تطوي الولايات المتّحدة الأميركيّة 250 عاماً من عمرها، وتفتح باباً واسعاً لمراجعة تجربة سياسيّة واجتماعيّة بالغة التّعقيد. إذ وبينما يبدو هذا الكيان العظيم للرّائي من بعيد كتلةً متجانسةً تتحرّك بإرادة واحدة، يكشف الغوص في عمق التّاريخ واقعاً مختلفاً تماماً، تتصارع فيه 12 أمّة متنافرة تحت سقف جغرافيّ واحد.
يضعنا هذا الواقع المعقّد أمام تساؤل محوريّ: كيف تبدّلت الولايات المتّحدة الأميركيّة من دولة محافظة، شديدة الانغلاق، ومثقلة بإرث العنصريّة، لتصل إلى حالة الانفتاح والتّنوّع الّتي نراها اليوم؟
وللإجابة عن هذا السّؤال، ومحاولة استكشاف إمكانيّة تحقّق نهضة مشابهة في البلدان العربيّة الكبرى، يجب علينا تفكيك المسار التّاريخيّ والسّياسيّ والاجتماعيّ الأميركيّ، ومقاطعته مع الصّورة الّتي ترسّخت للعرب في المخيّلة الأميركيّة طوال قرون مديدة.
لفهم مسار التّحوّل الدّاخليّ العميق، تجب أوّلاً العودة إلى نقطة الصّفر الّتي تأسّست عليها العقليّة الأميركيّة وصاغت هويّتها في مواجهة «الآخر». إذ لم تُبنَ هذه الهويّة في فراغ، بل استندت إلى خلق صورة متخيّلة عن العالم الخارجيّ لتبرير أفضليّتها وتوحيد صفوف أممها المتنافرة. وشكّل العالم العربيّ والإسلاميّ المادّة الأساسيّة لتلك الصّياغة، ممّا يفرض تتبّع جذور هذا الإدراك لفكّ شيفرة الانغلاق التّاريخيّ الّذي عاشته الدّول المتّحدة الأميركيّة طويلاً، قبل أن تفرض عليها مسارات التّاريخ المتعاقبة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة قادتها إلى الانفتاح.

الجذور الإدراكيّة وصناعة الصّورة النّمطيّة
بدأت صياغة الصّورة الأميركيّة للعالم العربيّ قبل أن تبدأ العلاقات الرّسميّة المباشرة بقرون، وتحديداً مع وصول المستوطنين الأوائل من الپيوريتانيّين إلى العالم الجديد. إذ حمل هؤلاء المهاجرون رؤى لاهوتيّة صارمة، صوّرت الإمبراطوريّة العثمانيّة والإسلام قوىً معادية يجب التّغلّب عليها لإثبات أفضليّة المشروع الأميركيّ الدّينيّ والأخلاقيّ.
تلاقت هذه النّظرة مع أوّل احتكاك جيوسياسيّ فعليّ للدّولة الشّابّة عبر حروب السّاحل البربريّ بين عامي 1784 و 1816. إذ أسّست تلك الحروب للهويّة العسكريّة الأميركيّة النّاشئة، وحوّلت النّظرة من لاهوتيّة بحتة إلى عداء قوميّ صريح، فخُلّدت الانتصارات في التّراث العسكريّ الأميركيّ لتشكّل أساساً نفسيّاً في التّعامل مع الشّرق الأوسط لاحقاً.
عزّز الأدب الجماهيريّ والمعارض الدّوليّة هذه الصّورة النّمطيّة في المخيِّلة الشّعبيّة الأميركيّة. فكتب {مارك توين} كتابه الشّهير الّذي صوّر فيه بلاد الشّام أرضاً قاحلة بسكّان كسالى، في حين قدّم معرض شيكاگو الكولومبيّ عام 1893 الشّرق العربي في قالب غرائبيّ واستهلاكيّ، حاصراً إيّاه في استعراضات تسلّع الجسد والتّراث. فساهمت هذه التّراكمات في ترسيخ بيئة إدراكيّة مسمّمة، مهّدت الطّريق لتمرير قوانين إقصائيّة صارمة في أوائل القرن 20.
