تغسل اليوم جسدك وثيابك كلّ يوم بمركّبات كيميائيّة معقّدة، وتشتريها معبّأة في قوارير پلاستيكيّة ترهق كاهل الأرض. تلتهم هذه المنظّفات الصّناعيّة زيوت البشرة الطّبيعيّة وتخلّ بتوازنها الحمضيّ، ثمّ تتسرّب بصمت إلى الأنهار لتفتك بنظمها البيئيّة. وتُنفق مليارات الدّولارات سنويّاً بحثاً عن نظافة مصدرها مصانع الپتروكيماويّات، ويُغفل تماماً عن حلول جذريّة تنبت مجّاناً على حوافّ الطّرقات.
هُجرت كيمياء الطّبيعة الآمنة، لا لخلل فيها أو لنقص في كفاءتها، بل لحدث تاريخيّ طارئ صاغ مسار الاستهلاك البشريّ وفقاً لمصالح ضيّقة. لذا، يغوص هذا المقال في جذور هذه المشكلة، ليكشف كيف استطاعت أزمة صناعيّة إبّان حرب عالميّة أن تمحو معرفة بشريّة عريقة، وتفرض دفع أثمان باهظة لمنتجات كيميائيّة، متجاهلة نبتة واحدة قادرة على صنع فارق حقيقيّ.

مقدّمة
ينمو نبات برّيّ في كلّ سياج نباتيّ في شمال العربية وإيران وتركيا وأوروپّا، وعلى حواف طرقات أمريكا الشماليّة، وفي كلّ حديقة مررت بها يوماً ربّما دون التوقّف عندها. ويؤدّي غلي جذور هذا النبات مدّة 15 دقيقة إلى تحويل الماء لرغوة كثيفة أنقى من أيّ مركّب صناعيّ. وينظّف هذا النبات الصوف محافظاً على زيوته الطبيعيّة، ويزيل الدهون من البشرة تاركاً توازنها الحمضيّ درعاً واقياً من العدوى.
هذا نبات يُغني عن المصانع، والپتروكيماويّات، والأغلفة الپلاستيكيّة. إذ كمنت كيمياء الطبيعة هنا طويلاً، تنمو بصمت بانتظار قطافها، إلى أن تغيّر العالم سنة 1917 إثر نفاد الدهون من ألمانيا.

الجذور التاريخيّة والانتشار الجغرافيّ
الصّابونيّة المخزنيّة
ينمو نبات {الصّابونيّة المخزنيّة} (سَاپُونَارِيَا أُفِيسِينَالِس sāpōnāria officinalis) برّيّاً في مناطق الشّرق الأوسط، ويشمل نطاقه الأصليّ كُلّاً من سوريّا، ولبنان، وتُركيّا، وإيران. وينتشر هذا النّبات المُعمّر في البيئات المُعتدلة، ويألف النّموّ في الأماكن الرّطبة والباردة، وعلى حوافّ الطّرقات، وبالقرب من الجداول المائيّة.
تعود أصول هذا النّبات إجمالاً إلى أوراسيا، ويمتدّ وجوده الطّبيعيّ من أوروپّا وصولاً إلى غرب آسيا وسيبيريا. ويزدهر النّبات في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسّط والمنطقة الإيرانيّة التّورانيّة، ويتميّز بقدرته على التّكيّف مع التّضاريس الجبليّة والمناطق المنخفضة على حدّ سواء. ويمتلك النّبات أزهاراً يميل لونها إلى اللّون الورديّ أو الأبيض، وتتفتّح هذه الأزهار في العادة عند المساء، وتجذب أنواعاً من الحشرات المتنوّعة ليلاً.
يستعمل العرب شمال العربيّة مستخلص جذور هذا النّبات بوصفه مُستحلباً طبيعيّاً في صناعة بعض الحلويّات، مثل الحلاوة الطّحينيّة، لمنحها قواماً كثيفاً وخفيفاً في آن واحد. ويُطلق النّاس على النّبات محليّاً العديد من الأسماء، ويستفيدون من خصائصه لإنتاج رغوة كثيفة تشبه الصّابون عند خلط أوراقه أو جذوره بالماء، ممّا يجعله بديلاً طبيعيّاً لتنظيف الأقمشة الحسّاسة والعناية بالبشرة.
يسمّي بعض النّاس هذا النّبات باسم {شرش الحلاوة} أو {عرق الحلاوة}، ويرتبط هذا الاسم ارتباطاً وثيقاً باستعمال جذوره في صناعة الحلويّات الشّعبيّة، وتحديداً الحلاوة الطّحينيّة، لمنحها القوام المطلوب. ويعرف النّبات أيضاً باسم {العصلج} في مناطق متعدّدة من سوريّا، لا سيّما في المنطقة السّاحليّة. ويطلق عليها آخرون أسماء أخرى مثل {الحشيشة الصّابونيّة} و {عشبة الدّْعَاك}، في إشارة واضحة إلى دورها التّاريخيّ في تنظيف الأقمشة الحسّاسة.

