شارف الوعي السوريّ على امتحان تاريخيّ بعد أن طالت السنوات وتلوّنت الأحلام. مرّت على السوريّين أيّام عصيبة، لكنّهم احتفظوا بأملهم في غدٍ أفضل.
تخبرنا قصص الشعوب أنّ الأمل يبقى دائماً رفيق درب المتعبين، يدفعهم للمضيّ في طريقهم مهما اشتدّت الصعاب. ويعرف السوريّون أنّ طريق تحقيق أحلامهم طويل وشاق، لكنّهم يؤمنون بقدرتهم على بناء مستقبلهم بأيديهم. تحمل هذه التدوينة صورة واضحة عن أحلامهم وتوقّعاتهم، فماذا يريد السوريّون لوطنهم؟
أحبّ الأرقام، فهي واضحة وصادقة ومباشرة، ويمكن التعامل معها بكلّ سهولة دون الحاجة إلى ممارسة التأويل… ولهذا، أحاول دوماً تحويل كل فكرة إلى أرقام، كي تسهل عليّ قراءتها.
توقّعات السوريّين
ومن الأفكار المتداولة حالياً مشاعر التشاؤم والتفاؤل حول مستقبل سوريا. بالإضافة إلى الكثير من فيض منشورات وأقوال مصريّين وجزائريّين متشائمة تخوّف من تحوّل سوريا إلى أفغانستان الشرق الأوسط. ولأدرس هاتين الفكرتين طرحت قبل ثلاث أيّام استبانة استطلعت بها آراء السوريّين المؤيّدين لإسقاط الأسد. شملت العيّنة أكثر من ٨٠٠٠ شخص. وتظهر أنّ السوريّين بالمجمل متفائلين حول مستقبل بلدهم. وبنسبة ساحقة. لحق الاستبانة مئات التعليقات التي صاغت نقاشاً عن أماني وتوقّعات المشاركين، فحوّلتها إلى أرقام، ليسهل قياسها، وهذه نتيجة تحليل هذا الحوار. وتتبلور عدّة ملاحظات جوهرية في النقاش.

على مستوى التوقّعات، تتباين آراء المشاركين بشأن مصير سوريا المستقبلي. تميل الأغلبية للتفاؤل بإمكانيّة التحوّل نحو نظام ديمقراطي برلماني يحفظ الوحدة الوطنية. في المقابل، يخشى آخرون من تكرار تجربة لبنان القائمة على المحاصصة الطائفية. ويطرح بعض المشاركين فكرة نظام مدني يراعي تراث الأغلبية مع ضمان حقوق الأقلّيات. وبرز في النقاش توتّر بين الطموحات والتوقّعات الواقعية. ويعكس هذا التوتّر حالة القلق العام من المستقبل برغم الأمل بالتغيير. وتكشف مناقشات المشاركين عن وعي متزايد بأهمّية الفصل بين الهويّة الدينيّة للمجتمع وطبيعة نظام الحكم. ويظهر هذا في نقاشهم حول التجربة التركية وكيفيّة الاستفادة منها مع مراعاة خصوصيّة الحالة السوريّة.
طبعاً، كعادة السوريّين، ركّز المشاركون على تصحيح خطأ مفاهيمي في الاستطلاع بخصوص توصيف النظام التركي. فتركيا تدير نظاماً علمانياً يحكمه حزب ذو توجهات مسلمة، ولا يصحّ وصفه بالنظام المسلم. هذا واقع معروف. لكن، تسأل الاستبانة عن توقّعات السوريّين، اعتماداً على آرائهم. بغضّ النظر عن المصطلحات السياسية الدقيقة. يعني {في ناس بسوريا بتقول إنها بدها دولة إسلامية متل تركيا} بالحرف. عموماً، السوريّون بالأغلبية متفائلين، وهذه أهمّ خلاصة خرجت بها الاستبانة.