استعملت الإدارة الأميركيّة نظريّات تحسين النّسل لإغلاق أبواب الهجرة أمام الشّعوب غير المرغوب فيها عبر قوانين الأعوام 1917 و 1924. وشهدت أروقة المحاكم معارك قانونيّة شرسة لتحديد هويّة المهاجرين العرب، وتصنيفهم ضمن فئات «البياض» المقبولة أو استبعادهم بناءً على معايير دينيّة وجغرافيّة متطرّفة. ولم تتبدّل هذه النّزعة الإقصائيّة الواضحة إلّا مع تبدّل المصالح الجيوسياسيّة الكبرى، وبروز حاجة الولايات المتّحدة الأميركيّة لتأمين مصادر النّفط عقب الحرب العالميّة الثّانية، ليطغى التّعامل البراگماتيّ على النّبذ الأيديولوجيّ دون أن يمحوه بالكامل.

بذور النّهضة والتّغيير النّاعم
في القرن 19 الميلاديّ (13 الهجريّ)، اندفعت الإرساليّات التّبشيريّة الأميركيّة نحو المشرق العربيّ مسلّحة بعقليّة لاهوتيّة پروتستانتيّة متشدّدة ومنغلقة، تحرّكها غاية دينيّة واضحة لتنصير السكّان ومحو معتقداتهم المحلّيّة. ولم يأتِ هؤلاء المبشّرون لتقديم العلم أداةً للتّنوير، فلم تكن الولايات المتّحدة ذات أي “تنوير” حينها. بل حرّكتهم رؤى ألفيّة متطرّفة ترى في أميركا أداة إلهيّة لفرض نموذجها الخلاصيّ على الشّعوب الأخرى. لكنّ هذا المشروع الدّينيّ المتغطرس اصطدم بجدار منيع، وانهار أمام مجتمع عربيّ ذي بنية دينيّة واجتماعيّة صلبة وعصيّة على التّحويل المذهبيّ.
أجبر هذا الفشل الذّريع المبشّرين الأميركيّين، أمثال {كورنيليوس ڤان دايك}، على البحث عن طوق نجاة يضمن استمرار وجودهم في المنطقة. ولجؤوا تكتيكيّاً إلى التّعليم العلمانيّ وتأسيس المؤسّسات الطّبّيّة، لا حبّاً في التّقدّم، بل محاولة براگماتيّة لكسب ثقة مجتمع رفضهم دينيّاً.
أنتج هذا التّراجع التّكتيكيّ الأميركيّ صروحاً علميّة، مثل الكلّيّة السّوريّة الپروتستانتيّة في بيروت عام 1866 الميلاديّ (1283 الهجريّ)، وافتتاح أوّل كلّيّة طبّ درّست التّشريح وعلم الأمراض. فاستثمرت النّخب العربيّة هذه الإمكانات المادّيّة الوافدة، وطوّعتها بذكاء لخدمة حركة النّهضة الفكريّة والعلميّة الّتي كانت تتشكّل أصلاً من الدّاخل.
غير أنّ هذا التأثير العلمي أنتج اللّغة العربيّة الفصحى المعاصرة (فصحى الصحافة) التي سادت منصّات التعليم والإعلام الحديثة، بتغليف الدوافع الأميركيّة الدينيّة بمظهر علماني لطيف يحرّر الشعوب من نزاعاتها الدينيّة. وتجذّرت في هذه العربيّة الحديثة بنى إنگليزية وترجمة حرفيّة ونقحرة دمّرت البنى العربيّة الأصيلة وجماليّات البلاغة العربيّة. إذ حُرمت الأجيال الجديدة من الاطلاع على غير إنتاج خرّيجي المؤسّسات التعليميّة الأميركية في الشرق الأوسط.
