في رحلة عبر الزمن والطبيخ الجزيئي، نستكشف اليوم قصّة الباذنجان، هذه الثمرة التي طالما أثارت الجدل والفضول. من كونها “بيض الشيطان” المخيف إلى أن أصبحت زينة الموائد وملكة الأطباق المشرقية، آخذك في هذا المقال في رحلة تاريخية وثقافية شيّقة. نتتبّع خطى الباذنجان من الهند إلى بلاد العرب، ومن قصور الخلفاء إلى بيوت عموم الناس، لنكتشف كيف تحوّل من ثمرة مكروهة إلى محبوبة، ومن مصدر للخوف إلى مصدر للذّة والإبداع.
تسمية الباذنجان منحوتة عن تركيب بيض+جان فهو بيض الجان، أي بيض الشيطان. وكذبت التآصيل التي عادت بالتسمية إلى أصل فارسي. لا كلمة بيض فارسية ولا جان. ولا التركيب حتى بوزن فارسي. وطالما أنّ عرب العراق اعتادت قديماً الألف مائلة بدلاً عن المدّ صارت بيض باض. ثم تحوّرت باضنجان > باظنجان > باذنجان. بتحوّرات أحرف الانطباق.
من بيض الجان إلى زهرة البستان

قبل القرن الثالث عشر، تحاشى العرب والمسلمون وأهل المتوسّط عموماً تناول الباذنجان لعدّة أسباب، إذ كان يُعتقد أنّ الباذنجان يسبّب أمراضاً مختلفة مثل السوداء (الاكتئاب) والسرطان. ضعف فهم هذه الأمراض في بعض المناطق ربط الباذنجان بالسحر الأسود أو الشؤم. وكانت الاعتقادات الشعبية الإيطالية في القرن 13 تمنع أكل الباذنجان كذلك لاعتقادهم بأنّه يسبّب الجنون، نقلاً عن العرب. وشاع هذا الاعتقاد عن الإيطاليّين في عموم أوروپا.
عرف العرب نبات الباذنجان منذ القرن الثامن وافداً من الهند، لكن لم يأكلنه لاعتقادهم بأنّه يسبّب الجنون ويثير غريزة العنف، بسبب أسطورة نقلها أهل إيران إلى العرب تترجم اسم النبتة بأنّها “بيض الشيطان”. ابن سينا كتب أنّ الباذنجان يسبّب الاكتئاب، والرازي كتب أنّه يسبّب بثور في الفم والتهاب الأوعية الدموية (وهذا يصيبني فعلاً). وقالت العرب في القرن التاسع أنّ للباذنجان لون بطن العقرب ومذاق مثل لدغته.
في الواقع ثمار بعض أنواع الباذنجان تحتوي على مادّة تسمّى السولانين، والتي تكثر في الثمرة النيّأة وغير الناضجة كفاية. والسولانين هو مركّب طبيعي يوجد في بعض النباتات من الفصيلة الباذنجانية، مثل البطاطا والباذنجان والطماطم. عادة ما يكون تركيزه منخفضاً في الأجزاء الصالحة للأكل من هذه النباتات، ولكن يمكن أن يرتفع بشكل كبير في الأجزاء الخضراء أو المتضرّرة، أو في النباتات غير الناضجة.
السولانين Solanaceae هو گليكوسيد ستيرويدي سام تتّخذه النباتات خطّ دفاع أوّل ضدّ الحشرات والفطريّات والآفات الأخرى. ويتكوّن بشكل أساسي من الأگليكون وسكّريّات وأحماض دهنية. الأگليكون هو جزء ستيرويدي يسمّى سولانيدين. والسكّريّات مثل الگلوكوز والگالكتوز. والأحماض الدهنية ترتبط بالجزء السكّري.
سمّيّة الكمّيّة الكبيرة من السولانين تسبّب للجهاز الهضمي اضطرابات مثل الغثيان والقيء والإسهال وآلام في البطن. وأعراض عصبية مثل الصداع والدوخة والارتباك والهلوسة. ومشاكل في الجهاز التنفسي مثل صعوبة في التنفس. واضطرابات في ضربات القلب.
الكمّيّة الصغيرة من السولانين تسبّب بثور في الفم وتقرّحات في مجاري الجهاز الهضمي، بالإضافة إلى التهاب الأوعية الدمويّة وأعراض عصبية، منها ضيق النفس والصداع.

