تتراقص أغصان التوت الشامي في السماء، فتدعو الأطفال بأيديهم الناعمة للتسلّق والقطاف والتجميع في سطولهم الصغيرة. يختزن هذا الشجر المبارك ذكريات طفولتنا الجميلة، بحلاوته التي تذوب في الأفواه وألوانه التي تزيّن الشفاه والملابس. تزدان بساتين دمشق القديمة وغوطتها بهذه الأشجار المباركة، فتتربّع في كلّ بستان وتتوسّط كل حديقة بيت عربي أصيل.

تتزيّن ثمار التوت الشامي بألوان ساحرة، فتتدرج بين البياض الناصع والسواد الفاحم والأحمر القاني واللّون الخمري المائل إلى الأرجواني واللّون التوتي. وتتباهى بقوامها الطري، فتبدو حبّاتها متراصفة فوق بعضها كخيط صوف متماسك، طويلةً حيناً ومكتنزةً حيناً آخر. تتألّق بألوانها وملمسها الرقيق، فتستدعي اللّمس اللّطيف والتعامل الرفيق لتكافئ آكلها بطعمها الحلو الفريد. ثمّ تنفجر الألوان في الأفواه فتُضحك الكبار والصغار في أثناء القطاف، وتتعالى أصوات الأمهات: “لا تلوّت أواعيك!» ، «انزيل من عالشجرة وناولني السطل»، «تعال شوف تمّك متل يلّي حاطت حمرة» وتستمرّ الضحكات حتى المساء.
يرجع كلّ شخص بنصيبه من التوت الشامي، فيؤكل بعضه طازجاً طريّاً، أو يتحوّل إلى شراب يُطبخ مع السكر ليصير مركّزاً، فيُحفظ في زجاجات لصناعة العصير المنعش لاحقاً، مع إضافة ماء الورد وقطع الثلج (البوظ) المنعشة.

شجرة التوت جذور الماضي
يمتدّ تاريخ شجرة التوت إلى جنوب آسيا، متجذّراً في أرض الصين والهند منذ أكثر من ٤٥٠٠ سنة. وتنتمي هذه الشجرة إلى الفصيلة التوتيّة، عائلة الفرصد (المورَقيّة) Moraceae وهي نفس العائلة التي تضمّ في بيوتها التين وثمرة الخبز، فتسمو في السماء لتصل إلى عشرين متراً طولاً، وتبسط ظلّها الوارف على مساحة تمتدّ إلى عشرين متراً عرضاً. وتتنوّع أشجار التوت في العالم لتتجاوز المئة نوع، فتثري الطبيعة بتعدّد أشكالها وألوانها.
تنتشر أشجار التوت في أرجاء المعمورة، فتروي قصّة رحلتها الطويلة عبر طريق الحرير إلى الشرق الأدنى وأوروپا، ثم تمتدّ فروعها في شمال أفريقيا وأمريكا الشمالية. تتشابه أسماء التوت في لغات العالم، فتتقارب أصواتها مع كلمة “توت” العربية الأصيلة. وتتكيّف هذه الشجرة المعطاءة مع مختلف الظروف المناخية والترب، فتزرع في شتى بقاع الأرض، فتنتج ثمارها اللذيذة تارةً، وتزين الحدائق والميادين تارةً أخرى.
وصلت زراعة شجرة التوت بأنواعه إلى العراق وسوريا في العهد الروماني، ونالت رعاية حكومية خاصة في العهد العبّاسي المبكّر لتطوير صناعة الحرير العربية ومنافسة الحرير الصيني والاستغناء عن استيراده.

أنواع التوت الرئيسية
تتوزع أنواع التوت في ثلاث مجموعات رئيسية متميزة:
- يتأصل التوت الأبيض (موروس ألبا Morus alba) في أراضي الصين، فيتباهى بأوراقه الناعمة ذات اللون الأخضر الفاتح، وثماره البيضاء المائلة للوردي. يتفوق هذا النوع على باقي الأصناف في تغذية دود القز، ويمتد عمره ليصل إلى مئة وخمسين عاماً.
- ينبع التوت الأسود (موروس نيگرا Morus nigra) من غرب آسيا، فيتميز بأوراقه الخشنة الداكنة، وثماره الأرجوانية العميقة الضاربة إلى السواد. تفوق حلاوة ثماره جميع الأنواع الأخرى، ويطول عمره ليبلغ ستمئة عام.
- نشأ التوت الأحمر (موروس روبرا Morus rubra) في أمريكا الشمالية، فيتفرد بأوراقه متوسطة الخشونة، وثماره الحمراء الداكنة. ويتأقلم هذا النوع مع المناخات الباردة بكفاءة عالية.

