يُطلق على هذا المنتج اسم “اللّبن” و “الروب” في منطقة الشام. أما في اللّغة العربية الفصحى، فيُعرف باسم “الرَّوب” أو “اللّبن الرائب”. وفي بعض المشرق العربي، يُسمى “الرايب”. في حين يُعرف في المغرب العربي باسم “الخاثر”. وفي مصر ومنطقة وادي النيل عمومًا، يُطلق عليه اسم “زبادي”. ويرجع هذا الاسم إلى عادة تقديمه في أواني الزبادي على الموائد، فأصبح يُعرف بـ “لبن الزبادي”.
في اللّغة العثمانية، عُرف باسم “يوغورت”، وهو مشتق من الكلمة التركية “يوغُرت”. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا المصطلح مُستمد من الفعل الصُغدي “يوغُن”، الذي يعني “تكثيف” أو “تسميك”. وعلى هذا، فإنّ المعنى الضمني لهذا المصطلح هو “حليب سميك”.
في القرن الثامن الميلادي سجّلها الفراهيدي في كتاب العين تراجم مصطلحات أسماء منتجات الألبان، نفهم منها:
اللّبن هو خلاصة الجسد، مستخلص من بين الفرث والدم. وهو السائل الأبيض الذي تنتجه الحيوانات اللّبونة. بالإضافة إلى أنّ لبن الشجر خلاصته.
الحليب هو اللّبن الطازج المحلوب من الحيوان. ويقال “لبن حليب” أو “حلب”.
اللّبن الرائب (المُرَوَّب) هو اللّبن الذي تكثّفت مكوّناته بالتخمّر وأصبح أكثر حموضة وسماكة.
الروبة بقية صغيرة من اللّبن الرائب تُحفظ في وعاء خاص. تُستخدم لتسريع عمليّة تخثّر اللّبن الجديد عند إضافته إليها.
الأقط هو الناتج عن طبخ مخيض اللّبن الحليب، دون المصل. أي أنّه جبن المخيض.
الخاثر هو السائل الناتج أو المتبقّي عن سحب الزبدة من اللّبن الحليب.
وممّا أعرفه من أسماء الألبان القديمة:
- في الفينيقية اللّبن الحليب حلب 𐤇𐤋𐤁
- في السومرية، الحليب واللّبن قَ أو قَه 𒂵 وكان اللّفظ بالقاف المجلجلة گيم
- في الأگّدية، اللّبن الحليب شِزبُ 𒅆𒍢𒁍 واللّبن الرائب إيمشُ 𒂗𒍮
- في المصرية القديمة، اللّبن الحليب إرطت 𓇋𓂋𓏏𓏏 واللّبن الرائب سخپت 𓋴𓐍𓊪𓏏
- في الآرامية، اللّبن الحليب حلب أو حلبه חלבא واللّبن الرائب قوطا קותא
- في السريانية نفس الأسماء الآرامية بلحن سريانية، حلباء ܚܠܒܐ و قوطاء ܩܘܬܐ
تاريخياً، يُعتقد أنّ أساس اللّبن الرائب هو حليب الخيل. انتشر هذا النوع في معظم أنحاء قارة آسيا (المعروفة بدول الحليب) وشمال أفريقيا منذ حوالي 4500 سنة. لاحقاً، بدأ إنتاج اللّبن الرائب من حليب الماعز، وانتشر هذا النوع في منطقة الشرق الأوسط والبلقان خلال العصرين الهيليني والروماني. في النهاية، طور الأوروبيون الغربيون طريقة لإنتاج اللّبن الرائب من حليب البقر، وهو النوع الأكثر انتشاراً عالمياً اليوم.
وصل اللّبن الرائب إلى أوروبا الغربية عن طريق البعثات الدبلوماسية العثمانية في القرن السادس عشر. في البداية، استخدم في فرنسا كدواء لعلاج الإسهال فقط، قبل أن يصبح طعاماً عادياً واكتشاف طريقة إنتاجه من حليب البقر.
برغم ذلك، لا تزال مناطق واسعة من العالم لا تستهلك اللّبن الرائب الحيواني حتى يومنا هذا. في المقابل، تعرف هذه المناطق منذ آلاف السنين اللّبن الرائب النباتي المصنوع من حليب جوز الهند، مثل الهند والصين اللّتين تشكّلان حالياً ثلث سكّان العالم. ويرجع سبب ذلك إلى عوامل دينية.