ترتفع كميّة السولانين في ثمار الباذنجانيّات لأسباب مختلفة، مثلاً:
التعرّض للضوء، خاصّة الضوء الأخضر، يحفّز إنتاج السولانين في النباتات. لذلك، فإنّ البطاطا الخضراء أو البراعم الخضراء تحتوي على مستويات أعلى من السولانين. وزراعة الباذنجان في مناطق شديدة سطوع الشمس تنتج ثمار غنيّة بالسولانين. وتختلف أصناف الباذنجان في قدرتها على إنتاج السولانين استجابة للضوء. بعض الأصناف أكثر حساسية من غيرها، وتنتج كمّيّات أكبر من السولانين عند تعرّضها للضوء.
كلّما زادت مدّة تعرّض الثمرة للضوء، زادت فرصة زيادة إنتاج السولانين. فالضوء الشديد وطويل الموجة (مثل الضوء الأزرق والأخضر) أكثر فعّالية في تحفيز إنتاج السولانين مقارنة بالضوء الخافت أو قصير الموجة (مثل الضوء الأحمر). كذلك الظروف البيئية التي تنمو فيها النباتات، مثل درجة الحرارة والرطوبة، يمكن أن تؤثّر على إنتاج السولانين.
أي ضرر يلحق بالنبات، مثل الجروح أو الكدمات، يمكن أن يؤدّي إلى زيادة إنتاج السولانين. فأي ضرر ميكانيكي للثمرة، يمكن أن يحفّز إنتاج السولانين من باب حرص النبتة على ثمارها. لذلك، تحاشى طبخ ثمار الباذنجان المتضرّرة.
ومن المهمّ أن نذكر أنّ كمّيّة السولانين التي تسبّب التسمّم تختلف من شخص لآخر. والأطفال والحوامل والمسنّون أكثر عرضة للتسمّم بالسولانين.

قهر السولانين السام
يُعتبر الطبخ على درجات حرارة عالية الطريقة الأكثر فعّالية في تقليل مستويات السولانين في الباذنجان. سواء كان ذلك عن طريق القلي أو الشوي أو الغلي، فإنّ السولانين يتفكّك عند التعرّض للحرارة. كذلك نقع الباذنجان في الماء فترة من الزمن يمكن أن يساعد في تقليل كمية السولانين، لأنّ السولانين يمكن أن يذوب في الماء الحمضي أو القلوي. ماء ملح كلوريد الصوديوم هو ماء متعادل لا حمضي ولا قلوي، فلا يسحب السولانين من الباذنجان.
لجعل ماء النقع حمضي لسحب السولانين من الباذنجان بشكل أكثر فعّالية، يمكنك إضافة ملعقة كبيرة أو اثنتين من الخلّ الأبيض أو خلّ التفّاح لكلّ لتر من الماء. أو يمكنك إضافة عصير ليمونة واحدة لكل لتر من الماء. ولجعل ماء النقع قلوي لسحب السولانين من الباذنجان بشكل أكثر فعّالية، يمكنك إضافة ملعقة صغيرة من بيكربونات الصودا (النطرون) لكلّ لتر من الماء. قشّر الباذنجان وقطّعه إلى شرائح أو مكعّبات. اغمره في الماء المعالج واتركه منقوعاً مدة 30 دقيقة إلى ساعة. ثم اشطف الباذنجان جيّداً بالماء العادي قبل الطهي.
الباذنجان الذي يحتوي على بقع خضراء أو أجزاء مصابة يجب التخلّص منها، إذ تكون مستويات السولانين أعلى في هذه الأجزاء. كما أنّ قشر الباذنجان يحتوي على كمّيّة أعلى من السولانين مقارنة باللّب، لذا فإنّ تقشير الباذنجان يقلّل من كمّيّة السولانين. لكن، تبق طريقة الغلي هي الطريقة الأكثر فاعلية لتفكيك السولانين.
من المهمّ ملاحظة أنّ بعض الباذنجان الذي يُباع عادة في أسواق اليوم يحتوي على مستويات منخفضة من السولانين بسبب التحسينات الزراعية والانتقاء، لذا فإن معظم الناس لا يحتاجون إلى اتّخاذ خطوات خاصّة لتقليل السولانين عند إعداد الباذنجان للاستهلاك العادي. غير أنّ نسبة لا بأس بها من البشر لم تزل تعاني حساسية السولانين.

