان المسلمين. وبدلاً من بلورةِ خطٍّ جماهيريٍّ يدافع عن رغيف الخبز ويحترم هويّة المواطن، تماهت تلك النّخب مع القمع الأمنيّ، متناسيةً أنّ الكادحين الّذين انحازوا للإسلاميّين لم يفعلوا ذلك عشقاً في التنظير، بل بحثاً عن شبكةِ تكافلٍ خيريٍّ عجزت المكاتب اليساريّة عن بنائها.

ظاهرة الأنجزة: من متاريس النّضال إلى صالونات التّمويل
وفي مواجهة هذا المأزق، بحثت فصائل اليسار المعاصر عن مخارج بديلةٍ، فلم تتّجه نحو المصانع والأرياف والحواري المفقرة، بل يمّمت وجوهها شطر المنظّمات غير الحكوميّة المرتهنة لصناديق الدّعم الأوروپيّ والأمريكيّ. وأنتجت ظاهرة «أنجزة اليسار» مسخاً سياسيّاً يستبدل النّضال الطّبقيّ الجذريّ وتنظيم النّقابات بخطابٍ حقوقيٍّ لطيفٍ، ومشاريع موسميّةٍ، وشبكات مصالح زبائنيّةٍ تتكيّف تماماً مع شروط النّظام النّيوليبراليّ العالميّ، وتكتفي بتجميل هياكل الاستغلال بدلاً من دكّها.
تُترجم هذه الحالة عمليّة انتقالٍ من الاعتماد عَلى الذّات إلى الارتهان للمموّل؛ فالمناضل الّذي كان يطبع بيانه من اقتطاعِ قوتِ يومه، صار يصمّم مشروعه بناءً عَلى مقاسِ المنحة المقدّمة من سفاراتِ الغرب، مستخدماً مصطلحاتٍ مستوردةً لا تَمتُّ لقاموسِ العامل بصِلَةٍ.
يرصد {حسن لدادوة} في تتبّعه لليسار الفلسطينيّ كيف ابتلعت المنظّمات الأهلية الأطر الجماهيريّة للجبهة الشّعبيّة وحزب الشّعب عقب اتّفاق أوسلو سنة 1993 م 1414 هـ؛ إذ تحوّلت لجان العمل التّطوّعيّ الّتي أشعلت انتفاضة 1987 م 1408 هـ، إلى مكاتبَ مكيّفةٍ في رام اللّٰه تُصدر تقاريرَ باللّغة الإنگليزيّة لترضيَ المانح الأوروپيّ، فانقطعت صِلتها بالمخيّمات، وصار النشاط يُقاس بحجم الفواتير المصروفة لا بحجم الأراضي المستعادة.

خريطة العبور: نحو يسار البرامج والاشتباك اليوميّ
يستلزم خروج اليسار العربيّ من ثلّاجة التّاريخ ثورةً على الذّات قبل الثّورة على الأنظمة؛ ثورةً تهدم بنيانه الهرميّ المتكلّس، وتحيل كوادره التّقليديّة إلى التّقاعد لإفساح المجال أمام دماءٍ شابّةٍ متخفّفةٍ من عقد الماضي، وتعيد صياغة المشروع على أساس يسار البرامج العمليّة المتدرّجة الّتي تربط ربطاً عضويّاً بين مهامّ التّحرّر الوطنيّ ومناهضة الإمبرياليّة والصّهيونيّة، وبين معركة الكرامة الاجتماعيّة اليوميّة.
يرتكز هذا العبور عَلى مغادرة مربّع التبشير بالجنّة الماركسيّة لمصلحة هندسةِ الحلول المحلّيّة. فالمواطن المسحوق في أطرافِ بغدادَ أو ضواحي الدّار البيضاء اليوم، لا ينتظر مقالةً تُثبت حتميّة سقوط الرّأسماليّة، بل ينتظر تشكيلَ تعاونيّةِ إسكانٍ ميسّرةٍ، أو صياغةَ عقدِ عملٍ قانونيٍّ يحمي حقوق عمال المياومة.
