طوّر العرب في بيئتهم، التي تغلب عليها المناطق الحارّة، مشتقّات الألبان منذ القِدم. إذ تمدّ اللَّبنة والزبدة والعيران والشنينة الجسم بالطاقة والقوّة. وتحتفظ هذه المنتجات بقيمتها الغذائية لفترات طويلة دون تبريد. في الواقع، طعمها يتحسّن بتركها دافئة دون تبريد.
تزوّد البروتينات والدهون المتنوّعة فيها الجسم بمصادر متكاملة للتغذية. وتساعد الأملاح المعدنية والبكتيريا النافعة على تنظيم عمل الأمعاء وتقوية المناعة. وتعوّض المشروبات المنعشة كالعيران والشنينة الأملاح المفقودة مع العرق في الطقس الحار. كما أنّ تخمير اللَّبن يسهّل هضم مكوّناته ويزيد من فوائده الصحّية. وتناسب هذه المنتجات المتنوّعة مختلف الأعمار والاحتياجات الغذائية. فتناقلت الأجيال طرق تحضير هذه الأطعمة الصحّية المغذّية لأهمّيتها في حياتهم اليومية.

يصنع العرب مشتقّات الألبان في منازلهم منذ آلاف السنين. وتشرح كل عائلة لأبنائها طريقتها البسيطة في صنع اللَّبنة والزبدة والعيران والشنينة. وتتشابه الطرق الأساسية في كل المناطق العربية برغم اختلاف النكهات المحلية.
وتعتمد صناعة مشتقّات الألبان على مبادئ علمية بسيطة وواضحة. فتتحوّل مكوّنات اللَّبن إلى منتجات متنوّعة بخطوات سهلة ومباشرة. ويستطيع أي شخص إتقان هذه الصناعات المنزلية مع قليل من الممارسة. وتتناسب هذه المنتجات المنعشة مع كل الأوقات والمناسبات.
في هذه التدوينة أتحدّث عن زبدة الحليب وزبدة اللّبن واللّبنة والعيران والشنينة، وأقارن هذه الروائع، التي لا يخلو منها بيت.

قول المعجم
في المعاني الأوّلية لمفردات تسميات منتجات الألبان نجد من القرن الثامن أنّ الفراهيدي سردها في كتاب العين هكذا:
- اللّبن هو خلاصة الجسد، مستخلص من بين الفرث والدم. وهو السائل الأبيض الذي تنتجه الحيوانات اللّبونة والبشر. بالإضافة إلى أنّ لبن الشجر خلاصته. وهكذا تكون كلمة اللّبن هي التسمية العامّة لكل سائل يخرج من كائن لتغذية كائن آخر.
- الحليب هو اللّبن الطازج المحلوب من الحيوان. ويقال “لبن حليب” أو “حلب”. والسبب أنّ اللّبن يتغيّر ويتغيّر طعمه ويحمض ويكثع مع مرور الوقت، فصار تمييز الحليب ضرورة لتحديد أنّه حديث الحلب، ولم يتأكسد بعد.
- اللّبن الرائب (المُرَوَّب) هو اللّبن الذي تكثّفت مكوّناته بالتخمّر وأصبح أكثر حموضة وسماكة.
- الروبة بقية صغيرة من اللّبن الرائب تُحفظ في وعاء خاص. تُستخدم لتسريع عمليّة تخثّر اللّبن الجديد عند إضافته إليها.
- الأقط هو الناتج عن طبخ مخيض اللّبن الحليب، دون المصل. يطبخ ثم يترك حتى يمصل. أي أنّه جبن المخيض.
- المَخِيضُ ما قد أخذ زبده. والتَّمُّخضُ: التحرك. والإمخاضُ إحلاب من لبنٍ، وأحاليب.
- العَجَلَّدُ والعَمَلَّطُ والعُجالِدُ والعُمالِط: اللّبن الخاثِرُ.
- الخاثر هو السائل الناتج أو المتبقّي عن سحب الزبدة من اللّبن الحليب.
- الطاثر هو زبد اللّبن الرائب. طثر: لبن خاثر طاثر. طَثَر اللّبن: زبَّد.
- الزُّبْد زُبْدُ السَّمْن قبل أن يسلأ، والقِطْعةُ منه: زُبْدة. ولذلك صار يقال كذلك زبد الحليب بعد فصل المخيض، والقطعة منه زبدة، ويكن أن تسلا فتنقّى أكثر.
- النَّفيزةُ زُبْدةٌ تتفرّق في المَخْض، فلا تجتمع.
- الكثع في الأصل كل شيء سميك ومكتنز. لذلك لَبَن مُكَثِّع، أي: ظهر زُبْدُهُ فوقه.
- الشَنينة لبن شَنينٌ وهو كلُّ مخض لَبَنٍ يُصَبُّ عليه ماء بارد؛ حليباً كان أَو حَقيناً.