من المنبوذ إلى المحبوب
قديماً، كان الباذنجان الشائع في الشرق الأوسط مرّ الطعم وسام، لارتفاع كميّة السولانين فيه. واستمرّ تحاشي العرب الباذنجان حتّى سنة 825 حيث قدّمها الخليفة العبّاسي المأمون في زفافه على {البوران خديجة بنت الوزير الحسن بين سهل}. إذ قامت البوران بنقع الباذنجان بماء البحر لإزالة المرار منه، ثمّ كدسته لإزالة الماء الزائد منه، وشطفته لإزالة الملح. ثمّ قدّمته في زفافها في بغداد. ومن بعدها انتشرت زراعة الباذنجان في العراق وانتشر عنه إلى بقية العرب. ولم يزل الكثير من العرب يلقّبون أطباق الباذنجان باسم البورانيّات. نسبة إلى البوران خديجة.
ويبدو أن طريقة البوران بتمليح الباذنجان أزالت المركّبات الفينولية والصابونين وقلّصت من كمّيّة وجودها في ثمرة الباذنجان الناضجة بشكل كبير. هذه المركّبات هي سبب نكهة المرار في بعض أنواع الباذنجان. ثمّ أنّ التمليح يساعد على سحب السوائل الزائدة عن طريق الخاصية الأسموزية، ممّا يمنع الباذنجان من امتصاص الكثير من الزيت عند الطهي. كما أنّ، التمليح بسحب السوائل من الباذنجان يمكن أن يقلّل من كمّيّة السولانين إلى حدّ ما. بعد تمليح الباذنجان، يجب شطفه جيّداً بالماء للتخلّص من الملح والسوائل المستخرجة.
أقدم مصدر عربي يذكر الباذنجان في الشرق هو كتاب الطبيخ العبّاسي من القرن 10، ويقول أنّ أوّل من طبخ الباذنجان من العرب هو الأمير العبّاسي {إبراهيم بن المهدي}، وهذا الرجل توفّي سنة 839. تلاه {أبو زكريا يحيى العوّام} في إشبيلية القرن الـ12 ثمّ {ابن العديم الحلبي} ابن القرن 13، الذي ذكره في كتابه {الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيّبات والطيب}، واحتوى على 15 وصفة للباذنجان.
أقدم مصدر يذكر الباذنجان في الغرب هو كتاب أندلسي من القرن 12 من تأليف {أبو زكريا يحيى العوّام} في إشبيليه، وعن دول العرب في إبيريا انتشر الباذنجان في أوروپا ببطء إلى أن وصل بريطانيا في القرن 16. وشاع في فرنسا في القرن 18، في ذات الوقت الذي شاع فيه أكل الباذنجان بين الأتراك. مع أنّ المطبخ السلطاني العثماني كان قد تعرّف إلى وصفات الباذنجان في القرن 15 حين قام طبيب بلاط {السلطان مراد الثاني} بترجمة كتاب الطبيخ البغدادي لاعتماده مرجعاً لمطبخ قصر السلطان.
الطبيب الذي ترجم كتاب الطبيخ البغدادي إلى التركية هو {محمود بن رمضان}، المعروف باسم “الطبيب رمزي”. قام بهذا العمل في عهد السلطان مراد الثاني (1421-1451)، وكان هذا الكتاب أحد أهمّ المراجع في المطبخ السلطاني العثماني.

المكدوس، سلطة وفتّة… مش من طرطوس
بكلّ حال، في فترة ما بين القرنين 13 و 15 انتشر في أسواق شمال جزيرة العرب (الهلال الخصيب) بيع منتج معالج من الباذنجان سُمّي {باذنجان مكدوس} وهو باذنجان مقمّع ومغلي ومكدوس بين طبقات من الملح. ولصعوبة مراحل معالجة الباذنجان؛ لقي الباذنجان المكدوس رواجاً في الأسواق، طالما أنّه يقدّم باذنجاناً جاهزاً للطبخ والاستعمال. وكما أسلفت، هذه المعالجة. تزيل مرار الباذنجان وتخفّض من نسبة المركّبات السامّة فيه بشكل كبير.
