تقول الأسطورة أنّ رعاة في جبال اليمن الباردة تركوا شوالات حبّات بنّ القهوة مركونة في حوض جابية كهف استراحة. ولمّا عادوا بعد رحلة الرعي وجدو الجابية قد امتلأت بالماء البارد، والبنّ المنقوع فيها طغى على الماء وصبغه. ولمّا شربوا من هذا النقوع أعجبهم الطعم وزاد نشاطهم وانتباههم، فصار عندهم تخمير القهوة البارد عادة.
هذا ما ينتشر اليوم باسم قهوة التخمير البارد أو cold brew coffee التي أخذت بألباب الملايين من الناس حول العالم.

بكلّ حال، تلك أسطورة قد تكون حقيقة أو لا، أمّا أوّل منتج تجاري لمشروب قهوة التخمير البارد ظهر في أسواق اليابان مطلع هذا القرن ٢١، بالإضافة إلى مقاهي قهوة التخمير البارد التي انتشرت في اليابان بوسم “قهوة كيوتو” على اسم مدينة كيوتو اليابانية. ونشرت تلك المقاهي حكاية تروي أنّ تقنية تخمير القهوة البارد بدأت في القرن ١٧ تقليداً لتقنية قديمة لتخمير الشاي البارد. ثم، سنة ٢٠١٣ بدأت ستاربكس بترويج قهوتها المخمّرة على البارد في الولايات المتحدة الأميركية، وانتشرت مذّاك العادة حول العالم.
ما هي بنت التخمير البارد؟
القهوة المخمّرة بارداً هي أفضل أنواع القهوة للاستعمال في الطبخ وفي وصفات الحلويّات والمشروبات.
الفكرة أنّ طعم قهوة التخمير البارد آسر، بسبب الحرارة المنخفضة التي تؤدّي إلى استخلاص بطيء للنكهات، وتقلّل من الحموضة والمرارة. وهي إلى ذلك تحافظ على الزيوت والمركّبات العطرية في القهوة، ممّا يمنحها نكهة أكثر توازناً وعمقاً، وحلاوة نسبية دون الحاجة لإضافة السكر. فضلاً على ذلك، فإنّ القهوة المخمرة بارداً تكون بقوام أكثر كثافة بسبب تركيز المركّبات المستخلصة خلال مدّة التخمير الطويلة.

أهمّ مشكلات القهوة التي تحاول كل وصفات التحضير تحاشيها، هي مشكلة نكهة النقوع العَفِص، الموجود بشكل طبيعي في بذور كلّ النباتات. فتسعى الوصفات المختلفة لتقليل نسبة العفص المستخلص من البن في القهوة، سواء عن طريق تقليل زمن الاستخلاص أو بتخفيض الحرارة. لكنّ، تخمير القهوة البارد يقضي على هذه المشكلة تماماً، ويمنع استخلاص العفص بالكامل في مشروب القهوة.
النقوع العَفِص هو من التانينات Tannins. والتانينات هي نوع من المركّبات الفينولية التي توجد في العديد من النباتات وتعطي الطعم القابض والمرارة للقهوة. نقل الفيروزآبادي عن ابْنُ بَرِّيٍّ قوله: طَعَامٌ عَفِصٌ: بَشِعٌ وَفِيهِ عُفُوصةٌ ومَرارَةٌ وتقبُّضٌ يعْسُر ابتلاعُه. والنقوع العَفِص هو الذي يتسبّب بحرقة في المعدة، ونكهة مزعجة تمجّها أغلب الناس وتغطّي على نكهة المشروب المرغوبة.
في عملية التخمير البارد، يؤدّي الحفاظ على برودة الماء والتخمير الطويل الأمد إلى استخلاص أقل للتانينات مقارنة بطرق التحضير التي تستخدم الماء الساخن. السبب في ذلك هو أنّ التانينات تذوب أكثر عند درجات حرارة مرتفعة، لكنّها تبقى ملتصقة بحبيبات البن في درجات الحرارة الباردة. نتيجة لذلك، تميل القهوة المُخمرة بارداً إلى أن تكون أقل لذعة وأكثر نعومة، ممّا يجعلها مفضّلة لدى الكثيرين الذين يبحثون عن قهوة مع تقليل لذعة المرارة والحموضة.

