هذه شهادة من الداخل، ليست من خَصْم أيديولوجي، بل من ابن البيت نفسه. نشأت في أحضان اليسار، تربّيت على أفكاره، وعشت بين أهله، لكنّني اليوم أقف خارج أسواره ناقداً لما آل إليه. لست هنا لأهدم من أجل الهدم، بل لأضع يدي على الجرح الذي ينزف في جسد الحركة اليسارية السورية منذ عقود.
هذا ليس نقداً من الخارج، بل محاسبة من الداخل. وليس هجوماً على اليسار بصفة مفهوم، بل فحص لِما أصاب اليسار السوري تحديداً من تشوّهات جعلته غريباً عن روح اليسار في العالم، ومعادياً لطموحات الشعب الذي يُفترض أن يمثّله.
أكتب هذا لأنّني أؤمن أنّ النقد الصادق هو بداية العلاج، وأنّ الحبّ الحقيقي للفكرة يتطلّب أحياناً جرأة مواجهة انحرافاتها.
لا أحبّ أهل اليسار السوريّين، لا أستسيغ وجودهم في هذا العالم، ولا أرى في أصواتهم منفعة لمصلحة سوريا ولا مصالح السوريّين في العالم. وكلامي غير إقصائي، بل وقائي، وسأشرح السبب.
نادي التشاؤم
أنا ابن بيئة يسارية، سواء في جانبي الشامي أو الأوزبكي، كليهم رفدنني صغيراً بفكر يساري شرقي. ونشأت كذلك ومن حولي أصدقاء ومعارف يساريّين … كان اليمينيّون (حسب العرف السوري وليس العالمي) من حولي قلائل. لذا أعرف يساريّي سوريا عن قرب. ما أحببت نظرتهم التشاؤمية للحياة وفضّلت الاشتغال مع من ينافسهم ويكرههم اليساريّون.
ثمّ، هبطت ألمانيا، واشتغلت في أوروپا مع الـ The Left \ Die Linke بالضرورة، بسبب اشتغالي في حركات تشجّع احتضان اللاجئين السوريّين في أوروپا، وكانت جميعاً يسارية. ولاحظت الفرق … اليسار السوري ليس كما اليسار في باقي العالم.

تجربتي كشفت عن توتّر حقيقي داخل اليسار السوري بين الأجيال والمقاربات المختلفة. وتظهر مشكلة أعمق في الحركات اليسارية العربية عموماً.
إذ يبدو أنّ اليسار السوري التقليدي تحوّل إلى نوع من «نادي التشاؤم» المغلق، حيث أصبح النقد السلبي والتشاؤم بمنزلة علامات هُوِيَّة سياسية. خلق هذا بيئة تطرد كل من يحاول تقديم رؤى عملية أو إيجابية، حتى لو كان من نفس الخلفية الأيديولوجية.
أنا، أُقصيت في سوريَا لأنّني لست متشائماً بما فيه الكفاية. هذا يشير إلى أنّ هذه الجماعات أصبحت تقدّر «الموقف» أكثر من الفعّالية، و «النقاء الأيديولوجي» أكثر من النتائج العملية.
عندما يتحوّل التشاؤم من مجرّد موقف عابر إلى ثقافة مؤسّسية راسخة، يصبح عائقاً حقيقيّاً أمام أي تطوير أو تجديد. وهذا النوع من «التشاؤم المؤسّسي» شديد الْخَطَر لأنّه يخلق دوائر مغلقة ويحوّل النقد إلى غاية بحدّ ذاته، ويخنق روح المبادرة، ويصبح مورفين!
أي فكرة جديدة أو مقترح عملي يُستقبل بالرفض المسبق، لأنّ «التشاؤم» أصبح معياراً للانتماء الأيديولوجي. من يتفاءل أو يقترح حلولاً يُنظر إليه نظرة “ساذج” أو “غير واعٍ للواقع”. وبدلاً من أن يكون النقد وسيلة للتطوير، أصبح هدفاً مقدّساً. الأهمّ ليس تغيير الواقع، بل إثبات مدى سوء هذا الواقع.
أي محاولة للعمل الإيجابي تواجه بسيل من “نعم، لكن…” و”هذا لن يعمل لأنّ…”. النتيجة: شلل تام في الحركة والتفكير. فالتشاؤم يعفي من مسؤولية المحاولة والمخاطرة. أسهل أن تقول “كل شيء فاشل” من أن تحاول وتخاطر بالفشل.
يفسّر هذا لماذا طُردتُ من هذه الجماعات – لأنّني هدّدت «المنطقة المريحة» التي بنوها حول تشاؤمهم. إيجابيّتي كانت بمنزلة مرآة تفضح عقمهم السياسي. والمشكلة أنّ هذا النمط يصبح وراثيّاً – ينتقل من جيل إلى آخر تقليد سياسي راسخ.
نحن بحاجة إلى وجود يسار عربي جديد – أكثر عملية وإيجابية – خارج الأطر التقليدية المتحجّرة.

