في سنواتي الأولى في برلين بحثت كثيراً عن مطاعم ألمانية أصيلة للتعرّف إلى الطبيخ الألماني. وما خالف توقّعاتي أنّ هذا البحث كان أصعب بكثير ممّ توقّعت. أغلب مطاعم برلين لا تقدّم طبيخاً ألمانياً بالمطلق. وفرصة الحصول على وجبة ألمانية تقليدية أصعب من الندرة بذاتها.
في تلك الأيّام وقعت مصادفة على مطعم “بلدي” جدّاً بالقرن من محطّة Friedrichstraße الشهيرة وسط برلين. بالفعل طبيخ ألماني أصيل وتقليدي جدّاً. لكن، ما لقت انتباهي أكثر هو اسم المطعم Deponie Nr.3 وتذكّرت فوراً كلمة دبّونة السورية التي تشير إلى حوض سقاية الخيل.
وفي حين ظننتها مصادفة مضحكة طابقت الأصوات، جاء المعاني متطابقة تماماً. كلمة Deponie الألمانية تشير فعلاً كما شقيقتها السورية إلى “حوض سقاية الخيل”، فمن أين أتت التسمية؟ ولماذا اسم لمطعم؟ وكيف في وسط برلين!

هذه المصادفة عرّفتني بحقيقة طريقة ما عرفتها من قبل، أنّ شبكات ترام برلين الرائعة كانت قديماً وقبل اختراع المحرّك الكهربائي، تُجرّ بالخيول! واحتاجت هذه الخيول إلى محطّات تسقيها الماء وحملت بطبيعتها أرقاماً ومن هنا أتّت تسمية Deponie Nr.3 لمطعم سيرتنا.
في بداية القرن العشرين (وكما حدث في سوريا) تخلّت برلين عن الخيول لمصلحة الكهرباء، وتخلّت بالتالي عن محطّات سقاية الخيول، فباعتها للاستثمار متاجر ومطاعم وما إلى ذلك. فوُلد عن هذا التاريخ عام 1910 مطعم Deponie Nr.3 البرليني الأصيل، الذي أغلق أبوابه مع الأسف متأثّراً بكارثة كورونا، وخسرته برلين بعد خدمة أكثر من مئة سنة.
هذه القصّة دفعتني للبحث أكثر في الخطوط الحديدية المجرورة بالخيول، واكتشفت أنّ مدن الدولة العثمانية عرفت نفس الشبكات المجرورة بالخيول بتزامن ممتاز مع ألمانيا، ثمّ حوّلتها إلى الكهرباء كذلك في تزامن منافس للمدن الألمانية.

شبكة الحديد والخيول:
خريطة الترام العثماني
منتصف القرن 19 بدأ الدولة العثمانية بإنشاء شبكات النقل العام داخل المدن المحمولة على السكك الحديدية، والمجرورة بالخيول. ومن تلك المدن من عرفت عربات الطبقة الواحدة الطويلة، ومنها من عرفت العربات من طابقين. كل حصان كان يعمل حوالي 3 ساعات يوميّاً، واستهلكت خيول الترام كمّيّات هائلة من الماء والشوفان وتركت مخلّفات كبيرة.
أهمّ هذه المدن العثمانية كانت:
- القسطنطينية، اشتغل فيها ترام الخيل 45 سنة، 1869-1914 حين تحوّل إلى الكهرباء. بداية التشغيل: 3 أيلول سبتمبر 1869، التشغيل الرسمي 1871.
- سالونيك، اشتغل فيها ترام الخيل حتى 1907 حين تحوّل إلى الكهرباء.
- دمشق (الشام)، اشتغل فيها ترام الخيل حتى 1907 حين تحوّل إلى الكهرباء. بداية التشغيل: بين 1890-1895. ثمّ ألغاه حزب البعث سنة 1968.
- بغداد، رابع مدينة في ترتيب الحصول على الترام، مع مخطّطات للكهربة بعد 1930.
- إزمير (سميرنا)، تحوّل للكهرباء يوم 18 تشرين أوّل أكتوبر 1928.
- قونية، فترة التشغيل: 1906-1924/1925 (18-19 سنة).
- بيروت، افتُتح في 9 كانون ثاني يناير 1907 في عيد ميلاد السلطان العثماني، فترة التشغيل: نيسان أبريل 1908 – أيلول سبتمبر 1965، وتحوّل إلى الكهرباء في عهد الانتداب الفرنسي.
- طرابلس الشام، كانت الغاية الأساسية من شبكتها ربط الميناء بمحطة القطارات الدولية التي تربط طرابلس بحمص وحلب ودمشق.
- طرابلس ليبيا، ذُكرت في المراجع الفرنسية شبكة ترام تجرّها الخيول مع مخطّطات للكهربة، ولم أقدر على الوصول إلى تفاصيل أكثر.
ترتيب التطوير الزمني: ولايات إسطنبول (1869) ← سالونيك ← سوريا ← بغداد ← آيدين ← قونية (1906) ومعظم الشبكات أُنشئت أو جُهّزت من قبل البلجيكيّين.
فترات الاستبدال بالكهرباء:
- سالونيك ودمشق: 1907
- برلين: 1910
- إسطنبول: 1914
- إزمير: 1928
- قونية: استُبدلت بالحافلات 1924-1925