بالإضافة إلى ذلك، يعدّ اللّبن الرائب المنتج الوحيد من منتجات الحليب الذي لا يحتوي على اللاكتوز، إذ يتحول معظم اللاكتوز في أثناء عملية التخثير إلى حمض اللاكتيك. عمومًا، يساعد اللّبن الرائب قليل الدسم على تخفيف الوزن بسبب غناه بالكلسيوم، كما يساهم في تخفيض ضغط الدم.
لا يزال المنغول ودول وسط آسيا يستهلكون حليب الخيل حتى اليوم. كان اللّبن الرائب الغذاء الرئيس في منطقة وسط آسيا في أثناء انتشار الديانة الأرواحية (الشامانية) نظراً للونه الأبيض. استمر كغذاء رئيس في تركستان بعد ظهور الإسلام، وامتدّت أهميته إلى عموم المناطق الروسية والهند أيضاً.
أما في إندونيسيا وعموم جنوب شرق آسيا (باستثناء الصين)، فينتشر لبن حليب الجاموس. كان هذا النوع من اللّبن الرائب معروفاً في سوريا بمنطقة سهل الغاب حتى خمسينيات القرن العشرين. كذلك، يُعرف لبن الجاموس في مصر وينتشر في الصعيد ومناطق النوبة.

في مطلع القرن العشرين، تحديداً عام 1905، ابتكر المواطن العثماني إسحق كرسّو Isaac Carasso طريقة التخثير الصناعي للبن. على إثر ذلك، أسس شركة دانون Groupe Danone، التي أصبحت اليوم من كبرى الشركات العالمية في صناعة الألبان. إن اختراع كرسّو هو السبب وراء توفر اللّبن الرائب في جميع المتاجر اليوم، وله الفضل في سهولة وجود هذه المادة الغذائية على موائدنا يومياً.
ولد إسحق كرسّو بن منويل عام 1874 في مدينة سلانيك (الواقعة حالياً في اليونان). كانت المدينة آنذاك ذات طابع تركي يهودي خلال العهد العثماني، نتيجة لتوافد يهود الأندلس السفرديم إليها بعد طردهم من إسبانيا حوالي عام 1500.
عمل كرسّو طبيب مختص في الجهاز الهضمي، واستخدم اللّبن الرائب دواء لأمراض المعدة. درس صحة وطول أعمار الفلاحين البلغار، واعتقد أن اللّبن الرائب هو السبب وراء صحتهم الجيدة. لذلك، قرّر نشر ثقافة استهلاك اللّبن الرائب في الدولة العثمانية أولاً ثم في أوروبا، وعمل على تطوير تصنيع هذه المادة الغذائية.
بعد الحرب العالمية الأولى، انتقل كرسّو لاجئ إلى مدينة برشلونة الكتالونية عام 1919، معتبراً ذلك عودة إلى الوطن حسب تعبيره. أسّس هناك مصنعاً صغيراً أسماه “دنّونه” Danone نسبة إلى اسم الدلع لابنه دانيال. لاحقاً، وبعد أزمة سياسية في إسبانيا، نقل كرسّو المصنع إلى باريس عام 1929. توفى بعدها بعشر سنوات في عام 1939. في عام 1942، أسّس ابنه دانيال مصنعاً في مدينة نيويورك في الولايات المتّحدة الأمريكية باسم “دانون” Dannon.
اليوم، تعتبر معظم التقنيات المستخدمة عالمياً في تصنيع اللبن وتجارته من ابتكارات شركة دانون. تمتلك الشركة الحصة الأكبر من سوق الألبان في العالم، حتى في الدول التي لا تتوفر فيها منتجات دانون، وذلك بسبب حقّها في أجور استخدام براءات الاختراع.

ممّا وجدت بالتنقيب أنّ تخمير اللّبن الحليب من أقدم طرق حفظ الأغذية التي عرفها الإنسان. ومع ذلك، من الصعب تحديد تاريخ دقيق لأول تسجيل لعملية تخمير الحليب، نظراً لقدم هذه الممارسة.
يعتقد الآثاريون أن تخمير الحليب بدأ مع بداية تدجين الحيوانات وقبل ممارسة الزراعة، والتي حدثت قبل حوالي 10,000 إلى 12,000 سنة. ومع ذلك، فإن أقدم الأدلّة المادّية الملموسة على إنتاج منتجات الألبان المخمّرة تعود إلى فترة أحدث من ذلك.