زبدة اللّبن الرائب
لصناعة الزبدة، عادة يُمخض اللّبن الحليب بضربه لتحريكه في المِخْضَ، ونتيجة هذا التحريك تتكتّل دهون الحليب على سكاكر اللاكتوز فيه، وتنفصل عن المخيض.

وفي نفس الوقت، لو أجرينا نفس العملية على اللّبن الرائب، تُجبَر جزيئات الدهون على الالتصاق ببعضها وتتجمّع كريّات الدهن معاً لتشكل كتلة الطاثر (زبد اللّبن الرائب)، وينفصل مصل اللّبن هنا وهو قليل الدهون لأنّ معظم الدهون انتقلت إلى الطاثر. لكن، تبقى في هذا المصل كل بروتينات اللّبن الرائب. وتكون زبدة اللّبن الرائب (الطثرة) خالية من سكاكر اللاكتوز، التي رُوّبت سابقاً بالتخمير وتحوّلت إلى حمض اللاكتيك، الذي تتجمّع عليه جزيئات بروتينات الكازين وتبقى في مخيض اللّبن الرائب.

الخض (الضرب) المستمرّ للّبن الرائب يؤدّي إلى اصطدام حبيبات الدهن ببعضها، وهذه الاصطدامات تكسّر الأغشية التي تحيط بحبيبات الدهن. ونتيجة لذلك، تلتصق حبيبات الدهن ببعضها وتتجمّع، وتتشكّل كتلة الزبدة وتنفصل عن باقي مكوّنات اللّبن الرائب.
أي أنّ:
- المصل المتبقّي عن مخض اللّبن الرائب يحتوي في مائه على بروتينات الكازين مع حمض اللاكتيك.
- الطاثر (زبد اللّبن الرائب) يحتوي على دهون اللّبن الرائب في ٨٠٪ منه، ملتصقة ببعضها.

لكن، حين نقوم بتصفية اللّبن الرائب، وحسب حجم المسام في قماش التصفية المستعمل لصناعة اللّبنة، تبقى البروتينات (الكازين) الكبيرة نسبياً في القماش مع جزء من الدهون. في حين يخرج المصل الذي ينزل محتوٍ على الماء والمعادن والسكّر (اللاكتوز) المتحوّل إلى حمض اللاكتيك وبعض البروتينات الذائبة.

اللّبنة
في حالة صنع اللّبنة لا يوجد خض أو ضرب، بل تصفية هادئة لـ٢٤ ساعة. فتبقى حبيبات الدهن محاطة بأغشيتها ومختلطة مع البروتينات. عملية التصفية تحجز البروتينات والدهن معاً، ويخرج فقط الماء الزائد والأملاح مع المصل.⠀
أي أنّ:
- المصل المتبقّي عن تصفية اللّبنة يحتوي على ماء مع أملاح.
- اللّبنة تحتوي على دهون اللّبن الرائب مع بروتينات الكازين، وترتفع نسبة الكازين في اللّبنة بانخفاض قطر فتحات قماش التصفية.

لذلك:
- زبدة اللّبن الرائب = تجمّع للدهون فقط بسبب الخض.
- اللّبنة = خليط من البروتينات والدهون المحتجزة معاً بسبب التصفية الهادئة.

