تمهيد
بين النقد البنّاء والواقعية السياسية
أثار تقرير رويترز الاستقصائي الأخير حول {إعادة هيكلة الاقتصاد السوري سرّاً تحت إشراف حازم الشرع، شقيق الرئيس أحمد الشرع}، جدلاً واسعاً حول طبيعة الإجراءات الاقتصادية التي تتّخذها الحكومة الانتقالية في دمشق. التقرير، الذي كتبه محرّرون سوريّون، يحمل في طيّاته نبرة نقدية واضحة، لكنّه يكشف في الوقت ذاته عن حقائق مهمّة حول طبيعة التحوّلات الاقتصادية الجارية.
الحقيقة أنّ سوريا اليوم تواجه معضلة اقتصادية معقّدة لا تحتمل مثالية النظرة أو الحلول الجاهزة. أربعة عشر عاماً من الحرب دمّرت اقتصاداً انكمش بأكثر من ٥٠٪ منذ ٢٠١٠، ودفعت ثلثيّ السكّان تحت خطّ الفقر، فيما تراجع نصيب الفرد من الدخل القومي إلى ٨٣٠ دولاراً فقط. هذا الواقع المأساوي يستدعي تدخّلاً سريعاً وحاسماً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وليس نقاشات أكاديمية مطوّلة حول الأساليب المثلى.

التقرير من إنجاز تيمور أزهري وفراس دالاتي
تيمور أزهري صحفي ألماني من أصول سورية يتمتّع بخبرة أكثر من ثمان سنوات في تغطية أحداث الشرق الأوسط، عمل سابقاً مراسلاً في بيروت لموقع الجزيرة الإنگليزي، وهو حاليّاً رئيس مكتب العراق لرويترز. يصنَّف تيمور من التيّار الإيراني في رويترز، وقد ينظر بريبة شديدة لأي تعاون سوري مع الولايات المتّحدة، ويفسّره “تطبيع” أو “خيانة للقضية العربية”. تأثّر بالخط التحريري للجزيرة: التي تبنّت مواقف ملتبسة من محور إيران-حزب الله في سوريا برغم ادّعائها دعم الثورات العربية.
فراس دالاتي صحفي استقصائي سوري مقيم في دبي، يعمل محرّر عربي مساعد في شبكة الصحافة الاستقصائية العالمية GIJN، ومحلّل متخصّص في السياسات الإقليمية. معارض لنظام الأسد. لكنّه كذلك ذو موقف متشكّك من الحكومة الجديدة فهو غير راض عن النزعة الإسلامية للحكومة الجديدة، ولا عن تحسّن العلاقات بتركيا والسعودية وقطر، ولا عن التعاون مع القوى الغربية والإقليمية.
هذا يدلّ على تحيّز محتمل في التقرير بسبب رؤية “المؤامرة الخارجية” في التعاون الاقتصادي مع الغرب شكل من أشكال “الهيمنة الاستعمارية الجديدة”. هذا يعني اعتبار الاستثمارات الأجنبية والإصلاحات الاقتصادية مؤامرة لـ”نهب ثروات سوريا”. إذ أنّ آراءهم السياسية تُظهر تفضيل العزلة على الاندماج والميل نحو رؤية تفضّل بقاء سوريا بعيدة عن المحور الأمريكي-الإسرائيلي.
لهذا نرى من تقريرهم التركيز على “الفساد الاقتصادي” و”الصفقات المشبوهة” وسيلة لانتقاد الحكومة الجديدة بشكل غير مباشر، دون التصريح بالمعارضة السياسية لتوجّهاتها الخارجية الجديدة.
كلا الصحفيّين يحملان تحيّزات أيديولوجية قد تؤثّر على موضوعية تقريرهما:
- أزهري: تحيّز ضدّ إسرائيل وريبة من التعاون مع الغرب في مقابل الميل للمحور الإيراني.
- دالاتي: تشكّك من الحكومة الجديدة بسبب الخوف من الأسلمة.
هذا لا ينفي وجود مشاكل حقيقية في الاقتصاد السوري، لكنّه يتطلّب قراءة نقدية للتقرير مع الأخذ في الاعتبار التحيّزات المحتملة للكاتبين.

الخيارات المحدودة والضرورات العملية
الانتقادات الموجّهة للحكومة الجديدة تتجاهل حقيقة أساسية: البلد كان أمام خيارين لا ثالث لهما بعد سقوط نظام الأسد. إما ترك المليارات التي نهبتها عصابة الأسد من أموال الشعب مفتوحة للتهريب والاختفاء كما حدث في ليبيا والعراق، أو التحرّك فوراً لوضع اليد على هذه الثروات بطريقة عقلانية تحفظ هيبة الدولة وتفتح باباً للعدالة المالية.