واجه الرومان معضلة مألوفة لكلّ حضارة؛ احتاج الناس إلى النظافة، واحتاج الصوف إلى المعالجة قبل غزله قماشاً. فوُجد الحلّان في نبات واحد، هو الصّابونيّة المخزنيّة sāpōnāria officinalis. واشتُقّ الاسم من الكلمة اللّاتينيّة {سَاپُو} sāpo ومعناها الصابون، المشتقّة بدورها من الكلمة العربية {صبن}.
ورد في كتاب العين للفراهيدي قوله في باب صبن: الصَّبْنُ: تَسوِيَةُ الكَعْبَيْنِ في الكَفِّ ثم تَضرِبُ بهما فيقال: أَجِلْ ولا تَصبِن. وإذا صَرَفَ الساقي الكأسَ عمَّن هو أَولَى بها قيلَ: صَبَنَ، قال عمرو بن كلثوم: صَبَنْتِ الكأسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍ … وكانَ الكأسُ مَجراها اليَمينا. وإذا خَبَّأَ الإنسان في كَفِّه شيئاً كالدِّرْهَم او الخاتَم [ولا يُفْطَنُ له] قيل: صبن. ويظهر التّشابه جليّاً بين المعاني اللّغويّة لجذر الكلمة وطبيعة عمل الصّابون. إذ يركّز المعنى الأوّل المذكور في العين على صرف الشّيء وإبعاده عن مساره الأصليّ، كقول العرب صَبَنَ السّاقي الكأس أيْ صرفها عن مستحقّها. وبإسقاط هذا المعنى على صابون التّنظيف، نرى قطعة الصّابون تصرف الأوساخ والبقع، وتبعدها عن الجسد والثّياب تنظيفاً وتطهيراً شاملاً.
يبرز ارتباطٌ آخر عند التّأمّل في كيفيّة إمساك قطعة الصّابون واستعمالها، فالمعاني تذكر تسوية الكعبين في الكفّ وتخبئة الدّرهم أو الخاتم داخلها. ويطابق هذا الوصف حركة اليدين، فالمرء يخبّئ قطعة الصّابون في كفّه ويفركها مولّداً الرّغوة الكثيفة. وتنزلق القطعة مراراً من بين الأصابع هرباً وتملّصاً، ممّا يذكّرنا بحركة الأشياء المخبوءة أو الممسوكة بخفّةٍ ودهاءٍ داخل قبضات الأيدي. يجمع المعنى الاشتقاقيّ المولّد إذاً بين فكرة الإبعاد والصّرف، وفكرة الإخفاء والانزلاق المتكرّر داخل كفّ اليد.
زرع الرومان الصّابونيّة المخزنيّة حول حمّاماتهم العامّة لتأسيس بنية تحتيّة متكاملة، لا لغرض الزينة. إذ غسل المزارعون أغنامهم بمائه قبل القصّ، واستعمله عمّال النسيج لتنظيف الأقمشة المنسوجة حديثاً وزيادة سماكتها.
وارتبط النبات بتجارة النسيج ارتباطاً وثيقاً، فاكتسب اسماً ثانياً يلازمه اليوم، {عشبة القصّارين}. لم يكتشف الرومان هذا النبات، بل ورثوه عمّن سبقهم، ولا سيّما أهل شمال العربية. وأطلق اليونانيّون القدماء عليه اسم كَاثَارْسِس κάθαρσις (أي التنقية) لخصائصه المطهّرة. وانتشرت المعرفة في شرايين كلّ أمّة امتلكته واحتاجت قماشاً نظيفاً، وهو حال كلّ الأمم.
نما النبات عمداً في إنگلترا إبّان العصور الوسطى قرب كلّ طاحونة صوف، واستعملته العائلات العاملة لغسل ملابسها وأطباقها المصنوعة من معدن {پِيُوتَر} Pewter. وحمل المستعمرون البريطانيّون بذوره في أسفارهم إلى أمريكا الشماليّة لعلمهم المسبق بحاجتهم الماسّة إليه، فتكيّف النبات فوراً وانتشر في أرجاء القارّة. لذا، ينمو اليوم برّيّاً من ولاية ماين إلى كاليفورنيا، ويحمل أزهاراً ورديّة صغيرة وساقاً مستقيمة، ويجهل معظم من يراه ماهيّته وما يفعله.

