في عام ١٩١٦ أسّس جبران خليل جبران في نيويورك {الجمعية السورية} واشتغل على مساعدة المتضرّرين من المجاعة التي اجتاحت سوريا في تلك الحقبة. لاحقاً، ترخّصت الجمعية «أميركية» باسم جمعية جبل لبنان السورية الخيرية The Syrian Mount Lebanon Relief Committee لأنّ أغلب مؤسّسيها كانوا في الأساس من جبل لبنان. واشتغلت الجمعية على توعية الرأي العام الأميركي بما يجري من مآس في الشام. واشتغلت كذلك على توحيد طاقات المغتربين السوريين في أمريكا لمساعدة أهلهم في سوريا (بما فيه لبنان).
بعد انتهاء الحرب والمجاعة، تحوّلت الجمعية سنة ١٩٢٠ إلى {الرابطة القلمية} وضمّت في عضويّتها أغلب من اشتغلوا في جمعية جبل لبنان السورية الخيرية SMLRC، وهي الرابطة التي أنتجت لنا أدب الاغتراب وكان لها دور مهم في تجديد الأدب العربي وتطويره، خاصّة في مجال الشعر والنثر، من طريق تبني أساليب جديدة في الكتابة والتعبير.
كان الأعضاء المؤسّسون للرابطة القلمية: جبران خليل جبرن (رئيس)، ميخائيل نعيمة (امين سر)، إيليا أبو ماضي، نسيب عريضة، ندرة حداد، وليم كاتسفليس، رشيد أيّوب. واستمرّت الرابطة القلمية في نشاطها حتى وفاة جبران في عام ١٩٣١، وتفكّكت بعد ذلك، وكانت أنتجت في حياتها عدداً من الكتب المهمّة. وأنا نشأت على منتجات هذه الرابطة. وبالأخص ما تركه فينا ميخائيل نعيمة. وأحضّك على تتبّع هذا الميراث وقراءته، فأحوالنا اليوم لا تختلف عن أحوال سوريا (ولبنان) قبل مئة سنة. وفي تركة هذه التراث خبرات مفيدة لنا.
دخلت الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى في صف القوى المركزية (مع إمبراطوريتي ألمانيا والنمسا-المجر) بهجوم مفاجئ على ساحل البحر الأسود الروسي في 29 تشرين الأول/أكتوبر 1914. دفع هذا الهجوم القيصر نيقولا الثاني (1868-1918) وحلفاءه في الوفاق – بريطانيا العظمى وفرنسا – إلى إعلان الحرب على الباب العالي في تشرين الثاني/نوفمبر. على موانئ ساحل البحر الأبيض المتوسط الشرقي فرضت قوات التحالف حصاراً بهدف خنق الاقتصاد وإضعاف المجهود الحربي العثماني. في مواجهة ذلك، منع جمال پاشا (أحمد جمال پاشا، 1872-1922)، قائد الجيش العثماني الرابع وحاكم سوريا، المحاصيل من الدخول إلى متصرفية جبل لبنان من الأراضي السورية المجاورة. بنى پاشا قراره على قناعته باقتراب تمرد بين العرب المحليين – المسيحيين منهم خاصة. شكلت متصرفية جبل لبنان تقسيماً شبه مستقل في الدولة العثمانية، أنشئ بعد عام 1861 وطناً للمسيحيين الموارنة تحت ضغط دبلوماسي أوروبي.

في أيلول/سبتمبر 1915، تولى علي منيف بك (علي منيف يگن آغا، 1874-1950)، أحد كبار مسؤولي وزارة الداخلية العثمانية، إدارة جبل لبنان. كرس بك أعماله لإلغاء نظام جبل لبنان وامتيازاته. على مدى إدارته (1915-1917)، عذب العديد من كبار العرب وأُعدموا، ونُفيت العائلات البارزة. في آذار/مارس 1915، نزلت كارثة طبيعية بجبل لبنان، عندما جردت أسراب كثيفة من الجراد مناطق بلاد الشام من النباتات تقريباً، وعرّضت هذه الآفة إمدادات الغذاء المستنزفة أصلاً في المنطقة لخطر جسيم. بقيت سياسات جمال پاشا عاجزة عن تخفيف معاناة الناس العزّل. من عواقب التقاء العوامل السياسية والبيئية برزت المجاعة الكبرى في جبل لبنان، التي أدت بين عامي 1915 و1918 إلى وفاة ما يقارب نصف سكانه جوعاً ومرضاً. [1]

في صيف عام 1915 بدأت الجالية اللبنانية في أمريكا تتلقى الأخبار الأولى المشوشة والمجزأة عن مصير عائلاتهم وأصدقائهم في مدنهم وقراهم في ما وراء البحار.
استولى جيش من المتسولين على شوارع بيروت، وأصبح منظر الرجال والنساء والأطفال الهزيلين يبحثون في صناديق القمامة أو يأكلون جثث الحيوانات النافقة مشهداً مألوفاً. مات آخرون في الشوارع لضعفهم عن مواصلة الكفاح. عمّت الأمراض الأرض كلها. نشر الذباب المنزلي التيفوئيد، ونشر قمل الجسم التيفوس، ونشرت الفئران الطاعون الدبلي، ونشر البعوض الملاريا، وحجبت أسراب الجراد الشمس. توفي في هذه الفترة المروعة نحو 100 ألف شخص. [2]
تواجد جبران خليل جبران (1883-1931) في تلك الأيام المؤلمة في إجازة مع أخته مريانا (مريانا خليل جبران، 1855-1972) وبعض الأقارب الزائرين. سكنوا في كوخ صغير في طريق القدس، كوهاست، قرية ساحلية تبعد خمسة وعشرين ميلاً جنوب بوسطن. في 10 أيلول/سبتمبر 1915، كتب رسالة إلى صديقته وراعيته ماري إليزابيث هاسكل (1873-1964) يعتذر فيها عن دعوة عشاء للأسباب التالية:
“سأغادر هذا المكان في غضون ساعة أو نحو ذلك إلى نيويورك. تلقيت برقية الليلة الماضية ورسالة هذا الصباح، كلاهما يحثني على الذهاب والاهتمام بشأن سوري وعدت بالمشاركة فيه […]. يعاني الناس الفقراء في سوريا كثيراً، ونحاول هنا المساعدة قدر استطاعتنا. يصعب عليّ أن أقول ‘لا’ لشيء من هذا النوع.” [3]
تزايد في الأشهر التالية عدد ضحايا المجاعة التي اجتاحت وطنه باستمرار، وانقطعت الاتصالات بين جبل لبنان وبقية العالم. بدأ جبران يرسل مبالغ صغيرة من المال إلى سوريا ووعد بالمساهمة بعائدات كتابه الأخير “دمعة وابتسامة” [4] في هذا المجهود. وجد نفسه في ربيع 1916 منجذباً إلى جمع التبرعات لبلده المحاصر. أدرك الآن أن الحكومة العثمانية خططت لهذه الكارثة، وأن الفظائع نفسها التي حلت بالسكان المسيحيين في أرمينيا – عندما قتل أكثر من مليون شخص على يد القوات التركية – تحدث الآن في منطقة جبل لبنان ذات الأغلبية المسيحية. في 26 أيار/مايو 1916، كتب إلى ماري هاسكل:
“يهلك شعبي، شعب جبل لبنان، في مجاعة خططت لها الحكومة التركية. مات 80 ألف شخص بالفعل. يموت آلاف كل يوم. تحدث في سوريا الأمور نفسها التي حدثت في أرمينيا. يعاني جبل لبنان أشد المعاناة لكونه بلداً مسيحياً. تستطيعين أن تتخيلي، يا ماري، ما أمر به الآن. لا أستطيع النوم ولا الأكل ولا الراحة. يُعذَّب كل السوريين هنا بالطريقة نفسها. نحاول بذل قصارى جهدنا. علينا إنقاذ من لا يزالون على قيد الحياة. آه يا ماري، الأمر أكثر مما يمكن تحمله، أكثر بكثير. صلّي من أجلنا، يا ماري العزيزة؛ ساعدينا بأفكارك.” [5]

عند قراءة أخبار الإبادة الجماعية في جبل لبنان، أرسلت ماري إلى جبران شيكاً سخياً بقيمة أربعمائة دولار. رأى جبران مبلغ التبرع مبالغاً فيه من مواطنة أمريكية، فكتب إليها في 29 أيار/مايو:
“أريد للسوريين هنا أن يشعروا بضرورة توحدهم ومساعدة أنفسهم قبل أن يساعدهم الآخرون. لا يستطيع السوريون وحدهم طبعاً إنقاذ جبل لبنان، لكن عليهم تنظيم أنفسهم، وعندها ستنقذ هذه البلاد [الولايات المتحدة]، هذه البلاد الطيبة والقوية، جبل لبنان كما أنقذت بلداناً أخرى.” [6]
تشكلت لجنة إغاثة سوريا وجبل لبنان في أوائل حزيران/يونيو 1916 في بروكلين، نيويورك، برئاسة نجيب شاهين معلوف (1865-1916)، مستورد الدانتيل، وبمساعدة الكاتب والشاعر المشهور أمين فارس الريحاني (1876-1940)، لجمع التبرعات في الولايات المتحدة لمكافحة المجاعة في المنطقة. تولى أمانة الصندوق نعمة تادرس وأنطون سمعان وخليل التين. عُيّن جبران أميناً للسر، فأصبح المتحدث الرسمي باسم اللجنة. أبلغ ماري بذلك الخبر في 11 حزيران/يونيو:
“نظمنا أنفسنا وشكلنا لجنة إغاثة، وسنبذل جميعاً أقصى جهدنا. انتخبوني أميناً للسر في اللجنة: يعني هذا ألا تكون لي حياة شخصية ولا عمل خاص ولا راحة خلال هذا الصيف. أعرف يا ماري أنها مسؤولية كبيرة، جسدية وعقلية، لكن علي تحملها حتى النهاية، مهما عظمت. توسع المآسي العظيمة القلب وتخلق الرغبة في الخدمة ونكران الذات. لم تسنح لي من قبل فرصة خدمة شعبي في عمل من هذا النوع. يسعدني أن أخدم ولو قليلاً وأشعر بأن الله سيساعدني. لا أعرف ما سيحدث لي غداً أو بعد غد. سأثق بالحياة وكفى. يغلب أن أضطر للسفر في البلاد [الولايات المتحدة] والتحدث إلى السوريين. علينا تشغيل الآلة أولاً في نيويورك ثم في أماكن أخرى. […] والآن يا ماري، سأذهب إلى بروكلين للعمل مع شابين اتخذتهما سكرتيرين. سأحتاج إلى ثالث قريباً.” [7]

في 14 حزيران/يونيو، سألت ماري عن كيفية مساعدته في عمله برغم أنها “أمريكية لا تعرف العربية”، فأجابها:
“أشكرك، يا ماري العزيزة، أشكرك. أقدم شكري الآن نيابة عن شعبي كله. لا شيء تستطيعين فعله يا ماري. يسير عمل اللجنة الآن على ما يرام – ولدينا عدد كبير من الرجال والنساء يقومون بشتى الأعمال. قدمتِ بالفعل أكثر من الكفاية. يصعب علينا الآن حمل السوريين كلهم على التعاون مع أهل جبل لبنان – وإقناع الحكومة التركية بالسماح للمواد الغذائية بالدخول إلى البلاد. نستطيع تدبر ذلك عبر الحكومة الأمريكية.” [8]
اتفقت اللجنة سريعاً مع جبران على أن الباب العالي تسبب عمداً بتلك المأساة الإنسانية لأن كثيراً من القادة السوريين دعموا الحلفاء في الحرب. اعتقدوا أن “الأمل الحقيقي الوحيد […] كمن في استخدام الحكومة الأمريكية مساعيها الحميدة لتخفيف المجاعة التي بدأت تتخذ أبعاداً توراتية”. في 29 حزيران/يونيو، أخبر جبران ماري بأنه اتصل بوزارة الخارجية في واشنطن. “لم يحمل في قلبه سوى أمل ضئيل، لمعرفته أن الأمريكيين، في عام 1916 المظلم، لم يملكوا وقتاً كافياً لوطنه”. [9]
“ماري العزيزة، تسير الأمور على ما يرام والمال يتدفق باستمرار. يتطلب الأمر طبعاً بعض الوقت وقدراً كبيراً من الصبر لجعل كل سوريي أمريكا الشمالية يعملون معاً بجهود موحدة لشيء واحد – وواحد فقط. تصعب علينا إيصال المواد الغذائية إلى جبل لبنان أكثر من كل شيء. تأكدنا الآن من رغبة الحكومة التركية في تجويع شعبنا لأن بعض قادتنا هناك يؤيدون الحلفاء فكراً وروحاً. تملك الحكومة الأمريكية وحدها القدرة على مساعدتنا في العالم. راسلت وزارة الخارجية في واشنطن وتلقيت رداً يؤكد لي استخدام هذه الحكومة مساعيها الحميدة لتخفيف الظروف في سوريا. تعرفين حال الأمور في واشنطن الآن. تُحل مشكلات عالمية وصعوبات كثيرة جداً. قدمت، باسمك، 150 دولاراً للجنة الإغاثة. تعد أكبر مساهمة من أمريكي حتى الآن. تمثل الثورة العربية شيئاً رائعاً. لا يعرف أحد خارج الجزيرة العربية مدى نجاحها ومداها. أثبت وجود حركة شيئاً عظيماً وقوياً، شيئاً حلمت به وعملت لأجله خلال السنوات العشر الماضية. سيؤسس العرب مملكة ويقدمون شيئاً للعالم إذا تلقوا المساعدة من الحلفاء. أعرف يا ماري الحقيقة الكامنة في الروح العربية. لا يستطيع العرب التنظيم دون مساعدة أوروبا، لكن العرب يملكون رؤية للحياة لا يملكها عرق آخر.” [10]
تحدث جبران عن النداء التالي غير المنشور الذي كتبه في 17 حزيران/يونيو إلى وزير الخارجية الأمريكي المعين روبرت هـ. لانسنگ (1864-1928):
لجنة إغاثة سوريا وجبل لبنان
55 برودواينجيب ش. معلوف، رئيس اللجنة
31 ركتور ستريت، نيويوركأمين الريحاني، نائب رئيس اللجنة
164 ريمسن ستريت، بروكلين، نيويوركجبران خ. جبران، أمين السر
51 غرب الشارع العاشر، نيويوركأمناء الصندوق:
نعمة تادرس
33 يونيون سكوير، نيويوركأنطون سمعان
60 واشنطن ستريت، نيويوركخليل التين
79 وورث ستريت، نيويوركنيويورك، 17 حزيران/يونيو 1916
السيد المحترم روبرت هـ. لانسنگ،
وزير الخارجية،
واشنطن، دي.سي.سيدي؛
استقبل الرئيس ووزير الخارجية بالوكالة قبل أسبوعين وفداً من الصحافة العربية في هذه المدينة لمناقشة الأوضاع المأساوية لأهل سوريا وجبل لبنان. لقي نداؤنا لاستخدام الحكومة الأمريكية مساعيها الحميدة نيابة عنا لاستصدار إذن من الحكومة العثمانية بإدخال المواد الغذائية إلى البلاد المنكوبة آذاناً وقلوباً متجاوبة ومتعاطفة من فخامة الرئيس والمسؤولين الحكوميين الآخرين الذين تشرف الوفد بمقابلتهم.
أرفق لنظركم السامي ترجمات لتقارير عن المجاعة المحدقة بالبلاد، نُشرت في الأعداد الأخيرة من الصحف العربية في القاهرة، مصر. تؤكد هذه التقارير، كما سترون، كل الأخبار السابقة المنقولة بالبرقيات، وكذلك التقارير التي تلقتها الوزارة من السفير الفرنسي.
يموت أهل سوريا وجبل لبنان، سيدي، جوعاً والأمراض الناتجة عن نقص التغذية. تروع محنتهم، وباتوا اليوم شعباً عاجزاً محكوماً بالفناء.
نناشدكم، سيدي، نحن السوريون في هذا البلد، وآلاف منا مواطنون أمريكيون، نيابةً عن بلدنا المنكوب وشعبنا الجائع. نثق بمواصلتكم بذل مساعيكم الحميدة لاستصدار إذن من الحكومة التركية بإدخال المؤن الغذائية إلى سوريا وجبل لبنان.
نظمنا الآن لجنة إغاثة تعمل بالتعاون مع اللجنة الأمريكية، ونأمل جمع أموال كافية قريباً لإرسال سفينة محملة بالمؤن الغذائية. نريد إرسال هذه السفينة قبل الشتاء المقبل، من نيويورك أو من مصر، لدرء آثار المجاعة المحدقة التي تهدد بإفناء شعب بأكمله إن أمكن.