كان القضاء آنذاك لا يزال تابعاً للنظام المنهار، وكانت مجرّد الدعوة لمحاكمة رجال الأعمال الفاسدين ستصبح مهزلة حقيقية، وربّما فرصة ذهبية لهروبهم قانونيّاً عبر شبكاتهم السابقة. اختار الرئيس أحمد الشرع أقرب الناس الذين يثق بهم، وهو شقيقه حازم الشرع، والآخرين ممّن نجحوا في إدارة اقتصاد شحيح ومحاصر في إدلب خلال سنوات الحرب.
البراگماتية السياسية مقابل الشيطنة الإعلامية
التعامل مع رجال الأعمال السابقين بعقود وتسويات مشروطة، بدلاً من الاستيلاء والانتقام، يمثّل قمّة الذكاء والبراگماتية الاقتصادية والسياسية. لو شاهد أيّ مستثمر أجنبي أنّ سوريا الجديدة تصادر الشركات وتسجن أصحابها دون محاكم نزيهة، لأدار ظهره وهرب من اللّحظة الأولى. ما حصل هو العكس تماماً: رسالة واضحة للعالم مفادها أنّ البلد يفتح صفحة جديدة، ويستعيد أموال الشعب دون الغرق في شهوة الانتقام من أناس كانوا أحجار شطرنج وواجهات للأسد.
ما تسمّيه رويترز “تنازلاً مقابل الحصانة” هو في الواقع اتّفاق دولة تستردّ ما يمكن استرداده دون تخريب من الداخل. هل كان الأفضل اختطاف الشركات وحرق الوثائق وسفك دماء رجال الأعمال؟ أم إعادة الأموال ومنح أصحابها فرصة البقاء ضمن القانون الجديد بشروط وطنية؟
الرقابة الدولية والواقعية الجيوسياسية
ما يحدث في سوريا اليوم – ولا يزال يحدث – يجري تحت أعين أجهزة العالم: من الولايات المتّحدة إلى تركيا إلى السعودية. كل شيء يجري بوضوح وتحت رقابة إقليمية ودولية هادئة ومدروسة. رفع العقوبات الأمريكية والأوروپية تدريجيّاً، والدعم السعودي والتركي المتزايد، يؤكّد أنّ المجتمع الدولي يراقب التطوّرات من كثب ويقيّمها إيجابيّاً.
لن تتورّط السعودية بكل ثقلها المالي مع حكومة ظل أو مافيات، والمبالغ المطروحة للاستثمار تفوق ما يملكه أصغر تاجر سعودي. يمثّل الصندوق السيادي السوري الذي بدأ يتشكّل الخطوة الأذكى والأهمّ في تاريخ الاقتصاد السوري الحديث، وهو على الأرجح اقتراح سعودي مباشر من محمد بن سلمان مستوحى من تجربة صندوق الاستثمارات العامة السعودي الذي غيّر وجه الاقتصاد السعودي.
نحو فهم أعمق للاقتصاد الانتقالي
ما حدث في سوريا بعد السقوط لم يكن “مافيا جديدة” كما يصوّرها المهووسون بنظريّات المؤامرة، بل إدارة انتقالية سريعة لعشرات المليارات من الدولارات، في وقت كانت فيه البلاد مهدّدة بالفراغ المالي والانهيار التام. تصرّفت الحكومة كما ينبغي لأيّ دولة عاقلة أن تتصرّف بسرعة لا وقت فيها للمثالية، ولا بيئة للعدالة الكاملة، ولا مؤسّسات جاهزة لمحاكمة كل فاسد فوراً.
يستدعي هذا السياق دراسة علمية معمّقة لاقتصاد ما بعد الحرب، بعيداً عن الشيطنة والنظريّات التآمرية والموسيقى التصويرية الدرامية. تقدّم التجارب الدولية الناجحة في إدارة الاقتصادات الانتقالية أدوات تحليلية قيّمة لفهم التحدّيات السورية الراهنة وآفاق المستقبل. وسنحتاج إلى نظرة شاملة تجمع بين الواقعية السياسية والطموح التنموي، وتستفيد من التجارب العالمية في إدارة صناديق الثروة السيادية والتحوّلات الاقتصادية الكبرى.