التوازي الحضاري:
برلين والقسطنطينية وجهاً لوجه
الآن لنقارن مع ألمانيا، واخترت منها العاصمة برلين:
بدأ تشغيل شبكة ترام الخيل في برلين في 22 حزيران يونيو 1865 … قبل القسطنطينية بخمس سنوات. وكان أوّل نظام ترام تجرّه الخيول في ألمانيا برمّتها. وآخر خطّ ترام تجرّه الخيول أُغلق في عام 1910 وتحوّل إلى الكهرباء.
مقارنة مع الإمبراطورية العثمانية:
- برلين: 45 سنة (1865-1910)
- القسطنطينية: 45 سنة (1869-1914)
- إزمير: حوالي 57 سنة (حتى 1928)
- قونية: 18-19 سنة (1906-1925)
- دمشق 12-17 سنة (1890/1895 – 1907)
وعلى هذا، فترة تشغيل الترام الذي تجرّه الخيول في برلين كانت مماثلة تقريباً لفترة تشغيله في القسطنطينية (كلاهما حوالي 45 سنة). وكانت كلا المدينتين تسيران بالتوازي الحضاري. في حين كانت برلين أفضل عواصم أوروپا وأكثرها تطوّراً على الإطلاق.
التطوّر التقني مرآة للتنافس الحضاري
تطرح هذه المقارنة تساؤلات جوهرية حول طبيعة التقدّم والتأخّر في القرن التاسع عشر. فالفجوة الزمنية الضئيلة بين تدشين هذه الأنظمة – أربع سنوات فقط بين برلين والقسطنطينية – تهدم الصورة النمطية عن تخلّف شرقي مقابل تفوّق غربي مطلق.
الأهمّ من ذلك أنّ التحوّل نحو الكهربة كشف عن ديناميكية مختلفة تماماً. فبينما احتاجت برلين 45 عاماً للانتقال من الخيول إلى الكهرباء، أنجزت دمشق وسالونيك هذا التحوّل في فترة أقصر بكثير. يشير هذا إلى أنّ المدن العثمانية لم تكن مجرّد مستهلك سلبي للتقنيات الأوروپية، بل كانت قادرة على تطويرها وتحديثها بوتيرة أسرع أحياناً من مراكز الابتكار الأصلية.

استراتيجيّات التطوير المتباينة
تكشف الأرقام عن اختلاف جوهري في فلسفة التطوير بين السياقين. اعتمدت المدن الألمانية نهج التطوّر التدريجي طويل المدى، في حين فضّلت المدن العثمانية القفزات التقنية السريعة. يظهر هذا الاختلاف ربّما ضرورات سياسية واقتصادية مختلفة: الحاجة العثمانية لمواكبة التطوّرات الأوروپية بسرعة مقابل الرفاهية الألمانية في التطوير التدريجي.
لكنّ هذا التحليل يواجه تعقيداً إضافياً عند النظر إلى مصائر هذه الأنظمة. ففي حين تطوّرت شبكات النقل الألمانية واستمرّت، اختفت معظم الشبكات العثمانية أو تدهورت. لا يرتبط هذا الاختلاف في المصير بالقدرة التقنية الأوّلية، بل بعوامل سياسية واقتصادية لاحقة شكّلت مسارات مختلفة للتنمية الحضرية.
الذاكرة المدينية والهوية التقنية
بقاء مطعم Deponie Nr.3 أكثر من قرن يطرح سؤالاً حول علاقة المدن بذاكرتها التقنية. برلين حافظت على آثار عصر الترام المجرور بالخيول جزء من هويّتها الحضرية، في حين محت معظم المدن العربية هذه الذاكرة تماماً. لم يكن هذا المحو تطوّراً طبيعيّاً، بل قراراً سياسيّاً عمد – كما حدث في دمشق عام 1968 عندما ألغى حزب البعث نظام الترام نهائياً.
تصبح المقارنة أكثر إيلاماً عند إدراك أنّ المدن العثمانية كانت رائدة في بعض الابتكارات التقنية. ترام بغداد وطرابلس ذو الطابقين يشهد على قدرة تقنية متقدّمة وفهم عميق لاحتياجات النقل الحضري. لكنّ هذا الإرث ضاع تحت وطأة اختيارات سياسية لاحقة فضّلت القطيعة مع الماضي العثماني بدلاً من البناء عليه.

