أوجعني منشور لأحد المشاهير. يدّعي الثقافة ويصف نفسه بالتقدّمي التنويري، يظلم اللّغة العربية ويحطّ من قدراتها المتفوّقة. فهذا بيان علمي في إحدى ميزات لغتنا العربية العظيمة، آتيك به من كلام علماء غير عرب.
هناك نظرية في علم اللّغويات تسمى “فرضية ساپير-وورف” Sapir-Whorf تقترح أن بنية اللّغة تؤثر على طريقة تفكير متحدّثيها ورؤيتهم للعالم. اللّغة العربية، بثرائها وتعقيدها، تمنح متحدّثيها أدوات فريدة للتفكير والتعبير عن المفاهيم الفلسفية المعقّدة.
وفقًا لهذه النظرية، يمكن تصنيف اللّغات إلى مجموعتين رئيستين:
1. اللّغات التصنيفية Classificatory:
هذه اللّغات تميل إلى تصنيف الأشياء والمفاهيم بشكل أكثر تفصيلاً. على سبيل المثال، الصومالية لديها عشرات الوصوف لأمواج البحر وكثبان الرمال. بعض اللّغات الأصلية في أمريكا الشمالية لديها كلمات مختلفة لأنواع مختلفة من الثلج.
2. اللّغات الوصفية Descriptive:
هذه اللّغات تميل إلى وصف الأشياء والمفاهيم بدلاً من تصنيفها بشكل دقيق. معظم اللّغات الأوروپية تندرج تحت هذه الفئة. كل الثلج ثلج. وكل الموج موجات.
اللّغة العربية تجمع التصنيفين معاً، مع أنها تصنيفية أكثر. وفي حين تعتمد أغلب لغات العالم الأسماء لاشتقاق كلماتها. تبدأ اللغة العربية بالأفعال، فتشتقّ عنها كلمات جديدة. كلّ الجذور هي أفعال، وأوزانها تصاريف فَعَلَ.
كيف يمكن تطبيق فرضية ساپير-وورف على اللغة العربية:
غنى المفردات:
اللغة العربية تتميز بثراء مفرداتها، خاصة في مجالات معينة. على سبيل المثال، هناك عشرات الكلمات لوصف الجمل أو أنواع مختلفة من الرمال. هذا يشير إلى أن متحدّثي العربية لديهم إدراك أكثر تفصيلاً لهذه المفاهيم. أي أنّ العربي يميل إلى تسمية تفاصيل التفاصيل، ويميّز بلغته الاختلافات بدقّة متناهية. فيمنح كلّ واحدة منها اسماً مختلفاً.
نظام الجذور:
النظام الثلاثي للجذور في العربية يسمح بإنشاء العديد من الكلمات المرتبطة من جذر واحد. هذا يؤثر على كيفية ربط المتحدثين للمفاهيم المختلفة وإدراكهم للعلاقات بينها. فالجذر الواحد يُبت عشرات الكلمات ذات المعاني المختلفة والمتباعدة. لكن، ربط التفكير في معانيها يفتح أعماق فلسفية في ذهن المتحدّث والمتلقّي بسبب ارتباط هذه المعاني المختلفة بواسطة الجذر المشترك.
التذكير والتأنيث:
تصنيف الأسماء إلى مذكر ومؤنث قد يؤثر على كيفية تصور المتحدثين للأشياء والمفاهيم المجردة. في اللغة العربية لا يوجد كلمة غير مجنّسة أو أحادية الجنس. حتى وصف الجنس له جنس. واللغة العربية ليست ذكورية ولا أنثوية. إنما عادلة تماماً في الوسط بين الجنسين. بعكس لغات شمال أوروپا مثلاً. الذكورية جميعاً. وبعكس التركية عديمة التجنيس.
صيغ المبالغة:
وجود صيغ خاصة للمبالغة في العربية يؤثر على كيفية التعبير عن الشدّة والكثافة في المفاهيم. وهي تقنية، لأهمّيتها، تحاول الولايات المتحدة الأمريكية اليوم إضافتها إلى اللّغة الإنگليزية.