في الاقتصاد السوري الجديد والتحدّيات الانتقالية
تشكّل إعادة الإعمار الاقتصادي بعد النزاعات واحداً من أعقد التحدّيات في التنمية الدولية، والحاجة ماسّة إلى مقاربات متطوّرة لإدارة الأصول وإعادة بناء المؤسّسات وتحقيق النموّ المستدام.
يفحص هذا التحليل الشامل الأطر المثبتة لإدارة الاقتصاد بعد النزاعات ونماذج صناديق الثروة السيادية الناجحة، مستنداً إلى بحوث واسعة حول البلدان التي نجحت في اجتياز تحوّلات مماثلة. تؤكّد الأدلّة أنّ استراتيجيّات إدارة الأصول المنظّمة بشكل جيد، مقترنة بالتعاون الدولي وأطر الحكم الشفّافة، قادرة على تحويل الاقتصادات المدمّرة إلى أنظمة مزدهرة ومتنوّعة خلال جيل واحد.

الأسس النظرية لإدارة الأصول بعد النزاعات
يوفّر {الإطار المُحدَّث للبنك الدولي ذو المراحل الخمس لإعادة الإعمار بعد النزاعات} الهيكل الأساسي للتحوّلات الاقتصادية الناجحة. تؤكّد هذه المقاربة على المشاركة المبكّرة والحفاظ الاستراتيجي على الأصول والبناء المنهجي للمؤسّسات أعمدة أساسية للتعافي. تجسّد رواندا مثالاً رائعاً للتحوّل، حيث انتقلت من إجمالي ناتج محلّي للفرد قدره ١٥٢ دولاراً في عام ١٩٩٤ إلى أكثر من ٤٥٠٠ دولار بحلول ٢٠٢٣، ممّا يدلّ على كيف يمكن للتطبيق المنهجي لهذه المبادئ تحقيق نتائج لم يسبق لها مثيل.
تركّز المبادئ الاقتصادية الكامنة وراء التحوّلات الناجحة على التنسيق بين الأقاليم والتأثيرات العامّة للتوازن والاستجابات السلوكية لحوافز السياسة. تُظهر إصلاحات الـدوي موي الڤيتنامية كيف يمكن للنماذج الهجينة الاشتراكية السوقية الحفاظ على الاستقرار السياسي واحتضان آليّات السوق، محقّقة نموّاً مستداماً بنسبة ٦-٧٪ من إجمالي الناتج المحلّي على مدى ثلاث عقود. توضح هذه الحالات أنّ الاقتصادات بعد النزاعات تستفيد أكثر من المقاربات البراگماتية التي تعطي الأولوية للتعافي الاقتصادي على النقاء الأيديولوجي.
تدرك النظرية الحديثة لما بعد النزاع أنّ السياسة الاقتصادية الكلّية قادرة على منع تكرار النزاع المسلّح بفعّالية. بحوث صندوق النقد الدولي تشير إلى أنّ كل دولار يُستثمر في الوقاية يوفّر ما بين ٢٦-١٠٣ دولاراً من تكاليف النزاع، فيما تقلّل المواقف المالية السليمة وتحسّن قدرة الدولة من مخاطر النزاع بشكل كبير. هذه الأدلّة تدعم استراتيجيّات إدارة الأصول الشاملة التي تعطي الأولوية للاستقرار طويل المدى على المكاسب قصيرة المدى.
نماذج صناديق الثروة السيادية وتأثيرها التحويلي
تبرهن أنجح صناديق الثروة السيادية في العالم على مسارات واضحة لتحويل الموارد الطبيعية والأصول الاستراتيجية إلى محرّكات تنمية مستدامة. يمثّل صندوق الاستثمارات العامّة السعودي المثال الأحدث الأكثر أهمّيّة، حيث نما من ١٦٠ مليار دولار في ٢٠١٦ إلى ١.١٥ تريليون دولار بحلول ٢٠٢٤، بزيادة قدرها ٣٩٠٪ دعمت مباشرة أهداف رؤية ٢٠٣٠ للتنويع الاقتصادي.

المقاربة السعودية التحويلية
تأثير صندوق الاستثمارات العامّة يتجاوز بكثير العوائد المالية. أوجد الصندوق ١.١ مليون وظيفة، وأسّس ٩٣ شركة عبر ١٣ قطاعاً استراتيجيّاً، واجتذب ٣٧.٣٣ مليار دولار من الاستثمارات الخاصّة بين ٢٠٢١-٢٠٢٤. يبرهن هذا النموذج كيف يمكن للثروة السيادية أن تعمل محفّز للتنمية ومثبّت مالي، محقّقة ٤٨٪ محتوى محلّي عبر المشاريع مع الحفاظ على نسبة دين محافظة قدرها ١٣٪ من الأصول.