وهذا سبب وجود طبق سلطة المكدوس في الشرق الأوسط، لأنّه يصنع أساساً بالباذنجان المكدوس. وتحضير السلطة يبدأ بنقع وشطف الباذنجان المكدوس بالماء لإزالة الملح عنه. ثمّ يخلط مفروماً مع ثوم وفليفلة حلوة وجوز وزيت زيتون ودبس رمّان وعصير ليمون (أو تمر هندي). وتكون النسب المعتادة: 50٪ باذنجان مكدوس، 10٪ فليفلة حمراء، 6٪ زيت زيتون، 5٪ جوز، 3٪ دبس رمّان، 3٪ عصير ليمون، 1٪ ثوم.
سلطة المكدوس تطوّرت إلى فتّة المكدوس، التي تحتوي على باذنجان مكدوس، لحم، لبن رائب، طحينة، ثوم، طماطم، بصل، دبس الطماطم، دبس الرمّان، زيت الزيتون، صنوبر، خبز، فلفل والملح. وتكون النسب المعتادة: 50٪ باذنجان مكدوس، 25٪ لحم، 24٪ لبن رائب، 20٪ طماطم (بندورة)، 10٪ خبز، 10٪ بصل، 6٪ زيت زيتون حلو، 3٪ طحينة، 3٪ دبس طماطم، 3٪ دبس رمّان، 3٪ صنوبر محمّص، 1٪ ثوم.
ونصل هكذا إلى وصفة {المكدوس المحشي} الشهيرة اليوم في سوريا المعاصرة، والتي أضافت إلى الباذنجان المكدوس مرحلة النقع في زيت الزيتون لمدّة من الزمن.

يحتوي زيت الزيتون على مكوّنات نكهة طيّبة مثل فينولات الزيتون التي تنتقل إلى الباذنجان وتستبدل فينولات الباذنجان المرّة، ممّا يحسّن نكهته. إذ أنّ الباذنجان نبات مسامّي يمتصّ الزيت بسهولة. كذلك، يذيب زيت الزيتون مركّبات الگليكوالكالويد المرّة الموجودة في قشر الباذنجان.
وفي خطوات المكدوس السوري المعاصر نجد: باذنجان مسلوق (مكدوس). جوز. معجون فليفلة حمراء (مزيج بين مقدارين من الفليفلة الحلوة والفليفلة الحارّة). ثوم وملح بحري أو صخري (دون يود). زيت زيتون. وتكون النسب المعتادة: 85٪ باذنجان، 9٪ فليفلة، 6٪ جوز، 1٪ ثوم (اختياري).
ولتحضيره تنزع قلفة رأس حبّات الباذنجان (يقمّع)، ثم يُغلى (دون تقشيره) لمدّة لا تتجاوز 45-60 دقيقة، حسب نوع الباذنجان، ثم تشقّ الثمرة طوليّاً وتملّح من داخلها وخارجها، وتكبس مرتّبة في مصفاة بثقل يضغطها لتتخلّص من أكبر قدر من الماء.

وللحشوة؛ يُخلط الجوز والثوم والفليفلة، وتُحشى داخل حبّات الباذنجان. ثم ترتّب في وعاء زجاجي (مرطبان) وتُغمر بزيت الزيتون الحلو (البكر الممتاز) وتخزّن في مكان عاتم. ويمكن البدء بتناولها بعد أسبوع من التخزين.
أقدم الوصفات
إذا عدنا إلى كتاب الطبيخ العبّاسي من القرن العاشر نجد فيه أقدم وصفات الباذنجان العربية على الإطلاق، وهي تسع وصفات. والكتاب اسمه الكامل {كتاب الطبيخ وإصلاح الأغذية المأكولات وطيبات الأطعمة المصنوعات} ألّفه ونشره {ابن سيار الوَرَّاق} في بغداد عام 940م. ووصفات الباذنجان فيه (ولها فصل خاص في باب البوارد):

صفة باذنجان محشي لابن المهدي
المكوّنات: باذنجان، بصل، أبزار رطب، زيت، خل، مُرّي، بُنا (بنّ القهوة)، كَرَوْيا، دارصيني.
يؤخذ الباذنجان، فيسلق حتّى ينضج، ثم يُخرج من الماء الحار، ويُطرح في ماء بارد. وتؤخذ قدر صغيرة. ويُؤخذ شيء من بَصَل وأبزار رطب مُقطع، ويُقلّى بالزيت. وتأخذ خلا ومُرّياً وبُنا وكَرَوْيا ودارصيني فتخلطه، وتطرحه في البصل المقلو. وتأخذ الباذنجان، فتقلع أقماعه، وتصبّ الخلّ والحوائج فوقه، وتصبّ عليه شيئاً من زيت. ويُؤكل إن شاء الله.