أتطلع لتلقي كلمة إيجابية منكم قريباً، وتفضلوا، سيدي،
باحترامي
جبران خ. جبران
أمين السر
النص الأصلي
The Syrian-Mount Lebanon Relief Committee
55 Broadway
Najeeb S. Maloof, Chairman
31 Rector St., N.Y.
Ameen Rihani, Ass’t. Chairman
164 Remsen St., B’klyn, N.Y.
Gibran K. Gibran, Secretary
51 W. 10th St., N.Y.
Treasures:
Nami Tadross
33 Union Square, N.Y.
Antone Simon
60 Washington St., N.Y.
Kaleel Teen
79 Worth St., N.Y.
New York, June 17, 1916
The Honorable Robert H. Lansing,
Secretary of State,
Washington, D.C.
Sir;
A fortnight ago a delegation of the Arabic Press of this City were accorded an interview by the President and the Acting Secretary of State in regard to the distressful condition of the people of Syria and Mt. Lebanon, and their appeal that the United States Government use its good offices in our behalf to the end of obtaining permission from the Ottoman Government to introduce foodstuff into the stricken country, met with a responsive and sympathetic ear and heart both from his Excellency the President and the other Government officials the delegation had the honor to meet.
I now beg to enclose for your distinguished consideration, translations of accounts of the famine that is impending over the country, as published in the recent issues of the Arabic papers of Cairo, Egypt. These accounts, as you will see, confirm all former reports received by cable, as well as the accounts which the Department received from the French Ambassador.
The people of Syria and Mt. Lebanon, Sir, are actually dying of starvation and the diseases resulting from lack of nourishment. Their distress is appalling, and they are to-day a helpless people doomed to extinction.
We appeal to you, Sir, we the Syrians of this country, thousands of whom are American citizens, in behalf of our stricken country and our starving people. We trust that you will continue to exert your good offices to the end of securing for us a permission from the Turkish Government to introduce food supplies to Syria and Mt. Lebanon.
We are now an organized Committee of Relief, working in cooperation with the American Committee, and we hope to raise enough funds soon to be able to send a shipload of food supplies. And we want to send this ship before the coming winter, either from New York or from Egypt, to ward off, if possible, the effects of the impending famine that threatens the extinction of a whole race.
I trust to receive a favorable word from you soon, I am, Sir,
Yours respectfully
Gibran K. Gibran
Secretary.

عنى جبران بـ “اللجنة الأمريكية” لجنة الإغاثة الأمريكية للأرمن والسوريين التي تبنت قضية المجاعة في جبل لبنان علاوة على اهتمامها المتزايد بأوضاع الأرمن في الأناضول العثماني. تأسست المنظمة في العام السابق بناءً على طلب السفير الأمريكي لدى الدولة العثمانية هنري مورگنثاو (1856-1946) وبمساعدة الرئيس آنذاك وودرو ويلسن (1856-1924) لجمع التبرعات من الشعب الأمريكي. ضمت قيادة المنظمة ومجلس إدارتها شخصيات دينية وتربوية بارزة، منهم رئيس جامعة هارڤارد تشارلز و. إليوت (1834-1926)، والمبشر البروتستانتي جيمس ل. بارتن (1855-1936)، وصامويل ترين داتن (1849-1919) أستاذ كلية المعلمين في جامعة كولومبيا وأمين الكلية الأمريكية للفتيات في القسطنطينية، ورجل الأعمال والمستثمر والمحسن كليڤلاند هـ. دودج (1860-1926) الذي أصبح ابنه بايارد، عالم الإسلام، رئيساً للجامعة الأمريكية في بيروت المعروفة آنذاك باسم الكلية البروتستانتية السورية.
أرفق جبران برسالته إلى لانسنگ ترجمات لثلاثة تقارير مجهولة المصدر عن آثار المجاعة المباشرة:
من لجنة إغاثة سوريا وجبل لبنان
55 برودواي، نيويوركعاشت سوريا وجبل لبنان تحت حصار فعلي منذ دخول تركيا الحرب. زرع الأتراك الألغام على ساحل سوريا وفرض الحلفاء عليه حصاراً، فاستحال الاتصال بالعالم الخارجي. تزيد طبيعة البلاد محنتها لوقوعها بين الصحراء شرقاً والبحر غرباً، وستؤدي عزلتها التامة حتماً إلى فناء السكان.
ظلت موارد البلاد، في جبل لبنان خاصة، شحيحة دائماً بسبب قحط بعض المناطق وعدم زراعة غيرها. يضاف إلى ذلك بقاء عدد قليل من الناس لحرث الأرض.
جندت السلطات الرجال الأصحاء من كل الطوائف في الجيش وأرسلتهم إلى القوقاز أو بلاد ما بين النهرين.
خيم الجراد، الآفة المروعة لآسيا، على البلاد كلها في الربيع الماضي، فالتهم المحصول والتهم كل نبات أخضر.
ضاعف افتتاح سكة حديد القسطنطينية من جانب الحلفاء التيوتونيين، الذين صادروا الماشية والقمح أينما وجدوهما، بؤس السكان.
تعذر النقل في جبل لبنان المعزول اليوم عن الولايتين [11] المحيطتين به مثلما انعزلت سوريا نفسها عن العالم الخارجي. صادر الأتراك كل البغال والخيول، ويندر تشغيل السكة الحديدية الوحيدة التي تخترق جبل لبنان [12] من بيروت إلى دمشق لنقص الفحم أو الخشب.
تجاهلت الحكومة التركية هذه الأوضاع أو فشلت في تنظيم التوزيع المتساوي للمؤن القليلة في البلاد. استنزفت ألمانيا نفسها موارد الأتراك أيضاً.
عانى السكان خلال الأشهر الستة الماضية ضائقة شديدة. تفردت هذه الأوضاع في العالم، لم تشهد بلجيكا بعد غزوها ولا صربيا مثلها. نقل الفارون القلائل من البلاد المنكوبة، كما تظهر التقارير المرفقة، موت النساء والأطفال على جوانب الطرق وفي الحقول، يسعون لتهدئة جوعهم بالأعشاب القليلة التي يجدونها.
أكدت برقيات وردت من مصادر موثوقة في مصر، وأيدها المراسلون، موت ثمانين ألف شخص جوعاً في جبل لبنان وحده.
يشكل جبل لبنان منطقة صغيرة من سوريا يسكنها نحو 400 ألف نسمة. تجهل حصيلة المجاعة في أجزاء البلاد الأخرى.
سيفنى شعب بكامله جوعاً في الشتاء المقبل ما لم تصل الإغاثة إلى البلاد.
يسكن سوريا، بما فيها جبل لبنان، نحو أربعة ملايين نسمة.
النص الأصلي
FROM THE SYRIAN-MT. LEBANON RELIEF COMMITTEE.
55 Broadway, New York
Syria and Mt. Lebanon have been practically under siege ever since Turkey entered the war. The coast of Syria has been mined by the Turks and blockaded by the Allies, and there is no possibility whatever of communication with the outside world. Add to this the natural condition of the country, which is bounded on the east by the desert and on the west by the sea, and its plight is complete. Its complete isolation will ultimately result in the extinction of the population.
The resources of the country, especially in Mt. Lebanon, have always been scant owing to the aridity of some sections and the uncultivated state of others. Besides, few people are left to till the soil.
Able bodied men of all creeds have been drafted for the army and sent to the Caucasus or to Mesopotamia.
The locusts, that terrible plague of Asia, have spread all over the country last Spring, eating up the harvest, devouring every green thing.
The opening of the Constantinople railroad by the Teutonic Allies, who commandeered cattle and wheat wherever they could find them, has added to the misery of the inhabitants.
In Mt. Lebanon, which is cut off to-day from the two vilayets [11] surrounding it as Syria itself is cut off from the outside world, there is no means of transportation whatever. All mules and horses have been requisitioned by the Turks, and the only railroad running through the Lebanons [12] from Beirut to Damascus, is seldom in operation for lack of coal or wood.
The Turkish Government is indifferent to these conditions, or it has failed to take charge of the even distribution of what little provision there is in the country. It is a fact also that Germany itself has drawn upon the resources of the Turks.
For the last six months the inhabitants have been in dire distress. Nowhere in the world, not even in Belgium following its invasion, nor in Serbia, have such conditions been known. From reliable sources as well as from the few fugitives that have escaped from the stricken country, as the attached reports show, the news comes that women and children are dying on the roadsides and in the fields, where they seek to alley their hunger with what few herbs they can find.