تجمع المقاربة الاستراتيجية للصندوق بين التنمية المحلّية (٤٠٪ من الاستثمارات) والتنويع الدولي (٦٠٪)، مركّزة على قطاعات السياحة والتعدين والتكنولوجيا واللّوجستيات. حقّقت هذه المحفظة المتوازنة ٦.٩ مليار دولار أرباح صافية لعام ٢٠٢٤ فيما دفعت حصّة الناتج المحلّي الإجمالي غير النفطي في السعودية إلى ٥١٪.

النموذج النرويجي المركّز على الاستقرار
يوفّر صندوق المعاشات الحكومي النرويجي العالمي بقيمة ١.٩ تريليون دولار المعيار الذهبي لإدارة الثروة الشفّافة والمستدامة. تجسّد قاعدة السحب السنوي المحافظة للصندوق بنسبة ٣٪ ومحفظته المتنوّعة عبر ٨٦٥٩ شركة في ٧١ دولة كيف يمكن تحويل ثروة الموارد إلى أصول وطنية دائمة. حقّق عائد الصندوق بنسبة ١٣.١٪ في ٢٠٢٤ ٢.٥ تريليون كرونة نرويجية أرباح، ممّا يبرهن قوّة الإدارة المهنية والتركيز طويل المدى.
ينبع نجاح النرويج من الفصل الصارم بين إدارة الصندوق واتّخاذ القرارات السياسية، والتقارير السنوية الشفّافة، والالتزام بالمبادئ التوجيهية للاستثمار الأخلاقي. مكَّن هيكل الحكم هذا من الأداء الإيجابي المستمرّ عبر عقود مع تجنّب “لعنة الموارد” التي ابتليت بها دول كثيرة غنية بالنفط.

تميّز سنغافورة في النظام المزدوج للصناديق
يعرض النموذج المشترك لشركة جي آي سي وتيماسك في سنغافورة كيف يمكن لصناديق الثروة السيادية المتكاملة خدمة وظائف اقتصادية مختلفة. تستهدف مقاربة جي آي سي المحافظة والمتنوّعة عالميّاً آفاقاً استثمارية مدّتها ٢٠ عاماً، محقّقة عوائد حقيقية قدرها ٣.٩٪ على مدى عقدين مع الحفاظ على أصول بقيمة ٧٤٤-٨٠٠ مليار دولار. تيماسك تعمل بشكل أكثر جرأة بأصول قدرها ٢٨٨ مليار دولار، محقّقة عوائد متوقّعة أعلى عبر استثمارات الأسهم الخاصّة والأسواق الناشئة.
يشكّل الصندوقان معاً ثاني أكبر مصدر تمويل للموازنة في سنغافورة، ممّا يمكّن دولة المدينة من الحفاظ على مرونة اقتصادية مع استثمار في التقنيات الناشئة والبنية التحتية. يبرهن النموذج كيف تقدر الإدارة المهنية للصناديق على دعم الاحتياجات الاقتصادية الفورية والتنمية الاستراتيجية طويلة المدى.

أطر التكامل الإقليمي والتعاون الدولي
تعتمد إعادة الإعمار الناجحة بعد النزاعات دائماً على الشراكات الإقليمية الاستراتيجية والتعاون الدولي. توضح التطوّرات الأخيرة في التحوّل الاقتصادي السوري كيف يمكن لرفع العقوبات والاستثمار الإقليمي والدعم متعدّد الأطراف خلق ظروف للتعافي.
استراتيجيات مجلس التعاون الخليجي للاستثمار
تمتلك دول الخليج مزايا فريدة لإعادة الإعمار بعد النزاعات: موارد مالية كبيرة ونفوذ دبلوماسي وخبرة تقنية متكاملة. اتّفاقية الإمارات بقيمة ٨٠٠ مليون دولار لتطوير ميناء طرطوس ومناقشات السعودية حول شراكات الطاقة والتكنولوجيا والرعاية الصحّية تبرهن كيف يمكن لرأس المال الخليجي تحفيز التحوّل الاقتصادي الأوسع.