تفضح هذه التّجربة طبيعة العقل الأميركيّ المبكّر الّذي حكمته نزعة تفوّق دينيّة صارمة؛ إذ لم يلتفت إلى تقديم المعرفة العلميّة والطّبّيّة إلّا بعد أن أجهض الواقع الشّعبيّ العربيّ مشروعه اللّاهوتيّ، وفرض عليه التّنازل عن أهدافه التّبشيريّة الرّئيسة.

كيف تغيّرت الولايات المتّحدة الأميركيّة؟
يجيب استعراض التّاريخ الدّاخليّ للدول المتّحدة الأميركيّة عن سؤال مفصليّ يخصّ انتقالها من التّعصّب والانغلاق إلى التّنوّع والتّعدّديّة. فلم يولد هذا الانفتاح من فراغ، بل تحقّق عبر 5 منعطفات تاريخيّة دامية وحاسمة غيّرت البنية الهيكليّة للمجتمع الأميركي.
يأتي المنعطف الأوّل والأهمّ في الحرب الأهليّة المندلعة بين عامي 1861 و 1865. حين نشأت الجمهوريّة على مفارقة أخلاقيّة واضحة بين شعارات إعلان الاستقلال ونظام العبوديّة الوحشيّ المترسّخ في الدّول الجنوبيّة. وأسفرت الحرب عن تدمير نظام العبوديّة قانونيّاً، وتمرير التّعديلات الدّستوريّة الّتي كفلت المواطنة المتساوية، لتضع حجراً أساسيّاً لا رجعة فيه لحقوق الإنسان في القارّة.
تلا ذلك مسيرة نضال طويلة لتحصيل حقوق النّساء السّياسيّة، وتوّجت في عام 1920 بإقرار التّعديل 19 الّذي منح النّساء حقّ التّصويت. وكسر هذا التّشريع الاحتكار الذّكوريّ للسّياسة، وأجبر المشرّعين على دمج قضايا الرّعاية الاجتماعيّة، وصحّة الأسرة، وشبكات الأمان في صلب الأجندة الوطنيّة، ليتحوّل المجتمع نحو مزيد من العدالة الاجتماعيّة. ولتسقط بعدها تباعاً القوانين التي تحصر وجود المرأة بواجب الأمومة والعمل المنزلي، دون حقّ الاستقلال المالي.
يظهر الكساد الكبير في عقد 1930 محطّة مفصليّة ثالثة. إذ كشفت الأزمة الاقتصاديّة الطّاحنة عن هشاشة الرّأسماليّة غير المقيّدة، لتبادر إدارة الرّئيس {فرانكلين روزڤلت} بإطلاق تشريعات «الصّفقة الجديدة». ونقلت هذه الإجراءات الحكوميّة المباشرة الدّول المتّحدة من كيان يكتفي بحماية الملكيّات الخاصّة إلى دولة رفاه تنظيميّة تحمي مواطنيها وتضمن حقوق العمّال عبر شبكات الأمان التّاريخيّة.
شهد عقدا 1950 و 1960 المنعطف الرّابع متمثّلاً في حركة الحقوق المدنيّة. فقادت شخصيّات تاريخيّة نضالاً سلميّاً شرساً ضدّ قوانين الفصل العنصريّ جِم كرو، ممّا فرض على الحكومة تفكيك التّمييز المؤسّساتيّ عبر تشريعات عامي 1964 و 1965. وفتح هذا النّضال الآفاق واسعة أمام الأقليّات جميعها لتنال حقوقها المدنيّة الكاملة في الفضاءات العامّة وسوق العمل.
تجلّى المنعطف الخامس في قانون الهجرة والجنسيّة لعام 1965. إذ ألغى هذا التّشريع نظام الحصص القوميّة العنصريّ الّذي قيّد دّخول البلاد سنوات طويلة، واستبدله بنظام يعتمد على الكفاءة ولمّ الشّمل. وأدّى هذا التّغيير التّشريعيّ العميق إلى ديموغرافيّة متنوّعة استقطبت الكفاءات من أنحاء الأرض كافّة، لتنقذ البلاد من شبح الشّيخوخة السّكّانيّة وتضمن استمرار نموّها التّكنولوجيّ والصّناعيّ.