تقدّم التجربة التّعاونيّة الّتي خاضها أهالي مدينة جمنة في الجنوب التّونسيّ في عقب انتفاضة 2010 م 1431 هـ، نموذجاً ساطعاً لهذا البديل؛ إذ استردّ السكّان ضيعة مزارع النّخيل من هيمنة الدّولة، وأداروها تسييراً ذاتيّاً أفقيّاً، ووجّهوا عائداتها الماليّة لتعبيدِ الطّرقات وبناءِ قاعةٍ رياضيّةٍ للمدرسة، مبرهنين بالفعل الملموس كَون الاشتراكيّة ليست طلسماً غامضاً، بل هي صندوقُ تمرٍ يُباع ليشتريَ سيارةَ إسعافٍ للقرية.

مشروع خارطة اليسار العربيّ … التّوثيق والتّشخيص
مراجعة وتلخيص كتاب خارطة اليسار العربي (بجزأيه)
بطاقة تعريف الكتاب وتقييمه
- عنوان الإصدار: خارطة اليسار العربي (صدر في جزأين: المشرق العربي، وشمال إفريقيا واليمن والسّودان).
- التّحرير: جميل هلال وكاتيا هيرمان (الجزء الأوّل) – خليل كلفت (الجزء الثّاني).
- النّاشر: مؤسّسة روزا لوكسمبورگ (مكتب رام اللّٰه ومكتب شمال إفريقيا).
- سنة الإصدار: الطّبعة النّهائيّة للمشروع بجزأيه صدرت سنة 2014 م 1435 هـ.
- الحجم الإجماليّ: يمتدّ الجزء الأوّل وحده على 196 صفحة، ويغطّي المشروع إجمالاً 12 بلداً عربيّاً.
- روابط التّنزيل المباشر:
تحميل الجزء الأوّل: إطلالة على اليسار في المشرق العربي
تحميل الجزء الثّاني: شمال إفريقيا واليمن والسّودان
مراجعة نقديّة للمحتوى
يمثّل هذا المشروع التّوثيقيّ الصّادر عن مؤسّسة روزا لوكسمبورگ واحدةً من أجرأ المحاولات البحثيّة لتشريح أزمة الطّيف اليساريّ العربيّ من الدّاخل، متجاوزاً البكائيّات التّقليديّة الّتي تعلّق الفشل كليّاً على مشجب القمع الأمنيّ للأنظمة. وتكمن القيمة الاستثنائيّة للكتاب في جمعه بين التّأريخ التّوثيقيّ لنشأة الأحزاب (منذ عشرينيّات القرن العشرين) وبين التّحليل السّياسيّ لمأزقها الرّاهن عقب انتفاضات سنة 2011 م 1432 هـ.
يوجّه الباحثون نقداً صارماً لثلاثيّة الشّلل اليساريّ: الجمود العقائديّ المستورد من النّموذج السّوڤييتيّ، والبيروقراطيّة الهرميّة الّتي قتلت التّجديد الدّاخليّ، والارتهان الماليّ (سواء لريع الأنظمة أو لصناديق التّمويل الأجنبيّ). وفي حين ينجح الكتاب بامتياز في تشخيص أمراض التّشرذم والعزلة عن القواعد الشّعبيّة، فإنّه يترك القارئ أمام خاتمةٍ تبدو أقرب إلى الأمنيات الطّوباويّة، مكتفياً بالدّعوة إلى هدم الهياكل الأبويّة والانفتاح على الشّباب، دون أن يقدّم خريطة طريقٍ تنظيميّةٍ ملموسةٍ لكيفيّة بناء «يسار البرامج» في بيئةٍ تطحنها الصّراعات الأهليّة واللّبرلة المتوحّشة.

الجزء الأوّل: إطلالة على اليسار في المشرق العربي
يتوزّع هذا الجزء على 7 دراساتٍ محوريّةٍ تقرأ مشهد المشرق العربيّ، ملخّصةً على النّحو التّالي:
المدخل النّظريّ والتّشخيص التّاريخيّ
يفتتح {جميل هلال} الكتاب بمساءلةٍ نقديّةٍ لمعنى الانتماء إلى المعسكر اليساريّ، مُرجعاً جذور الأزمة إلى النّقل الحرفيّ لمقولات التّجربة السّوڤييتيّة والصّينيّة، وتطبيقها قوالبَ جاهزةٍ دون تبيّنِ ملائمتها للواقع الاقتصاديّ والاجتماعيّ المتغيّر في المشرق. ويبيّن الباحث كيف أدّى التّطبيق البيروقراطيّ الصّارم لمبدأ المركزيّة الدّيمقراطيّة إلى خنق التّعدّديّة الدّاخليّة، وتوليد علاقةٍ أبويّةٍ تلقينيّةٍ بالجماهير تعاملت مع الشّعب كتلةٍ تحتاج إلى الإرشاد بدلاً من إشراكها الفعليّ في صنع التّغيير.