تتطلّب تكاليف إعادة الإعمار الإجمالية المقدّرة بين ٢٥٠-٤٠٠ مليار دولار على مدى العقد المقبل آليّات تمويل دولية منسّقة. تمثّل صناديق الثروة السيادية الخليجية، بأصول مجمّعة تتجاوز تريليوني دولار، مصادر تمويل حاسمة عند هيكلتها وإدارتها بشكل صحيح.
نموذج التكامل الاقتصادي التركي
يقدّم موقع تركيا الاستراتيجي دروساً قيّمة للتكامل الاقتصادي الإقليمي. ازدادت الصادرات التركية بنسبة ٣١.٢٪ في الربع الأول من ٢٠٢٥، ممّا يبرهن كيف يمكن للقرب الجغرافي والقدرة الصناعية دعم جهود إعادة الإعمار. تجربة تركيا في استضافة ٣.٥ مليون لاجئ مع الحفاظ على إنفاق قدره ٤٠ مليار دولار ذات الصلة توضح التحدّيات والفرص في إدارة الاقتصاد بعد النزاع.
في سوريا يخلق الجمع بين القدرة التركية على التنفيذ والتمويل الخليجي تناغماً قويّاً لمشاريع إعادة الإعمار. نجاح تركيا في الطاقة المتجدّدة – توليد ٤٣٪ من الكهرباء من مصادر متجدّدة في ٢٠٢٣ – يوفّر مخطّطات لإعادة إعمار الطاقة المستدامة القادرة على تحويل الأسس الاقتصادية.

تقييم المخاطر وتحليل المسارات البديلة
تنطوي إدارة الأصول بعد النزاع على مقايضات متأصّلة بين احتياجات الاستقرار الفوري وأهداف التنمية طويلة المدى. نجاح رواندا في تحقيق نموّ سنوي متوسّط قدره ٨.٦٪ تطلّب انتشاراً استراتيجياً للمساعدات مركّزاً على رأس المال البشري والبنية التحتية والأنشطة الاقتصادية عالية العائد بدلاً من دعم الاستهلاك واسع النطاق.
نقاشات الخصخصة مقابل السيطرة الحكومية
الاختيار بين الخصخصة السريعة والتحرير التدريجي للسوق يمثّل قراراً سياسيّاً حاسماً. مقاربة ڤييتنام في الحفاظ على السيطرة الحكومية في القطاعات الاستراتيجية مع تحرير أخرى حقّقت نتائج رائعة، لكنّ التوازن الأمثل يعتمد على القدرة المؤسّسية والظروف الاقتصادية المحدّدة.
يبرهن تعافي البوسنة كيف يمكن للتنسيق الدولي الشامل دعم التحوّلات الناجحة. إجمالي الناتج المحلّي للبلد تضاعف ثلاث مرّات على مدى ثلاث عقود من الشراكة مع البنك الدولي، مع زيادة الصادرات عشرة أضعاف عبر الاستثمار المشترك في البنية التحتية وتنمية القطاع الخاص وإصلاحات الإدارة المالية العامة.
آليّات استرداد الأصول والشفافية
يوفّر إطار اتّفاقية الأمم المتّحدة لمكافحة الفساد منهجيّات مثبتة لاسترداد الأصول في أثناء التحوّلات. سهّلت العملية ثلاثية المراحل للتحديد والتجميد والاسترداد نجاحات كبيرة تشمل استرداد نيجيريا ٣٢١ مليون دولار وإعادة أصول ماركوس بقيمة مليار دولار للفلپين.
تقلّل إدارة الأصول الشفّافة التوتّرات السياسية مع تعظيم الفوائد الاقتصادية. مكّنت التقارير الشفّافة والمبادئ التوجيهية الأخلاقية في النرويج الدعم العام المستمرّ لعمليّات صندوق الثروة، فيما المقاربات السرية غالباً ما تولد جدلاً وتقلّل الفعّالية.

الآراء الدولية والاعتبارات الدبلوماسية
إدارة {اقتصاد بعد النزاع} تحدث ضمن بيئات سياسية دولية معقّدة تؤثّر بشكل كبير على النتائج. رفع العقوبات الشاملة في أيّار مايو ٢٠٢٥ أزال الحواجز الاستثمارية الأساسية، ممّا مكّن الوصول إلى الأنظمة المصرفية الدولية والعلاقات التجارية الطبيعية.
الإجماع الإقليمي على أهمّية الاستقرار يخلق ظروفاً مواتية للدعم الدولي المستمر. الجمع بين رفع العقوبات والتزام الاستثمار الإقليمي والقدرات الدولية المتكاملة يوفّر أسساً للتعافي المحتمل عند اقترانه بالسياسات المحلّية المناسبة.