تؤكّد هذه المنعطفات أنّ التّطوّر الدّيمقراطيّ الأميركيّ ليس مساراً حتميّاً ولا مؤامرة مصمّمة سلفاً ولا تحصيل حاصل، بل هو نتاج نضال مجتمعيّ متواصل وتضحيات جسيمة، فرضت على المشرّعين تغيير مسارات كانت تنذر بسقوط الدّولة في ديستوبيا مظلمة.

أمم الولايات المتّحدة الأميركيّة المتناحرة
يُخفي النّجاح الفيدراليّ الأميركيّ تحته صراعاً ثقافيّاً عميقاً بين 12 أمّة فرعيّة تتقاسم القارّة، تمتلك كلّ منها رؤى متباينة لمفهوم الحرّيّة والمجتمع. إذ أسّس الپيوريتانيّون أمّة يانكيدوم في الشّمال الشّرقّيّ لإقامة مجتمع مثاليّ يؤمن بالتّدخّل الحكوميّ لتحسين حياة النّاس، لتصطدم برؤية أمّة الجنوب العميق الّتي أسّسها ملّاك العبيد على نظام طبقيّ يرفض التّنظيم الفيدراليّ ويمقت الدّيمقراطيّة الجماهيريّة إلى اليوم.
تتموضع بين هاتين القوّتين أمم تعمل مساحات عازلة، مثل أمّة الأراضي الوسطى الّتي أسّسها مهاجرون سلميّون يهتمّون بالعمل والتّجارة وينفرون من التّطرّف السّياسيّ. وتمتدّ في الغرب أمّة أپّالاچيا ذات الأخلاق القتاليّة والاعتزاز المفرط بالسّيادة الفرديّة المطلقة. ولا تلتزم هذه الأمم بالحدود الإداريّة الرّسميّة، بل تخترق الدّولة الواحدة لتقسمها إلى معسكرات متناحرة تتصارع في التّصويت وصنع القرار.
بُني التّحالف الأميركيّ واستمرّ بفضل صمغ براگماتيّ متين تمثّل في الاتّحاد الاقتصاديّ الشّامل، والنّظام الفيدراليّ المرن الّذي سمح للأمم المتنافرة بالتّعايش المستقلّ دون الذّوبان القسريّ. بالإضافة إلى ذلك، ابتكرت الدّولة «ديانة مدنيّة أميركيّة» تعتمد على الدّستور والعلم لإيجاد رابط نفسي يجمع سكّاناً يفتقرون إلى تاريخ قديم مشترك.

لو توقّف الزّمن: التّشابه بين التّاريخ الأميركيّ وحاضر البلدان العربيّة
هنا تساؤل مهمّ: ماذا لو لم تحدث التّغييرات الجذريّة في القرنين 19 و 20 داخل الولايات المتّحدة الأميركيّة؟
يرى المؤرّخون أنّ غياب الحرب الأهليّة الّتي حرّرت العبيد، وفشل حركات الحقوق المدنيّة والنّسويّة، كان سيترك القارّة مقسّمة إلى دول متناحرة تطبّق نظام فصل عنصريّ شامل، ومحرومة من التّطوّر الصّناعيّ والتّكنولوجيّ. بل كانت ستعاني من استقطاب قاتل واقتصاد راكد يعتمد على الزّراعة الكثيفة، وتفتقر لأدنى مقوّمات حقوق الإنسان.
