في عالم لا يتخلّى فيه الحاضر عن ماضيه تروي حكاية آل عقّاد تفاصيل مجتمع متناغم متعاشق في كلّ التفاصيل. في هذه التدوينة أستند إلى دراسات جينيّة حديثة وأساطير عائليّة قديمة لنحاول فهم تطور آل عقّاد والتغيّرات التي مرّ بها توزيعهم الجغرافي على مرّ القرنين الأخيرين في الشرق الأوسط.
حقيقة، أنا لا أعلم ما هي القوى التي جمعت بين أفراد العائلة، وكذلك تلك التي دفعتهم نحو الانتشار والتأقلم مع المجتمعات المحلّية المتنوّعة. فلنمض في هذه الرحلة العاطفيّة التي تأخذنا بين طيّات تاريخ عائلة عريقة وثريّة من حيث الثقافة والنسب، لنكتشف كيف يتشابك مصير هذه العائلة المميّزة بخيوط التاريخ وأسرار الحياة.
هذا في الخارطة هو انتشار أغلب أقرباء آل عقّاد جينيّاً، من مواليد الفترة ما بين 1950 و 1975. الدائرة تمثّل التعداد، ومركزها هو تركيز الانتشار. ويمكن أن نلاحظ بسهولة أن أكبر تواجد هو في القاهرة ثمّ بيروت، ثمّ العقبة، ثمّ دمشق، ثمّ القدس، ثم الإسكندرية، ثمّ العشرات من مدن الجزيرة وحلب والشام وشمال مصر حتّى بني سويف جنوباً.

أمّي من آل عقّاد، المعروفين نوعاً ما في منطقة الشام، ومشهور عنهم الاشتغال في التجارة والدين، ما يعني أنّ دوراً لهم في السياسة كان سابقاً في عهد الديمقراطية في سوريَا. والحكاية التقليدية المتداولة داخل العائلة تقول أنّ آل عقّاد في الأصل من الحجاز، من المدينة المنوّرة، ويرتبطون نسباً بالخليفة عمر بن الخطّاب عبر ابنته التي تزوّجت من الأمير الأموي عمر بن عبد العزيز، وأنّ كنية العائلة في الأصل هي بيت المدني، قبل أن تتحوّل إلى عقّاد. وكنية بيت عقّاد هي كنية حِرفيّة نسبة لحِرفة صناعة الحرير، فالعقّاد هو صانع الحرير… هذا المتداول تقليديّاً داخل العائلة، فماذا يقول العلم؟
صور متنوّعة لمراحل صناعة الحرير وتفاصيل مهنة العقادة






قبل سنوات أجريت تحليل جينات باحثاً عن أقاربي حول العالم، ويرسل المركز لي تحديثات لنتائج التحليل في كلّ بضعة أشهر، تبعاً لتوسّع قاعدة بياناته. والحكاية المحتملة التي خلُص إليها مركز أنسيستري حتّى اليوم هي كالتالي:
- في النصف الثاني من القرن 18 كان أسلاف أمّي يعيشون في الموصل ودمشق والقدس وبيروت.
- في الربع الأوّل من القرن 19 انحسر أسلاف أمّي في الموصل وماردين فقط.
- في الربع الثاني من القرن 19 عاد انتشار أسلاف أمّي في ماردين ودمشق وصافيتا وطرابلس لبنان وصيدا والقدس والقاهرة… وكان التواجد الأعلى في دمشق.
- في الربع الثالث من القرن 19 صار ترتيب التعداد الأعلى يبدأ بالقدس، ثمّ ماردين، ثمّ بيروت، ثمّ أضنة، ثمّ دمشق، ثمّ أنطاكيّة، ثم الحميدية وهي منطقة على البحر ما بين سوريَا ولبنان.
- في الربع الأخير من القرن 19 توسّع الانتشار ليشمل عشرات المدن من جَنُوب تركيا المعاصرة وغرب سوريا ولبنان وفلسطين وشمال مصر. وأبرز المدن هي على الترتيب: القدس وبيروت ودمشق وماردين والإسكندرية وحلب وبورسعيد والقاهرة وأضنه.
- في الربع الأوّل من القرن 20 صار من أسلاف أمّي في بغداد والموصل والعقبة، وارتفع التعداد في حلب بالإضافة إلى كلّ المدن سابقة الذكر.
- في الربع الثاني من القرن 20 ارتفع تعداد أسلاف أمّي في القاهرة بشكل ملفت، سبق بيروت ودمشق، ولم يتفوّق على القدس.
- ثمّ الفترة الأخيرة التي تراها هنا في الخارطة أعلاه.
هذا كلّه احتمال، مبني على المعلومات المتاحة في قاعدة بيانات مركز أنسيستري، وفق نتائج تحاليل عشرات الآلاف من زبائن المركز، وقد تتغيّر هذه الحكاية مستقبلاً بنتائج جديدة. لكنّها تُظهر أوّلاً سَعَة وسهولة التنقّل والهجرة بين مدن المنطقة في القرنين الأخيرين من العهد العثماني، ويمكنّني تصوّر عدد العائلات الكثيرة المتوزّعة بيوتها في أرجاء الجزيرة والعراق وحلب والشام ومصر. والتي لا تعرف اليوم قراباتها.
في النهاية، تبقى حكاية آل عقّاد حكاية ملفتة ونموذجية للكثير من عائلات المنطقة، وتحمل في طيّاتها دروساً عن التاريخ والهويّة والانتماء. البحث الجيني يقدّم إضاءة جديدة على هذه القصة، لكن يمكن أن تتغيّر كلّ الحكاية مستقبلاً بناءً على نتائج جديدة ومعرفة أكبر. ولا يسعني هنا إلّا أن أشجّع أفراد العائلات وغيرهم من المهتمّين بالتاريخ والثقافة أن يتعرّفوا إلى جذورهم وقراباتهم المفقودة، فيستكشفون روابطهم بالماضي والمستقبل.
حكاية مثيرة لآل عقّاد، ولبذور أخوالي في الجزيرة، لا سيّما ماردين والموصل، فتحيّتي إلى أهلنا العرب جَنُوب تركيا.





اترك رداً على 3aynwowإلغاء الرد