هذه تدوينة غايتها كسر واحدة من الصور النمطية السامّة في المجتمع العربية. تضيف صوتاً مختلفاً في مواجهة التعميمات السطحية عن العرب وقدراتهم الإبداعية. وتفسّر غياب المبتكرين العرب الميسورين عن منصّات وام بأسباب عملية واضحة، تتجاوز الأفكار النمطية المتداولة عن “العقلية العربية”. وسنرى معاً كيف يرتبط هذا الغياب بمكوّنات أساسية في النظام التعليمي العربي، التي يمكن تغييرها وتطويرها بدل الاستسلام للتعميمات السلبية. أطرح في هذه التدوينة رؤية واقعية تستند إلى المقارنة المباشرة مع تجارب تعليمية ناجحة في بلدان مختلفة.
تشغلني دائماً ظاهرة غياب نشاط المبتكرين والمخترعين العرب عن منصّات وام، مثل يوتيوب وإنستاگرام وتكتوك وغيرهم… في مقابل وجود الآلاف من المبتكرين والمخترعين الفخورين بإظهار مبتكراتهم على هذه المنصّات.
وام
وسائل الإعلام المجتمعي
نجد على يوتيوب مثلاً العديد من القنوات التي يديرها مخترعون ومبتكرون وصنّاع المحتوى التقني، حيث يستضيفون مخترعين ومبتكرين شباب من الولايات المتحدة وألمانيا ويشاركون تجاربهم وابتكاراتهم مع الجمهور. ومن أبرز هذه القنوات:
قناة ماركس براونلي: مراجع تقني مشهور معروف بمراجعاته العميقة للأجهزة. يوتيوب: MKBHD. تيكتوك: @mkbhd. إكس (تويتر سابقاً): @MKBHD. إنستاگرام: @mkbhd
قناة كارا سويشر: صحفية تقنية مخضرمة تقدم رؤى عميقة في صناعة التكنولوجيا. إكس (تويتر سابقاً): @karaswisher. پودكاست: On with Kara Swisher
قناة لويس هيلسنتيگر (أنبوكس ثيراپي): معروف بفتح وتقييم أحدث المنتجات التقنية. يوتيوب: Unbox Therapy. إكس (تويتر سابقاً): @UnboxTherapy. إنستاگرام: @unboxtherapy
قناة ديڤيد هاينماير هانسون: مبتكر روبي أُن ريلز Ruby on Rails والمدير التقني في بيسكامپ. إكس (تويتر سابقاً): @dhh. مدونة: DHH’s Blog
ديڤيد شوارتز: المدير التقني في ريپل Ripple وشخصية بارزة في مجال العملات المشفرة. إكس (تويتر سابقاً): @JoelKatz. مدونة: Distributed Agreement
ڤيرنر ڤوگلز: المدير التقني في أمازون، ويشارك رؤى حول الأنظمة الموزعة والحوسبة السحابية. إكس (تويتر سابقاً): @Werner. مدونة: All Things Distributed
گريگ بروكمان: المدير التقني في سترايپ والشريك المؤسس لأوپن إيه آي. إكس (تويتر سابقاً): @gdb

بمراجعة خلفيّات العديد من هؤلاء وضيوفهم وجدت أنّهم من أولاد الميسورين، الذين لا تعوقهم الحاجة المالية عن ملئ وقتهم في فضاء الإبداع والابتكار. هنا، شغلتني مسألة. هل اليسر المالي هو ما يدفع هؤلاء المبتكرين على الخوض في مسألة الابتكار والاختراع؟ إذا كان هذا هو الدافع، فلماذا لا يشاركهم الدافع نفسه أولاد الميسورين من العرب؟ ما الذي يعوق أولاد الميسورين عن صرف الوقت في الابتكار والاختراع، ثمّ إظهار هذه الإبداعات على منصّات وام؟
لأعثر على إجابة ترضي فضولي، لجأت أوّلاً إلى التعرّف إلى رأي المجتمع في هذه المسألة. ثمّ سعيت أطلب رأي العلم فيها. والرأي الذي وجدته عند المجتمع قريب بنسبه منه من رأي العلم، لكنّه مع ذلك، مع الأسف، بعيد جدّاً عن الواقع. هذا الواقع هو ما أسجّل بيانه هنا في هذه التدوينة. لكنّني أبدأ أوّلاً بالتجربة الاجتماعية.