تتطابق هذه الصّورة الافتراضيّة القاتمة إلى حدّ بعيد مع واقع البلدان العربيّة الكبرى في حاضرها. إذ تمتلك البلدان العربيّة روابط عضويّة عميقة ومقوّمات صلبة للوحدة، كاللّغة الواحدة والتّاريخ المشترك والتّواصل الجغرافيّ، وهي مقوّمات تتفوّق بمراحل على ما امتلكه مؤسّسو الولايات المتّحدة الأميركيّة. غير أنّ الإخفاق العربيّ يكمن في كيفيّة إدارة هذا التّنوّع العضويّ الهائل.
اعتمدت النّماذج السّياسيّة العربيّة على مبدأ «الانصهار القسريّ»، محاولة مسح التّباينات المحلّيّة الدّقيقة لمصلحة أيديولوجيا مركزيّة صارمة تذيب الفروق جميعها. وأدّى هذا القمع الدّاخليّ المستمرّ لهويّات المجتمعات الفرعيّة إلى تصدّع البنى الدّاخليّة وانفجار الصّراعات، ممّا جعل البلدان العربيّة الكبرى تعاني من تشرذم داخليّ، وركود اقتصاديّ، واستقطاب هويّاتيّ يشلّ حركة النّهضة.
وبرأيي الشخصي، يمكن أن يتحقّق التّغيير في البلدان العربيّة الكبرى إذا جرى استيعاب الدّرس الأميركيّ الأهمّ؛ ألا وهو إدارة الاختلاف إدارة براگماتيّة. إذ يتطلّب النّهوض العربيّ التّخلّي عن المركزيّة الخانقة، والاعتراف بتنوّع مكوّنات المجتمع الفرعيّة، وابتكار نظام اتّحاديّ مرن يحترم الخصوصيّات المحلّيّة ويجمع الدّول ضمن إطار سوق اقتصادية مشتركة ومصالح دفاعيّة متبادلة.
فالدّول لا تنجح بعاطفة الشّعارات المجرّدة، بل تنهض حين يدرك الشّركاء المختلفون أنّ بقاءهم معاً وتحالفهم يقدّم كلفة سياسيّة واقتصاديّة أقلّ بكثير من كلفة صراعهم أو انفصالهم. إذ نجحت التّجربة الأميركيّة لأنّها نظّمت خلافاتها التّاريخيّة تنظيماً دستوريّاً واقتصاديّاً، في حين تعثّرت البلدان العربيّة لإنكارها الاختلاف ومحاولتها صهره ومسحه و “تصحيحه” بالقوّة.
يتطلّب التّغيير بناء عقود اجتماعيّة تضمن شبكات أمان تحمي الطبقات المهمّشة، وتطوير البنى الاقتصاديّة والإنتاجيّة بعيداً عن الرّيوع الصّرفة، وفتح المجال المدنيّ للسّياسات المستوعبة للكفاءات دون تمييز.
كيف يمكن للنّخب في البلدان العربيّة اليوم صياغة «عقد براگماتيّ» يحفظ التّنوّع المحلّيّ العضويّ ويحوّله من نقطة ضعف وتناحر إلى محرّك حقيقيّ للاستقرار والنّهضة؟

صياغة العقد الپراگماتيّ: الدّرس الأميركيّ للنّهضة العربيّة
يبيّن استكشاف الخارطة الجينيّة للدول المتّحدة الأميركيّة حقيقة جوهريّة؛ أنّ الدّولة النّاجحة ليست عائلة تجمعها روابط الدّم، بل تشبه شركة مساهمة عملاقة أُسّست بموجب عقد صريح لإدارة مصالح متباينة. ويمثّل الرّبح المشترك المتمثّل في الأمن والرّفاهيّة الضّامن الأوّل لاستمرار الشّراكة، بعيداً عن العواطف الخالصة.
يمتلك العالم العربيّ المقوّمات العضويّة لأمّة واحدة تشمل اللّغة المشتركة، والتّاريخ المتداخل، والجغرافيا المتّصلة، وهي مقوّمات تتفوّق بمراحل متعدّدة على ما يملكه الأميركيّون، لكنّه يفتقد العقد الپراگماتيّ والمؤسّسات الّتي تدير الاختلاف بفاعليّة.