القِلاَجَة الصابونية
على الجانب الآخر من كوكب الأرض، في جبال وسط {چِيلِي} Chile، تنمو أشجار دائمة الخضرة وسط الشجيرات الساحليّة الجافّة. واستعمل شعب {مَاپُوچِي} Mapuche هذه الأشجار للنظافة الشخصيّة قروناً طويلة قبل مجيء أيّ أوروپّيّ، فقشّروا اللّحاء الداخليّ من الفروع وغلوه في ماء النهر. وتثور رغوة اللّحاء فور ملامسته الماء كأيّ مكوّن طبيعيّ آخر، ولا يتطلّب معالجة كيميائيّة، فالأمر يقتصر على لحاء وماء.
استعملوا كلمة في لغتهم للدلالة حصراً على غسل الشعر بنبات مختلف تماماً يعمل بالطريقة ذاتها، ولا تمثّل الكلمة تعبيراً عامّاً للغسيل، بل فعلاً مخصّصاً لهذا الفعل المعيّن بهذا النبات الأوحد، وتُعرف هذه الكلمة بـ {كُولَايْتُون} Culaytun. وتعرف الشجرة بلغتهم بكلمة {كُولِي} Kule.
سنة 1782 دوّن عالم طبيعة يسوعيّ الشجرة رسميّاً، وسمّاها {كِيلَاجَا سَپُونَارِيَا} Quillaja saponaria. ويحمل شقّا الاسم المعنى عينه؛ فتأتي كلمة {كِيلَاجَا} من لغتهم للصابون، وتأتي {سَپُونَارِيَا} من اللّاتينيّة للصابون. وحمل الاسم تكراراً لرسوخ الخاصيّة التي لا تقبل الشكّ. توصل كلّ من صادف هذه الشجرة، وبمختلف اللّغات، إلى الوصف الدقيق عينه.
طوّرت حضارتان متباعدتان في طرفي الأرض أنظمة تنظيف مخصّصة من نباتات تصنع صابونها الخاصّ.

الاستخدامات البارزة وقصص تاريخيّة
تنظّف نبتة الصّابونيّة المخزنيّة الأقمشة الحسّاسة العائدة للعصور الوسطى برفق بالغ، ممّا يدفع مرمّمي المتاحف الكبرى لاستعمالها اليوم على منسوجات تتلف فور ملامستها أيّ منتج تنظيف حديث. ويرجّح الباحثون استعماله لتنظيف أكثر قطعة قماش خضعت للدراسة في التاريخ البشريّ، وهي {كفن تُورِين} Turin، القماش الكتّانيّ المثير للجدل الذي يحمل صورة رجل يؤمن الملايين بلفّه لجسد يسوع المسيح.
فحص العلماء الكفن لعقود، وناقشوا أصله وطريقة تكوّن الصورة. وجاءت إحدى أهمّ النتائج من {رَاي رُوجَرْز} Ray Rogers، الكيميائيّ الفيزيائيّ في الفريق العلميّ سنة 1978، والمصرّح له بفحص الكفن مباشرة. افترض {رُوجَرْز} معالجة القماش بمستخلص عشبة الصّابونيّة خلال إنتاجه الأصليّ، وجادل بتفسير المعالجة لإحدى أكثر ميزات الكفن غموضاً. إذ تبدو بقع الدم حمراء عوضاً عن اللّون الأسود أو البنّيّ الذي يصبغ الدم الجافّ عادة بمرور القرون، ويتفاعل مستخلص عشبة الصّابونيّة مع الهيموگلوبين في الدم بطريقة تحفظ اللّون الأحمر.
حفظت الخاصيّة ذاتها، التي جعلته ألطف منظّف في العالم القديم، الأثر الأكثر إثارة للجدل في التاريخ المسيحيّ. إذ توصّل مرمّمو المتاحف إلى النتيجة ذاتها بشكل مستقلّ، ويستعمل متحف {ڤِيكْتُورِيَا وَأَلْبَرْت} Victoria and Albert في لندن مستخلص عشبة الصّابونيّة لتنظيف المنسوجات العتيقة. ويرجّح استعمال المحلول عينه على {نسيج بَايُو} Bayeux، وهو تطريز ضخم يعود إلى القرن الحادي عشر يوثّق الغزو النورمانديّ لإنگلترا.
يخلو عالم المنظّفات الصناعيّة من أيّ خيار آمن بما يكفي لهذه القطع. لكنّ النبات الذي زرعه العمّال الرومان بجوار طواحينهم يمثّل الخيار الأوحد الموثوق به للتعامل مع أقمشة لا تعوّض في الحضارة الغربيّة. كما صدّر التجّار الأوروپّيّون في أواخر القرن التاسع عشر مستخلص اللّحاء إلى فرنسا وبريطانيا، وسوّقوه شامپو طبيعيّ. وتصف السجلّات الاستعماريّة الإسپانيّة من القرن السابع عشر طرائق تنظيف رغوة اللّحاء للمنسوجات على يد السكّان الأصليّين في القارّات الأميركية، مشيرة إلى الشجرة باسم {شجرة الصابون الصغيرة} Palo de jaboncillo.