ويطرح المؤلِّف شروطاً ملحّةً لولادة يسارٍ ديمقراطيٍّ جديدٍ، تتلخّص في فكّ الارتباط كليّاً عن الأنظمة الاستبداديّة ومصادر التّمويل الرّيعيّ، وتبنّي علمانيّةٍ إيجابيّةٍ تفصل بين الحقلين الدّينيّ والسّياسيّ وتقف على الحياد تجاه المعتقدات دون استعداء التّديّن الشّعبيّ، وصياغة مشروعٍ وحدويٍّ عربيٍّ متدرّجٍ يناهض الإمبرياليّة والصّهيونيّة. ويوضّح {هلال} أنّ الخطاب الرّاهن استبدل شعار بناء الاشتراكيّة في المدى المنظور بالنّضال لأجل العدالة الاجتماعيّة وتأسيس الدّيمقراطيّة العميقة الّتي تربط الحرّيّة السّياسيّة والمدنيّة بالمساواة الاقتصاديّة والاجتماعيّة التّامّة.
اليسار الفلسطينيّ: الواقع والتّحدّيات
يحلّل {حسن لدادوة} تعقيدات الحقل السّياسيّ الفلسطينيّ الّذي يفتقر إلى سيادة الدّولة، ويعاني من التّجزئة الجغرافيّة والمجتمعيّة تحت وطأة الكولونياليّة الاستيطانيّة، والاحتلال العسكريّ، وحصار قطاع غزّة، وتشتّت اللّاجئين. ويتتبّع الباحث تراجع فصائل اليسار (الجبهة الشّعبيّة لتحرير فلسطين، والجبهة الدّيمقراطيّة لتحرير فلسطين، وحزب الشّعب الفلسطينيّ، والاتّحاد الدّيمقراطيّ الفلسطينيّ فدا، وجبهة النّضال الشّعبيّ) من موقع التّأثير المباشر في صياغة إستراتيجيات منظّمة التّحرير الفلسطينيّة إبّان العمل السّريّ والانتفاضة الأولى، إلى قوّةٍ تعاني من التّهميش وتآكل الرّصيد الانتخابيّ، إبّان نيلها 7.9% فقط من الأصوات و 5 مقاعد في التّشريعيّة سنة 2006 م 1427 هـ.
ويوضّح المؤلِّف التّناقض الصّارخ بين تعريف هذه الفصائل لنفسها قوى معارضةٍ للنّهج الاقتصاديّ النّيوليبراليّ الّذي تتبنّاه السّلطة الفلسطينيّة، ومشاركتها الفعليّة في حكوماتها المتعاقبة. ويقدّم {لدادوة} تشريحاً نقديّاً لظاهرة تحوّل الأطر الجماهيريّة اليساريّة إلى منظّماتٍ غير حكوميّةٍ مرتهنةٍ للتّمويل الأجنبيّ، ممّا استبدل العمل التّطوّعيّ والارتباط بالقواعد الشّعبيّة بشبكاتٍ زبائنيّةٍ تتبنّى خطاباً حقوقيّاً ناعماً لا يـَمسّ جوهر النّظام الرّأسماليّ.
اليسار الأردنيّ: نظرة في الواقع والمستقبل
يستعرض {موسى شتيوي} مسيرة الحزب الشّيوعيّ الأردنيّ الّذي ولدت نواته التّأسيسيّة في نيسان أبريل 1951 م رجب 1370 هــ، نتيجةً للتفاعل المباشر مع نكبة 1948 م 1367 هـ ووحدة الضّفتين. ويوثّق الباحث الحقبة الذّهبيّة لليسار في النّضال البرلمانيّ سنة 1956 م 1375 هـ وتشكيل حكومة الائتلاف الوطنيّ برئاسة {سليمان النّابلسيّ}، قبل إعلان الأحكام العرفيّة سنة 1957 م 1376 هـ وزجّ المناضلين في السّجون والعمل السّريّ لعقود.