التوت الشامي وقصة التسمية
ينتمي التوت الشامي إلى فصيلة التوت الأبيض (موروس ألبا)، فيتميّز عن التوت الأسود بأوراقه الناعمة المثالية لتغذية دود القز. وتتألّق ثماره بألوان متعدّدة، فتتدرّج بين البياض الناصع والسواد الفاحم والأحمر القاني واللّون الخمري المائل للأرجواني.
انتقلت هذه الشجرة على طول طرق الحرير القديمة في القرن الثاني قبل الميلاد، فامتدّت من منطقة القوقاز غرب آسيا إلى سوريا والعالم العربي، فأصبحت ركيزةً أساسيةً في النسيج الاقتصادي والاجتماعي. يتميّز التوت الشامي بخصوصية فريدة عن باقي أنواع التوت في العالم، فيستمدّ اسمه من الشام، وتشتهر دمشق وحلب بزراعته. ويتفرّد بمذاقه الخاص ونكهته الحلوة المميزة، وثماره الكبيرة التي تفوق حجم الأنواع البرّية، وقدرته العالية على الاندماج في مناخ المنطقة.


كلمة توت نفسها كانت في العهد السرياني توث عن شكلها في العهد الآرامي توثاء תותא / ܬܘܬܐ عن الأگّدية تُتُّ 𒄑𒌅𒌓𒌈. في الأصل تشير كلمة تُتُّ أو توتُ إلى التصوير والتشبيه بالنحت. لا سيّما الأعمال الفنّية الدينية. لاحقاً، في العهد البابلي الحديث تحوّل معنى الكلمة إلى اسم لشجرة التوت وشجرة الجمّيز، ربّما بسبب استعمال خشب هذه الشجرات في المنحوتات الدينية والمفروشات.
اليوم، يتصدّر عصير التوت الشامي قائمة المشروبات الصيفية المفضّلة، فيُستخلص منه العصير المركّز (دبس التوت) لفوائده الطبية الغنية بفيتامين سي والحديد. وتدخل ثماره في صناعة الربوب والأصباغ والأدوية التقليدية، فتعمل كمضاد طبيعي للالتهابات ومقوٍ للمناعة، وتزخر بمضادات الأكسدة. كما تتفوّق أوراقه على كلّ هذه الفوائد، فتشكّل الغذاء الرئيس لدودة القز التي منحت الشام شهرتها العالمية في صناعة الحرير.

قصة الحرير من الصين إلى الشام
يٌعتقد أنّ الإمبراطورة الصينية “شي لينگ-چي” اكتشفت الحرير عام ٢٦٤٠ ق.م. وسُجّلت عظمة هذا الاكتشاف في أسطورة ساحرة، إذ جلست الإمبراطورة تحت شجرة توت فسقطت شرنقة دودة القز في كوب شايها الساخن. أدهشها تحوّل الشرنقة عند لمسها إلى خيط طويل رفيع متلألئ.

سيطرت الصين على صناعة الحرير ثلاثة آلاف سنة، وعاقبت بالإعدام كل من أفشى أسرارها، فأصبح الحرير رمزاً للمجد والنفوذ. ونجح راهبان نسطوريّان عام ٥٥٢م في نقل بيض دود القزّ إلى منطقة الجزيرة العليا داخل عصي خيزران مجوّفة، فازدهرت صناعة الحرير في العصر البيزنطي. وأنشأ الإمبراطور جستنيان أوّل مصانع حرير في القسطنطينية (إسطنبول)، فتحوّلت بيزنطة إلى مركزٍ عالميٍ رائدٍ في صناعة الحرير.