وهذه طريقتي في اتّباع المنهج العلمي. إذ إنّ المنهج العلمي يتطلّب تجرّداً من الأهواء والتحيّزات الشخصيّة، ويفرض علينا البحث عن الحقيقة بغضّ النظر عن موافقتها لرغباتنا، ويدفعنا للاعتراف بصحّة الحجّة والبرهان حتى لو خالفت ما نحبّ، وفي منهجي البحثي أحرص على الموضوعيّة والتجرّد العلمي، فأمانة البحث العلمي تقتضي منّا الانحياز للحقيقة وحدها مهما كلّفنا الثمن.

الدراسة الاجتماعية
لاستطلاع رأي المجتمع، طرحت على فيٓسبوك السؤال عن سبب ظاهرة غياب منصّات الاختراع لدى أبناء الميسورين العرب، وكتبت التالي:
هنا في ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية، يتّجه أولاد كثير من الميسورين إلى تطوير اختراعات وتجربتها وتصويرها ونشرها على منصّات الڤيديو… في المقابل، لا يتّجه أولاد الميسورين من العرب في هذا المنحى. برأيك، ما هو السبب؟
هؤلاء الشباب والبنات الألمان والأمريكان يستغلّون الفرصة في أنّهم غير مضطرّين لإنتاج المال بسرعة، فيحوّلون اللّهو إلى شيء مفيد ينفقون فيه… وعديد من اختراعاتهم وجدت طريقها فعلاً لتصبح منتجات حقيقية تنتج أرباح. بغضّ النظر عن الأرباح التي قد تُجنى من مشاهدات المنصّات. في المقابل، لا أجد قنوات اختراعات لميسورين عرب، ولا حتى المغتربين، لا على يوتيوب ولا تكتوك ولا إنستاگرام ولا غيرهم. لماذا؟

تبع هذا المنشور على فيٓسبوك حوار طويل احتوى على الكثير من الآراء. مال فيه أغلب المحاورين مع الأسف إلى تبرير المسألة بالتعميم، إذا يرون غياب روح الإبداع وعقلية الابتكار عن كلّ العرب بلا استثناء، ثمّ أسندوا التبريرات وراء ظاهرة غياب منصّات الاختراع لدى أبناء الميسورين العرب على هذا التعميم، فصاروا يبحثون عن سبب يبرّر الفكرة من التعميم، لا عن سبب الظاهرة المقصودة … بكلّ حال، درستُ الحوار وصنّفت الآراء التي وردت فيه، وهذا بيان أفكار الحوار وانطباعات المتحاورين.
توزّعت الآراء الرئيسية على النحو التالي:
يشكّل التعليم والتراث التربوي ٣٠٪ من الآراء:
ركّز المتحاورون على تأثير تجارب الطفولة المبكّرة وأساليب التعليم في تشكيل العقلية الابتكاريّة. يشجّع الألمان والأمريكيّون أطفالهم على التجريب والابتكار منذ الصغر، في حين تميل المدارس العربية إلى تفضيل الحفظ على التجريب العملي.
تمثّل طرق اكتساب الثروة والنظام الاقتصادي ٢٥٪ من الآراء:
ناقش المشاركون تأثير طريقة اكتساب الثروة على موقف الناس من الابتكار. إذ تأتي الثروة في البلدان العربية غالباً من التجارة والعقارات والعلاقات الحكومية، لا من الابتكار التقني، ممّا يؤثّر على نظرة الجيل التالي لكيفية بناء الثروة.
تشغل ديناميكيات الأعمال العائلية ٢٠٪ من الآراء:
وصف عدد من المشاركين، خاصّة أصحاب التجارب الشخصية، كيف تضغط العائلات العربية الميسورة على أبنائها لمواصلة أعمال العائلة القائمة بدلاً من متابعة مشاريع ابتكارية منفصلة.
يحتلّ المناخ الاجتماعي والسياسي ١٥٪ من الآراء:
تحدّث المشاركون عن تأثير البيئة الاجتماعية والسياسية الأوسع على الابتكار. وأشاروا إلى محدودية الدعم الحكومي للابتكار في البلدان العربية.