لكن. إذا أضفنا ملحاً إلى اللّبن الرائب قبل التصفية تتغيّر النتائج كلّها.
إضافة الملح قبل التصفية ستؤثّر على البروتينات (الكازين). إذ أنّ الملح يفكّك بعض روابط البروتينات مع بعضها ويجعل بعض البروتينات أصغر حجماً، وهذا يؤدّي إلى تسرّب بعض البروتينات مع المصل عبر مسام القماش.
بالإضافة إلى أنّ إضافة الملح تؤثّر على الدهون. إذ يساعد في استحلاب الدهون (جعلها أكثر قابلية للذوبان في الماء)، ويضعف الأغشية المحيطة بحبيبات الدهن. هذا يؤدّي إلى تسرّب بعض الدهون مع المصل. ما يعطي لبنة أقل كثافة، ومصل أغنى بالمكوّنات (بروتينات ودهون). وستحتاج لقماش تصفية بمسام أصغر للحصول على نفس كثافة اللّبنة، ما يعني الحاجة إلى وقت أطول لتصفية اللّبنة، ونتيجة ذات قيمة غذائية أقل. لكنّها، في نفس الوقت، ذات قدرة أقل على التسمين.

مقارنة
بمقارنة الزبدة بنوعيها مع اللّبنة نجد أنّ:
زبدة اللّبن الحليب:
- تحتوي دهون ملتصقة بسكّر اللاكتوز.
- تُصنع بخضّ يكسّر أغشية الدهون ويجمّعها.
- النتيجة كتلة دهنية حلوة نسبياً ذات قيمة غذائية عالية من الدهون والسكّر.
زبدة اللّبن الرائب (الطاثر):
- تحتوي دهون نقية فقط (حوالي ٨٠٪) بدون سكّر لاكتوز.
- تُصنع بخضّ يكسّر أغشية الدهون ويجمّعها.
- النتيجة كتلة دهنية بطعم دهني خالص ليس فيه حلاوة، ذات قيمة غذائية عالية من الدهون فقط.
اللّبنة:
- تحتوي بروتينات الكازين + دهون متكاملة محتفظة بأغشيتها.
- تُصنع تصفية هادئة بدون خض.
- النتيجة: خليط متجانس من البروتينات والدهون ذو قيمة غذائية متكاملة.
إضافة الملح قبل تصفية اللّبنة:
- يضعف روابط البروتينات ويسهّل ذوبان الدهون في الماء، فتصبح المحتويات بروتينات ودهون أقل.
- النتيجة لبنة أقل كثافة وأقل قيمة غذائية، لكن تساعد في الحفاظ على الوزن.
وهكذا نصل إلى تبسيط شرح ما يحدث عند صناعة العيران.

العيران
العيران في الأساس هو لبن رائب مبرّد بشدّة مضروب أو مخفوق مع الملح، دون إضافة ماء ولا تصفيته من الماء. الضرب بالخفّاقة يكسّر تجمّعات البروتينات (الكازين) التي تشكّلت في أثناء الترويب، ويكسّر تجمّعات الدهون الصغيرة. لكنه لا “يكسّر” جزيئات البروتين أو الدهون نفسها، بل يعيد توزيعها.
وفي النفس الوقت تمنع البرودة الشديدة تجمّع حبيبات الدهن مع بعضها (عكس ما يحدث في صنع الزبدة)، وتساعد في الحصول على القوام الدهني الكريمي الناعم. إضافة إلى أنّ الملح يساعد في تفكيك روابط البروتين مع بعضها، ويساعد في استحلاب الدهون (يجعلها تختلط بشكل أفضل مع الماء)، فيعطي القوام الناعم المميّز للعيران.

النتيجة النهائية مشروب متجانس حيث الدهون والبروتينات موزّعة بشكل ناعم جدّاً. عكس زبدة اللّبن حيث نريد تجميع الدهون. وعكس اللّبنة حيث نريد الحفاظ على تجمّعات البروتين والدهون معاً.
في صنع العيران عادةً تكون مدّة الضرب المطلوبة قصيرة جداً (٣٠-٦٠ ثانية بالميكسر)، ونعرف أنّها كافية عندما يصبح القوام كريميّاً متجانساً وتختفي الكتل. لكن، إذا استمر الضرب لمدّة أطول (عدّة دقائق)، يمكن أن يبدأ تشكّل رغوة كثيرة غير مرغوبة، وترتفع درجة حرارة الخليط ممّا يؤثّر على القوام، ويصبح القوام مائيّاً أكثر من اللّازم.
لذلك من المهم استخدام اللّبن الرائب البارد جداً، والضرب فترة قصيرة فقط. مع الملاحظة المستمّرة للقوام في أثناء الضرب.