وبدراسة مرحلة ما بعد عودة التّعدّديّة الحزبيّة سنة 1989 م 1410 هـ، يفسّر {شتيوي} استمرار ضعف اليسار بالتّشوّهات البنيويّة للاقتصاد وسوق العمل الأردنيّ؛ فالطّبقة العاملة مجزّأةٌ وتعاني من غياب الوعي التّضامنيّ، حين يمثّل العمّال الوافدون 50% من القوّة العاملة، في حين خسرت الأحزاب اليساريّة حواضنها المِهنيّة التّقليديّة في الطّبقة الوسطى لمصلحة صعود الحركة الإسلاميّة. وينبّه المؤلِّف إلى خطورة التّكتّلات والانقسامات الدّاخليّة الّتي تضرب الأحزاب حول مفهوم الهويّة الوطنيّة والموقف من الثورة السّوريّة، مشيراً إلى إخفاقها في قيادة الحراكات الشّعبيّة المطلبيّة برغم المبادرات التّجميعيّة الأخيرة المتمثّلة في إشهار «اتّحاد الشّيوعيّين الأردنيّين».
يسار لبنان: إمكانيّة المستحيل
يؤرّخ {حسين يعقوب} للانطلاقة التّأسيسيّة لليسار اللّبنانيّ وتأسيس الحزب الشّيوعيّ اللّبنانيّ في تشرين الأوّل أكتوبر 1924 م ربيع الأوّل 1343 هـ باسم «حزب الشّعب»، مروراً بانتزاع أوّل تشريعٍ عماليٍّ متمثّلاً في قانون العمل سنة 1946 م 1365 هـ، وصولاً إلى قيادة الحركة الوطنيّة اللّبنانيّة برئاسة {كمال جنبلاط} وخوض الحرب الأهليّة سنة 1975 م 1395 هـ لإسقاط النّظام الطّائفيّ.
ويشرح الباحث كيف تحوّلت الحرب إلى صراعٍ أهليٍّ ومذهبيٍّ ربط الميلّشيات بمصادر الدّعم والتّسليح الخارجيّ، مبيّناً الأثر السّلبيّ لاتّفاق الطّائف سنة 1990 م 1411 هـ الّذي ثبّت المحاصصة الطّائفيّة، ونزع سلاح المقاومة الوطنيّة الّتي أطلقها اليسار سنة 1982 م 1402 هـ، وحصر مواجهة إسرائيل بيد “حزب اللّٰه” الشيعي. ويجلّي المؤلِّف مأزق الحزب الشّيوعيّ في التّكيّف مع مرحلة السّلم الأهليّ، وإخفاقه في العبور من الممارسة الميلّشياويّة إلى العمل الحزبيّ الدّيمقراطيّ، راصداً محاولاته الأخيرة لإثبات الذّات عبر النّضال المطلبيّ في «هيئة التّنسيق النّقابيّة» ضدّ التّحالف الحاكم الذي استند إلى الوصاية الأمنيّة السّوريّة والرّأسماليّة الحريريّة.
قراءة في واقع اليسار السّوريّ
يفكّك {سلام الكواكبي} آليّات الهيمنة والتّطويع الّتي طبّقها النّظام الحاكم في سوريا تجاه الحركة اليساريّة. ويبيّن الباحث كيف جرى دمج التّيّار الشّيوعيّ التّقليديّ الموالي لموسكو داخل الجبهة القوميّة التّقدّميّة تحت قيادة حزب البعث، ممّا جرّده من وظيفته النّقديّة وحوّله إلى واجهةٍ شكليّةٍ، في حين واجهت التّنظيمات والحلقات الماركسيّة المستقلّة قمعاً أمنيّاً ممنهجاً، واعتقالاتٍ طويلةٍ، وتصفياتٍ في السّجون.
ويحلّل المؤلِّف خلفيّات انتفاضة آذار مارس 2011 م ربيع الآخر 1432 هـ، مؤكّداً أنّها نتاجٌ طبيعيٌّ لتفاقم الفوارق الطّبقيّة، وانهيار الزّراعة، وتخلّي الدّولة عن الرّعاية الاجتماعيّة تطبيقاً لوصفات صندوق النّقد الدّوليّ، ممّا نقل البلاد إلى رأسماليّة محاسيبَ مافياويّةٍ تحتكر العقارات والمصارف وتُفقر سكّان الأرياف والضّواحي. ويحدّد {الكواكبي} التّحدّي الوجوديّ لليسار الدّيمقراطيّ في سعيه لبلورة مسارٍ مدنيٍّ يرفض الاستبداد الأمنيّ، ويتصدّى في الوقت نفسه لمحاولات أسلمة الصّراع وترييفه عبر الفصائل المسلّحة المدعومة من الخارج.