تبلغ نسبة النقاش حول عادات الاستهلاك ١٠٪ من الآراء:
أشار المشاركون إلى انتشار عادات الاستهلاك بين العرب الميسورين، فيقاس النجاح (من وجهة نظرهم) بالاستهلاك (السيارات الفاخرة، السفر، الأزياء) لا بالإنتاج والابتكار.

ولنتعمّق أكثر في تفاصيل معتقدات العرب:
أبرز المشاركون الفروق الواضحة بين المناهج التعليمية الغربية والعربية، وهذه نقطة شديدة الأهمّية سأتوسّع فيها لاحقاً. إذ تدمج المدارس الألمانية والأمريكية التجريب العملي وحلّ المشكلات، في حين تركز المناهج العربية على المعرفة النظرية والحفظ.
طوّرت المجتمعات الغربية أنظمة دعم شاملة للمبتكرين الشباب تشمل:
- مدارس متخصّصة للموهوبين
- مساحات مجتمعية للابتكار
- مجموعات الأقران المهتمّة بالابتكار
- برامج الدعم الحكومي
لكن، تفتقر البلدان العربية لأنظمة الدعم الاجتماعي هذه أو تطوّرها بشكل محدود جدّاً.
كشف النقاش عن معتقدات عن علاقة معقّدة بين طرق اكتساب الثروة ومواقف الأجيال اللّاحقة من الابتكار. إذ يعتقد المتحاورون أنّ الأطفال يتبنّون عقلية الحفاظ على الثروة بدلاً من الابتكار عندما تأتي الثروة من التجارة أو العلاقات الحكومية. كذلك، يمتلك أبناء العائلات العربية الميسورة وصولاً أفضل للتكنولوجيا والأدوات من نظرائهم الغربيّين. لكن، تستخدم العائلات الغربية مواردها للتجريب والتعلم، في حين تستخدمها العائلات العربية للاستهلاك أساساً.
يحتفي الإعلام الغربي بالمخترعين وروّاد الأعمال الشباب، في حين يحتفي الإعلام العربي بقصص نجاح مختلفة، تركّز عادةً على الأعمال التجارية أو المهن التقليدية، مع التركيز بقوّة على حالات الخروج من الفقر إلى قلّة الفقر، دون التطرّق إلى حالات النجاح الواسع على مستوى مجتمعي. وبهذا يستثنى أبناء الميسورين من هذه التغطية، التي تركّز على تصوير المجتمع العربي مجتمع فقير ضعيف غير قادر على الحياة دون دعم حكومي.
نظرة مستقبلية:
من وجهة نظر المتحاورين العرب، يتطلّب معالجة فجوة الابتكار تغييرات على مستويات متعددة، منها إصلاح تعليمي لتشجيع التجريب العملي، وتغيير في تعريف النجاح والاحتفاء به، وتطوير أنظمة دعم للمبتكرين الشباب، وتغيير موقف العائلات من المخاطرة والابتكار. وأعرب كثير من المشاركين عن تفاؤلهم بإمكانيّة هذه التغييرات، مستشهدين بإسهامات الحضارة العربية التاريخية في العلوم والابتكار.
تجنّب النقاش التفسيرات المبسّطة، وهذا اتّجاه جيّد جدّاً، وكشف عن تفاعل معقّد بين العوامل الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية التي تؤثّر مجتمعةً على أنماط الابتكار بين الشباب العرب الميسورين.
الآن، لنتحدّث بما غاب عن الحوار، وهو ما يسوق بغيابه إلى تطبيق الصورة النمطيّة التي تعمّم على كّل العرب، أو على «العقلية العربية».

لنغيّر الزاوية
لماذا يهتمّ بعض أبناء الألمان والأمريكان بالابتكار؟
شخصيّاً أرفض بشدّة النظرة النمطية المغلوطة عن «العقلية العربية» والمزروعة فعلاً اليوم في العقل الجمعي العربي. لأنّ قبول الصورة النمطية عن “العقلية العربية” ستعيق طريقك في الحياة. لأنّ تصديق هذا التنميط سيجعلك تشعر بالنقص والدونية أمام الآخرين. لأنّ رفضك لهذه الصورة النمطية سيفتح أمامك آفاقاً أرحب للإبداع والتميز في عملك ودراستك. لأنّ تحررك من هذا القيد الفكري سيمنحك ثقة أكبر بنفسك وبقدراتك. لأنّ تجاوزك لهذا التصنيف العنصري سيمكّنك من إثبات كفاءتك وجدارتك في كل المجالات.