الشنينة
وهنا نصل إلى مشروب شبيه بالعيران سمّته العرب شنينة أو شنين. وهو صنفين، من اللّبن الحليب أو من اللّبن الرائب. الشنينة عموماً هي خفق المخيض بالماء البارد مع الملح أو السكّر. وكما أسلفت، المخيض هو السائل الناتج بعد استخراج الزبدة من اللّبن الحليب أو اللّبن الرائب.
الآن، إذا كان المخيض المستعمل هو مخيض اللّبن الحليب، ستكون مكوّنات الشنينة الأساسية هي: البروتينات الشرش (مثل اللاكتالبومين)، وسكّر اللاكتوز، ومعادن وأملاح معدنية مع ماء المخيض، وكمّيّة قليلة من الدهون المتبقّية بعد استخراج الزبدة.
خفق مخيض الحليب المبرّد بشدّة مع الملح يؤدّي إلى تحسين القوام فيصبح المشروب أخف وأكثر إنعاشاً. ويساعد الخفق على تكسير البروتينات فيسهّل الهضم. الآن، إضافة الماء تعزّز الترطيب وتجعله أكثر فعّالية في إرواء العطش. ومن جهة أخرى يعوّض الملح الأملاح المفقودة خاصّة في الطقس الحار ما يعني تحسين التوازن الإلكتروليتي. ويصبح المذاق أكثر اعتدالاً وانتعاشاً بتحسين النكهة.

إذا كان المخيض المستعمل في الشنينة هو مخيض اللّبن الرائب، ستكون مكوّنات الشنينة الأساسية هي: بروتينات الكازين المتخثّرة، مع أحماض لاكتيك (نتيجة تخمّر سكّر اللاكتوز بواسطة البكتيريا النافعة)، وبكتيريا حمض اللّاكتيك النافعة، ومعادن وأملاح معدنيّة، مع قليل من الدهون المتبقّية.
هكذا تكون شنينة مخيض اللّبن الرائب ذات نكهة حامضة مميّزة بسبب حمض اللّاكتيك، وأسهل في الهضم من مخيض اللّبن الحليب لأنّ البروتينات متخثّرة مسبقاً. وذات قيمة غذائية عالية بسبب وجود البكتيريا النافعة، مع خصائص مبرّدة ومنعشة أكثر بقوام أكثف قليلاً من شنينة اللّبن الحليب.
عند خفقه مع الماء البارد والملح يصبح القوام أخفّ وأكثر سلاسة، وتعتدل حموضته، ويحافظ على فوائده الصحّية والبروبيوتيك، ويصبح أكثر فعّالية في الترطيب.

وبالمقارنة:
العيران:
- المكونات لبن رائب كامل (بكلّ محتوياته من دهون وبروتينات) + ملح فقط.
- تحضيره ضرب وخفق مع تبريد شديد، بدون إضافة ماء.
- قوامه كريمي ناعم متجانس بسبب توزيع الدهون والبروتينات بشكل دقيق.
- خصائصه أغنى وأكثف من الشنينة بنوعيها لاحتفاظه بكلّ المكوّنات.
شنينة اللّبن الرائب:
- مكوناتها مخيض (بعد نزع معظم الدهون) + ماء + ملح.
- تحضيرها خفق مع إضافة ماء شديد البرودة.
- قوامها أخفّ من العيران لقلّة الدهون وإضافة الماء.
- قيمتها الغذائية جيّدة مع فوائد البروبيوتيك.
شنينة اللّبن الحليب:
- مكوناتها مخيض غير مروّب + ماء + ملح.
- تحضيرها خفق مع إضافة ماء شديد البرودة.
- قوامها الأخفّ من الثلاثة.
- هي الأقلّ من حيث القيمة الغذائية والكثافة.

تبرز براعة المطبخ العربي في تحويل اللَّبن إلى منتجات متنوّعة وغنية، باستعمال تقنيات بسيطة ومساعدة كائنات دقيقة لا ترى بالعين المجرّدة، غير أنّها موجودة في جسم كل إنسان.
تتمتّع اللَّبنة والزبدة والعيران والشنينة بمذاقات مختلفة تناسب كل ذوق. ويسهل صنع هذه المنتجات في المنزل باتّباع الخطوات البسيطة. وتضمن الطرق التقليدية جودة عالية ومذاق شهي. وتقدّم هذه المشتقّات وجبات صحّية منعشة على مدار السنة. فتمتزج الوصفات القديمة مع التقنيات الحديثة لتقدّم أطيب المنتجات وأنقاها.





اترك رد