نكهة هذا الطبق البارد مزيج من الحامض والحارّ مع لمسات من التوابل.
باذنجان محشيّ له أيضاً
المكوّنات: باذنجان، جوز، ملح، خل، زيت، كَرَوْيا، بصل (اختياري).
تأخذ الباذنجان، فتسلقه، وتقطعه صغاراً، وتأخذ الجوز فتدقّه، وتجعله في إناء، وتطرح عليه ملحاً، وتعجنه بخلّ، وتلصقه في طيفوريّة، وتبخّره بزيت يُصب على النار حتى يدخّن وتقلعه من الطَّيفوريّة كالقرص، فتقليه من الجانبين حتى يدخّن، وتديفه بشيء من خلّ وكَرَوْيا. فإن أحببت أن تلقي عليه بَصَلاً، فافعل، وصبّ عليه زيتاً، وقدمه، إن شاء الله.
نكهة هذا الطبق البارد حامضة ومتبّلة مع لمسة من الدسم والحلاوة.
باذنجان محشي له بالبصل
المكوّنات: باذنجان، خل، سكر أبيض، لوز، زعفران، كَرَوْيا، دارصيني، بصل، زيت.
تأخذ الباذنجان، فتسلقه، وتقطعه صغاراً. وتأخذ جاماً، فتصبّ فيه شيئاً من خل، وسكّر أبيض، ولوز مدقوق، وزَعْفَران، وكَرَوْيا، ودارصيني. وتأخذ الباذنجان، والبصل المقلو، فتطرحه عليه، وتصبّ عليه زيتاً، وتقدّمه، إن شاء الله.
نكهة هذا الطبق البارد حلوة وحامضة بتوازن مع توابل عطرية.

باذنجان بوران (زوجة الخليفة المأمون)
المكوّنات: باذنجان صغير، زيت، شيرج، مري، فلفل، كرويا، سذاب.
تأخذ الصغار منه، فتغرزه بالسكين، وتقلع أقماعه، ويكون في ماء وملح. ثم تُؤخذ قِدْرٌ صغيرة، فتصبّ فيها زيت وشيرج، وتلقي الباذنجان فيها، ويُقلى حتى ينضج، ثم ترشّ عليه مري وفلفل وكرويا، وتقطع عليه ورق سذاب، ويُقدَّم، إن شاء الله.
نكهة هذا الطبق البارد دسمة وحارّة مع لمسات عطريّة. الباذنجان المقلي يشكل قاعدة الطبق بحلاوته الخفيفة.
باذنجان آخر مثله (بوران 2)
المكوّنات: باذنجان صغير، زيت، شيرج، مري، دارصيني، خولنجان، سذاب، جوز، كراث، كزبرة.
يؤخذ الباذنجان الصغار، فيشقّق بالسكّين طولاً، ويُفصل، ويُلقى في ماء وملح. ثم تُؤخذ قدر صغيرة، فيُصب فيها زيت طيب وشَيْرَج، مخلوطين جميعاً، حتى إذا حميا، ألقي الباذنجان في القدر وأنضج. فإذا نضج، رُش عليه مريا، وألقي فيه قطعة دارصيني وخولنجان صحاح، وطاقات سذاب، ثم أخرجه إلى جام، ودقّ له عشر جوزات، وألقها عليه وهو حارّ، وغمه بمنديل حتى يرخي الجوز دهنه، ثم صُبّ على وجهه شيئاً من كُرّاث رَطْب مقلو بزيت، وفيه كُزبرة رطبة وسذاب. وقدّمه، إن شاء الله.
نكهة هذا الطبق البارد غنية ومعقّدة. مِزاجها الدسم والحموضة والتوابل العطرية مع لمسات خضراء منعشة.
باذنجان ممقور
المكوّنات: باذنجان، خل، بصل، كزبرة، سذاب، كرفس، زيت، أبزار.