الإعراب:
نظام الإعراب المعقّد في العربية يؤثر على كيفية فهم العلاقات بين الكلمات في الجملة ثَمّ على طريقة التفكير المنطقي. كلمة إعراب تعني تنظيم، تخطيط، ترتيب.
أي أنّ مجرّد التفكير باللغة العربية، يمنح الإنسان قدرات منطقية متفوّقة، تساعد على إدراك العالم بوضوح.
البلاغة والشعر:
الاهتمام الكبير بالبلاغة والشعر في الثقافة العربية يؤثر على كيفية تعبير المتحدّثين عن أفكارهم وعواطفهم. لا يوجد عاطفة لا يقدر مجيد العربية عن التعبير عنها، وبدقّة تعبير شديدة الوضوح.
تعقيد نظام الكتابة:
في حين يثبت الشكل البصري أحياناً على شكل واحد للكلمة، غير أن حركات التشكيل تغيّر المعنى بشكل واسع. هذا النوع من التشفير هو من تقنيات الاختزال المتفوّقة، التي تجمع كمّاً هائلاً من المعاني في رمز بصري واحد.
مثلاً “حمص” فيها اسم مدينة وصفة شكلية واسم نبات واسم حالة.
ومن جهة أخرى، تحمل بعض الكلمات معنى وضدّه.
مثلاً “قتل” في قَتَل فعل فاعل القتل. و قُتِل خبر مقتل القتيل. و قَتْل اسم فعلة القتل.
نظام الجذور الثنائية
تدرّس أغلب المدارس أنّ اللّغة العربية بدأت مع نشوء نظام الجذور الثلاثية. وهذا ما يعيق طلّاب “الساميّات” عن تصوّر ارتباط اللّغة العربية بأصولها القديمة الأگّدية والسومرية.
سنة ١٩٠٧ نشر المستشرق الألماني أَوگوست فيشير August Fischer نظرية عُرفت باسمه، تنسف معتقدات الساميّين كلّها، وتقول بأنّ أصل اللّغة العربية هو الجذور الثنائية. ما يرجع هكذا بتاريخها إلى عمر الكتابة نفسها.
فيشير نشر نظريّته أوّل مرّة في مجلّة الإسلام Der Islam الألمانية، في مقال بعنوان “البنية التكوينية في اللّهجات العربية الحديثة” Die Demonstrativen Bildungen der Neuarabischen Dialekte.
نظريّة الجذور الثنائية في اللغة العربية فرضية لغوية تقترح أصلًا ثنائي الحروف للكلمات العربية، بدلًا من النظام الثلاثي المعروف. وتقدّم هذه النظرية تفسيراً مغايراً لبنية الكلمات العربية وأصولها، متحدّية بذلك النظام الصرفي التقليدي القائم على الجذور الثلاثية. تحاول أيضًا شرح التطور التاريخي للغة العربية، مفترضة وجود روابط دلالية أساسية بين الكلمات المشتركة في نفس الجذر الثنائي.
هذه النظرية تفترض أنّ جذور الكلمات العربية كانت في البداية مكوّنة من حرفين فقط (صوت وعلّة)، ثمّ تطوّرت عبر الزمن لتصبح ثلاثية. وأنا أتّفق مع نظرية الجذور الثنائية.
مثلاً: الوزن {فعل} أصله {فل}. وعليه {قال} أصلها {قل}. {ضرب} أصلها {ضب} (بمعنى تلاصق). عين أصلها عن (بمعنى الظهور). {سيّد} أصلها {سه} (بمعنى شاهق) وهكذا.
هذه النظرية لا تزال محل نقاش وبحث بين علماء اللّغة، وبرغم تحقيقها إلى مستوى النظرية بالأدلّة والبيّنات، وما عادت فرضية. لكن، رفضها برمّتها جماعة الساميّات، لأنّها تثبت عروبة ما يسمّى باللّغات السامية، وتُظهر الترابط والنموّ الطبيعي لهذه اللّغة.