ما بين قراءة التوقّعات وتتبّع الأمنيات
يختلف تحليل توقّعات الفرد والمجتمع عن تحليل آمالهما في جوانب عديدة متداخلة. إذ تُبنى التوقّعات على قراءة الواقع وتحليل المعطيات الحالية والمؤشّرات المستقبلية، فتعكس نظرة عقلانية تستند إلى الحقائق والأرقام والإحصاءات.
تتجه الآمال نحو مستقبل مثالي يطمح إليه الفرد والمجتمع، متجاوزة حدود الواقع وقيوده. ففي الآمال تتجلّى الرغبات العميقة والتطلّعات الإنسانية نحو حياة أفضل، متخطية العوائق المادية والظروف الراهنة. في حين، يرتبط تحليل التوقّعات بدراسة السلوك الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للأفراد والجماعات. على سبيل المثال، تتوقّع الدراسات الاجتماعية تغيّرات في أنماط الاستهلاك بناءً على المؤشّرات الاقتصادية. بالمقابل، تعكس الآمال الجماعية طموحات المجتمع في تحقيق العدالة الاجتماعية والرفاه المشترك.
يساعد فهم الفرق بين التوقّعات والآمال في رسم السياسات وتخطيط المشاريع التنموية. وتتطلّب دراسة التوقّعات منهجية علمية صارمة تعتمد على البيانات والتحليل الكمّي والنوعي. أمّا دراسة الآمال فتستدعي الإنصات إلى تطلّعات الناس وفهم احتياجاتهم النفسية والروحية والاجتماعية. وتؤثّر العوامل الثقافية والتراثية في تشكيل التوقّعات والآمال معاً. مع هذا، تبقى التوقّعات أكثر ارتباطاً بالسياق الزمني والمكاني المحدد، في حين تمتد الآمال عبر الأجيال وتتجاوز الحدود الجغرافية.
يهدف التخطيط الاجتماعي إلى قراءة التوقّعات بصورة أدقّ من الآمال، فالتوقّعات تستند على أرقام وحقائق ملموسة. وتتطلّب الظروف الاجتماعية والاقتصادية المتغيّرة مواكبة دقيقة للمؤشّرات والبيانات المستقبلية. على سبيل المثال، ترصد الدراسات الميدانية تغيرات في أنماط الاستهلاك والعمل والإنتاج، ممّا يساعد في رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية المناسبة.
تفرض الحياة العصرية المتسارعة تحدّيات كبيرة تستوجب تحليلاً موضوعيّاً للواقع. في المقابل، تبقى الآمال والطموحات مثالية وغير مقيّدة بحدود الزمان والمكان. ويؤدّي الاعتماد على قراءة الآمال دون النظر إلى التوقّعات العلميّة إلى اتّخاذ قرارات غير واقعية قد تضرّ بمصالح المجتمع.
يتطلّب العمل التنموي الناجح موازنة دقيقة بين التوقّعات والآمال. إذ تساعد التوقّعات المدروسة في تحديد الأولويّات وتوجيه الموارد بكفاءة. مع هذا، تبقى الآمال محرّكاً مهمّاً للتغيير والتطوير، فهي تعبّر عن تطلّعات الناس وطموحاتهم المشروعة. وتختلف التوقعات عن الآمال في منهجية التحليل والدراسة. فتتطلّب دراسة التوقّعات أدوات علميّة وإحصائيّة متطوّرة، في حين تعتمد دراسة الآمال على فهم المشاعر والتطلّعات الإنسانية. ويؤدّي الجمع بين المنهجين إلى فهم أعمق للواقع الاجتماعي وآفاق تطوره.

طموح السوري سياسياً
بعد سقوط نظام الأسد، عرضت على حسابي على فيٓسبوك في ١٤ خريطة ما يطمح إليه كل مواطن سوري من مشاريع سياسية، وسألت عن رغباتك. وهذه نتيجة التفاعل مع الخرائط.














تكشف الأرقام عن حقائق عميقة في الوعي السياسي السوري.
تتصدّر جمهورية ١٩٦٧ المشهد بنسبة قبول كاملة، مع مشاعر إيجابية مطلقة. يتبعها اتّحاد بلاد الشام بنسبة قبول ٩٨.٤٪، ثم الاتحاد العربي بنسبة ٩٧٪. تبرز في الطرف المقابل مشاريع نالت رفضاً شعبياً واسعاً. يتذيّل مشروع تقسيم سوريا القائمة بنسبة قبول متدنية لا تتجاوز ١٦.٧٪، مع نسبة رفض عالية، مع نسبة مشاعر إيجابية منخفضة بالقدر نفسه. يسبقه مشروع تركوسوريا بنسبة قبول ٣١.١٪، وكذلك نسبة رفض عالية.
تتراوح بقية المشاريع بين نسب قبول متوسّطة. تنال مملكة سوريا الهاشمية ٨٢.١٪، وسوريا البعث ٨١٪، وسوريا الكبرى ٦٧.٤٪. ونستخلص من هذه النتائج ثلاث حقائق جوهرية.
- تتجلّى الأولى في تعلّق السوريّين بالهوية العربيّة الجامعة، مع تفضيل واضح للمشاريع الوحدوية العربية.
- تظهر الثانية في رفضهم القاطع لأي مشروع تقسيمي أو تفتيتي.
- تتمثّل الثالثة في حنينهم لتجربة الجمهورية السورية قبل عام ١٩٦٧، باعتبارها نموذجاً مثالياً للدولة الوطنية المستقرّة.