اليسار الفلسطينيّ في إسرائيل
يفصّل {مطانس شحادة} تضاريس المشهد السّياسيّ لليسار بين المواطنين العرب الفلسطينيّين داخل الخطّ الأخضر، الّذين يخضعون لقوانينَ تمييزيّةٍ تعاملهم بصفة أقليّاتٍ طائفيّةٍ مشرذمةٍ بدلاً من الاعتراف بحقوقهم سكّانٍ أصليّين. ويقسّم الباحث الحقل السّياسيّ إلى 3 قوى متصارعةٍ: اليسار الشّيوعيّ التّقليديّ المتمثّل في «الجبهة الدّيمقراطيّة للسلام والمساواة»، والتّيّار القوميّ المتمثّل في «التّجمّع الوطنيّ الدّيمقراطيّ»، مقابل الحركة الإسلاميّة.
ويوجّه المؤلِّف نقداً لاذعاً لحالة التّشرذم والتّنافس الانتخابيّ الحادّ بين الجبهة والتّجمّع، ممّا أهدر فرصة بناء كتلةٍ تاريخيّةٍ ذات برنامجٍ موحّدٍ يتصدّى لنظام الأبارتهايد الإسرائيليّ. ويدعو {شحادة} إلى مغادرة الحلقيّة الضّيّقة، وتطوير أطرٍ تمثيليّةٍ وتنفيذيّةٍ جامعةٍ ومنتخبةٍ للأقليّة الفلسطينيّة، وفي مقدّمتها إعادة هيكلة «لجنة المتابعة العليا للجماهير العربيّة» ودَمقرطتها.
اليسار العراقيّ: ظلال تحالفات الماضي وبناء الدّولة المدنيّة
يحلّل {فالح عبد الجبّار} التّحوّلات العميقة الّتي عصفت بالحزب الشّيوعيّ العراقيّ، الّذي مثّل أكبر قوّةٍ يساريّةٍ وجماهيريّةٍ في المشرق العربيّ إبّان سَنوات 1950 م 1369 هـ وسَنوات 1960 م 1379 هـ. ويوثّق الباحث الانهيار التّنظيميّ للحزب إبّان تعرّضه لحملات إبادةٍ وتصفيةٍ جسديّةٍ مبرمجةٍ على يد نظام البعث، ملقياً الضّوء على الأخطاء القاتلة في إدارة التّحالفات السّياسيّة، ولا سيّما الدّخول في «الجبهة الوطنيّة التّقدّميّة» سنة 1973 م 1393 هـ.
ويشرح المؤلِّف حالة التّخبّط والارتباك الّتي أصابت قيادة الحزب عقب الغزو الأمريكيّ وسقوط النّظام سنة 2003 م 1424 هـ، وانخراطه في مجلس الحكم القائم على مبدأ المحاصصة الطّائفيّة والإثنيّة. ويخلص {عبد الجبّار} إلى أنّ إنقاذ اليسار العراقيّ يستوجب التّخلّي التّامّ عن الشّعارات التّاريخيّة الطّوباويّة، والتّصالح مع الممارسة الدّيمقراطيّة المعاصرة، وبناء تحالفاتٍ مدنيّةٍ واسعةٍ تستبدل دوگماتيّة الماركسيّة التّقليديّة ببرامجَ ملموسةٍ تحقّق العدالة الاجتماعيّة وتُنهي التّشرذم المذهبيّ.
الخاتمة التّركيبيّة ومسار المستقبل
خلاصة الجزء الأوّل
تتلاقى استخلاصات الباحثين في ختام الجزء الأوّل عند حقيقة أنّ أزمة اليسار المشرقيّ في جوهرها هي أزمة فاعليّةٍ وممارسةٍ، وليست أزمة نصوصٍ أو تنظير. ولن يستعيد هذا الطّيف مكانته قوّةٍ جاذبةٍ للتّغيير إلّا إذا هدم بنيته البيروقراطيّة المترهّلة، وتواضع متخلّياً عن ادّعاء احتكار الحقيقة بصفة طليعةٍ معلّمةٍ للجماهير، وانفتح بصدقٍ على طاقات الأجيال الشّابّة. ويشترط الكتاب لنجاح المشروع اليساريّ صياغة رؤيةٍ تربط ربطاً لا انفصام فيه بين النّضال الوطنيّ للتحرّر من الاحتلال والصّهيونيّة والوصاية الخارجيّة، والنّضال الطّبقيّ والاجتماعيّ لانتزاع لقمة العيش، ودحر النّظام النّيوليبراليّ، وتأسيس الدّولة المدنيّة الدّيمقراطيّة.

