علّمتني الحياة مع مرض منيير أن عليّ الاستمتاع اليوم قدر ما أستطيع، قبل أن يأتي الغد.
الحياة مع منيير هي نوع من الإغاظة والمجاكرة. إذ عليّ أن أمتنع عن الملح والسكّر والكافيين! لأتفادى ألم الأذنين والصداع وانسداداً يمنع السمع. وتراجع السمع يعني الحرمان من الموسيقى وصعوبة النوم بسبب ضغط المخدّة اللّطيفة على أذن منزعجة! هل تصدّق أنّ منيير قادر على تحويل ألطف مراحل الحياة إلى تعذيب مؤلم يوقظك من أسعد أحلامك؟

كيف أمتنع عن الملح ومتعتي في الحياة هي دلو من البوشار المالح مع فيلم ممتع؟ لكن، كيف أسمع أصوات الفيلم إذا سدّت أذنيّ رشّة الملح تلك؟
كيف أمتنع عن السكّر؟ هل في الحياة حياة بلا حلويّات؟ بلا نشويّات؟ بلا عصائر ومشروبات؟ في زمننا، حتى الهواء مرشوش بالسكّر.
كيف أمتنع عن الكافيين؟ من يقدر على الامتناع عن الكافيين؟ وطفولتنا ومراحل اليفوع تعوّدنا أنّ مراحل الاستمتاع بمفاصل اليوم منصوبة على الشاي والقهوة والشوكولا والكثير غيرها من المشروبات الثرية بالكافيّين… فكيف أعلن لنفسي أنني أستمتع بهذا المساء دون رشفات قهوة أو شاي أسود؟

وفوق كلّ هذا ولأتفادى موجات استنفار الجهاز اللّمفاوي ونوبات الألم والترنّح والسُكر غير المقصود، عليّ أن أكسر وجباتي إلى عدد أكبر من الوجبات الأصغر… وأنا ملول أملّ صرف الوقت على صحن وملعقة وشوكة.
رفضت الانصياع لمحاذير منيير اللّئيم، لكنّ هذا لا يمرّ بلا عواقب. مع كلّ فنجان قهوة أعرف أن العاقبة ألم، وسرقة ارتياح وغم. لكنّ أقصى الاستمتاع بفنجان القهوة قبل انتهائه هو الأهم، طالما أعرف أنّ التالي نقيض المتعة، وسالب لها. وسيأخذ منّي كلّ ما منحنه فنجان القهوة وأكثر.

منحني منيير حقّ الاختيار بين صنفين من المتعة، أحدهما سيقتل الآخر… أن أختار الاستمتاع بالموسيقى يعني قتل الأبايض والكافيين. وأن أختار الاستمتاع بالموالح والحلويات وفنجان شاي عطر، يعني قتل كلّ شيء آخر.
سأقتل شيئاً منّي بكلّ حال، مهما فعلت ومهما تحاشيت، لذا عليّ الاستمتاع باللّحظة قدر ما أستطيع، عليّ امتلاك اليوم قبل الغد. فغداً آت بكلّ حال، وسأحتاج تلك الطاقة لاحتمال آلامه.
أنا، ذلك السجين الذي وضعوا أمامه قطعة من أطيب وأجمل الكعكات على الإطلاق، ثمّ أخبروه أنّها مسمومة؛ سيموت متى انتهى من أكلها، وسيُقتل إذا رفض أكلها. فقرّر الاستمتاع بطعم كلّ نقطة من كلّ قضمة من تلك الكعكة المسمومة.






اترك رداً على مؤنس بخاريإلغاء الرد