اليسار السوري عدوّ الشارع
كوّن اليسار السوري هُوِيَّة سياسية تعادي الإسلام حتماً، وتنظر إلى المسلم على أنّه عدوّ لـ «الأقلّيات المظلومة». لذا صار المسلم المتديّن في وجدان اليساري السوري ظالم حتماً ولا يمكن إصلاحه. مع أنّ مفهوم اليسار في العالم مختلف عن هذا المنطق. هذا إلى جانب انحياز اليساري السوري إلى غير المسلم، أيّاً كانت معتقداته، لأنّه “نظريّاً” مظلوم بالضرورة.
هذا النوع من اليسار خان مبادئه الأساسية. إذ إنّ العدالة الاجتماعية تتطلّب شمولية، لا إقصاء طائفي. ثمّ إنّ النضال الطبقي يجب أن يوحّد المظلومين بغضّ النظر عن دينهم. كما أنّ التحرّر الاجتماعي لا يتحقّق بمعاداة تراث الأغلبية.
هذا المخطّط هنا يوضح طبيعة اليسار السياسي الحقيقية، هكذا يكون اليسار في مقابل اليمين، ولا يكون اليسار ليبرالي بالضرورة ولا شمولي بالضرورة، وكذلك اليمين. على العكس، اللّيبرالي التحرّري قد يكون في اليسار أو اليمين، وكذلك الشمولي الشعوبي قد يكون في اليسار أو اليمين.

ما حدث أنّ اليسار السوري حوّل نفسه من حركة تحرّرية شاملة إلى حركة نخبوية إقصائية تدافع عن أقلّية ضدّ أغلبية، بدلاً من أن يدافع عن كلّ المظلومين ضدّ الظالمين. وهذا يفسّر جزئيّاً فشله السياسي وانعزاله عن الشارع السوري وطموحات الشارع السوري.
في العالم تطوّر اليسار الحديث ليصبح أنضج وأكثر مرونة في علاقته بالدين. ففي العالم يساريّون مؤمنون مثل حركات «لاهوت التحرير» المسيحية في أمريكا اللّاتينية. وهناك تحالفات دينية-يسارية مثل دعم كنائس أمريكية لحقوق العمّال والمهاجرين. وهناك يسار متعدّد الثقافات يدافع عن حقوق الأقلّيّات الدينية جزء من العدالة الاجتماعية. ويمارس اليسار الأوروپي نقد انتقائي فينتقد الممارسات الدينية المحافظة لكن لا يعادي المؤمنين بصفة أشخاص.
تشكّل اليسار السوري في سياق تاريخي معقّد أدّى إلى «علمنة متطرّفة» بسبب عوامل تاريخية متنوّعة. منها الحرب الأهلية الشامية في القرن ١٩ والتجاذبات الطائفية التي أشعلتها. ومنها الصراع مع الإخوان المسلمين في السبعينيّات والثمانينيّات من القرن العشرين الذي خلق ذاكرة صدامية. ومنها الخلط بين الدين والممارسة السياسية إذ جرى تعميم رفض الإسلام السياسي على الإسلام برمّته بصفة دين.