هناك أدلّة تشير إلى أنّ أهل العراق والخليج العربي خمّروا اللّبن الحليب في العهد السومري. وكانت ازدهرت الثقافة السومرية في بلاد ما بين النهرين (العراق الحالي) من حوالي 4500 إلى 1900 قبل الميلاد. وكان أهل المنطقة من أوائل الحضارات التي مارست تربية الماشية على نطاق واسع، ممّا وفر لهم إمكانية الحصول على الحليب بكمّيّات كبيرة.
عُثر على نصوص مسمارية تشير إلى استخدام الحليب ومنتجات الألبان في الحياة اليومية والشعائر الدينية. وهناك إشارات في النصوص السومرية إلى منتجات مثل الزبدة واللّبن الرائب، ممّا يدلّ على معرفتهم بتقنيّات تخمير الحليب. واستخدم أهل المنطقة منتجات الألبان المخمّرة في الطعام وكذلك في الطبّ.
مع أنّ التفاصيل الدقيقة لتقنيّات التخمير من العهد السومري غير معروفة بالكامل، إلا أن الأدلّة تشير إلى أنّهم طوّروا طرقاً للحفاظ على الحليب وتحويله إلى منتجات قابلة للتخزين.
في وادي النيل، تشير الأدلّة بقوّة إلى ممارسة تخمير الحليب وصناعة الأجبان في مصر القديمة منذ فترة مبكرة جداً. إذ اكتشف الآثاريّون بقايا جبن في أوعية فخارية داخل مقابر مصرية قديمة يعود تاريخها إلى حوالي 3000 قبل الميلاد. هذا يدلّ على تقدير صناعة المصريّين القدماء للجبن.
تحتوي جدران المعابد والمقابر على نقوش تصوّر عمليّات حلب الماشية وتصنيع منتجات الألبان. يرجع تاريخ بعض هذه النقوش إلى عصر الدولة القديمة (حوالي 2686-2181 قبل الميلاد). وتحتوي بعض البرديات والنقوش الصوَريّة (الهيروگليفية) على إشارات لاستخدام الحليب ومنتجات الألبان في الحياة اليومية والشعائر الدينية.
عثر الباحثون كذلك على أوعية فخّارية مثقّبة يُعتقد أنّها خدمت في صناعة الجبن. تسمح هذه الأوعية بتصفية مصل اللّبن من الجبن المتخثر. كما أعلن علماء الآثار في عام 2018 عن اكتشاف ما يُرجّح أنّه أقدم جبن صلب في العالم، في مقبرة بمنطقة سقّارة في مصر. يرجع تاريخ هذا الجبن إلى حوالي 3200 عام.
شكّل الحليب ومنتجات الألبان جزءاً مهمّاً من النظام الغذائي المصري القديم. كما استخدمها المصريون في القرابين للآلهة وجزء من الطعام الجنائزي. ورغم غياب الوصفات المفصّلة، تشير الأدلّة إلى تطوير المصريّين القدماء لتقنيّات متقدّمة في تخمير الحليب وصناعة مجموعة متنوّعة من منتجات الألبان. وتؤكّد هذه الأدلة على رسوخ ممارسات تخمير الحليب وصناعة الأجبان في مصر القديمة منذ فترة مبكرة جدّاً، ودورها المهم في الحياة اليوميّة والثقافة المصرية القديمة.
ومن الأدلّة الأثرية القديمة على استخدام منتجات الألبان في هذا العالم:
- اكتشاف بقايا دهون الحليب على أواني فخّارية في شمال أفريقيا، يعود تاريخها إلى حوالي 7,000 سنة قبل الميلاد.
- أدلّة على إنتاج الجبن في پولاندا تعود إلى حوالي 5,500 سنة قبل الميلاد.
- اكتشافات في آسيا الوسطى تشير إلى استهلاك الحليب المخمر (مثل الكفير أو اللّبن الرائب) منذ حوالي 3,500 سنة قبل الميلاد.
من المهم ملاحظة أن هذه التواريخ تمثل الأدلة الأثرية المكتشفة حتى الآن، وقد تتغيّر مع اكتشافات جديدة.