كيف أحضّرها؟
هل جرّبت قهوة المخمّرة على البارد؟ نسبة الكافيين في قهوة التخمير البارد أعلى منها في قهوة التخمير الساخن، بسبب طول مدّة التخمير.
تحضيرها في البيت بسيط. تطحن حبوب البن طحناً ناعماً، وتتركها في الثلّاجة لمدّة تتراوح بين ١٢ و ٢٤ ساعة منقوعة في ماء بنسبة ١\٥، ثمّ تصفّيها وتشربها باردة أو تسخّنها بعض الشيء، بعد التصفية، سواء في جذوة أو في المايكروويڤ. ويمكن أن تضيف لها ما تشاء من المنكّهات. ولن تحتاج إليها على الأغلب. ومن عادتي إخراجها من الثلّاجة قبل حوالي نصف ساعة من شربها، فتأخذ هكذا حرارة الغرفة.
عمليّة التخمير البارد لا تحتاج إلى إغلاق أو تغطية وعاء نقع جريش البن في الماء في أثناء وجوده في الثلاجة (البرّاد)، لكنّ التغطية تساعد على منع القهوة عن امتصاص روائح الطعام المخزّن في الثلّاجة.

تسخين القهوة مع جريش البن يُدمّر التجربة، ويدفع الماء إلى استخلاص النقوع العَفِص الذي تركته من الأساس بالتخمير البارد. لذلك، تيقّن من تصفية القهوة قبل تسخينها. وتصفية قهوة التخمير البارد هي خطوة مهمّة لضمان الحصول على مشروب نقي وذو نكهة متوازنة. وهناك عدّة طرق وأدوات يمكن استخدامها لتصفية القهوة المخمّرة بارداً، واختيار الطريقة الأفضل يعتمد على التفضيلات الشخصية والمتوفّرة. مثلاً

ورق التصفية، يستخدم عادة في أجهزة التقطير مثل الكيمكس Chemex أو فلتر القهوة العادي. ورق التصفية يوفّر تصفية دقيقة جدّاً، تزيل الزيوت والرواسب الصغيرة، ممّا ينتج قهوة نقيّة وصافية. هذه الطريقة مفضّلة لمن يحبّون قهوة بنكهات أكثر نقاء ووضوح.

المصافي المعدنية، مثل تلك المستخدمة في المكبس الفرنسي French Press، تسمح بمرور المزيد من الزيوت الطبيعية وبعض الرواسب الدقيقة، ممّا يعطي القهوة بدناً أكثر كثافة ونكهة أكثر ثراءً. هذه مفضّلة لمن يستمتعون بقهوة أكثر غنى وعمقاً.

القماش القطني (مصافي اللّبن)، توفّر توازناً بين المصافي الورقية والمعدنية. تزيل الرواسب الكبيرة ولكن تسمح بمرور بعض الزيوت، ممّا يجعل القهوة أكثر نعومة من المصفاة المعدنية ولكن بنكهة أغنى من المصفاة الورقية.

الترشيح المزدوج، حيث يمكن استخدام تركيبة من المصافي الورقية والمعدنية لتحقيق درجة تصفية مثالية. على سبيل المثال، يمكن استخدام مصفاة معدنية للتصفية الأولية ومن ثم استخدام مصفاة ورقية للتصفية الثانوية للحصول على قهوة نقية جدّاً.

الترسيب الطبيعي، وهو الأبسط. إذ أنّ بعض الأشخاص يفضّلون ترك القهوة بعد التخمير لتستقر الرواسب في القاع تلقائيّاً، ثم يسكبون القهوة بحذر لتجنّب إثارة الرواسب. هذه طريقة تتطلّب صبراً ولكنّها تحافظ على النكهات الطبيعية للقهوة. وهي طريقتي في معظم الأحيان.
كل طريقة تصفية لها مزاياها وتأثيرها على نكهة وقوام القهوة النهائية. يمكنك تجرِبة واحدة أو أكثر من هذه الطرق لمعرفة أيّها يناسب ذوقك الشخصي أفضل.

أخيراً، تروّج الكثير من الشركات أدوات مختلفة لتخمير القهوة البارد. تأكّد أنّك لست بحاجة إلى أيّ منها. تخمير القهوة البارد هو أبسط طُرق تحضير القهوة على الإطلاق، ولا يحتاج إلّا إلى ثلّاجة عاديّة موجودة في كلّ بيت. وكأس أو قارورة.
قهوة التخمير البارد تقدّم تجرِبة فريدة ومميزة لعشّاق القهوة. بنكهاتها الغنيّة والمتوازنة، وقوامها الناعم، وانخفاض مستويات الحموضة والمرارة فيها، أصبحت خياراً مفضّلاً للكثيرين. سواء كنت تحضّرها في المنزل أو تستمتع بها في المقاهي، فإنّ قهوة التخمير البارد توفّر متعة فريدة للحواس. فلنحتفي بهذا الابتكار الرائع في عالم القهوة، ونستكشف الإمكانات اللذيذة التي يقدّمها. فمن يدري، لعلّ فنجان قهوة التخمير البارد القادم يكون بداية لقصّة حبّ جديدة مع مشروبك المفضّل.





اترك رداً على مؤنس بخاريإلغاء الرد