According to cablegrams received from reliable sources in Egypt, which are confirmed by correspondents, eighty thousand people have already died of starvation in Mt. Lebanon alone.
Mt. Lebanon is but a small section of Syria with a population of about 400000. What the toll of famine has been in other parts of the country, it is not yet known.
By next winter, if no relief is sent to the country, a whole race will be annihilated by famine.
Syria, including Mt. Lebanon, has a population of about four million souls.

نشرت “المرآة اليومية”، صحيفة عربية في نيويورك، [13] في 14 حزيران/يونيو 1916 التقرير التالي من مراسلها الخاص في القاهرة، مصر.
القاهرة، 25 أيار/مايو 1916
أرسلت إليكم الأسبوع الماضي برقية عن موت 80 ألف شخص جوعاً في جبل لبنان، سوريا. وصلت اليوم برقية الجمعية السورية المتحدة في نيويورك طالبة تفاصيل إضافية، وستُقرأ في اجتماع عام للسوريين هنا في بطريركية الكنيسة الكاثوليكية اليونانية.
سررت بإرسال برقية مطولة عن الكارثة لولا الرقابة الصارمة على البرقيات. أسارع لكتابة ما علمته حتى الآن.
سافر كاهن ماروني من هنا على متن طراد فرنسي لتقصي الأوضاع في جبل لبنان، ونزل في موضع ما على الساحل السوري. واجه صعوبة كبيرة في دخول البلاد والخروج منها، وأحاطت به المخاطر أثناء وجوده فيها.
روى لي بلسانه قصته باختصار: تفوق بؤس أهل جبل لبنان الوصف. بقي في بلدة عشقوت [14] 94 شخصاً فقط، وهلك باقي السكان جوعاً. ارتفع معدل الوفيات لدرجة أصدر معها المتصرف (الحاكم) منيف باشا مرسوماً يسمح للناس بدفن موتاهم دون تصريح قانوني. اكتفى بذلك.
أجاب عند مناشدته: “هل أكلت أي امرأة طفلها في جبل لبنان بعد؟ لا؟ إذاً لا جوع ولا مجاعة في الأرض”.
يباع القليل من الطحين الواصل إلى جبل لبنان بـ 25 قرشاً للرطل (نحو 20 سنتاً للباوند) بينما يباع في بيروت بـ 5 قروش. يتكون هذا الطحين من خليط مطحون من الشوفان والعلف ونشارة الخشب. أراني الكاهن، مصدر معلوماتي، عينة منه أرسلها إليكم بالبريد.
يُعتقل ويُعاقب – يُجلد بالسوط – كل من يُضبط في بيروت أو دمشق يحمل خبزاً إلى جبل لبنان.
تُباع الفتيات الأرمنيات في شوارع بيروت بـ 10 أو 20 قرشاً للواحدة – للمسلمين فقط. اشترى مسيحي بعض هؤلاء الفتيات لإنقاذهن، فأُخذن منه وجُلد عندما علمت الحكومة بالأمر.
أُعدم شنقاً لأسباب سياسية كثيرون منهم جوزيف هاني الذي وقّع عريضة عُثر عليها في أرشيف القنصلية الفرنسية في بيروت، طلب فيها الموقعون من فرنسا ضم بيروت إلى خطة الحكم الذاتي لجبل لبنان. [15]
نلخص ما فعلناه للإغاثة الممكنة بكلمات قليلة. عُقدت اجتماعات عدة حضرها أبرز الشخصيات المؤثرة من كل الطوائف، مسلمين ومسيحيين، ونوشد الوكيل الفرنسي والنائب الملكي البريطاني في مصر، فوعدا بمخاطبة حكومتيهما لتتولى حكومة الولايات المتحدة أو وكلاؤها توزيع الطعام بين الشعب المنكوب.
تؤكد آخر الأخبار الواردة من جبل لبنان التقارير السابقة. أنقل من آخر رسالة، يُفترض أنها من بطريرك الموارنة: [16]
“أرسلوا لنا طعاماً، لا ذهباً. لو نفع الذهب الآن لبعتُ منذ زمن طويل أواني الذهب والفضة من الكنائس لإطعام الجياع…”.
ستناشد لجنة الإغاثة، المزمع تنظيمها برعاية سلطان مصر [17] برئاسة أحد أمراء العائلة المالكة، حكومة الولايات المتحدة وقداسة بابا روما [18] للحصول على إذن الحكومة التركية بإدخال المواد الغذائية إلى سوريا وجبل لبنان.

نشرت “الأهرام”، إحدى كبرى صحف القاهرة، مصر،[19] في عددها الصادر 18 أيار/مايو 1916 المقال التالي.
تأخرت رسالة مراسلنا السوري المنشورة مؤخراً في الوصول، ووصفت أوضاعاً مضت منذ زمن طويل، على الرغم من اتجاهها لتهدئة قلق قرائنا. عانى أهل جبل لبنان، وفق أحدث التقارير، مآسي وحرماناً لا توصف، وماتوا جوعاً، وهددت المجاعة البلاد. زادت زيارة أنور پاشا[20] الأخيرة إلى سوريا من محنتهم ويأسهم، عوضاً عن منحهم بعض الأمل بالإغاثة الفورية.
منع أنور پاشا كل الإمدادات الغذائية عن جبل لبنان ما عدا مزيجاً رديئاً أسود من الشوفان ونشارة الخشب، يطلقون عليه طحيناً، يحصل منه الفرد على أربعة كيلوگرامات كل خمسة وعشرين يوماً. أضر هذا الطحين بالصحة وسبب الأمراض، عوضاً عن كونه غير مغذٍ. مات الناس نتيجةً لذلك جوعاً. عُثر على كثيرين منهم موتى على الطرقات وفي الوديان. سعوا للتغذي بالأعشاب التي لم يجدوها، فأضافت إقامة الجراد في البلاد لأحد عشر شهراً إلى الآن نكبةً أخرى لم تترك أي نبات أخضر للجياع.
طلب ممثلو الشعب الإغاثة من المتصرف منيف پاشا، فرد بأن الحكومة تعرف عملها، ويثبت ادعاؤهم للمجاعة عندما يبدأ الناس بأكل بعضهم فقط.
صادر الجيش كل البغال والخيول والماشية، وتعذرت زراعة الأرض أو بذر محاصيل جديدة لنقص الثيران والبذور.
نُفي قادة الشعب، بمن فيهم أساقفة كثيرون، ودُفعت عائلات بأكملها، إما بالجوع أو بأمر الحكومة، إلى الداخل، وازداد عدد الموتى يوماً بعد يوم لدرجة صدور تصريح بدفنهم خارج المقابر.
مات ثلث سكان قرى كثيرة أو أكثر جوعاً. ارتفع سعر الرطل (خمسة أرطال) من الطحين إلى خمسة وعشرين قرشاً [نحو 90 سنتاً]، وندر وجوده. منع أهل جبل لبنان من شراء أي من الضروريات المباشرة للحياة في بيروت. جرد الجنود الحراس أي شخص يُضبط مهرباً طحيناً أو خبزاً إلى الجبال، وجلدوه. عُلقت حقوق الصيد، ولم يجرؤ أحد على حمل بندقية.
بلغ عدد الموتى جوعاً حتى هذا الشهر (أيار/مايو) نحو 80 ألف شخص.
أمرت الحكومة المبشرين الأمريكيين، الذين تكرموا بتولي نقل الأموال المرسلة إلى أهل جبل لبنان وسوريا من أقربائهم في أمريكا، بإيداع كل المبالغ المستلمة باسم مستلميها في البنك العثماني الإمبراطوري في بيروت. أصدرت أمراً للبنك بدفع المبالغ المذكورة على أقساط شهرية بعد سنة من تاريخ إيداعها. تُدفع المبالغ بالأوراق، لا بالذهب، بسعر صرف 80 قرشاً للجنيه الإسترليني الذي يساوي 136 قرشاً في الأوقات العادية.
حُكم على شعب كامل بالفناء في هذه الظروف المروعة. زادت المشانق، المنصوبة في ساحات المدن الرئيسة، من هول الموقف. شُنق الشهر الماضي أحد عشر شخصاً في بيروت، و8 في عاليه، جبل لبنان،[21] و7 في دمشق و9 في حيفا.