الجزء الثّاني: شمال إفريقيا واليمن والسّودان
يقدّم هذا الكتاب، الصّادر تحت تحرير {خليل كلفت}، دراسةً تحليليّةً لواقع أحزاب اليسار وتحدّياتها في 6 بلدانٍ عربيّةٍ أخرى، مستهدفاً تجاوز الصّور النّمطيّة وفهم تجارب هذا المعسكر في مواجهة التّحوّلات السّياسيّة والاقتصاديّة:
الإطار النّظريّ والمفاهيميّ (خليل كلفت وپيتر شيفر)
- التّبعيّة ورأسماليّة الدّولة: يوضّح الباحثان نشأة اليسار العربيّ في حضن التّبعيّة الاستعماريّة، مبيّنين تحوّل البرجوازيّات القوميّة والأنظمة العسكريّة الحاكمة إلى تجمّعاتٍ رأسماليّةٍ تابعةٍ أو رأسماليّاتِ دولةٍ أجهضت مسار التّصنيع والتّحديث المستقلّ.
- أزمة الجمود والتّصفية: يشرح التّقرير الهزال التّاريخيّ لليسار الماركسيّ الّذي عانى من التّصفيات البوليسيّة والجمود العقائديّ المستورد من النّموذج السّوڤييتيّ، ممّا أفقده القدرة على قيادة الجماهير.
- طبيعة انتفاضات 2011: يفسّر الكتاب أحداث سنة 2011 م 1432 هـ بوصفها هبّاتٍ واحتجاجاتٍ شعبيّةً عفويّةً انطلقت ضدّ الاستبداد وإفقار السّكّان، وليست ثوراتٍ اجتماعيّةً سياسيّةً تراكميّةً تنقل أسلوب الإنتاج وتـُسلّم السّلطة للطّبقة العاملة، الأمر الّذي يفسّر سرعة انحسارها وسيطرة قوى الثّورة المضادّة المتمثّلة في الفلول وجماعات الإسلام السّياسيّ على مفاصلها.
الحالات الدّراسيّة (البلدان الستّة)
أوّلاً: اليسار التّونسيّ {المولدي قسّومي}:
يفرّق الباحث بين اليسار الشّيوعيّ التّقليديّ والطّيف الاجتماعيّ الأوسع، مشيراً إلى تضرّر العمل الحزبيّ من الملاحقات التّاريخيّة. ويرصد انخراط اليسار في المعركة التّشريعيّة حول صياغة الدّستور عقب انتفاضة سنة 2010 م 1431 هـ، مركّزاً على الفجوة الاقتصاديّة والاجتماعيّة العميقة بين الشّريط السّاحليّ والمناطق الدّاخليّة المحرومة.
ثانياً: اليسار المصريّ ({خليل كلفت} وآخرون):
يعاني المعسكر من التّشرذم إلى أحزابٍ وحلقاتٍ صغيرةٍ عجزت عن التقاط زخم الحراك الشّعبيّ الّذي ساهمت في إشعاله سنة 2011 م 1432 هـ. ويصف التّقرير حصار اليسار وعجزه عن التّمايز وسط الصّراع الحادّ بين المؤسّسة العسكريّة وجماعة الإخوان المسلمين، مشيراً إلى الفشل التّاريخيّ في بناء قاعدةٍ عماليّةٍ وشعبيّةٍ مستدامةٍ تحمي المشروع الاجتماعيّ.
ثالثاً: اليسار اليمنيّ:
تتنازع هذا الطّيف تجربة الحكم الاشتراكيّ السّابقة في الجنوب، وتحرّكات فصائل المعارضة في الشّمال، حيث يصطدم العمل الحزبيّ بتحالفات القبيلة والعسكر وصعود الحركات الأصوليّة في محيطٍ منهكٍ بالفقر والصّراعات المسلّحة.