مشاركة المؤسّسات متعدّدة الأطراف
زيارة طاقم صندوق النقد الدولي الأولى إلى دمشق في ١٦ عاماً تمثّل تقدّماً كبيراً في التكامل الاقتصادي الدولي. أكّد مسؤولو صندوق النقد الدولي حاجة سوريا لـ”مساعدة دولية كبيرة” تشمل الدعم المالي التساهلي وتطوير القدرات الواسع، ممّا يظهر المقاربات المعيارية لإعادة الإعمار بعد النزاع.
تبرهن تجربة البنك الدولي عبر بيئات متعدّدة بعد النزاع أهمّية المشاركة المبكّرة والمستمرّة. يرتبط التعافي الناجح بقوّة بالدعم الدولي الشامل والقابل للتكيّف الذي يتطوّر عبر عقود بدلاً من سنوات.

المسار المستقبلي وإمكانية الصندوق السيادي
تكشف الأدلّة من {الاقتصادات الناجحة بعد النزاع} عدّة عوامل نجاح حاسمة تنطبق بشكل واسع عبر سياقات مختلفة. تمثّل المشاركة الدولية المبكّرة والمستمرّة، وملكيّة الحكومة لعمليّات الإصلاح، والتنويع الاقتصادي ما وراء إعادة الإعمار، وتكامل الاستقرار الإقليمي أنماطاً متّسقة عبر الحالات الناجحة.
موقع سوريا الاستراتيجي على المتوسّط ومعدّل محو الأمية ٩٤٪ وموارد النفط والغاز المحتملة توفّر أسساً لتطوير الثروة السيادية حال تحقق الاستقرار السياسي. الجمع بين قدرة الاستثمار الإقليمي والتعاون الدولي ورأس المال البشري المحلّي يخلق ظروفاً مشابهة للتحوّلات الناجحة الأخرى.
تعيين أوّل محافظة للبنك المركزي السوري والعكس المنهجي لمصادرة الأصول المدفوعة سياسيّاً يمثّلان تحسينات مؤسّسية كبيرة تساير أفضل الممارسات الدولية. تبرهن هذه الإصلاحات التزاماً بالإدارة الاقتصادية الشفّافة والمهنية التي تبني الثقة بين الشركاء والمستثمرين الدوليّين.

في الختام: بين النقد والواقعية السياسية
يعيدنا هذا التحليل المعمّق إلى نقطة البداية: تقرير رويترز الذي أثار جدلاً حول {إعادة هيكلة الاقتصاد السوري سرّاً تحت إشراف حازم الشرع}. لكن بعد مراجعة التجارب الدولية الناجحة في إدارة الاقتصادات الانتقالية وتطوير صناديق الثروة السيادية، تتّضح الصورة بشكل مختلف تماماً.
ما عدّه التقرير “سرّية مشبوهة” يبدو في ضوء التجارب المقارنة تطبيقاً طبيعيّاً لمبادئ إدارة الأصول في بيئات ما بعد النزاع. السرعة في وضع اليد على الأصول التي انتقدها أزهري ودالاتي تحاكي تماماً ما فعلته رواندا وڤييتنام والبوسنة في المراحل الأولى من تحوّلها الاقتصادي. الفرق الوحيد أنّ سوريا تواجه تحدّيات أكبر بكثير: اقتصاد انكمش ٥٠٪، وثلثا السكّان تحت خطّ الفقر، وموروث فساد يقدّر بمليارات الدولارات.
التعاون مع رجال الأعمال السابقين عبر “تسويات مشروطة” – الذي فسّره التقرير “تنازلاً مقابل الحصانة” – يمثّل في الواقع قمّة البراگماتية الاقتصادية. نجح صندوق الاستثمارات العامّة السعودي لأنّه تعامل مع القطاع الخاص شريك وليس خصم، والنموذج النرويجي ازدهر لأنّه فصل بين الاعتبارات السياسية والإدارة الاقتصادية المهنية. تتّبع الحكومة السورية الجديدة المسار ذاته بدلاً من السقوط في فخّ الانتقام الذي دمّر العراق وليبيا.