اعتمدت محاولات الوحدة العربيّة السّابقة على نموذج الانصهار القسريّ، محاولة مسح الفوارق المحلّيّة الدّقيقة في قالب أيديولوجيّ واحد، الأمر الّذي أسفر عن التّصدّع والفشل. واستند هذا الصّهر إلى تحويل الفوارق المحلّيّة إلى خطأ يحتاج إلى التّصحيح، فانعزل الشّكل الافتراضيّ عن الواقع الحقيقيّ المَعِيش.
يقدّم النّموذج الأميركيّ درساً بليغاً في إدارة التّنوّع عبر الفيدراليّة المرنة. لكن، يتطلّب تطبيق هذا المنظور تخلّي النّخب العربيّة عن فكرة الدّولة المركزيّة الصّارمة الّتي تذيب الجميع، والاستعاضة عنها باتّحاد كونفيدراليّ أو فيدراليّ يعترف بوجود مكوّنات عربيّة فرعيّة تمتلك كلّ منها استقلالاً واسعاً في إدارة قوانينها وأنماط عيشها المحلّيّة.
تحتاج النّخب العربيّة اليوم إلى صياغة عقد پراگماتيّ جديد يستمدّ قوّته من صمغ المصالح العليا الّذي يحفظ التّنوّع العضويّ ويستثمره. ويعتمد هذا الصّمغ على بناء سوق مشتركة مفتوحة، وإصدار عملة موحّدة، وتأسيس منظومة دفاعيّة مشتركة. إذ تُبنى الوحدة الرّاسخة متى أدرك الشّركاء المختلفون أنّ كلفة بقائهم معاً أقلّ بكثير من كلفة انفصالهم، وأنّ مصالحهم محفوظة ضمن كيان أكبر يحترم خصوصيّاتهم ولا يحاول محوها.
يؤدّي ابتكار رابطة مدنيّة تعتمد على مواثيق حقوقيّة ودستوريّة عصريّة دوراً حاسماً في إيجاد أرضيّة مشتركة تلتقي عليها الشّعوب العربيّة، لتجاوز التّباينات المحلّيّة وتوحيد الرّؤى نحو مستقبل مشترك.
نجحت التّجربة الأميركيّة لأنّها اعترفت بانقسامها ونظّمته مؤسّساتيّاً، وتعثّرت البلدان العربيّة لأنّها أنكرت اختلافاتها وحاولت قمعها بدلاً من استثمارها. يجب على النّخب العربيّة تأسيس عقد اجتماعيّ يضمن شبكات أمان تحمي الطّبقات كافّة، ويفتح المجال المدنيّ أمام الكفاءات دون تمييز، ليتحوّل التّنوّع من نقطة ضعف وتناحر إلى محرّك حقيقيّ للاستقرار والنّهضة.
المصادر والمراجع
ختاماً، للاطّلاع الدّقيق على المصادر والمراجع الأكاديميّة الّتي استند إليها هذا المقال في بناء تحليله واستنتاجاته، وللغوص عميقاً في التّفاصيل التّاريخيّة والسّياسيّة المذكورة، يجب الرّجوع إلى مقالات أربع بحوث سابقة، وهي:
- {العرب في المخيِّلة الأمريكيّة: تاريخ العداء من الپيوريتانيّين إلى سياسات النّفط}،
- {بين الشفاء والمشرط البعثات الأميركيّة في الأراضي العثمانيّة – إرث متعدّد الأوجه}،
- {خارطة الظلّ: حقيقة الأمم الاثنتي عشرة التي تمزّق الولايات المتّحدة من الداخل}،
- {هشاشة الديمقراطية الأمريكية في يوبيلها 250: التحوّلات المجتمعية}.
تُفصّل هذه البحوث الأربع جميع الحقائق والمعلومات، وتوثّق المراجع الأساسيّة توثيقاً شاملاً يغني الباحث والقارئ.





اترك رد