انتقال الصناعة إلى الشام وازدهارها
برزت المنطقة بخصوصيّتها المتميّزة في تطوير صناعتي الحرير والتطريز. إذ شهدت فترة الحكم البيزنطي وما تلاها من الفتح الإسلامي للشام (٦٣٥-٦٣٦م) تطوراً ملحوظاً في صناعة الحرير، وأضيفت تقنيات مبتكرة في الصباغة والنسيج. بدأت هذه الصناعات في دمشق منذ العصر البيزنطي، ثم انتشرت نحو المغرب العربي في القرن الثامن الميلادي.
ازدهر الحرير الشامي في العصر الأموي (٦٦١-٧٥٠م) بتأسيس مراكز صناعية متطوّرة في دمشق، وأبدع الحرفيون أنماطاً وتصاميم فريدة في صناعة الحرير والتطريز، فانطلقت المنتجات نحو الأسواق العالمية.
تميّز العصر العباسي البغدادي (٧٥٠-١٢٥٨م) بتوسع الإنتاج وتطور تقنيات الصباغة، فذاع صيت المنسوجات الدمشقية في الآفاق.
بلغت صناعة الحرير والتطريز أوج عظمتها في العصر المملوكي (العبّاسي القاهري) (١٢٥٠-١٥١٦م)، فتألّقت بجودتها العالية وتنوعت أنماطها وتصاميمها، وانتشرت منتجاتها في أسواق أوروپا وآسيا.
استمرّ الازدهار في العصر العثماني (١٥١٦-١٩١٨م)، فتأسّست مصانع جديدة، وتطوّرت التجارة الدولية، وتزايد الطلب على أزياء النخبة المتميزة. وكانت صناعة الحرير هي سبب تنافس فرنسا وبريطانيا على امتلاك الشام، وهو تنافس أفضى في ستّينيّات القرن التاسع عشر إلى تقسيم الشام ومحو اسمها تماماً عن الخريطة الدولية، بتقطيعها إلى سوريِه وجبل لبنان والقدس وسيناء التي رُسّمت لپاشاوية مصر كما رُسّم جنوب الشام لمصلحة ولاية الحجاز.

تراجع الصناعة في العصر الحديث
تراجعت صناعة الحرير تدريجيّاً خلال فترة الانتداب الفرنسي (١٩٢٠-١٩٤٦م). وتسارع هذا التراجع بعد الاستقلال بسبب التحوّلات الاقتصادية وظهور الحرير الصناعي. فانتشر الحرير الصناعي بوفرةٍ أكبر وإنتاجٍ أسهل، لكنّه عجز عن مضاهاة جودة الحرير الطبيعي وجماله الساحر.
مراحل إنتاج الحرير التقليدي
تبدأ رحلة الحرير التقليدي المذهلة في فصل الربيع بتربية دود القزّ على أوراق التوت. فتتغذّى يرقات دود القز على أوراق التوت الطازجة في المرحلة الأولى. ثمّ يجمع الحرفيّون الشرانق ويعالجونها بالماء الساخن في المرحلة الثانية. وتنطلق عملية استخراج الخيوط الحريرية وفصلها بعناية في المرحلة الثالثة. ثمّ تكتمل الرحلة بتجهيز الخيوط الذهبية لمرحلتي الغزل والنسيج المتقن.



تنوّع المنتجات الحريرية السورية
أبدعت سوريا في إنتاج تشكيلة غنية من الأقمشة الحريرية التقليدية. وبرز الدمقس بنسيجه الحريري المزخرف بأنماط فريدة، وتألّق البروكار بتطريزه المتقن بالخيوط الذهبية، وتفرّد الديباج بنسيجه المزدوج ومتانته العالية، وأبهر المورّى العيون بتغيّر ألوانه ونقوشه مع اختلاف جهة الضوء، وسحَر القطيفة الأنظار بملمسه المخملي المميز.
- الدمقس: نسيج حريري مزخرف بأنماط فريدة.
- البروكار: حرير مطرز بخيوط ذهبية بمهارة فائقة.
- الديباج: حرير مزدوج النسج يتميز بمتانته.
- المورّى: قماش حرير مزدوج الطبقات، كل طبقة بنقش مختلف.
- القطيفة: حرير وبري ذو ملمس مخملي مميز.
اتّسع استخدام هذه الأقمشة الراقية في صناعة الملابس الرجالية والنسائية الفاخرة، وزيّنت الملابس الرسمية للنخبة بأناقتها. وأضفت هذه الأقمشة لمسة جمالية على الأزياء التقليدية والتراثية الشعبية منذ دخولها. وتجلّى إبداع الحرفيّين في تحويل هذه الأقمشة الثمينة إلى مفروشات فاخرة، وأوشحة أنيقة، وعمائم مهيبة، وتطريزات بديعة، وزخارف تزين الثياب بروعة فائقة.
⠀