أمّا “الرقابة الدولية الهادئة” التي أشرنا إليها فتؤكّدها الوقائع على الأرض: رفع العقوبات الأمريكية والأوروپية، والاستثمارات الخليجية المتزايدة، وزيارة طاقم صندوق النقد الدولي الأولى منذ ١٦ عاماً. هذا التطوّر لا يحدث لحكومة “مافيا” كما يوحي خطاب المشكّكين أزهري ودالاتي، بل لإدارة انتقالية أثبتت جدّيتها في تطبيق معايير الحكم الاقتصادي الدولية.
الصندوق السيادي السوري الناشئ – الذي تجاهله التقرير كلّيّاً – يمثّل الخطوة الأهمّ في تاريخ الاقتصاد السوري الحديث. تبرهن التجارب الناجحة من الرياض إلى سنغافورة أنّ الثروة السيادية المُدارة مهنيّاً قادرة على تحويل اقتصادات برمّتها خلال عقد واحد. سوريا تملك ما تحتاج إليه لهذا التحوّل: موقع استراتيجيّ، وموارد طبيعية، ومعدّل محو أمية ٩٤٪، والأهمّ من ذلك كلّه إرادة سياسية واضحة للتغيير.
في النهاية، التحدّي الحقيقي ليس “الفساد الاقتصادي” المزعوم في تقرير رويترز، بل قدرة المجتمع الدولي على دعم التحوّل الاقتصادي السوري بنفس الطريقة التي دعم بها التحوّلات الناجحة في رواندا والبوسنة وڤييتنام. الأسس موجودة، والأدوات متاحة، والنماذج مثبتة. ما نحتاج إليه الآن هو التخلّي عن شيطنة الخطوات البراگماتية الضرورية، والتركيز بدلاً من ذلك على ضمان شفافية هذه العمليّات ومحاسبتها وفقاً للمعايير الدولية.
سوريا اليوم أمام فرصة تاريخية لا تتكرّر كثيراً: تحويل الدمار إلى نهضة اقتصادية حقيقية. لن يعتمد النجاح على المثاليّة النظرية، بل على التطبيق الحكيم للدروس المستفادة من التجارب الدولية الناجحة في إدارة التحوّلات الاقتصادية الكبرى.
المصادر والمراجع
- The Development Path Less Traveled – IMF eLibrary
- How Sound Economic Policy Can Help Prevent Conflict – IMF
- Syria—IMF Staff Concludes Staff Visit to Damascus
- New World Bank Report Highlights Syria’s Economic Challenges and Recovery Prospects for 2025
- Saudi Arabia’s Vision 2030 enters final phase with strong momentum – Arab News
- Saudi PIF assets triple with 390% surge since 2016, 2030 target raised – Arab News
- Saudi Arabia’s PIF assets rise 18% to $1.15tn as portfolio firms drive growth – Arab News
- Annual report 2024 – Norges Bank Investment Management
- Annual white paper on the Government Pension Fund – Regjeringen
- The Government Pension Fund Global (GPFG) in Norway – Centre for Public Impact
- Global: largest SWFs funds by total assets 2024 – Statista
- FAQs – GIC
- UAE’s Mubadala emerges as top sovereign wealth fund spender in 2024, invests Dh107 billion – Khaleej Times
- Turkish companies expect more opportunities to support $500bn Syria reconstruction – The National
- How Gulf support could shape post-Assad Syria – New Arab
- Why Gulf states are rushing to shape Syria’s post-sanctions transition – The National
- Turkish firms see massive boost as they eye contracts for Syria’s reconstruction – The National
- Turkey’s energy hub ambitions have new momentum after Assad’s fall – Chatham House
- Economy at a Crossroads: The Social Protection Challenge in Syria – TIMEP
- US decision to lift sanctions on Syria: Here’s what you need to know – Al Jazeera
- Rebuilding Syria’s economy: Can stability return after war? – Al Jazeera
- Syrian Finance Ministry Lifts Precautionary Seizure Measures on 58,000 Citizens – Enab Baladi
- Rwanda: From Devastation to Services-First Transformation – Oxford Academic
- Thirty Years After Rwanda’s Genocide: Where the Country Stands Today – Council on Foreign Relations
- Three Requisites for Syria’s Reconstruction Process – Carnegie Endowment for International Peace
- Syria’s reconstruction sparks economic optimism in Turkey and Jordan – Calcali Tech
- Ranked: The Largest Sovereign Wealth Funds in the World – Visual Capitalist
- Uneven Progress on Sovereign Wealth Fund Transparency and Accountability – Peterson Institute
- Sovereign Wealth Funds and Liberalized Rules Are Driving the Growth of Middle Eastern Business Hubs – Skadden
- Türkiye expected to play pivotal role in Syria’s economic recovery – Daily Sabah
- del Castillo, Graciana (2008). “Rebuilding War-Torn States: The Challenge of Post-Conflict Economic Reconstruction” Oxford University Press