النتيجة المدمِّرة تصنيف طائفي مقنّع: المسلم = محافظ = ظالم للأقلّيّات.
عقلية حصار: “نحن (الأقلّيات العَلمانية) ضدّهم (الأغلبية المسلمة)” وفقدان القاعدة الشعبية باستبعاد الأغلبية المسلمة من المشروع اليساري. مع تناقض أيديولوجي فيه يسار يُفترض أن يدافع عن المظلومين لكنّه يعادي أكبر فئة اجتماعية.
لهذا أقول أنّ اليسار السوري خان مبادئه الأساسية. مبادئ اليسار. وتحوّل إلى عدوّ للأغلبية ولرغبات الأغلبية. صار عائقاً لمصلحة أغلب السوريّين بدل أن يكون حزب الأغلبية، وقائداً للأغلبية الراغبة بالتغيير في وجه الأقلّية المحافظة. صار اليسار السوري محافظاً أكثر صلابة من يمينيّي أوروپا.
يسار معارضة لا مشاركة
نشأ اليسار السوري منذ منتصف القرن ١٩ في ظروف استبداد سياسي طويلة، حيث كان النقد والمعارضة هما الأدوات الرئيسة المتاحة للتعبير السياسي. خلق هذا ثقافة سياسية تركّز على فضح المشاكل أكثر من تقديم البدائل، خاصّة في غياب فرص حقيقية للمشاركة في السلطة أو التأثير في القرار. كانت فرص اليسار القليلة للمشاركة في السلطة تبدأ بانقلاب عسكري، لذا تحوّل اليساري إلى معاد للسلطة بالضرورة، ومعاد كذلك لمن يرضى عن هذه السلطة.
في الأنظمة الاستبدادية، يصبح اليسار بالضرورة «يسار معارضة» يركّز على النقد والرفض، في حين في الديمقراطيّات الغربية، اليسار هو «يسار مشاركة» يمكنه التنافس على السلطة وتطبيق برامجه، ممّا يدفعه لتطوير رؤى بنّاءة وحلول عملية. وهذا ما لمسته عمليّاً في ألمانيا وعموم بلدان البرلمان الأوروپي.
الثقافة السياسية في المجتمعات العربية غالباً ما تميل إلى الخطابة والنقد الحاد، في حين تركّز الثقافة السياسية الغربية أكثر على البرغماتية والحلول العملية. ينعكس هذا على طريقة ممارسة السياسة وطبيعة الخطاب. هذا إلى جانب واقع اليسار السوري الذي يواجه واقعاً اقتصادياً واجتماعياً صعباً يجعل التفاؤل أمراً صعباً، في حين يعمل اليسار الغربي في بيئات أكثر استقراراً تسمح بمزيد من التفاؤل والتفكير الإيجابي.
يسار المعارضة ويسار المشاركة نمطان مختلفان تماماً في الممارسة السياسية:
فيسار المعارضة هو يسار يعمل خارج السلطة بشكل دائم، ويركّز على النقد والرفض بصفة وظيفة أساسية، وعلى فضح المشاكل أكثر من تقديم البدائل، وعلى الخطاب الثوري النظري بدلاً من البرامج العملية، وعلى المقاومة الأيديولوجية للنظام القائم (بغضّ النظر عن أيديولوجيته)، وعلى التطهّر السياسي من أي تسوية أو مساومة.
في المقابل يسار المشاركة هو يسار يتنافس على السلطة ويشارك فيها، ويركّز على تقديم البدائل والحلول العملية، وعلى البرامج القابلة للتطبيق في إطار النظام الديمقراطي، وعلى التسويات السياسية لتحقيق مكاسب جزئية، وعلى التحالفات الواقعية مع قُوَى أخرى، وعلى القبول بالتدرّج في التغيير.

لماذا اليسار السوري «يسار معارضة»؟
السبب الجوهري: غياب الديمقراطية. في نظام الاستبداد السوري، لم تكن هناك فرصة حقيقية للمشاركة في السلطة أو التأثير في القرار. أجبر هذا اليسار على أن يكون دائماً «خارج اللّعبة» (خالتي النقّاقة)، ممّا حوّله إلى معارض مزمن لم يختبر السلطة أو مسؤولية الحكم قط. لم يختبر القدرة على صناعة القرار. فصار صاحب خطاب نظري لأنّه لم يواجه اختبار التطبيق العملي. وتبنّى ثقافة الرفض بالوراثة لأنّ الرفض كان الموقف الوحيد المتاح. هذه عقلية المحاصرة حيث الشعور الدائم بأنّهم ضحايا النظام (بغضّ النظر عن طبيعة هذا النظام).
النتيجة: تطوّر نوع من «اليسار الشعائري» الذي يمارس المعارضة طقس ديني، بدلاً من أداة سياسية للتغيير. هذا ما واجهته أنا – يسار يرفض حتّى إمكانية التفاؤل أو العمل الإيجابي، لأنّ ذلك يهدّد هويّته المبنية على المعارضة الدائمة.

