تمهيد
تفتقر الأدلّة التاريخية إلى ما يُشير استخدام النجمة السباعية كرمز بارز في التراث العربي قبل الإسلام أو في حضارات بلاد الرافدين واليمن القديمة قبل توثيق استخدامها في القبالة البابلية.
انتشرت الرموز النجمية في هذه الحضارات (خاصّةً النجوم ذات الخمس والست والثمان نِقَاط)، وحمل الرَّقَم سبعة أهمّيةً كبيرةً، لكن تغيب الأدلّة الجوهرية التي تُثبت استخدام النجمة السباعية تحديداً أو تمتّعها بأهمّيةٍ دينيةٍ أو سياسيةٍ خاصّة في هذه السياقات قبل تقاليد القبالة والإسلام.
يبدو استخدام النجمة السباعية لاحقاً في السياق الإسلامي، خصوصاً في علم الأرْدُنّ حيث ترمز إلى الآيات السبع في سورة الفاتحة، تطوّراً حديثاً نسبياً، واكب الإسلام الوسيط، وليس امتداداً لتقاليد عربية سبقت الإسلام.
مفهوم النجمة السباعية
تشكّل النجمة السباعية شكلاً هندسياً فريداً يتألّف من سبعة رؤوس، وتُرسم عادةً بسبع خطوط مستقيمة متّصلة. تتّخذ هذه النجمة صورتين أساسيّتين منتظمتين: هپتاگرام {٧/٢} وهپتاگرام {٧/٣}، وتشير الأرقام داخل الأقواس إلى عدد الخطوات بين النِّقَاط المتّصلة ببعضها.
تميّزت النجمة السباعية بكونها أصغر مضلّع نجمي استطاع البشر رسمه بصورتين متميّزتين بصفة كسور غير قابلة للاختزال، ممّا أضفى عليها خصوصيّة هندسية فريدة عبر تاريخ الرياضيات والفنون.

الدلالات الدينية
تراث القبالة
تتجذّر النجمة السباعية تاريخياً في التراث القبالي اليهودي البابلي العريق، وارتبطت ارتباطاً وثيقاً بمفهوم “نتزاخ” الروحاني وكوكب الزهرة (كوكب عشتار). عبّرت هذه الرمزية عن معاني الحبّ العميق والعطف اللّامحدود في الممارسات الروحانية القديمة، وأصبحت جزءاً أساسيّاً من شعائر الحماية والبركة في هذا التراث الصوفي النهريني الغني.
التراث المسيحي
اعتمد المسيحيّون الأوائل النجمة السباعية رمزاً مقدّساً يحمل دلالات متعدّدة. إذ رمزت النجمة في التراث المسيحي إلى الكمال الإلهي والصفات الربّانية السامية. كما جسّدت أيضاً مراحل الخلق السبعة المذكورة في الكتاب المقدّس، وأضحت رمزاً تقليديّاً يستخدمه المؤمنون لطرد الأرواح الشريرة والحماية من قُوَى الظلام. وطورت الطوائف المسيحية المختلفة تفسيرات متنوّعة لهذا الرمز، ودمجته في فنونها وعماراتها الكنسية على مر العصور.
التراث الإسلامي
احتلّت النجمة السباعية مكانة خاصة في التراث الإسلامي، وحملت دلالات روحانية عميقة. إذ ارتبطت النجمة بشكل مباشر بالآيات السبع الأولى من القرآن الكريم (سورة الفاتحة)، وعدّها العلماء المسلمون رمزاً للكمال الرباني. كما أظهرت شعائر الطواف السبعة حول الكعبة المشرّفة في مكّة المكرّمة قدسية العدد سبعة في الإسلام.
استخدم الفنّانون المسلمون الهپتاگرام كعنصر زخرفي يرمز للآيات السبع الأولى في القرآن الكريم، ودمجوه في الفنون الإسلامية المختلفة من خطّ وزخرفة وعمارة. وآمن المسلمون بوجود سبع سماوات متتالية تعلو بعضها فوق بعض، وذكرت هذه السماوات السبع في العديد من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، ممّا عزّز مكانة هذا العدد في الوعي الإسلامي.

تُرُث دينية متنوّعة
امتدّت أهمّية العدد سبعة والنجمة السباعية إلى ترث دينية عالمية أخرى. مثلاً، آمن الهندوس بوجود سبعة مستويات للجنّة ومثلها للجحيم، ممّا أضفى على العدد سبعة قدسية خاصة. كما روت النصوص البوذية قصّة خطوات بوذا السبع بعد استيقاظه الروحاني، وبذلك صار العدد سبعة جزءاً من التراث البوذي المقدّس.
رمزية النجمة في العلم الأُرْدُنّيّ
برز التوظيف السياسي للنجمة السباعية بشكل واضح وجلي في العلم الأُرْدُنّيّ الوطني، إذ بعد أن اعترف البريطانيون بالأمير عبدالله، نجل الشريف حسين، حاكماً على إمارة شرق الأُرْدُن، أضاف النجمة السباعية البيضاء على المثلث الأحمر في العلم ليميزه عن بقية أعلام الثورة العربية. وأضافت المملكة الأردنية الهاشمية النجمة السباعية البيضاء إلى علم الثورة العربية الأصلي، وأصبحت هذه النجمة رمزاً وطنيّاً مميّزاً.