أرسل ألڤي أوگستس أدي (1842-1924)، مساعد وزير الخارجية الأمريكي الثاني، الرد التالي على رسالة جبران بعد ثلاثة أيام:

20 حزيران/يونيو 1916
السيد جبران خ. جبران، أمين السر
لجنة إغاثة سوريا وجبل لبنان
55 برودواي، مدينة نيويوركسيدي:
تسلمت الوزارة رسالتك المؤرخة في 17 حزيران/يونيو المتعلقة بالوضع في سوريا وطلبك استخدام الحكومة مساعيها الحميدة للمساعدة في تخفيف أحوال السوريين.
توضح الوزارة في ردها إرسالها برقية إلى القائم بالأعمال الأمريكي في القسطنطينية، طلبت منه تقصي الأوضاع في سوريا وإعداد تقرير عنها، وإبلاغ الحكومة التركية بوجود تعاطف قوي في الولايات المتحدة مع سكان سوريا المعوزين ورغبة كثيرين في إرسال الإغاثة إليهم عند إمكانية ذلك. أمرت الوزارة القائم بالأعمال كذلك بالتأكد من موافقة الحكومة التركية على إرسال مؤن الإغاثة ليوزعها على سكان سوريا لجنة محايدة.
وتفضلوا بقبول فائق احترامي،
نيابة عن وزير الخارجية:
ألڤي أ. أدي
مساعد الوزير الثاني [22]
النص الأصلي
June 20, 1916
Mr. Gibran K. Gibran, Secretary.
The Syrian-Mount Lebanon Relief Committee,
55 Broadway, New York City.
Sir:
The Department acknowledges the receipt of your letter of June 17th, referring to the situation in Syria and requesting that the Government use its good offices to assist in alleviating the conditions among the Syrians.
In reply the Department begs to inform you that it has cabled the American Chargé d’Affaires at Constantinople, instructing him to investigate and report as to the situation in Syria, and to inform the Turkish Government that there is a strong feeling of sympathy in the United States for the destitute inhabitants in Syria and that many people in the United States would like to send relief to Syria if this could be done. The Chargé d’Affaires was further instructed to ascertain whether the Turkish Government will permit relief supplies to be sent for distribution among the inhabitants of Syria by a neutral committee.
I am, Sir,
Your obedient servant,
For the Secretary of State:
Alvey A. Adee
Second Assistant Secretary. [22]
كتب جبران في السابع من يوليو رسالة إلى ماري عبّر فيها عن استنزاف طاقاته في أعمال الإغاثة، لكن كلماته كشفت عن تفاؤل معين:
“أذهب يومي الجمعة والسبت إلى مكتب اللجنة كأي يوم آخر. […] أعمل في هذه الأيام […] كسكرتير للجنة الإغاثة فقط. أعجز عن التفكير أو التخيل. غفت مخيلتي، وأعود كل يوم إلى البيت متعباً لدرجة تمنعني من النوم. أتمتع بصحة جيدة مع ذلك، وتسير الأمور على ما يرام.” [23]
تكشف رسالة أرسلها إلى أمين الريحاني في الأيام نفسها عن صراعات داخل اللجنة وخارجها. عانى جبل لبنان معاناة شديدة، لكن سوريين كثيرين في أمريكا أظهروا لامبالاة أغضبت جبران:
“يزداد الوضع هنا تعقيداً كل يوم، ونفد صبري لأنني أعيش بين أناس لا أفهم لغتهم ولا يفهمون لغتي. حاول أمين صليبا ضم لجنة فيلادلفيا إلى لجنته، وربما ينجح. يغيب نامي تادرس عن المكتب ولا يوقع على الإيصالات! استقال نجيب شاهين [معلوف] رسمياً، وأحاول استرضاءه بكل الأدلة المتوفرة لدي. غمر الإرهاق نجيب كسباني فلم يعد يدرك ما يفعل. أخبرنا السيد دودج أنه سيذهب إلى الريف وطلب منا مقابلة السيد سكوت. رفض عمدة المدينة [24] منحنا إذناً ليوم التبرعات. أما السوريون هنا فأصبحوا أغرب مما كانوا عليه – يزداد القادة في قيادتهم بينما يكثر النمامون من نميمتهم. دفعتني كل هذه الأمور يا أمين إلى كره الحياة، ولولا صرخات الجياع التي تملأ قلبي لما أمضيت دقيقة واحدة في هذا المكتب ولا ساعة إضافية في هذه المدينة. نجتمع غداً مساءً لنعرض على اللجنة موضوع التبرعات للجنة الأمريكية [للإغاثة الأرمنية والسورية]. أقسم بالله يا أمين أن مشاركة الحرمان مع الجائعين ومعاناة المنكوبين أفضل، ولو خيرت بين الموت في لبنان أو الحياة بين هذه المخلوقات لاخترت الموت.” [25]
أدت الانقسامات والخلافات داخل لجنة إغاثة سوريا وجبل لبنان إلى تشكيل مجلس إدارة جديد: نجيب كسباني رئيساً، أمين الريحاني وشكري رحيم نائبين للرئيس، نامي تادرس ودانيال فاعور ويوسف بك معوشي وخليل تين وغطاس فارس أمناء للصندوق، وتأكد تعيين جبران سكرتيراً. [26] توفي الرئيس السابق نجيب س. معلوف في حادث مأساوي في الخامس من سبتمبر. [27] كتب جبران في رسالة مؤرخة في 22 أغسطس إلى ماري هاسكل عن إرهاقه الشديد، وأكد رفض الحكومة التركية – كما كان متوقعاً – السماح بالإغاثة في سوريا، وأعلن عزمه على قضاء عطلة في كوهاست للراحة:
“سادت موجة حر شديدة هنا – ولا تزال مستمرة – وأشعر بالتعب الجسدي، لكن الروح مازالت متحمسة. يصعب عليّ مغادرة المكان، لكن سأضطر لذلك قريباً جداً. أحتاج للتغيير بشدة. يسكرك العمل في لجنة الإغاثة بشيء أحلى وأعز من الراحة. يجلب كل دولار تتلقاه نسمة صغيرة من الحياة، وتشعر برقة وحنان غريبين في داخلك. أعرف أنك تفهمين ما أقصد. رفضت تركيا السماح بالإغاثة في سوريا. لكننا نستطيع إرسال المال لتوزيعه على المحتاجين. صحيح أن المحاصيل وفيرة جداً هذا العام – الحمد لله – لكن الحاجة للمال شديدة. يستطيع الأمريكيون في سوريا توزيع ما نرسله. تستطيع الحكومة الأمريكية فعل الكثير إذا اختارت ذلك. لكن اختيار الطريق الأصعب (والطريق الأصعب عادة ما يكون الصحيح) يتطلب قدرات خارقة في هذا العصر المليء بالمصالح المحلية والرغبات المحلية والبر المحلي. وعد السيد إلكوس، السفير الجديد لدى تركيا [28]، بفعل أمور كثيرة طيبة لنا قبل إبحاره. غادر المدينة متوجهاً إلى منصبه منذ أسبوع تقريباً. […] سأتمكن من الذهاب إلى كوهاست لمدة أسبوع أو عشرة أيام إذا سارت الأمور على ما يرام في المكتب هذا الأسبوع. سأذهب الاثنين أو الثلاثاء من الأسبوع المقبل. لكنني لست متأكداً أبداً – تعرفين كيف تسير الأمور يا ماري.” [29]
سافر جبران مع ماريانا إلى كوهاست في أوائل سبتمبر. قبل هذه المرة دعوة للإقامة في منزل صديقته جوليا مانينگ الصيفي، سيدة من مجتمع بوسطن، في 53 شارع باو. أنهكته أشهر العمل الشاق بشدة. أقر في رسالة أرسلها من كوهاست إلى الشاعر ويتر بينر (1881-1968) في 22 سبتمبر بسوء حالته الصحية: “أرقد مريضاً في الفراش. جئت إلى كوهاست منذ أسبوعين بجسد بلا أجنحة وروح متعبة – وتعتني بي الآن أختي وطبيب جيد”. وصف في رسالة أخرى غير مؤرخة إليه ما بدا أنه مرض نفسي جسدي بدقة أكبر: “إنه انهيار عصبي. جلب العمل المفرط ومأساة بلدي ألماً بارداً خامداً في جانبي الأيسر ووجهي وذراعي وساقي”. [30] تلقى جبران في الرابع عشر من سبتمبر رسالة من الريحاني تعرض حلولاً بديلة لتجاوز الحظر التركي وإيصال المساعدات إلى سوريا، جاء فيها:
“عزيزي جبران: عدت أمس من المنطقة الجبلية [في ولاية نيويورك] لأجد رسالتك التي أزعجتني أخبارها. أرجو أن تكون في صحة أفضل الآن، فتعود إلينا بعد شفاء تام. لا تقلق يا أخي على العمل غير المنجز. لو بذلنا في تنفيذ أعمالنا جهداً يوازي أهدافنا، لأصبحنا جميعاً (تعرف من أقصد بكلمة جميعاً) من أسعد الناس وأكثرهم تكريماً. ما أعظم القول بأننا نعمل في لجنة لا تتمتع بثقة السوريين المقيمين في الداخل [في الولايات المتحدة]. أثابر على عملي رغم ذلك، لكنني كنت أفضل أن أسمع منك ما فعلت خلال غيابك. لا تظن أن لدي الكثير من العمل في المكتب هذه الأيام، ناهيك عن أي عمل مهم. تعتزم لجنتنا عقد اجتماع الثلاثاء المقبل للبت في إرسال الأموال عبر المسؤولين الحكوميين، في وقت يطالب فيه صديقنا وحزبه بإرسال الأموال مباشرة إلى البطريرك الماروني. أتمنى أن تكون قد تعافيت تماماً بحلول الثلاثاء لتحضر الاجتماع، فتساعدنا في دعم ما هو مشروع ونبذ ما ليس كذلك. يرسل إليك جميع إخواننا تحياتهم، خاصة نجيب كسباني الذي وصل للتو. نسأل الرب أن يمنحكما الصحة والعافية لتنضما إلينا قريباً.” [31]
تدهورت الأوضاع في سوريا يوماً بعد يوم، وانتهك الأتراك حقوق الإنسان بشكل صارخ. كادت حياة جبران تتعرض لخطر جسيم لو عاد إلى وطنه. امتدت المخاطر إلى أمريكا أيضاً. ساءت علاقاته مع الريحاني، كما نقرأ في مذكرات ماري هاسكل المؤرخة في الخامس من أكتوبر:
“يراقب الجواسيس الأتراك كل تحركاتنا هنا بالطبع. […] لا أستطيع الابتعاد عن سوريا؛ لن أستطيع أبداً؛ أنا سوري… ومع ذلك يكاد هذا العمل يفوق طاقتي. الريحاني – وكل الآخرين – يفهمون بعضهم البعض جيداً… لكنني لا أفهمهم، ولا يفهمونني… يقولون، «تعال واجلس هنا فقط، وستسير الأمور على ما يرام» – يعتنون، كما لو كانوا، بالطائر الذي يبيض ذهباً… أستطيع جمع المال عندما يعجز الآخرون. لا يثق السوريون ببعضهم البعض لأن تركيا عملت على تفريقهم. يخشون ألا تصل الأموال التي يتبرعون بها للجنة إلى المتألمين في سوريا… عليّ التحدث إلى كل هؤلاء الناس للشرح والإقناع… أستطيع جعلهم يبكون – فيفعلون ما أطلبه منهم… راقب الجواسيس كل تحركات اللجنة في نيويورك، وإذا أغضب أي سوري في الولايات المتحدة تركيا، يُقتل أقاربه. لذلك يتوخى السوريون في الولايات المتحدة الحذر والحيطة بشكل لا متناهٍ.” [32]
صدر في نيويورك عدد خاص من المجلة العربية الأمريكية الشهرية “الفنون” في أكتوبر نفسه عن الأزمة السورية بعنوان “عدد سوريا المنكوبة”. ضمّت المساهمات قصة “مهرجان الموت” القصيرة لميخائيل يوسف نعيمة (1889-1988)، ومقال “الجوع” لأمين الريحاني، وقصيدة “في الليل” لإيليا أبو ماضي (1890-1957) المعروف أيضاً باسم إيليا د. ماضي. ساهم جبران بثلاث رسومات (صورة الغلاف بلا عنوان تمثل عائلة جائعة، ورسم بعنوان “الجائعة المستعطية” [33]، وصورة جانبية لوالدته كاملة رحمة [1858-1904] بعنوان “وجه أمي وجه أمتي”، رافقها بيان تحريري للتعبئة جاء فيه: “كلمة نبعت من قلب جبران. يتوجب علينا، نحن السوريين جميعاً، تبنيها دستوراً – لنمنح غاية في هذه الأيام المليئة بالكفاح والشدائد” [34]) وقصيدة “مات أهلي” [35]. تبدأ القصيدة بمرثية لضحايا الإبادة في سوريا، ثم تنتقل إلى مزاج إدانة الذات قبل الختام بنداء مؤثر لرفاقه المنفيين لدعم جهود الإغاثة:
مات أهلي
(كُتبت في المنفى خلال المجاعة في سوريا)
“الحرب العالمية الأولى”
رحل أهلي، وبقيت وحيداً،
أرثيهم في عزلتي…
مات أصدقائي، وصارت حياتي
في موتهم كارثة
عظيمة.
غمرت الدموع والدماء تلال بلادي،
فأهلي وأحبائي رحلوا، وأنا هنا
أعيش كما عشت عندما كان أهلي
وأحبائي ينعمون بالحياة وخيراتها،
عندما باركت الشمس تلال
بلادي وغمرتها بنورها.
مات أهلي جوعاً، ومن لم يهلك من المجاعة ذُبح بالسيف.
أجول هنا في هذه الأرض البعيدة بين شعب مبتهج، ينام على أسرّة وثيرة، ويبتسم للأيام.
تبتسم الأيام له.
ماتوا ميتة مؤلمة مخزية، وأعيش هنا في رخاء وسلام.
تتجسد على مسرح قلبي مأساة عميقة، ويأبى كثيرون مشاهدة هذه المسرحية.
يشبه أهلي طيوراً مكسورة الأجنحة تخلف عنها السرب.
لو عشت جائعاً بين أهلي الجياع، ومضطهداً بين أبناء وطني المظلومين، لخفّ عبء الأيام السوداء على أحلامي القلقة.
لقلّ ظلام الليل أمام عيني الخاويتين وقلبي الباكي وروحي الجريحة.
على من يشارك أهله آلامهم وعذاباتهم أن يشعر براحة عظيمة لا تخلقها سوى التضحية في المعاناة.
يستريح ضميره عندما يموت بريئاً مع إخوانه الأبرياء.
أسكن هنا وراء البحار العريضة في ظل الطمأنينة وتحت شمس السلام.
أبتعد عن ساحة البؤس والمعاناة، فلا أفتخر بشيء، حتى بدموعي.
لا يستطيع الابن المنفي مساعدة أهله الجياع.
لا تفيد نواح الشاعر الغائب أهله شيئاً.
أتمنى لو كنت سنبلة قمح في أرض بلادي، ينتزعني الطفل الجائع ويزيل بحباتي شبح الموت عن روحه. أود لو كنت ثمرة ناضجة في بساتين وطني، تقطفني المرأة الجائعة لتحافظ على حياتها. أحلم لو كنت طائراً يحلق في سماء بلادي، يصطادني أخي الجائع ويزيل بلحم جسدي ظل القبر عن جسده.
تسكن في أعماقي حسرة لأنني لست سنبلة قمح نمت في سهول سوريا، ولا ثمرة ناضجة في وديان لبنان. تتجذر هذه المصيبة في روحي، تطاردني أشباح الليل. تكبل هذه المأساة المؤلمة لساني، تشل ذراعي، تسلبني القوة والإرادة والفعل. تشتعل هذه اللعنة على جبيني أمام الله والناس.
يرددون على مسمعي: “تضاءلت كارثة بلادك أمام مصيبة العالم، وتلاشت دموع شعبك ودماؤه أمام أنهار الدم والدموع المتدفقة ليل نهار في وديان الأرض وسهولها…”
يمثل موت أهلي اتهاماً صامتاً، جريمة نسجتها رؤوس الأفاعي المستترة، مأساة بلا أغان ولا مشاهد. لو هاجم أهلي الطغاة والظالمين وماتوا متمردين، لقلت: “أنبل من الحياة في ظل الخضوع الضعيف الموت من أجل الحرية، فمن يعانق الموت وسيف الحق في يده يخلد مع خلود الحق، فالحياة أضعف من الموت والموت أضعف من الحق.”
لو شارك أهلي في حرب الأمم وماتوا في ميدان المعركة، لقلت أن العاصفة الهوجاء كسرت بقوتها الأغصان الخضراء. في ظل العاصفة، يتفوق الموت القوي على الفناء البطيء في أحضان الشيخوخة.