في الواقع، أنا أرفض كلّ الصور النمطيّة من مثال «العقلية العربية» لأنّ العقل البشري لا يخضع لتصنيفات عرقية أو جغرافية أو إثنية تحدّد قدراته. إذ يبرز في النظرة المنهجية العلمية تنوّع القدرات العقلية البشرية بغضّ النظر عن انتماءاتهم الإثنية أو أصولهم الجغرافية. وتمتدّ جذور الإبداع في كلّ المجتمعات البشرية على مرّ العصور، لتؤكّد عالمية القدرات العقلية وعدم ارتباطها بـ”عرق” دون آخر.
يفرض النهج العلمي الموضوعي دراسة العقل البشري كظاهرة كونية مشتركة. وتنعكس تجلّيات الإبداع البشري في سياقات تاريخية واجتماعية مختلفة، لتبرز أنماطاً متنوّعة من التفكير والابتكار. وتتشكّل أساليب التفكير البشري عبر تفاعلات معقّدة مع البيئة المحيطة والظروف التاريخية، بعيداً عن التصنيفات “العرقية” السطحيّة والمبسّطة.
تدلّ الدراسات العلمية الحديثة على تساوي القدرات العقلية الأساسية بين البشر. وتتطوّر هذه القدرات وتتنوّع أساليب استخدامها حسب السياقات التعليمية والاجتماعية المختلفة. وتتفاعل العوامل البيئية والتربوية مع الاستعدادات الفطرية لتشكّل أنماطاً متنوّعة من التفكير والسلوك.
الحوار سابق الذكر على فيٓسبوك احتوى على أفكار مهمّة، لكنّه في ذات الوقت لم يستطع تطبيق هذه الأفكار المهمّة على الواقع … أي فقد القدرة على تحويلها إلى أفكار واقعية تقبل الإجراءات، لأنّه أهمل تفاصيل ووقائع مهمّة. وهي، على الأغلب، تفاصيل لا يعرف العربي بوجودها لأنّها غير موجودة في بلاده العربية. لذا أضيف أفكاراً مهمّة غابت عن الحوار لفهم أعمق لظاهرة عزوف أبناء الميسورين العرب عن الاهتمام بالابتكار.
النقطة الجوهرية في هذا الموضوع هي المكان الذي يزرع روح الإبداع عند الإنسان: المدرسة.
تبدأ المدرسة بتشكيل الإبداع في نفوس الطلّاب عبر دروس الابتكار ومسابقاته المنتظمة. ويدفع المدرّس طلّابه نحو التفوّق والتميّز في تطوير أفكارهم وابتكاراتهم. ثمّ، تكافئ المؤسّسات التعليمية الابتكارات الجديدة بأساليب متنوّعة، فتزرع في نفوس المتعلّمين الرغبة المستمرّة في التطوير والإبداع.
تثبّت المكافآت المدرسية قيمة للابتكار في عقول الطلّاب، فيتّجهون نحو تقديم المزيد من الأفكار الجديدة. ويسعى المبتكر في بيئته المدرسية إلى تطوير مهاراته الإبداعية باستمرار، فتتحوّل عنده رغبة الابتكار إلى أسلوب عمل متواصل؛ تصبح نمط حياة. فتنتج هذه التربية المدرسية جيلاً يؤمن بقيمة الابتكار ودوره في تطوير المجتمع وازدهاره.
المدرسة تزرع في عاطفة الإنسان السعي لطلب المكافأة مقابل الابتكار والإبداع، وهذا يغيب تماماً عن مدارس البلدان العربية.
يبرز في التعميمات والصورة النمطية العربية غياب النقاش عن تأثير برامج المنح والتمويل التي تقدّمها شركات التقنية الكبرى في ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية للطلّاب المبتكرين. فتُسهل هذه البرامج على المراهقين تجريب أفكارهم وتحويلها إلى منتجات، وتمنحهم فرصاً للتدريب في مختبرات الشركات خلال العطل المدرسية… بغض النظر عن كون هؤلاء الطلّاب هم من بني عائلات ميسورة. لكن، هذا التحفيز يمنحهم الثقة بأنّ الخوض في مجال الابتكار هو أمر مثمر ويستحقّ الاهتمام الجاد.