عندما تصبح الكلمات شواهد حضارية
ربّما كانت المصادفة اللّغوية بين “دبّونة” و “Deponie” أكثر من مجرّد تطابق أصوات. فالكلمات تحمل في طيّاتها أحياناً شهادات حضارية صامتة، تحكي عن عوالم مشتركة انقطعت خيوطها مع الزمن.
عندما أتناول قهوتي اليوم في إحدى مقاهي برلين وهايديلبيرگ، وأشاهد ترام اليوم ينساب بهدوء في شوارع المدينة، أتساءل: كم من القصص المماثلة تحتفظ بها زوايا المدن دون أن ندري؟ وكم من الذكريات المشتركة نحملها في لغتنا دون أن نعي أنّها كانت يوماً واقعاً يربط بين عوالم متباعدة جغرافياً، متقاربة حضارياً؟
لعلّ أجمل ما في هذه القصّة أنّها تذكّرنا بأنّ التاريخ ليس مجرّد تواريخ وأرقام، بل حكايات صغيرة تختبئ في تفاصيل يوميّة بسيطة كما اسم مطعم أو كلمة عابرة. وأنّ هناك دائماً ما يستحقّ البحث والاكتشاف في هذا العالم المملوء بالمفاجآت.
آخر الأمر، تبقى “الدبّونة” شاهداً صامتاً على أنّ الحضارات تتلاقى في أغرب الأماكن وأبسط التفاصيل، حتّى لو لم ندرك ذلك إلّا بعد حين.
المراجع والمصادر
- مجموعة ماتسون الفوتوغرافية – مكتبة الكونغرس الأمريكية
Matson (G. Eric and Edith) Photograph Collection, Library of Congress
https://www.loc.gov/collections/g-eric-and-edith-matson-photographs/
تحتوي المجموعة على أكثر من 22,000 سلبية فوتوغرافية من الشرق الأوسط (1898-1946)
تتضمن صوراً موثقة لترام طرابلس لبنان المجرور بالبغال حوالي عام 1900 - دراسات النقل العام في الإمبراطورية العثمانية
“The Public Transportation in Istanbul during the Last Period of the Ottoman Empire”, International Istanbul Historical Peninsula Symposium 2013, Editor Nazli Ferah Akinci, Istanbul 2014, pp. 456-467
https://www.academia.edu/31624499/The_Public_Transportation_in_Istanbul_during_the_Last_Period_of_the_Ottoman_Empire - تاريخ ترام إسطنبول
Wikipedia: “Trams in Istanbul”
https://en.wikipedia.org/wiki/Trams_in_Istanbul
İETT – İstanbul Elektrik Tramvay ve Tünel İşletmeleri Genel Müdürlüğü
https://iett.istanbul/icerik/Nostalgic-Tramvay - تاريخ ترام برلين
Wikipedia: “Trams in Berlin”
https://en.wikipedia.org/wiki/Trams_in_Berlin
“150 years of trams in Berlin”, International Association for the History of Transport, Traffic and Mobility
https://t2m.org/newsletter/view-from-the-street/150-years-of-trams-in-berlin/
Marina Manoukian, “In Praise Of Berlin’s Tram Network”, Slow Travel Berlin
https://www.slowtravelberlin.com/in-praise-of-berlins-tram-network/ - ترام دمشق والإمبراطورية العثمانية
“The Damascus Tramway: A golden age in Syria’s modern history”, The New Arab, September 6, 2023
https://www.newarab.com/features/damascus-tramway-golden-age-syrias-modern-history
Wikipedia: “Syrian Railways”
https://en.wikipedia.org/wiki/Syrian_Railways - السكك الحديدية في لبنان وسوريا
Wikipedia: “Rail transport in Lebanon”
https://en.wikipedia.org/wiki/Rail_transport_in_Lebanon
Wikipedia: “Timeline of Ottoman Syria history”
https://en.wikipedia.org/wiki/Timelines_of_Ottoman_Syria_history - سكة حديد الحجاز
Wikipedia: “Hejaz railway”
https://en.wikipedia.org/wiki/Hejaz_railway
“Sultan Abdul Hamid II’s Hejaz railway legacy revived at Damascus international fair”, Türkiye Today, September 2, 2025
https://www.turkiyetoday.com/culture/sultan-abdul-hamid-iis-hejaz-railway-legacy-revived-at-damascus-international-fair-3206501 - تاريخ الترام العالمي
Wikipedia: “History of trams”
https://en.wikipedia.org/wiki/History_of_trams - مطعم Deponie Nr. 3 في برلين. الموقع الرسمي: Deponie №3 Restaurant https://deponie3.de/
TripAdvisor Reviews: “DEPONIE NO. 3, Berlin”
https://www.tripadvisor.com/Restaurant_Review-g187323-d1169829-Reviews-Deponie_No_3-Berlin.html - مصادر تركية متخصصة
“Istanbul’s First Means of Transportation: Horse-Drawn Trams”, RayHaber
https://raillynews.com/2013/01/istanbulun-ilk-ulasim-araci-atli-tramvaylar/





اترك رداً على samahaljundipfaffإلغاء الرد