في ختام هذا البحث عن تاريخ اللبن الرائب وأهميته الثقافية والغذائية، يتضح لنا أن هذا المنتج الغذائي يحمل إرثًا تاريخيًا عميقًا يمتد آلاف السنين. من الحضارات القديمة في بلاد ما بين النهرين ووادي النيل إلى العصر الحديث، شكّل اللبن الرائب جزءًا أساسيًا من النظام الغذائي والثقافي للعديد من المجتمعات.
إن تنوع أسماء اللبن الرائب ومشتقاته في مختلف اللغات والثقافات يعكس أهميته العالمية وتكيفه مع الاحتياجات المحلية. وتطور صناعة اللبن الرائب من ممارسة منزلية بسيطة إلى صناعة عالمية ضخمة يُبرز قدرة الإنسان على الابتكار والتطوير. إن إسهام إسحق كرسو في تصنيع اللبن الرائب على نطاق واسع بواسطة شركة دانون يمثل نقطة تحول في تاريخ هذا المنتج، مما جعله متاحًا على نطاق عالمي.
الأهمية الغذائية والصحية للبن الرائب، بما في ذلك سهولة هضمه وفوائده للجهاز الهضمي وقدرته على المساعدة في تخفيف الوزن وخفض ضغط الدم، تؤكد على أهميته المستمرة في النظام الغذائي الحديث.
في النهاية، يبقى اللبن الرائب شاهدًا على التفاعل المستمر بين الثقافة والغذاء والعلم. إنه يجسد قصة الإنسان في سعيه الدائم لتطوير طرق حفظ الطعام وتحسين نوعية غذائه. ومع استمرار البحث العلمي والاكتشافات الأثرية، من المرجح أن نكتشف المزيد عن تاريخ هذا المنتج الغذائي الفريد وأهميته في تشكيل المجتمعات البشرية عبر العصور.
مراجع
- الفراهيدي، الخليل بن أحمد. (1980). كتاب العين. تحقيق: مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي. بغداد: دار الرشيد للنشر.
- Tamime, A. Y., & Robinson, R. K. (2007). Tamime and Robinson’s Yoghurt: Science and Technology (3rd ed.). Cambridge: Woodhead Publishing.
- Kindstedt, P. S. (2012). Cheese and Culture: A History of Cheese and its Place in Western Civilization. White River Junction: Chelsea Green Publishing.
- Salque, M., Bogucki, P. I., Pyzel, J., Sobkowiak-Tabaka, I., Grygiel, R., Szmyt, M., & Evershed, R. P. (2013). Earliest evidence for cheese making in the sixth millennium BC in northern Europe. Nature, 493(7433), 522-525.
- El-Gendy, S. M. (1983). Fermented foods of Egypt and the Middle East. Journal of Food Protection, 46(4), 358-367.
- Hutkins, R. W. (2006). Microbiology and Technology of Fermented Foods. Oxford: Blackwell Publishing.
- Brothwell, D., & Brothwell, P. (1998). Food in Antiquity: A Survey of the Diet of Early Peoples. Baltimore: Johns Hopkins University Press.
- McGee, H. (2004). On Food and Cooking: The Science and Lore of the Kitchen. New York: Scribner.
- Fox, P. F., Guinee, T. P., Cogan, T. M., & McSweeney, P. L. H. (2017). Fundamentals of Cheese Science (2nd ed.). New York: Springer.
- Kurmann, J. A., Rasic, J. L., & Kroger, M. (1992). Encyclopedia of Fermented Fresh Milk Products: An International Inventory of Fermented Milk, Cream, Buttermilk, Whey, and Related Products. New York: Van Nostrand Reinhold.
- Shurtleff, W., & Aoyagi, A. (2012). History of Yogurt and Yogurt Products (1000 BCE to 2013). Lafayette: Soyinfo Center.
- Farnworth, E. R. (2008). Handbook of Fermented Functional Foods (2nd ed.). Boca Raton: CRC Press.
- Ozen, A. E., & Kilic, M. (2009). Improvement of Physical Properties of Yogurt by Use of Whey Protein Concentrate. Journal of Food Science, 74(4), M131-M135.
- Metchnikoff, E. (1908). The Prolongation of Life: Optimistic Studies. New York: G. P. Putnam’s Sons.
- Fisberg, M., & Machado, R. (2015). History of yogurt and current patterns of consumption. Nutrition Reviews, 73(suppl_1), 4-7.





اترك رد