يغيب عن الحوار دور الجامعات في تشجيع الابتكار. إذ تتيح الجامعات الألمانية والأمريكية لطلّاب الثانوية استخدام مختبراتها ومعاملها، وتنظّم لهم مسابقات ومؤتمرات علمية. فيما تقتصر برامج الجامعات العربية على طلّابها المسجّلين فقط. لا يتعرّف طالب الثانوية ببيئة الجامعة إلّا بعد التخرّج من الثانوية ودخول الجامعة.
لم يتطرّق الحوار لتأثير قوانين براءات الاختراع وحماية الملكية الفكرية، وهي مسألة شديدة الأهمّية يرغم عدم تأثيرها المباشر على حياة الطالب. إذ تُسهّل القوانين الغربية على المخترعين الصغار تسجيل اختراعاتهم وحمايتها، وتمنحهم حقوقاً واضحة في استثمارها تجارياً، ولو بعد سنوات وعقود طويلة.
غاب عن النقاش دور المكتبات العامّة ومراكز العلوم. إذ تفتح المكتبات الغربية أبوابها للأطفال والمراهقين، وتوفّر لهم معامل صغيرة للتجريب، وتنظّم لهم ورش عمل مع علماء ومخترعين مشاهير وحقيقيّين. فيما يقتصر دور المكتبات العربية على حفظ الكتب وإعارتها.
لم يناقش المتحاورون أثر برامج التبادل الطلّابي والمخيّمات العلمية الصيفية. إذ تتيح هذه البرامج في بلدان “الغرب” للطلّاب المبتكرين التعرّف على أقرانهم من دول مختلفة، والعمل معهم على مشاريع مشتركة. وتمارس الكثير من بلدان “الشرق” هذه البرامج، فيما تندر في العالم العربي.

يغيب عن الحوار تأثير الگيمنگ والألعاب الإلكترونية. حين تدفع ألعاب البناء والتصميم مثل ماينكرافت الأطفال الغربيّين للتفكير في آليات عمل الأشياء وطرق تطويرها. فيما يميل الأطفال العرب لألعاب المنافسة الحربية والقتال، لغياب مسابقات ألعاب البناء والتصميم. الطفل المنخرط في لعبة ماينكرافت مثلاً يهتمّ بها مع فريق من زملائه في المدرسة على أمل المنافسة في مسابقة والفوز بجائزتها.
لم يتناول الحوار دور المتاحف التفاعلية ومراكز العلوم. إذ تقدّم هذه المؤسّسات في بلدان الغرب والشرق تجارب عملية للزوار الصغار، وتتيح لهم استكشاف العلوم والتقنية بأيديهم. فيما تندر المتاحف التفاعلية في العالم العربي. وعادة ما تشرف الجامعات والمكتبات على تأسيس هذه المتاحف، ولا تكون مسؤولية حكومية.
يبرز في الحوار غياب النقاش عن تأثير الاقتصاد الرقمي وريادة الأعمال التقنية. إذ يرى المراهقون الغربيّون نماذج ناجحة لروّاد أعمال صغار طوّروا تطبيقات وبرمجيّات وحقّقوا نجاحات مالية. فيما تنحصر نماذج النجاح العربية في التجارة التقليدية (المتوارثة) ومسابقات الفروسية وغيرها من أنواع الرياضة والفنون.
لم يتطرّق الحوار لدور المعلّمين والموجّهين. إذ يتلقّى المعلّمون الغربيّون والشرقيّون تدريباً على تشجيع الابتكار والتفكير النقدي. فيما يركّز المعلّمون العرب في القرن الأخير على تلقين المعلومات وحفظها في أذهان الطلّاب، حتّى لو كان هذا الحفظ بغير فهم.
غاب عن النقاش تأثير المسابقات الطلّابية العلمية والتقنية. إذ تنظّم المؤسّسات الغربية مسابقات تنافسية للمخترعين الصغار، وتقدّم لهم جوائز مادّية ومعنوية مجزية. فيما تقتصر المسابقات الطلّابية العربية على المواد الدراسية التقليدية وحفظ الأشعار والأغاني والرقصات الشعبية.