التجارة والتصدير
نال الحرير الشامي مكانة مرموقة في الأسواق الأوروپية، وبلغ ذروة تصديره في العهد العثماني. وتدفّقت منتجاته بكمّيّات كبيرة إلى أوروپا، فأمّنت مصدر رزق كريم لآلاف العائلات الشامية. وعكست هذه الصناعة براعة الحرفيّين الشاميّين في تطوير صناعتهم العريقة والحفاظ على جودتها العالية.
يجسّد التوت الشامي والحرير ملحمة فريدة من عبقرية الإنسان في تناغمه مع الطبيعة وتحويل مواردها إلى كنوز حضارية. نبتت شجرة بسيطة، ونمت حشرة صغيرة، فأبدع الإنسان منهما تراثاً عريقاً من الفن والجمال. وأسّست هذه الحرفة النبيلة لإرث حضاري أغنى الإنسانية لقرون طويلة.
تراجعت هذه الصناعة في العصر الحديث، لكن ظلّت قصّة التوت الشامي والحرير شاهداً على عصر ذهبي من الإبداع والتميز. يذكّرنا هذا التراث العريق بأهمّية الحفاظ على موروثنا وإحيائه بأساليب معاصرة تناسب عصرنا. وتتجاوز هذه القصة حدود السرد التاريخي لتصبح مصدر إلهام للأجيال القادمة في مزج موارد الطبيعة بالإبداع البشري. وأثمر هذا المزج الفريد منتجات خالدة تركت بصمتها المضيئة في تاريخ الحضارة الإنسانية.

مراجع
- البكري، صلاح (٢٠١٠). “صناعة الحرير في دمشق: دراسة تاريخية اقتصادية”. مجلة دراسات تاريخية، جامعة دمشق، العدد ١١٢-١١٣، ص ١٥٧-١٨٨.
- حلاق، حسان (١٩٩٤). “النسيج في العصر المملوكي”. دار النهضة العربية، بيروت.
- Mackie, Louise W. (2015). “Symbols of Power: Luxury Textiles from Islamic Lands, 7th-21st Century”. Yale University Press.
- Liu, Xinru (2010). “The Silk Road in World History”. Oxford University Press.
- Raymond, André (2002). “Arab Cities in the Ottoman Period: Cairo, Syria and the Maghreb”. Ashgate/Variorum.
- Faroqhi, Suraiya (2009). “Artisans of Empire: Crafts and Craftspeople Under the Ottomans”. I.B. Tauris.
- العظم، خالد (٢٠٠٥). “الحرف والصناعات التقليدية بين التاريخ والقانون”. منشورات وزارة الثقافة، دمشق.
- Kuran, Timur (2012). “The Long Divergence: How Islamic Law Held Back the Middle East”. Princeton University Press.
- زيادة، نقولا (١٩٨٥). “دمشق في العصر المملوكي”. مؤسسة الرسالة، بيروت.
- Good, Irene (1995). “On the Question of Silk in Pre-Han Eurasia”. Antiquity, Vol. 69, No. 266, pp. 959-968.
- عثمان، نصر (٢٠٠٧). “تاريخ صناعة النسيج في سوريا”. الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق.
- Feltham, Heleanor B. (2009). “Justinian and the International Silk Trade”. Sino-Platonic Papers, No. 194.
- Jacoby, David (2004). “Silk Economics and Cross-Cultural Artistic Interaction: Byzantium, the Muslim World, and the Christian West”. Dumbarton Oaks Papers, Vol. 58.
- القاسمي، محمد سعيد (١٩٨٨). “قاموس الصناعات الشامية”. دار طلاس، دمشق.





اترك رد