رابعاً: اليسار السّودانيّ:
يخوض الحزب الشّيوعيّ والقوى التّقدّميّة صراعاً مريراً ضدّ الدّيكتاتوريّة العسكريّة الأصوليّة الحاكمة، في حين يرصد الكتاب تداعيات انفصال جنوب السّودان والانهيار الاقتصاديّ الشّامل على تشتيت الجهود المطلبيّة.
خامساً: اليسار المغربيّ:
يتوزّع بين أحزابٍ قبلت الاندماج المؤسّساتيّ داخل النّظام الملكيّ، وقوى جذريّةٍ اختارت المعارضة في الشّارع ضمن حركة 20 شباط فبراير، تعمل جميعها تحت وطأة سياسات لبرلةٍ اقتصاديّةٍ قاسيةٍ أثقلت كاهل المواطنين.
سادساً: اليسار الجزائريّ {ناصر جابي}:
يشخّص الكتاب حالة الشّلل الّتي أصابت الأحزاب نتيجة الجمود التّاريخيّ وهيمنة الدّولة على العمل النّقابيّ، مبيّناً فقدان اليسار للفاعليّة وقدرة التّأثير في مجتمعٍ يحكمه ريع النّفط والگاز والوصاية الإداريّة.
خلاصة الكتاب الثّاني
يختتم الكتاب بأنّ مأزق اليسار في شمال إفريقيا والمشرق يكمن في غياب الفاعليّة والالتحام المباشر بقضايا الجماهير اليوميّة. ولن يكتب النّجاح لهذا المشروع إلّا بهدم التّنظيمات الهرميّة الأبويّة، والانفتاح على طاقات الشّباب، وربط معركة التّحرّر الوطنيّ برفض التّبعيّة الاقتصاديّة للمؤسّسات الماليّة الدّوليّة.

خلاصة الكتاب بجزئيه: مأزق الفاعليّة وحتميّة التّجديد
تتلاقى استخلاصات الباحثين في جزأي الكتاب، المشرقيّ والمغاربيّ، عند نتيجةٍ جوهريّةٍ واحدةٍ: أزمة اليسار العربيّ في مجمل البلدان الـ 12 المدروسة هي أزمة فاعليّةٍ وممارسةٍ عضويّةٍ، وليست أزمة تنظيرٍ أو نصوصٍ. ولن يكتب النّجاح لهذا المشروع أو يستعيد مكانته بوصفه قوّةً جاذبةً للتّغيير إلّا بقراراتٍ راديكاليّةٍ تبدأ من الدّاخل.
يستوجب هذا التّجديد هدم البنى التّنظيميّة البيروقراطيّة المترهّلة، والتّخلّي التّامّ عن عقليّة الوصاية الأبويّة وادّعاء احتكار الحقيقة بوصفه طليعةً معلّمةً للجماهير. ويشترط لضمان هذا العبور الانفتاح الصّادق على طاقات الأجيال الشّابّة، ومغادرة الصّالونات المغلقة والمكاتب المكيّفة للالتحام المباشر بقضايا الشّارع اليوميّة.
وترتكز خريطة الطّريق المستقبليّة لليسار على صياغة رؤيةٍ شاملةٍ تربط ربطاً لا انفصام فيه بين جبهاتٍ عدّةٍ؛ تبدأ بالنّضال الوطنيّ للتّحرّر من الاحتلال والصّهيونيّة والوصاية الخارجيّة، وتتوازى مع النّضال الطّبقيّ والاجتماعيّ لانتزاع لقمة العيش. ويستلزم هذا المسار دحر النّظام النّيوليبراليّ، ورفض التّبعيّة الاقتصاديّة للمؤسّسات الماليّة الدّوليّة وصناديق التّمويل الأجنبيّة، وصولاً إلى الهدف الأسمى المتمثّل في تأسيس الدّولة المدنيّة الدّيمقراطيّة الّتي تضمن العدالة والمساواة للجميع.