يؤخذ الباذنجان في آخر السنة، فتقطع أقماعه، ويُسلق بالخل حتى ينضج، ثم يُخرج ويُعصر ويُعزل في ناحية، ثم يُعمد إلى البصل المدوّر، فيقطع صغاراً مع كُرْبَرة رطبة وسذاب وكَرَفْس، ويُقلى بالزيت الكثير قلياً جيّداً حتى يحمر، ثم يُصبّ عليه الخل، ويُطرح فيه الأبزار، ويُصفُ الباذنجان في براني، ويُصبُّ عليه الخل الذي فيه البقل المقلو حتى يغمره، ويُرفع، فإنه يقيم سنة لا يتغير. فإذا احتيج إلى أَكْلِهِ، أُخرج في جام، وقُطَّع عليه سذاب، وقدم، إن شاء الله.
نكهة هذا الطبق البارد حامض ومتبّل بشدّة مع نكهات خضراء منعشة ولمسة خفيفة من الدسم.
لأبي الفتح في الباذنجان:
يُعاتبني على الأبذنج جَهْلاً - ولستُ بمُقْلع عنه - الطبيب
فقلت له كأنّكما حبيب ظفرت به فعارضني رقيب
فإن خالفتني يوماً إليه لتأكله فحالفك الصليب
فللباذنج في الأفواه طعم كطعم الريق جاد به الحبيب
جمان ضمه سبح عليه زبر جدةٌ تَضَمَّنَها قضيب
تميز طعمه من كل طعم فمعجله ومنضجه يطيب
وتاقت أنفس الظرفاء طرّاً إليه لأنه شيء عجيب
فليس يعافُهُ إِلَّا غَبيٌّ وليس يحبّه إلا أريب
صفة ديكبريكة لإبراهيم بن المهدي، صنعها للمعتصم
المكوّنات: لحم حمل، زيت، خولنجان، بصل، ملح أندراني، كزبرة، خل خمر، كراث أو جزر أو باذنجان أو قرع، فلفل، كَرَوْيا، مري نبطي.
تؤخذ ثلاث أرطال لحم حَمَل مَسْموط، فتجعل في القدر، وتُصبّ عليه ثلاث أواقي زيت مغسول، ويُطرح فيه عود خولنجان، ورطل بصل صحاح، ووَزْن دِرْهَمَيْن مِلْح أندراني، وما حَمَلَتِ الراحة والأصابع كزبرة رطبة، ومن الماء ما يغمر الجميع وزائد أربع أصابع. ويُغلى إلى أن يقارب البصل النضج، ثم يُخرج البَصَل صحاحاً فيُعزل. ويُصبّ على القدر رطل خلّ خمر، وتحرّكه حتى ينضج اللّحم أو يكاد. ثم تلقي فيه باقة كراث أو جزر وكُراث شامي أو باذنجان أو قَرْع، ثم يُغطّى. واسحق البصل الذي كنت أخرجته منها مع وَزْن خمس دراهم كزبرة يابسة، ووَزْن نِصْفَ دِرْهَم فلفل، ووزن خمس دراهم كَرَوْيا، واجعل الجميع في غضارة، وصبّ عليه أوقيّتين مري نبطي، وشيئاً من مرق القِدْر، ثم يُذاب الجميع، ويُردُّ إلى القدر. ودعها تغلي عليه، ثم ترفعها عن النار وهي تغلي، وتطرح فيها شيئاً من كزبرة رطبة مُقَطَّعة، وتغطّيها حتى تسكن، ثم تغرفها، وتقدّمها، إن شاء الله .
نكهة هذا الطبق تتميّز بنكهة مركّبة ومعقّدة. متوازن بين الحدّة واللّطافة، غنيّ بالنكهات المتداخلة التي تتناغم مع بعضها لتخلق تجربة تذوّق فريدة ومميّزة للمطبخ العباسي.
يقول الورّاق؛ وأُنشِدْتُ لإبراهيم بن المهديّ فيها:
وطاه أتانا في الطعام بصحفة ململمة كالشَّمْس وقت المشارق
بدبراجة قد أحكمت بنظافة وقد رتبت في الغَرْفِ من كف حاذق
مفصلة قد شذرت بحوائج كما فَصَّلَ الصَّواعُ سلك المخانق
بها البصل المقشور فصل درّه بقرع كأمثال الزمرد رائق
ومن جزر فيها لطيف كأنّه سبائك عقيان بدا في مناطق
وقد صبغت بالزَّعْفَران فَلَوْنُها إذا أبْصَرَتها العين لون الشقائق
وفيها من الباذنج جسم كأنّه لصفرته منها اصفرار العقائق
لها ريح كافور ومِسْكِ وعَنْبَرِ وطعم كطعم الشَّهْدِ فِي فَمِ ذائق
فلم أر مثل الديبراجة أقبلت كزهرة بستان ونور الحدائق
لها طوق لحم في الثريد كأنّه مناطق تبر في بياض القراطق
فها هي عندي في الطعام إذا أتت ألذ وأشهى من نفيس العلائق
مَصْليّة للواثق
المكوّنات: لحم، بصل، جوز، باذنجان، كزبرة يابسة، فلفل.