طيّب، أين ابتكارات العرب المغتربين؟
لا أجد قنوات اختراعات لميسورين عرب من المغتربين غير المقيمين في البلدان العربي، لا على يوتيوب ولا تكتوك ولا إنستاگرام ولا غيرهم. برأيك لماذا؟ ماذا يبرّر هذا الواقع بعيداً عن تنميط “العقلية العربية”؟
أبناء المغتربين العرب الميسورين من الجيل الثاني والثالث والرابع درسوا في مدارس بلدان الاغتراب منذ الصغر، وشاركوا في كلّ برامج الابتكار المدرسية، لكنّهم لا يظهرون ابتكاراتهم على المنصّات العربية، بل يظهرونها على منصّات بلدان الاغتراب. ويعود السبب الرئيسي إلى عدم وجود قنوات عربية تهتمّ بالابتكار والاختراع تجذب إليها المبتكرين والمخترعين العرب في المهجر. وتغيب عن وام العربية برامج مراجعة المنتجات التقنية، وبرامج تحليل التقنيات الجديدة، وبرامج عرض الاختراعات.
يدفع هذا الغياب المبتكرين العرب في المهجر إلى عرض ابتكاراتهم على منصّات بلدان الاغتراب بأسماء محلّية غير عربية، فيتّجه المبتكر العربي في ألمانيا نحو المنصّات الألمانية، والمبتكر العربي في الولايات المتحدة نحو المنصّات الأمريكية. وويرتبط هذا الغياب للمحتوى التقني العربي على وام بغياب المبتكرين العرب عن منصّات وام، فتتشكّل دائرة مغلقة تكرّر نفسها.
اليوم، ما عادت منصّات وام مقيّدة جغرافيّاً، ويستطيع أي شخص الوصول إلى المحتوى من أيّ مكان في العالم. لكن غياب المبتكرين العرب المغتربين عن هذه المنصّات يشير إلى سبب أعمق يتعلّق بالهوية.
يرتبط ظهور المبتكر على منصّات وام بإحساسه بالانتماء إلى مجتمع معين. فالمبتكر الألماني يظهر على المنصات الألمانية لأنه يشعر بالانتماء إلى المجتمع الألماني المبتكر. والمبتكر الأمريكي يظهر على المنصّات الأمريكية لأنّه يشعر بالانتماء إلى المجتمع الأمريكي المبتكر. ونفس الأمر بالنسبة للياباني والصيني والكوري والهندي… إلخ.
أما المبتكر العربي المغترب، فلا يجد مجتمعاً عربياً مبتكراً لينتمي إليه. لذا يختار الظهور على منصّات مجتمع الابتكار في بلد إقامته، ويتخلّى عن هويته العربية في مجال الابتكار. وتكشف هذه الظاهرة عن حاجة ملحّة لبناء مجتمع (تجمّع) عربي مبتكر يجذب إليه المبتكرين العرب في المهجر، ويعيد ربطهم بهويتهم العربية في مجال الابتكار.

نعود إلى مسألة التعليم
تمثّل المناهج المدرسية جانباً مهمّاً آخر غاب عن الحوار. إذ تختلف المناهج المدرسية الغربية والشرقية عن العربية في مجالين أساسيّين:
المجال الأول – تدريس منهجية الابتكار:
تدرّس المدارس الألمانية والأمريكية والصينية واليابانية موادّاً خاصة تعلّم الطلاب منهجيّات التفكير الابتكاري والتصميم الهندسي. فيتعلّم الطلّاب مبادئ مثل العصف الذهني، والتفكير التصميمي، وحلّ المشكلات، وتحليل الحاجات. وتخصّص المدارس حصصاً أسبوعية لورش عمل عملية يطبّق فيها الطلّاب هذه المنهجيات على مشاريع حقيقية.
المجال الثاني – تدريس تاريخ العلوم والابتكار:
تركّز المناهج الغربية والشرقية على سير المخترعين والمبتكرين المحلّيّين، من أبناء بلدهم، فيتعرّف الطلّاب الألمان على قصص نجاح روبرت بوش وگوتنبيرگ وسيمنز وغيرهم. ويقرأ الطلّاب الأمريكيون عن توماس أديسون وستيڤ چوبز وبيل گيتس. ويدرس الطلّاب الصينيّون سيرة حياة چانگ هينگ وتساي لون ولي شيچنگ. ويقرأ الطلّاب اليابانيّون عن كيچيرو تويودا وكينجيرو تاكاهاشي وماسارو إيبوكا وأكيو موريتا. تربط هذه القصص الطلّاب بتراثهم العلمي وتلهمهم لمتابعة طريق الابتكار.
