رسمة أمس السبت لمشهد من على قلعة المرقب الأثرية في مدينة بانياس على الساحل السوري ورسمتها بناء على طلب الصديقة ديانا كرز

لطالما كانت بانياس مدينة حدودية تقع دائماً على الحدود ما بين محافظتي فنيقيا وسوريا الرومانيّتين، ودائماً ما تنازعتها المحافظتين. واستمرّ حالها كذلك منذ العهد الأسوري في البلاد ثمّ الأخميني ثمّ السلوقي ثمّ الروماني ثمّ البيزنطي إلى أن صارت أخيراً في عهد الدولة الإسلامية الأولى من ”جند حمص“ وموقعها شمالاً على آخر حدود ما كان سابقاً فنيقيا. إذ تمّ ضمّ قسم من جنوب سوريا لجند حمص شمل على بانياس وشيزر وحماة وسلمية والقسطل. بينما تحوّلت سوريا إلى ”جند قنّسرين“ و ”الثغور الشامية“. وصارت جبلة إلى الشمال من بانياس هي الميناء الحدودي جنوب ساحل جند قنّسرين (سوريا سابقاً).
وقصّة الخلاف حول ملكية جباية بانياس تعود أساساً إلى الفتح الأسوري لفنيقيا، إذ أخذت أسوريا من بلاد الكنعانيّين مناطقها الشمالية واعتبرت أنّ حدودها الساحلية تنتهي مع بانياس، بينما استمرّ الفنيقيّون يعتبرون الميناء من أملاكهم. واستمرّ هذا النزاع الثقافيّ لم ينتهي إلّا بعهد الإسلام، الذي أعاد بانياس إلى ما كان سابقاً فنيقيا… ففي معجم ستيفَن البيزنطي Στέφανος Βυζάντιος من القرن السادس مثلاً نجد بانياس مذكورة من أملاك فنيقيا، غير أنّ أبرشية بانياس البيزنطية تبعت أنطاكيا عاصمة سوريا، ولم تتبع حمص عاصمة فنيقيا.
عموماً، بانياس من أغزر المدن السورية بالآثار وبمواقعها لكثرة ما تبدّلت عليها الأنظمة والأديان، ولقِدم سكن الإنسان فيها، فهي من أقدم المدن الحية على سطح الأرض. وما قد يبدو اليوم بلدة صغيرة كان في أزمان متعدّدة من أكبر المدن التجارية وأهمّها، وتفوّقت فيها الثروات حتى بذخ أهلها بتزيينات بيوتهم وألبستهم. وهو ما نلمسه اليوم ممّا يُعثر عليه في المقابر الأثرية.
عُرفت بانياس كواحدة من أهمّ موانئ شرق المتوسط ما بين العهدين الفنيقي والهيليني، وتذكرها النصوص الإغريقية باسم لِوگَس Leucas ويقول ستيفَن البيزنطي أنّها صارت في العهد السلوقي مستوطنة لمهاجرين من جزيرة ليفكاده Λευκάδα. وهي جزيرة أيونية تقع على الغرب من اليونان المعاصرة. وبحسب سترابون Στράβων كانت بانياس مستوطنة لأهل جزيرة أرواد قبل الاستيطان اليوناني، وحملت آنذاك اسم أرواد نفسه ”أرَدُس“ Aradus.
في النصوص الرومانية والإغريقية ما بعد روما؛ يتغيّر اسم المدينة فترد باسم ”بَالَنَيّه“ Βάλαναία و”بَلَنْيه“ Balanea ثمّ لاحقاً بَلنيّيس Balneis. ويُظنّ أنّ المدينة نالت اسمها الروماني من اسم الحمّامات؛ من الاشتقاق الإغريقي ڤانييس βᾰλᾰνεύς الذي يعني مهنة ”مكيّيس الحمّام“. لكنّ اسم بَالَنَيّه يأتي في الواقع من اسم شجر البلّوط في الإغريقية الكوينية ”ڤالَنوس“ βάλανος ونالت بانياس اسمها بالَنَيّه هذا لكثرة أشجار البلّوط على الجبال من حولها، إذ كان خشب البلّوط أهمّ صادرات بانياس في العهدين السلوقي والپطولمي. فاسمها الإغريقي معناه البلّوطية.
ولطالما عُرفت بانياس بغناها بالحياة النباتية، والجبال من حولها مغطّاة بأشجار السنديان والخرنوب والبلّوط والغار والزيتون. التي يسقيها جميعاً أنهار السنّ وبانياس والجعم ووفرة الأمطار عليها طوال العام.
في القرن 12 يذكر الجغرافي التركي شهاب الدين ياقوت الحموي الرومي؛ بانياس في الصفحة 489 من كتابه ”معجم البلدان“ باسم ”بُلُنْيَاس“ ويعرّفها: ”بُلُنْيَاس بضمّتين وسكون النون وسين مهملة: كورةٌ ومدينةٌ صغيرةٌ وحصنٌ بسواحل حمص على البحر، ولعلَّها سُمِّيت باسم الحكيم بلنياس صاحب الطلمسات.“.
في عهد الصليبيّين يصبح اسم المدينة ”ڤَلَنيه“ Valania ويذكرها الصليبيّون في تدويناتهم بأنّها كانت مهجورة تماماً، وعلى الأغلب أنّهم أبادوا سكّانها وهجّروهم واستبدلوهم. أو قصد المدوّن الفرنسي خلوّ المدينة من المسيحيّين، طالما كان الحديث عن أبرشية ڤَلَنيه.
أوّل ذكر للمدينة باسم بانياس يأتي من الفترة العثمانية.