حملت النجمة السباعية الأردنية تفسيرات رمزية متعدّدة ومتداخلة:
- استندت النجمة السباعية في أشهر تفسيراتها إلى الآيات السبع الكريمة من سورة الفاتحة، فاتحة الكتاب الكريم، ممّا ربط الرمز الوطني بالهوية الإسلامية للمملكة.
- ارتبطت رؤوس النجمة السبعة بالمناطق التاريخية لبلاد الشام من وجهة النظر الهاشمية (حلب، دمشق، بيروت، لبنان، فلسطين، شرق الأرْدُنّ، ودير الزور)، وأظهرت بذلك الامتداد التاريخي والجغرافي للمنطقة.
- رمزت النِّقَاط السبع في تفسير آخر إلى قيم أساسيّة شكّلت هُوِيَّة المملكة: الإنسانية، التواضع، الفضيلة، الروح الوطنية، الإيمان باللّه الواحد الأحد، الطموح، والعدالة الاجتماعية.
في سياقات سياسية وتراثية عالمية
انتشرت النجمة السباعية خارج نطاق العالم العربي، وظهرت في سياقات سياسية وتراثية متنوّعة حول العالم:
اعتمدت أستراليَا في علمها الوطني خمس نجمات سباعية ونجمة خماسية واحدة، لتمثل كوكبة الصليب الجنوبي ونجمة الكومنولث، مما أضفى بعداً فلكياً على رمزية العلم.
احتوى علم بيننگتون، إحدى الأعلام الأمريكية التاريخية المهمّة، على ثلاثة عشرة نجمة سباعية، بالإضافة إلى الرقمين “٧٦” في زاوية العلم، إشارةً إلى تاريخ استقلال الولايات المتحدة الأمريكية.
تضمّنت بعض النسخ القديمة من شعار النبالة الجورجي، بما فيها شعار جمهورية جورجيا السوفيتية الاشتراكية، الهپتاگرام كعنصر زخرفي أساسي، ممّا يؤكد انتشار هذا الرمز في التراث السلاڤي أيضاً.
اختارت قبائل الشيروكي الأميركية النجمة السباعية لتزيين أعلامها المختلفة، كما استخدمتها شرطة قبيلة النافاگو على شاراتها الرسمية، ممّا أظهر أهمّيتها في التراث الأمريكي.

تحمل النجمة السباعية أبعاداً دينية عميقة عبر تُرُث متعدّدة، وبرزت بشكل خاص في التراث الإسلامي رمز للآيات السبع من سورة الفاتحة. كما تألّق استخدامها السياسي في العالم العربي على العلم الأُرْدُنّيّ، حيث جمعت بين الدلالات الدينية والتاريخية. وشكلت النجمة السباعية جسراً يربط بين الرمزية الدينية والهوية الوطنية، وأصبحت عنصراً محوريّاً لفهم نِقَاط التقاطع بين الدين والسياسة في المنطقة العربية. واستمرّت هذه النجمة في التأثير على الفنون والرموز الوطنية حتى عصرنا الحاضر، وتركت بصمتها على التراث البصري للعديد من الشعوب حول العالم.
مراجع
- الفاروقي، إسماعيل راجي. (2002). أطلس الحضارة الإسلامية. مكتبة العبيكان للنشر.
- عكاشة، ثروت. (2010). القيم الجمالية في العمارة الإسلامية. دار الشروق للنشر والتوزيع.
- بوركهارت، تيتوس. (2013). الفن الإسلامي: لغة وتعبير. ترجمة سعيد الغانمي. المنظمة العربية للترجمة.
- إلسعيد، عصام، وعايشة بارمان. (2016). الأنماط الهندسية في الفن الإسلامي. دار الساقي للنشر.
- دسوقي، محمد. (2020). الرموز الدينية والثقافية في أعلام الدول العربية. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
- المجالي، عبد الله. (2018). العلم الأردني: تاريخه ورمزيته. دار وائل للنشر.
- نصر، سيد حسين. (2007). الفن والمعنويات الإسلامية. ترجمة هالة أبو علي. مكتبة الشروق الدولية.
- الكحلاوي، محمد. (2011). الزخارف الإسلامية: الهندسة والرمزية. مكتبة الأنجلو المصرية.
- شولتز، مارتن. (2019). الرموز المقدسة في الديانات السماوية. ترجمة سامي الدروبي. دار المدى للثقافة والنشر.
- كريسويل، ك. أ. (2014). العمارة الإسلامية المبكرة. ترجمة عبد الوهاب علوب. المجمع الثقافي، أبوظبي.
- الجبوري، يحيى. (2013). رمزية الأعداد في التراث الإسلامي. دار الكتب العلمية.
- سعيد، أمين. (2019). الرموز الوطنية في بلاد الشام: دراسة تاريخية وتحليلية. المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
- غليون، عمر. (2017). الهندسة المقدسة: دراسة في الفن الإسلامي. مركز دراسات الوحدة العربية.
- الهنداوي، حسن. (2015). رموز وشعارات: دراسات في علم السيميائيات العربية. دار الفكر العربي.
- العابد، صالح. (2012). علم الأعلام العربية: التاريخ والدلالات. جامعة الملك سعود للنشر.





اترك رد