يُؤخذ لحم مجزّع ممّا على الأضلاع، فيُقطّع صغاراً. ويجعل في قدرٍ نظيفة بعد غَسْلِهِ بالماء نظيفاً. ثم يُصبّ عليه من الماء ما يَغْمُره. وتطرح فيه بصلاً مقطعاً. فإذا غلى، طرحت فيه جَوْزاً مدقوقاً، وبَصَلاً مقطعاً. ثم تطرح فيه شيئاً يسيراً من باذنجان مقطّع صغاراً، وتغليه. ثم تطرح فيه من الأبزار كُزبرة يابسة، وفلفل. فإذا غَلِيَتْ بالأبزار، أنزلتها عن النار لئلا تتشيّط، ولا يكون لها
مرقة إِلَّا قَدْرَ مِغرفتين. وتغرفها، وتقدّمها، إن شاء الله.
نكهة هذا الطبق دسمة وعميقة، مع حدّة خفيفة. المذاق غنيّ ومركّب، يجمع بين الدسم واللّذع بتناغم لذيذ.
صفة طباهجة لابن المهدي
المكوّنات: لحم، زيت، ملح، باذنجان، بصل، ماء كامخ أو مري، خل، كزبرة، كرويا، دارصيني، كمون، سذاب.
تأخذ اللّحم، وتشرحه، وتغسله غَسْلاً نظيفاً. وتطرح في القدر نصف رطل ماء، ثم تغليه، وتطرح عليه اللحم، وتصبّ فوقه زيت طيّب وقليل ملح، وتقطع فيه باذنجان مقشّر وبَصَل مُدوّر. فإذا نضج، ونشفَ الماء، رَشَشْتَ عليه ماء كامخ أو مري قَدْر نِصْف مِغرفة، ومثله خَلّا إن شئت. ثمّ تعمد إلى الأبزار المدقوق: الكزبرة والكرويا والدارصيني والكمّون، من كلّ واحد قليل، فتذرّه عليه، وتحرّكه ساعة، ثمّ تغسل حافّات القدر بمغرفة ماء، وتطرح عليه عودين سذاب ويُترك حتى يسكن. وتُغرف، إن شاء الله.
نكهة هذا الطبق مزيج جريء ومعقّد من الحلاوة والحموضة. الطعم غنيّ ومتعدّد الطبقات، يتوازن دقيق بين الحدّة والحلاوة.
أبزار رطب هي خلطة من التوابل الطازجة المنقوعة في زيت الزيتون، وعادة ما تتكوّن من الثوم والفلفل والكزبرة وغيرها من الأعشاب والتوابل. وقد تجد في بعض المناطق خلطات أبزار رطب تستخدم كمّية قليلة من الماء أو الخل إلى جانب الزيت.

المرّي هو نوع من الأُدُم المخمّرة التي كانت تستخدم بكثرة في المطبخ العربي وشرق الأوسطي القديم. يعود أصله إلى العصور القديمة، في العراق وجواره. واستمرّ استخدامه في العصر الإسلامي وكان مكوّناً أساسيّاً في المطبخ العباسي.
يصنع عادة من الشعير، لكن يمكن استخدام حبوب أخرى مثل القمح. وتنقع الحبوب في الماء لعدّة أيام حتى تنبت. ثمّ تجفّف وتطحن وتخلط مع الدقيق والملح. ثمّ تترك هذه الخلطة لتتخمّر لعدّة أشهر، وأحياناً سنوات. كلّما تعتّق أكثر ارتفع ثمنه أكثر.
له لون داكن ونكهة قويّة ومعقّدة. وطعمه مزيج من الحلاوة والحموضة والملوحة. وقوامه سائل، أشبه بالصلصة الكثيفة. وفي بعض الأحيان كان يستخدم بديل للملح.