وفي بانياس مغارة صغيرة اسمها ”الباصية“ يتبرّك فيها المسيحيّون معتقدين أنّ مريم العذراء استراحت فيها ليلة. وفيها كذلك آثار لمعبد أثري مكعّب صغير عثر عليه سنة 1860 المستشرق الفرنسي ارنست رينان Ernest Renan يعود إلى الفترة السلوقية، سلبه رينان لوح التعريف المنقوش بالإغريقية ونقله إلى پاريس، في إطار المهمّات العلمية للإمبراطورية الفرنسية.
خلال القرن الثامن بني إلى جوار بانياس حصن المرقب وكان موقعه دير بيزنطي وقلعة رومانية من القرن الثاني. ولا أعرف سبب إنشاء الحصن في عهد الخليفة العبّاسي هارون الرشيد، إذ كان إنشاء القلاع في ذلك الزمن عادة انتشرت بين الأمراء من شيعة العرب، والحصن مشيّد بالبازلت الأسود. سنة 1062 أعاد الإسماعيلية النزارية بناء الحصن وحدّثوه بأمر من شيخ الحشّاشين العراقي رشيد الدين سنان بن سلمان البصري. وفي تلك الفترة أنشأ الإسماعيلية إمارة على الساحل السوري وقعت كمنطقة عازلة بين الزنكيّين ثمّ الأيّوبيين من جهة، والإمارات الصليبية من جهة ثانية. ومارس الحشّاشون آنذاك الاغتيالات السياسية فأوقعوا الكثير من الاغتيالات في صفوف أمراء الجانبين المسلم والمسيحي، فاغتالوا ملك القدس وكادوا يتمكّنون من اغتيال صلاح الدين نفسه.
استولى الصليبيّون على حصن المرقب سنة 1117 وبقي من أملاكهم حتى سنة 1285 حين طردهم عنه قائد جيش مملوكي اسمه فخر الدين مقري من عساكر السلطان المنصور سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي. سلطان المماليك البحرية. وكان صالحياً لأنه من نسل الصالح أيّوب زوج شجرة الدر. وبعد سيطرت المماليك البحرية على الحصن أعادوا تحديثه وصار قاعدة للبحرية المملوكية، ونقل سكّانه المسيحيّين إلى قرية صارت تُعرف بقرية المرقب وغادر الأثرياء منهم إلى مالطا. وكان السلطان قلاوون قد حقّق في بانياس ما فشل بتحقيقه كلّ من صلاح الدين ونسله والظاهر بيپرس، بسبب مناعة القلعة وارتفاع حصنها.
خلال عهد المماليك البرجية تحوّل سكّان قرية المرقب عن المسيحية الكاثوليكية إلى الإسلام على المذهب السنّي وازدهرت القرية كأحد أهمّ المراكز التجارية لولاية طرابلس وكانت فيها إدارة إقليمية لعدد كبير من القرى، بحسب المؤرّخ المقدسي غرس الدين المصري خليل بن شاهين الظاهري (متوفّي سنة 1468).
والحصن يبعد عن مركز بانياس خمسة كيلومترات، مبنيّ على رأس هضبة بارتفاع 350 متر، يحيط به سوران على الخارجيّ منهما 14 برج دفاعيّ. ولم تزل الكنيسة القديمة موجودة فيه منذ القرن الثاني، لكن تمّت إعادة تزيينها في القرن 12. كان حصن المرقب في عهدة فرسان الإسبتارية ما بين 1186 و1285، في هذه الفترة التي امتدت 99 سنة حوّل الإسبتاريّون كنيسة المرقب إلى متحف أنيق للجدرايّات الكلاسّيكية الرائعة، إذ يحتوي على جدارية العشاء الأخير، وجدارية عملاقة تمثّل مشهدين من الجنة وجهنّم، بالإضافة إلى لوحة لمشهد مقتل القدّيس يوحنّا.
خلال العهد العثماني أُخلي حصن المرقب من حاميته العسكرية، وحافظت الحكومة على عمارة الحصن والكنيسة فيه، وصار مقرّاً لإقامة القائم مقام. ثمّ سنة 1884 نُقل مقرّ مكتب القائم مقام إلى بانياس وأُخلي الحصن بناء على رغبة فرنسية. وسنة 1890 كان في مسؤولية القائم مقام 393 قرية. حتّى 2011 تنوّع سكّان المنطقة بين أغلبية سنّية وأقليّات علوية وروم أرثذكس وروم كاثوليك وموارنة.
خلال العهد الفرنسي تضاءل عدد سكّان قرية المرقب بشكل حادّ وصاروا نحو 800 نسمة، لكن سنة 1968 وصل خط أنابيب شركة نفط العراق IPC إلى قرية المرقب فازدهرت القرية من جديد وازداد عدد سكّانها مع انطلاق عمليات تصدير النفط العراقي من ميناء بانياس.
زرت بانياس والمرقب عدّة مرّات في سنوات حياتي في سوريا، ولطالما أحببت المنطقة والتقطتّ لها مئات الصور، كما أحزنني أثر مصفاة النفط والصناعات الكيماوية على طبيعة المنطقة وبيئتها. لكنّ المعروف أنّ منطقة بانياس واحدة من المناطق السورية الأغنى ثقافة والأعلى تعليماً، نتيجة التنوّع الطائفي الكبير فيها، إضافة إلى ثرائها الزراعي. وأعتبر العادات الاجتماعية في المنطقة نموذجاً عن بقايا تأثيرات كلّ الحضارات العابرة فيها، من فنيقية ومصرية وأسورية وهيلينية ورومانية، ويبقى لبانياس تميّزها في طباع أهلها ولهجتهم وتقاليدهم الاجتماعية.





اترك رد