غابت فرص النجاة من الفكين المطبقين. سقط أهلي فبكت معهم الملائكة. لو شق زلزال وطني وابتلعت الأرض أهلي في جوفها، لقلت: “تحركت قوة إلهية بقانون عظيم غامض، ويصل الجنون بنا نحن الفانين الضعاف محاولة سبر أسراره العميقة…”
فاق مصير أهلي تلك النهايات. لم يموتوا متمردين، ولم يُقتلوا في ساحة المعركة، ولم يُدمر زلزال بلادي ويقهرهم. أنقذهم الموت وحده، وصار الجوع غنيمتهم الوحيدة.
مات أهلي على الصليب. ماتوا بأيدٍ ممتدة نحو الشرق والغرب، وبقايا عيونهم تحدق في سواد السماء. ماتوا بصمت لأن البشرية أغلقت آذانها عن صراخهم. ماتوا لرفضهم مصادقة عدوهم. ماتوا لحبهم جيرانهم. ماتوا لوضعهم ثقتهم في البشرية جمعاء.
ماتوا لأنهم لم يظلموا ظالميهم. ماتوا لأنهم كانوا الزهور المسحوقة، لا الأقدام الساحقة. ماتوا لأنهم كانوا صناع السلام. هلكوا جوعاً في أرض تفيض باللبن والعسل.
ماتوا لأن وحوش الجحيم نهضت فدمرت محاصيل حقولهم، والتهمت آخر المؤن في مخازنهم. ماتوا لأن الأفاعي وأبناء الأفاعي نفثوا سمومهم في الفضاء الذي تنشر فيه الأرز المقدس والورود والياسمين عطرها.
مات أهلي وأهلك يا أخي السوري. نتساءل عن سبل إنقاذ المحتضرين. تفشل مراثينا في إشباع جوعهم. تعجز دموعنا عن إرواء عطشهم. نبحث عن طرق لتخليصهم من براثن الجوع الحديدية. أحثك يا أخي على بذل جزء من حياتك لكل إنسان يوشك على فقدان حياته، فهذا الكرم الفضيلة الوحيدة التي تجعلك جديراً بنور النهار وسكينة الليل.
تذكر يا أخي أن القطعة النقدية التي تلقيها في اليد الذابلة الممتدة نحوك تمثل السلسلة الذهبية الوحيدة التي تربط قلبك الغني بقلب الله المحب. [36]
في صيف عام 1916، بدأت اللجنة الأمريكية لإغاثة الأرمن والسوريين بجمع التبرعات لتجهيز سفينة لنقل المؤن إلى بيروت. نجحت الحملة في جذب دعمٍ هائلٍ من الشعب الأمريكي، فتم تحميل السفينة الحربية الأمريكية “سيزر” بمؤن إغاثة بقيمة 700 ألف دولار، على النحو التالي:
- 5000 گالون من زيت بذور القطن
- 825,000 پاوند من القمح الكامل
- 1000 صندوق من لبن الحليب المكثف
- 200,000 پاوند من السكر
- 13,640 قدماً مكعباً من الطعام والملابس المتبرع بها
- 80,000 پاوند من الفاصوليا
- 980,000 پاوند من الطحين
- 100,000 پاوند من القمح المجروش
- 300,000 پاوند من الأرز
- 5000 گالون من زيت الكيروسين
- عدة صناديق من الكلوروفورم والإيثر
- عدة صناديق تحتوي على طعام وملابس للجالية الأمريكية في بيروت
- 458 صندوقاً من المستلزمات الطبية [37]
كتب جبران في الخامس من نوفمبر مشاركاً الأخبار السارة مع ماري هاسكل: “تسير أعمال اللجنة بشكل رائع. سيطرت على حياتي رغبة دائمة في إنجاح الأمور – وها هي تنجح بالفعل. أعطتنا البحرية الأمريكية باخرة نعمل على ملئها، بالتعاون مع جمعية الصليب الأحمر الأمريكي، بالمواد الغذائية والأدوية والضروريات الأخرى. أسهمت اللجنة الأمريكية بسخاء – وأتوقع شحن بضائع لا تقل قيمتها عن 750 ألف دولار. يتطلب هذا كله، يا ماري، العمل المتواصل ليل نهار. لكنه أفضل عمل أنجزته في حياتي. عشت في عجلة من أمري – دائماً في عجلة – منذ عودتي من كوهاست. لم أشعر يوماً بقيمة الوقت كما أشعر الآن – وتملكتني رغبة عارمة في عدم إضاعة دقيقة واحدة. تعني إضاعة دقيقة في العمل الإغاثي إضاعة فرصة، ولا يمكن تفويت أي فرصة عندما تملأ صرخات آلاف المتألمين روحك. لكن يا لروعة العيش في عجلة: يشعرك وكأنك تخفق بجناحين.”[38]
واصل جبران عمله الدؤوب في الأسابيع السابقة لإبحار سفينة “سيزر”، فكتب لماري في السابع من نوفمبر: «أذهب إلى مكتب اللجنة في الصباح الباكر هذه الأيام – وأخشى وجوب ذهابي صباح الجمعة أيضاً. […] نسعى للحصول على البازار السوري. يبقى يوم الأحد مناسباً دائماً لمثل هذا العمل». [39] أبحرت السفينة من ميناء نيويورك في السابع عشر من ديسمبر، مع تصريح بالرسو في بيروت في نهاية الشهر نفسه. أطلق الناس على السفينة لقب “سفينة عيد الميلاد” بسبب حمولتها من الهدايا وموعد وصولها المتوقع. تظهر بعض الصور الرسمية على رصيف الميناء كلاً من المقدم البحري چون مات إينوكس (1878-1932)، قائد سفينة “سيزر”، وكليڤلاند هـ. دودچ، وصامويل تي. دتون، وهنري مورگنثاو مع زوجته چوزفين سايكس مورگنثاو (1863-1953).

يرى سهيل بديع بشروعي (1929-2015) في سيرته الموثقة لجبران أن هذا المشروع انتهى نهاية سعيدة، فكتب: «تحققت أحلام اللجنة بعد أسابيع مضنية حين أبحرت سفينة سيزر متجهة إلى سوريا».[40] غير أن الأحداث سارت في مسار مختلف، فلم تصل الباخرة إلى بيروت أبداً. رست السفينة لشهور في ميناء الإسكندرية بمصر دون الحصول على إذن من السلطات العثمانية للمتابعة. نقرأ في رسالة لجبران إلى ماري مؤرخة في التاسع من فبراير 1917 خيبة أمله العميقة المريرة: «تفوق الأخبار القادمة من سوريا وجبل لبنان طاقة الاحتمال. سيجتمع غداً مساءً في هذا المرسم مجموعة من الشباب السوريين للتحدث في الأمور. […] يبدو كل شيء كحلم أسود طويل – وأشعر أحياناً بالضياع التام». [41]
تعرض جزء من البضائع المحمولة على متن سفينة سيزر للتلف خلال رحلتها من نيويورك، وبيع جزء آخر في الإسكندرية، وأرسل الباقي إلى سالونيكا باليونان. لم تصل أي شحنة إلى سوريا وجبل لبنان. على الرغم من هذا الإخفاق، بقي جبران عضواً فاعلاً في منظمات سياسية أخرى، مثل لجنة المتطوعين السورية اللبنانية، وعصبة تحرير سوريا وجبل لبنان (المعروفة أيضاً باسم عصبة التحرير السورية اللبنانية)، والعصبة السورية اللبنانية لأمريكا الشمالية. تأسست هذه المنظمات جميعها في نيويورك عام 1917 (بعد دخول أمريكا الحرب العالمية الأولى في أبريل من العام نفسه) على يد صديقه أيوب جرجس ثابت (1875-1947)، السياسي والطبيب اللبناني البروتستانتي، بهدف تشجيع الشباب السوري اللبناني الأمريكي على حمل السلاح ضد تركيا من أجل استقلال الشرق الأوسط. أدرك جبران المخاطر المحدقة به، كما نقرأ في مذكرات ماري هاسكل المؤرخة في السادس والعشرين من ديسمبر 1917:
«أعرف أنني مؤثر لأنهم رفعوا الثمن المعروض على رأسي – لا يهمني ذلك… وصلتني رسالة قبل أيام – مجهولة المصدر – ووصلت رسالة مماثلة للدكتور ثابت باللغة الإنگليزية. “تركيا لم تمت – ويدها طويلة – إذا لم توقف ما تفعله-” (نسيت التهديد الختامي، [أضافت ماري] لكن المعنى كان أنك لن تعيش طويلاً لتفعل ذلك – وأضيف الخنجر المقطر دماً المعتاد). طبعاً… أعرف أن عملاء تركيا لو خططوا فعلاً لقتلي في نيويورك، لما أخبروني بذلك – لكنني استفدت من تلك الرسالة على أي حال؛ اتصلت مباشرة بوزارة العدل». [42] […] أراني الندبة في ذراعه من رصاصة أطلقت عليه في باريس – محاولة تركية لقتله… لم يخبرني بذلك من قبل – أطلقت الرصاصة من مسافة قريبة جداً – وباءت بالفشل. لا تؤثر التهديدات والمؤامرات فيه. يفكر في الأمور غير الشخصية ويقلق بشأنها». [43]

لم يتخيل جبران آنذاك مراقبة نشاطه بعين الشك في الولايات المتحدة الأمريكية، ولا تربص أعداء جدد به.[44]
- اقتبس هذا المقال من بحث “ف. مديچي F. Medici، خليل جبران بين المجاعة الكبرى في جبل لبنان والفزع الأحمر الأول في الولايات المتحدة الأمريكية. وثائق سرية غير منشورة“، مجلة «مرايا التراث»، عدد خاص – مئوية كتاب النبي، الجامعة اللبنانية الأمريكية، سپتمبر 2023، الصفحات 176-225.