يضاف إلى ذلك برامج النشاط المدرسي:
- تنظّم المدارس الغربية والشرقية معارض سنوية لابتكارات الطلاب
- تدعو مخترعين محلّيّين للتحدّث عن تجاربهم مع الطلّاب
- تنظّم رحلات ميدانية لمراكز البحث والتطوير في الشركات المحلية
- تقيم مسابقات للابتكار بين المدارس
- تخصّص ميزانيات لدعم مشاريع الطلاب الابتكارية
تساعد هذه البرامج على تعزيز الهوية العلمية للطلّاب، وربط العلم النظري بالتطبيق العملي، تشجيع روح المبادرة والإبداع، تنمية مهارات العرض والتواصل، وخلق شبكات تواصل بين الطلاب المبتكرين. فيما تفتقر المناهج العربية لهذه العناصر، وتركّز على حفظ المعلومات العلمية دون ربطها بالتطبيق العملي أو التراث العلمي المحلي. وكل ما تكرّره المناهج العربية هو أنّ العرب تأخّروا وأصابهم الجهل في الحقبة العثمانية، وانتهى.

بالخلاصة نجد أنّ السبب الأوّل وراء عدم اهتمام أبناء الميسورين العرب بالابتكار والاختراع هو المدرسة. هذه برمجة فكرية تبدأ مع الطفولة من المدرسة، وغير مرتبطة بظروف الحياة بالضرورة. يُغرس الابتكار في نفس الطفل منذ الصغر بإتاحة مختبر للتجريب، ومكافأة النجاح في التجريب، وتدريس منهجيّات التفكير الإبداعي.
يمنح هذا الطريق نتائج ملموسة نراها اليوم في منصّات وام الألمانية والأمريكية. ويظهر الطريق نفسه في المدارس اليابانية والصينية والكورية، وفي كلّ مجتمع يؤمن بأنّ الابتكار طريق مفتوح أمام الجميع. وتتخرّج من هذه المدارس أجيال تعرف أنّ الابتكار لا يرتبط بالعرق ولا بالجنسية ولا بالمال، وإنّما بطريقة التفكير المدروسة والتجريب المتواصل. وتؤكّد هذه المدارس أنّ طريق الألف ميل نحو الابتكار يبدأ بخطوة أولى داخل مختبر المدرسة، تبحث عن مكافأة الرضى عن النفس مقابل تقديم الابتكار.
مراجع
للتوسّع في محتوى هذه التدوينة أنصح بمتابعة هذه المراجع:
Boaler, J. (2019). Limitless Mind: Learn, Lead, and Live Without Barriers. HarperOne.
يركز الكتاب على كيفية تطوير «عقلية النموّ» في التعليم وتأثيرها على الإبداع والابتكار.
Lareau, A. (2011). Unequal Childhoods: Class, Race, and Family Life. University of California Press.
يحلّل الكتاب تأثير الطبقة الاجتماعية على التعليم وتطوّر الأطفال.
Dweck, C. S. (2016). Mindset: The New Psychology of Success. Ballantine Books.
يناقش كيف تؤثّر المعتقدات الأساسية على التعلم والنجاح والإبداع.
Wagner, T. (2012). Creating Innovators: The Making of Young People Who Will Change the World. Scribner.
يدرس كيف تطوّر المدارس المتميّزة المبتكرين الشباب.
Zhao, Y. (2018). What Works May Hurt: Side Effects in Education. Teachers College Press.
يحلّل تأثير أنظمة التعليم المختلفة على الإبداع والابتكار.
Lin-Siegler, X., Ahn, J. N., Chen, J., Fang, F. A., & Luna-Lucero, M. (2016). “Even Einstein struggled: Effects of learning about great scientists’ struggles on high school students’ motivation to learn science.” Journal of Educational Psychology, 108(3), 314-328.
دراسة عن تأثير تدريس قصص العلماء على تحفيز الطلاب.





اترك رد