دروس من المرآة المكسورة
الحكمة التي تخرج من هذا النقد الذاتي واضحة: اليسار السوري سجين ثلاث أقفاص صنعها بيديه. قفص التشاؤم المؤسّسي الذي حوّل النقد من وسيلة إلى غاية، وقفص العداء الطائفي المقنّع الذي أبعده عن جمهوره الطبيعي، وقفص المعارضة الشعائرية التي صارت هُوِيَّة بدلاً من استراتيجية.
لكنّ التشخيص وحده لا يشفي المريض. كلّ قفص من هذه الأقفاص يحتاج مفتاحاً مختلفاً، وكلّ داء يستدعي دواءه الخاص.
كسر قفص التشاؤم
الدرس الأوّل: أنّ التشاؤم المزمن مرض سياسي قاتل. حين يصبح اليأس علامة انتماء، وحين يُنظر للتفاؤل بصفة سذاجة، تموت الحركة من الداخل. الأمل ليس ترفاً فكريّاً، بل وقود التغيير.
الإفادة: بناء ثقافة الإنجاز الصغير بدلاً من أوهام الثورة الكبرى.
على اليسار الجديد أن يحتفل بكلّ نصر صغير، وأن يقيس تقدّمه بالخطوات العملية لا بالشعارات الرنّانة. ثقافة الـ”بناء على ما هو موجود” بدلاً من ثقافة “هدم كل شيء من جديد”. يعني هذا مشاريع محلّيّة ملموسة، تعاونيّات اقتصادية، مبادرات تطوّعية، شبكات دعم اجتماعي. كل إنجاز عملي ولو صغير هو صفعة في وجه ثقافة التشاؤم المؤسّسي.
فتح باب الشمولية
الدرس الثاني: أنّ اليسار الحقيقي شامل لا إقصائي. لا يمكن لحركة تحرّرية أن تعادي الأغلبية وتدّعي تمثيل المظلومين. اليسار الذي يحارب الدين بدل أن يحارب الظلم فقد بوصلته الأخلاقية.
الدواء: بناء يسار “متصالح مع الهُوِيَّة” يفهم أنّ العدالة الاجتماعية لا تتطلّب معاداة التراث الشعبي. يعني هذا تطوير خطاب يساري يتحدّث بلغة الناس ويحترم قيمهم الدينية والثقافية، دون أن ينزل عن مبادئ العدالة والمساواة. يسار يبني تحالفات مع التيّارات الدينية التقدّمية، ويركّز على القضايا المشتركة: محاربة الفساد، العدالة الاقتصادية، الكرامة الإنسانية. يسار يعرف كيف يفرّق بين “الإسلام السياسي المتطرّف” و”المسلم العادي المظلوم”، ويبني خطابه على هذا التمييز.
من المعارضة إلى البناء
الدرس الثالث أنّ المعارضة الدائمة عقم سياسي. الحركة التي لا تملك رؤية للحكم ولا برنامجاً للبناء، محكومة بأن تبقى على الهامش. النقد وحده لا يبني أوطاناً.
الحلّ: تطوير “يسار البرامج” بدلاً من “يسار الشعارات”. يتطلّب هذا ورشات مع خبراء اقتصاديّين وقانونيّين واجتماعيّين لصياغة برامج قابلة للتطبيق في الظروف السورية الراهنة. يسار يدرس تجارِب يسارية ناجحة في بلدان مشابهة، ويتعلّم من أخطاء التجارِب الفاشلة. يسار يطرح حلولاً عملية لمشاكل الناس اليومية: البطالة، التضخّم، ضعف الخِدْمَات، بدلاً من الانشغال بالجدل الأيديولوجي المجرّد.
خريطة الطريق العملية
الحلّ برأيي ليس في إصلاح ما لا يُصلح، بل في بناء البديل. وهذا يتطلّب ثلاث خطوات عملية:
- أوّلاً: انسحاب طوعي للكوادر التقليدية وإتاحة المجال للدماء الجديدة. على الجيل القديم أن يتحلّى بالشجاعة ويعترف أنّ زمنه انتهى، وأنّ المستقبل للشباب الذين لم تتلوّث عقولهم بأمراض الماضي. هذا ليس إقصاءً، بل حكمة سياسية. الشيخ الذي يتمسّك بالكرسي يقتل الحركة أكثر ممّا يخدمها.
- ثانياً: ورشات تبادل الخبرات بين شباب المهجر وشباب الداخل. أغلب شباب المهجر السوري منخرط في حركات بلدانه الجديدة، سواء اليسارية أو اليمينية، ولديه تجارِب عملية في الديمقراطية والعمل السياسي المؤسّسي. هؤلاء يمكنهم نقل خبراتهم لشباب الداخل عبر ورشات افتراضية أو لقاءات في البلدان المجاورة. تبادل التجارِب هذا أثمن من ألف كتاب نظري.
- ثالثاً: إنشاء معهد سياسي وطني جديد تحت رعاية الدولة السورية الجديدة، يحلّ محلّ معهد التوجيه السياسي الأسدي المُخفق. معهد يدرّس العلوم السياسية الحديثة، والاقتصاد التطبيقي، وإدارة الدولة، وفنون التفاوض والحوار. معهد يخرّج سياسيين مُدرّبين لا خطباء شعاراتيّين. هذا استثمار في المستقبل السياسي لسوريا كلّها، ليس فقط لليسار.

الحكمة الأعمق
النقد الصادق من الداخل أصدق من المديح الأجوف. من يحبّ الفكرة فعلاً عليه أن يواجه انحرافاتها بشجاعة. فالصمت عن الخلل خيانة للمبدأ، والنقد البنّاء أوّل خطوات الإصلاح.
لعلّ في هذه المرآة المكسورة ما يساعد على إعادة تجميع الشظايا. وإلّا، فالحديث عن يسار عربي جديد ليس ترفاً، بل ضرورة حيوية لمن يؤمن أنّ العدالة الاجتماعية أكبر من أوهام النخب المحاصرة. المستقبل للشباب الذين يحملون الحلم دون أن يحملوا أحقاد الماضي.





اترك رد