مراجع وهوامش:
[1] Around 200,000 people died when the population of Mount Lebanon was estimated to be 400,000 people.
[2] Suheil Bushrui & Joe Jenkins, Kahlil Gibran: Man and Poet. A New Biography, Oxford-Boston: Oneworld, 1998, p. 154.
[3] The Letters of Kahlil Gibran and Mary Haskell. Visions of Life as Expressed by the Author of “The Prophet”, arranged and edited by Annie Salem Otto, Houston: Smith & Company Compositors – Southern Printing Company, 1970, pp. 438-439.
[4] Ǧubrān Ḫalīl Ǧubrān, Kitāb Dam‘ah wa Ibtisāmah, New York: Maṭba‘at al-Atlantīk, 1914.
[5] Otto, pp. 479-480.
[6] Otto, p. 481.
[7] Otto, pp. 484-485.
[8] Otto, pp. 485-486.
[9] Bushrui & Jenkins, p. 158.
[10] Otto, p. 487.
[11] A vilayet (meaning «province» in Ottoman Turkish) was a first-order administrative division of the later Ottoman Empire.
[12] Cf. Watson E. Mills & Roger Aubrey Bullard, Mercer Dictionary of the Bible, Macon, GA: Mercer University Press, 1990, p. 508: «The Lebanons are the most western mountain range parallel to the coastal plains adjacent to the Mediterranean Sea. The Anti-Lebanons are further to the east, roughly parallel to the Lebanons».
[13] «Mir’āt al-Ġarb» (or «Meraat-ul-Gharb [‘Mirror of the West’] – “The Daily Mirror”»), founded in New York by Najeeb M. Diab (Naǧīb Mūsá Diyāb, 1870-1936) in 1899.
[14] The inhabitants of ‘Ašqūt (also spelled Ashqout or Achqout), located 31 kilometers north of Beirut, were and are predominantly Maronite Catholic, with Christians from other denominations in the minority.
[15] Yūsuf Bišārah al-Hānī (sometime anglicized as Joseph Hani) was a Maronite resident of Beirut. In March 1913, he was one of six men who had signed a letter to the French consul in Beirut, François Georges-Picot (1870-1951), requesting French assistance to liberate Syria and Mount Lebanon from the rule of the Ottoman Empire. He was publicly hanged by Turks for high treason on April 5, 1916, at al-Burǧ (or, ‘The Tower,’ the main square now known as Martyrs’ Square), in Beirut, at 5 am on April 5, 1916. His name, together with the names of other Syrian and Lebanese nationalists executed, is commemorated every year on May 6 during Martyrs’ Day in modern-day Lebanon and Syria.
[16] Elias Huwayyik (Īlyās Buṭrus al-Ḥuwayyik, 1843-1931).
[17] Hussein Kamel (Husayn Kāmil, 1853-1917) was the Sultan of Egypt from 1914 to 1917 during the British protectorate.
[18] Pope Benedict XV (Giacomo Paolo Giovanni Battista della Chiesa, 1854-1922).
[19] The editor-in-chief of the daily newspaper «al-’Ahrām» (‘The Pyramids’) was then Daud Barakat (Dāwūd Barakāt, 1868-1933), a Lebanese writer and journalist.
[20] İsmail Enver Paşa (1881-1922) formed one-third of the dictatorial triumvirate known as the ‘Three Pashas’ (along with Talaat Pasha [Mehmed Talat Paşa, 1874-1921] and Djemal Pasha) in the Ottoman Empire.
[21] The city of ‘Alayh (literally, ‘high place’ in Arabic) is located 15 km uphill from Beirut on the freeway to Damascus. It was the place where Djemal Pasha executed a large number of Lebanese and Syrian Arab nationalists who sought independence from the Ottomans.
[22] The U.S. National Archives (USNA); Record Group 59: General Records of the Department of State; 1910-29 Central Decimal File; File: 867.48/306
[23] Otto, p. 489.
[24] John Purroy Mitchel (1879-1918) was the mayor of New York from 1914 to 1917.
[25] Correspondence between Gibran and Rihani, in Excerpts from Ar-Rihaniyat by Ameen Rihani, edited with an introduction by Naji B. Oueijan, Beirut: Notre Dame University Press-Louaize, 1998, pp. 71-72. The letter is undated and written on the Syrian-Mount Lebanon Relief Committee’s official paper.
[26] As confirmed by a draft of a letter signed by Gibran himself written on the committee’s official paper to the president of the Syrian American Club of Boston asking him to support those affected by the famine in Mount Lebanon, dated July 28,1916, a document kept at the archives of the Arab American National Museum (AANM), Dearborn, MI, USA.
[27] Cf. Najib S. Maloof is Killed. New York Merchant Thrown from Auto in Tuxedo Park, «The New York Times», Sept. 6, 1916, p 6: «Tuxedo, N.Y., Sept. 5. – Najib S. Maloof a lace importer at 81 Rector Street, New York, died in the Tuxedo Hospital today an hour after he was injured in an automobile accident on the outskirts of Tuxedo Park».
[28] Abram Isaac Elkus (1867-1947) was the US ambassador to the Ottoman Empire in Constantinople from October 2, 1916 to April 20, 1917.
[29] Otto, p. 495.
[30] Salim Mujais, The Face of the Prophet. Kahlil Gibran and the Portraits of the Temple of Arts, Beirut: Kutub, 2011, pp. 31-33.
[31] Correspondence between Gibran and Rihani, p. 74.
[32] Quoted in Jean Gibran & Kahlil G. Gibran, Kahlil Gibran: Beyond Borders, foreword by Salma Hayek-Pinault, Northampton (MA): Interlink Books, 2017, p. 263.
[33] The drawing illustrates mentioned Naimy’s short story describing a starving woman’s unsuccessful plea to a wealthy landowner.
[34] This English translation is quoted in Anneka Lenssen, Beautiful Agitation: Modern Painting and Politics in Syria, Oakland (CA): University of California Press, 2020, p. 63.
[35] «al-Funūn», vol. 2, no. 5 (October 1916), pp. 385-389.
[36] Kahlil Gibran, The Secrets of the Heart, Translated from the Arabic by Anthony Rizacallah Ferris and edited by Martin L. Wolf, New York: The Philosophical Library, 1947, pp. 187-197.
[37] Letter of the US Assistant Secretary of State William Phillips (1878-1968) to the Spanish Ambassador to the United States Juan Riaño y Gayangos (1865-1939), Washington, May 4, 1917 (Papers Relating to the Foreign Relations of the United States, 1918, Supplement 2, The World War, Document 668, File No. 867.48/608).
[38] Otto, p. 501.
[39] Otto, p. 502.
[40] Bushrui & Jenkins, p. 160.
[41] Otto, p. 518.
[42] The Department was unable to help.
[43] Quoted in Jean Gibran & Kahlil Gibran, Kahlil Gibran: His Life and World, New York: Interlink Books, 1991, p. 306.
[44] Cf. Francesco Medici, “Suspected Bolsheviki” – The Classified FBI (BOI) File on Kahlil Gibran, Kahlil Gibran Collective, Jan 3, 2024





اترك رد