- Clark, Phil & Kaufman, Zachary D. (Eds.) (2013). “After Genocide: Transitional Justice, Post-Conflict Reconstruction, and Reconciliation in Rwanda and Beyond” Oxford University Press (Re-published)
- Fotak, Vesna, Gao, Wenlian, & Megginson, William L. (2018). “The state of research on sovereign wealth funds”. Journal of International Financial Markets, Institutions and Money
- Bahoo, Salman, Alon, Ilan, & Paltrinieri, Andrea (2020). “Sovereign wealth funds: Past, present and future”. International Review of Financial Analysis
- Megginson, William L., Malik, Asif I., & Zhou, Xin Yue (2023). “Sovereign wealth funds in the post-pandemic era”. Journal of International Business Studies
- Bernstein, Shai, Lerner, Josh, & Schoar, Antoinette (2013). “The investment strategies of sovereign wealth funds”. Journal of Economic Perspectives, 27(2), 219-238
- Aizeman, Joshua & Glick, Reuven (2008). “Sovereign Wealth Funds: Stylized Facts about their Determinants and Governance”. NBER Working Papers 14562, National Bureau of Economic Research
- Alhashel, Bader (2015). “Sovereign wealth funds: A literature review”. Journal of Economics and Business, 78, 1-13
- Bortolotti, Bernardo et al. (2015). “Sovereign wealth fund governance and national culture”. Journal of Corporate Finance, 33, 111-126
- Thompson, Shernnel (2022). “Sovereign wealth funds and economic growth”. Journal of Asset Management, 23(4), 286-304
- 41 Collier, Paul & Hoeffler, Anke (2002). “Aid, Policy, and Growth in Post-Conflict Societies”. World Bank Policy Research Working Paper No. 2902
- Addison, Tony & Murshed, S. Mansoob (2003). “Debt Relief and Civil War”. Journal of Peace Research, 40(2), 159–176
- Alvarez-Plata, Patricia & Brück, Tilman (2008). “External Debt in Post-Conflict Countries”. World Development, 36(3), 485-504
- Elbadawi, Ibrahim A., Kaltani, Linda, & Schmidt-Hebbel, Klaus (2008). “Foreign Aid, the Real Exchange Rate, and Economic Growth in the Aftermath of Civil Wars” The World Bank Economic Review, 22(1), 113-140
- Coyne, Christopher J. (2006). “Reconstructing Weak and Failed States: Foreign Intervention and the Nirvana Fallacy” Foreign Policy Analysis, 2(4), 343-360
- Berdal, Mats & Zaum, Dominik (Eds.) (2013). “Political Economy of Statebuilding: Power after Peace” Routledge Studies in Intervention and Statebuilding
- UNDP (2008). “Crisis Prevention and Recovery Report 2008: Post-Conflict Economic Recovery – Enabling Local Ingenuity”
- OECD (2020). “Economic Reconstruction in Post-Conflict Transitions”
- World Bank Independent Evaluation Group (2018). “Post-Conflict Reconstruction”
- ILO (2010). “Local Economic Recovery in Post-Conflict”
- Behuria, Pritish (2018). “Rwanda: From Devastation to Services-First Transformation” Oxford Academic – Industries without Smokestacks
- Gastreich, Kelsey (2021). “Post-Genocide Rwanda: A Unique Case of Political and Psycho-Social Peacebuilding” Beyond Intractability
- LSE (2002). “Collapse, War and Reconstruction in Rwanda” Crisis States Research Centre Working Paper
- Tzifakis, Nikolaos (2013). “Post-Conflict Economic Reconstruction” The Princeton Encyclopedia of Self-Determination
- Christophers, Brett (2014). “Sovereign Wealth Funds: Legitimacy, Governance, and Global Power” Journal of Economic Geography, 14(1), 226-227
- CEPR (2022). “The economics of post-war recoveries and reconstructions” Centre for Economic Policy Research
- IE University – Center for the Governance of Change (2024). “Sovereign Wealth Research”
- Peterson Institute for International Economics (2023). “Uneven Progress on Sovereign Wealth Fund Transparency and Accountability”
- Visual Capitalist (2024). “Ranked: The Largest Sovereign Wealth Funds in the World”
- Statista (2024). “Global: largest SWFs funds by total assets 2024”





اترك رد