تُنبئ هذه المؤشّرات عن وعي سياسي ناضج يجمع بين الواقعية والطموح. إذ يتمسّك السوريّون بوحدة أرضهم ودولتهم، مع تطلّعهم لآفاق أرحب من التكامل العروبيّ. وتعبّر هذه التوجّهات عن إرادة شعبية صلبة في بناء مستقبل يوازن بين الهويّة الوطنيّة السوريّة والانتماء العربيّ الأوسع. وإذا حدثت انتخابات ديمقراطية في سوريا، فإنّ أي سياسي يخالف هذه الطموحات، لن ينال إلّا الغضب الشعبي.
قبل أربع سنوات نشرت على فيٓسبوك خريطة لسوريا مقسّمة حَسَبَ المناطق الثقافية التي رسمها الأستاذ مايكل مھرداد ئیزەدی، ونالت الخريطة استهجاناً واعتراضات مختلفة. لكن، تركّزت أغلبيّة الآراء الرافضة على الاعتراض على فكرة تقسيم سوريا بحدّ ذاتها، بغضّ النظر عن شكل ومنطق التقسيم. وهذه غيريّة على بلد عربيّ يخشى الخائفون عليه أن يكون في التقسيم إضعاف للوجود العربي في البلد.

سوريا، هذا البلد المتنوّع؛ وحيث أنّ التنوّع هو أحد أكبر وأهمّ الموارد البشرية الكامنة فيه، عاش أغلب القرن الماضي محكوماً بأنظمة سياسية عسكرية ترى أنّ في هذا التنوّع مشكلة تحتاج إلى حل، وترى أنّ في هذا التنوّع إضعاف لمكانة سوريا وسط جيرانها. فلجأت هذه الأنظمة باستمرار لاستعمال منطق التفوّق العنصري والـ”مظلومية”، ما أنتج دولة عنصرية لا تعترف بحقوق ثقافية لسكّانها، وتفرض استنساخ شكل واحد فقط؛ اعتبرته المكوّن الأصلي للهوية الوطنية السورية.
هكذا باتت الهوية الوطنية السورية تعرّف السوريّ بالإنسان العربي المسلم السنّي من مواليد سوريا ولبنان، لأنّ السنّة أغلبيّة، ولأنّ سوريا بالأساس مقسومة عن دولة إسلامية سنّية. وارتبك السوريّون لاحقاً في تطبيق هذه الهوية حتّى اعتُبر المواطن المخالف لصفاتها عدوّاً لها ومخالفاً للهوية الوطنية الجامعة ولا يستحقّ أن يُقبل سوريّاً في بلده. وصار السوريّ ينظر لغيره السوريّ ضيفاً أجنبيّاً وافداً من مكان ما، وليس سوريّاً بأصالة.
- وصار السوريّ العربي يستغرب سوريّة السوريّ غير العربي.
- وصار السوريّ المسلم يستغرب سوريّة السوريّ غير المسلم.
- وصار السوريّ السنّي يستغرب سوريّة السوريّ غير السنّي.
هكذا صارت سوريا دولة عصبيّة تقوم على العنصر. فصارت العناصر المرفوضة لا ترى حلّاً لأزمة هويّتها غير الانفصال عن هذه الدولة والاستقلال في دولة عصبيّة تخصّ عنصرها.
وبرأيي أيّ دولة عصبيّة لا تنجح إلا بالتقسيم، سواء أكان العنصر قومياً أو دينياً. إذ يبقى العنصر المتفوّق فيها ظالماً للعناصر الأقلية. وعلى النقيض من دولة العصبيّة العنصرية تنجح في العالم نماذج كثيرة لدولة المواطنة العادلة، حيث يعيش كلّ سكّان البلد محكومين بنظام مواطنة لا يفضّل عنصراً على آخر، ولا يرتّب المواطنين طبقات بناء على صفاتهم ومعتقداتهم… فالهوية الوطنية في دولة المواطنة العادلة هي احترام قانون البلد وعدم التسبب بالضرر لبقية المواطنين.
هكذا ببساطة من دون تحديد صفات عنصرية. لا إثنية ولا قومية ولا دينية. اقرأ في عشر دقائق تدوينتي {دولة المواطنة العادلة}.
يحلم السوريّون بوطن يتّسع للجميع، يعانق فيه كل مواطن أخاه دون خوف أو تردّد. تجمعهم الأرض التي نبتوا فيها وترعرعوا على ترابها. يدركون أنّ اختلافهم يزيد وطنهم جمالاً وقوّة. ويرفضون كل محاولات تقسيم أرضهم أو تفتيت شعبهم.
يتطلّعون إلى دولة تحترم حقوق مواطنيها وتصون كرامتهم. ويؤمنون بقدرتهم على تجاوز جراح الماضي وبناء مستقبل مشرق. تكمن حكمتهم في إدراكهم أنّ قوّتهم في وحدتهم، وأنّ نجاحهم في تعاونهم، وأنّ سعادتهم في تآخيهم.





اترك رد