رسالة مفتوحة إلى الّذين كانوا رفاقاً
أدوّن هذه السّطور الختاميّة منطلقاً من تجربة شخصيّة، لا من فراغ تحليليّ. أمضيت عقدين في أحضان هذا الطّيف السّياسيّ، وخبرت طرائق تفكيركم ونقاشاتكم المغلقة، وأعرف جيّداً تلك النّظرة الّتي ترمون بها كلّ من يخالفكم الرّأي. ثمّ نفرت من اليسار العربيّ برمّته، وتركت صفوفه، وذهبت أعمل مع جهات يصنّفها هو في قائمة أعدائه اللّدودين. ولم يحدث هذا التّحوّل تخلّياً عن مبادئ العدالة، بل نفوراً من تلك الأزمة البنيويّة الخانقة بالذّات.
أكتب لكم اليوم لا بدافع الكراهية، بل بدافع الأسف على طاقات مهدورة ومشاريع أجهضها أصحابها قبل أن ترى النّور. أقول لكم بصراحة موجعة: تكمن مشكلتي الكبرى معكم في التّعالي المقيت على الشّعب. لا يستطيع العقل الحرّ البقاء في مساحة تصرّ على الانفصال عن الواقع لمصلحة ادّعاء احتكار الحقيقة. أرهقتني عقليّة الوصاية الأبويّة الّتي تفرض نفسها طليعة معلّمة للجماهير، وترفض الاستماع لأيّ صوت يخالف نصوصها الموروثة.
صار أفراد اليسار ومثقّفوه يعتقدون جازمين أنّهم أكثر فهماً للواقع والحياة من كلّ النّاس. وتحوّلت أحزاب اليسار إلى مجموعات من المتألّهين على الشّعب، يمارسون وصاية فكريّة وسياسيّة تتجاوز في قسوتها وصلفها ما تمارسه الجماعات والأحزاب الدّينيّة الّتي تفترض أنّها موكّلة من اللّٰه. انزلوا من أبراجكم العاجيّة ومكاتبكم المكيّفة؛ الشّارع لا يحتاج إلى أوصياء يلقّنونه دروساً في الوعي، بل يحتاج إلى شركاء يتواضعون أمامه ويستمعون إلى نبضه الحقيقيّ.
تتصرّفون وكأنّكم تملكون مفاتيح الحقيقة المطلقة، وتوزّعون صكوك الغفران السّياسيّ والتّخوين على من تشاؤون. وهذا التّألّه الفكريّ هو الّذي عزلكم عن النّاس. فالعامل الكادح، والفلّاح المتعب، واللّاجئ النّازح، لا تعنيهم تنظيراتكم المعقّدة ومصطلحاتكم المستوردة الّتي تلوكونها في صالوناتكم. هؤلاء يبحثون عمّن يقف معهم في طابور الخبز، ويحترم معتقداتهم البسيطة، ولا يسخر من إيمانهم أو يزدري هويّتهم.
التّغيير الحقيقيّ يبدأ حين تعترفون أنّكم لستم الأذكى بين النّاس، ولستم الأوعى بينهم. الجماهير الّتي تدّعون تمثيلها أذكى من أن تساق بشعارات فارغة. وإذا كنتم صادقين في سعيكم نحو العدالة، فمزّقوا نصوصكم المعلّبة، واخرجوا إلى الشّمس، وتعلّموا من الشّعب بدلاً من محاولة تعليمه.
اقبلوا النّقد، وافسحوا المجال للدّماء الشّابّة، وتوقّفوا عن احتكار الحكمة؛ العمل السّياسيّ النّاجح يتطلّب مرونة وتواضعاً وتعلّماً مستمرّاً من النّاس. وما لم تكسروا هذا الصّنم الّذي بنيتموه لأنفسكم، ستبقون ظلالاً باهتة على هامش التّاريخ، تتغنّى بماض لم تصنعه، وتنتظر مستقبلاً لن يأتي.
وأمّا أنت أخي العاديّ الّذي يبحث عن بديل حقيقيّ، فلا تجعل يأسك من هذه النّخب دافعاً للاستسلام أو القبول بالظّلم. العدالة الاجتماعيّة ليست حكراً على تنظيمات متكلّسة، بل هي مطلب يوميّ يخصّك وحدك. ابدأ ببناء بديلك الخاصّ في دوائرك الصّغيرة، وأسّس لمبادرات تكافليّة، وتعاونيّات محلّيّة، وحلول عمليّة تشاركيّة تلامس أوجاع النّاس وتحترم هويّاتهم. لن يهبط عليك التّغيير جاهزاً من مكاتب السّياسيّين، بل سينبت من الأرض الّتي تقف عليها، وبسواعد تشبه ساعدك.





اترك رد