وهو غني بالبروتينات والأحماض الأمينية بسبب عملية التخمير. ويحتوي على ڤيتامينات B المختلفة. ويشبه في بعض جوانبه الصلصات المخمّرة الآسيوية مثل صلصة الصويا اليابانية أو صلصة السمك الڤيتنامية.

من الواضح أنّ الباذنجان احتلّ مكانة خاصّة في مطبخ البيت العبّاسي، من القرن العاشر وما تلاه. واحتوت هذه الوصفات التسع على الباذنجان ولحم الضأن والبصل مكوّنات رئيسة. إلى جانب: المُرّي (صلصة مخمّرة)، والماء الكامخ (صلصة)، والجوز، واللّوز، والكرّاث، والكرفس، وخلّ الخمر، والجزر، والقرع. وعطورها كانت الأبزار المختلفة مثل: الكرويا، والدارصيني (القرفة)، والبُنا (بُن القهوة)، والزعفران، والفلفل، والسذاب (الفَيْجَن)، والخولنجان، والكزبرة (طازجة ويابسة)، والكمّون.
في العصر الحديث، تطور استخدام الباذنجان في المطبخ العربي بشكل كبير، ممّا أدى إلى ظهور مجموعة واسعة ومتنوّعة من الأطباق الشهية. فنجد المقبّلات الباردة مثل بابا غنّوج، والمتبّل، إلى جانب سلطة الباذنجان المشوي بالطحينة. وفي الأطباق الرئيسية، تبرز المسقّعة، والشيخ المحشي. كما نجد الباذنجان غلاف وزينة في المقلوبة. وفي بعض المناطق، يستخدم الباذنجان في طبق الزعلوك الشهير وفي مجبوس الباذنجان. هذا التنوع الهائل في استخدامات الباذنجان يعكس ثراء المطبخ العربي وقدرته على الابتكار والتطور، مع الحفاظ على الأصالة والنكهات التقليدية.
وهكذا، نرى كيف تحوّل الباذنجان من ثمرة منبوذة إلى لؤلؤة الطبيخ العبّاسي. قصّة الباذنجان هذه هي قصّة التغلّب على الأوهام بالعلم والتجربة، وتحويل المخاوف إلى فرص للإبداع. من المكدوس إلى البورانية، ومن مائدة الخليفة إلى مائدة كلّ بيت عربي، يظلّ الباذنجان شاهداً على قدرة الإنسان على التكيّف والابتكار، وعلى غنى وتنوّع تراثنا الغذائي العربي.

مراجع
- ابن سيار الوراق، محمد بن الحسن. (2010). كتاب الطبيخ. تحقيق: كاي أوهرنبرگ وناهد فريد مصطفى. بيروت: دار الكتب العلمية.
- ابن العديم، كمال الدين. (1988). الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب. تحقيق: سليمان مهنا وداود سلوم. حلب: معهد التراث العلمي العربي.
- ابن سينا، الحسين بن عبد الله. (1999). القانون في الطب. بيروت: دار الكتب العلمية.
- الرازي، محمد بن زكريا. (1955). الحاوي في الطب. حيدر آباد الدكن: دائرة المعارف العثمانية.
- العوام، أبو زكريا يحيى بن محمد. (1988). كتاب الفلاحة. تحقيق: أنور أبو سويلم. عمان: مجمع اللغة العربية الأردني.
- Perry, Charles. (1994). The Description of Familiar Foods. In Rodinson, Maxime, A. J. Arberry, and Charles Perry (Eds.), Medieval Arab Cookery (pp. 273-465). Totnes: Prospect Books.
- Rosenberger, Bernard. (1996). La cuisine arabe et son apport à la cuisine européenne. In Jean Louis Flandrin and Massimo Montanari (Eds.), Histoire de l’alimentation (pp. 345-365). Paris: Fayard.
- Watson, Andrew M. (1983). Agricultural Innovation in the Early Islamic World: The Diffusion of Crops and Farming Techniques, 700-1100. Cambridge: Cambridge University Press.
- Zaouali, Lilia. (2007). Medieval Cuisine of the Islamic World: A Concise History with 174 Recipes. Berkeley: University of California Press.
- Nasrallah, Nawal. (2007). Annals of the Caliphs’ Kitchens: Ibn Sayyar al-Warraq’s Tenth-Century Baghdadi Cookbook. Leiden: Brill.





اترك رد