من الأساتذة اللّغويّين العرب الذين اتّفقوا مع آراء فيشير وطوّروها:
الدكتور {عبد الله العلايلي} عالم لغوي لبناني توفّى سنة ١٩٩٦ وهو من مؤسّسي مجمع اللّغة العربية بدمشق. وقدّم نظرية مشابهة في كتابه “مقدّمة لدرس لغة العرب”. وتوسّع في فكرة الجذور الثنائية وحاول تطبيقها على معجم لغة العربية.
الدكتور {أنيس فريحة} لغوي لبناني من الجامعة الأميركية في بيروت توفّى سنة ١٩٩٣، أيّد فكرة الجذور الثنائية في أعماله، خاصّة في كتابه “نظريّات في اللّغة” وحقّق النظرية بالأدلّة.
الدكتور {رمضان عبد التواب} عالم لغوي مصري من جامعة القاهرة وجامعة عين شمس توفى سنة ٢٠٠١، ناقش هذه النظرية في بعض كتبه، واعتبرها جديرة بالدراسة.

يبقى أن أقول أن ساپير ووورف هما عالمان أمريكيان في مجال اللغويات والأنثروبولوجيا.
إدوارد ساپير Edward Sapir كان عالم لغويات وأنثروبولوجيا. عاش بين عامي 1884 و 1939. درس لغات السكان الأصليين في أمريكا الشمالية بشكل مكثف. وكان له تأثير كبير على تطوير علم اللغة الوصفي في الولايات المتحدة.
بنجامين لي وورف Benjamin Lee Whorf كان لغوي أمريكي ومهندس كيميائي. عاش بين عامي 1897 و 1941. كان تلميذًا لإدوارد ساپير في جامعة ييل. اشتهر بدراساته في لغة الهوبي وتأثيرها على الإدراك. وطوّر أفكار ساپير حول العلاقة بين اللغة والفكر.
لم يعمل ساپير ووورف معاً بشكل مباشر، ولكن أفكارهما تكاملت لتشكل ما يعرف بفرضية ساپير-وورف. في الواقع، صاغ هذه الفرضية بشكلها المعروف تلاميذ ساپير ووورف بعد وفاتهما. والفكرة الأساسية لهذه الفرضية هي أن بنية اللغة التي يتحدّثها الشخص تؤثر على طريقة تفكيره وإدراكه للعالم. وقد أثارت هذه النظرية الكثير من النقاش والبحث في مجالات اللغويات وعلم النفس المعرفي والأنثروبولوجيا.
مراجع:
- Sapir, E. (1921). Language: An introduction to the study of speech. New York: Harcourt, Brace.
- Whorf, B. L. (1956). Language, thought, and reality: Selected writings of Benjamin Lee Whorf. (J. B. Carroll, Ed.). Cambridge, MA: MIT Press.
- Kay, P., & Kempton, W. (1984). What is the Sapir-Whorf hypothesis? American Anthropologist, 86(1), 65-79.
- Lucy, J. A. (1997). Linguistic relativity. Annual Review of Anthropology, 26(1), 291-312.
- Versteegh, K. (2014). The Arabic language. Edinburgh University Press.
- Holes, C. (2004). Modern Arabic: Structures, functions, and varieties. Georgetown University Press.
- Ryding, K. C. (2005). A reference grammar of modern standard Arabic. Cambridge University Press.
- Owens, J. (2006). A linguistic history of Arabic. Oxford University Press.
- Boroditsky, L. (2001). Does language shape thought?: Mandarin and English speakers’ conceptions of time. Cognitive Psychology, 43(1), 1-22.
- Wolff, P., & Holmes, K. J. (2011). Linguistic relativity. Wiley Interdisciplinary Reviews: Cognitive Science, 2(3), 253-265.





اترك رد