التحوّلات الصناعيّة والجيوسياسيّة
يفعل نباتان، أحدهما في كلّ سياج أوراسي والآخر في جبال چِيلِي، الشيء ذاته دون أيّ عمليّة صناعيّة، وبلا كيمياء تخليقيّة، وبسلسلة توريد لا تتجاوز اللّحاء، والجذر، والماء، والنار. ويأخذ مسار القصّة منعطفاً حاسماً هنا، ممّا يستدعي الانتباه.
مُنعت ألمانيا إجباراً بسبب المقاطعة البحريّة للحلفاء سنة 1917 من الحصول على الدهون والزيوت التي تتطلّبها صناعة الصابون التقليديّة، واضطرّ الكيميائيّون الألمان إلى إيجاد بديل صناعيّ. ونجحوا في المسعى، وأُنتج أوّل منظّف صناعيّ، وهو مادّة كيميائيّة معقّدة مشتقّة من البترول، في تلك السنة، ليس لكونه أفضل من الصابون، بل لاستحالة الحصول على الصابون مؤقّتاً بسبب الحرب. شكّل هذا المنظّف حلّ طوارئ وقت الحرب، لا منتجاً استهلاكيّاً، وتجنّب الكيميائيّون الذين صنعوه ادّعاء تفوّقه على ما استبدله، واكتفوا بكونه متاحاً. ثمّ وضعت الحرب أوزارها وانتهت حالة الطوارئ، واستمرّت المنظّفات الصناعيّة.
سافر المهندس {رُوبَرْت دَانْكَان} Robert Duncan إلى أوروپّا في ثلاثينيّات القرن العشرين لدراسة التطويرات الكيميائيّة الألمانيّة، وعاد إلى شركة {پْرُوكْتَرْ وَگَامْبِل} Procter and Gamble في الولايات المتّحدة حاملاً معرفة كيمياء الموادّ الخافضة للتوتر السطحيّ الصناعيّة. حوّلت شركته هذه المعرفة إلى منتج {تَايْد} Tide بحلول سنة 1946. ثمّ حوّلت المصانع الضخمة التي أنتجت وقود الطيران خلال الحرب العالميّة الثانية بهدوء تامّ لإنتاج المكوّنات الكيميائيّة للمنظّفات المنزليّة.
فاق المنظّف الصناعيّ الصابون الطبيعيّ مبيعاً تماماً في الولايات المتّحدة بحلول سنة 1953. وزوّدت غرف الغسيل بالمنظّفات بحلول سنة 1947 من المصانع ذاتها التي موّنت الطائرات الحربيّة بالوقود سنة 1944. لكن، غُيّب السؤال عن مدى جودة هذه الفكرة، وغُيّبت المقارنة بما استُبدل. كانت أُسّست البنية التحتيّة سلفاً، واحتاجت المصانع إلى هدف في وقت السلم، ونجح التسويق نجاحاً باهراً.
اختفت عشبة الصابون لولادة بنية تحتيّة صناعيّة بسبب حرب عالميّة، احتيج فيها لأسواق مدنيّة للاستمرار، لا لعجز العشبة. إذ يعجز نبات ينمو في مصرف المطر ولا يكلّف شيئاً لحصاده عن إدامة مصنع بمليارات الدولارات. فأطاح المصنع بالنبات، ونسي معظم سكّان العالم المتقدّم وجوده تماماً في غضون عقد من الزمان.

التداعيات البيئيّة والصحيّة
برزت تكلفة هذا النسيان ببطء، وقيست بأجزاء في المليار في الأنهار، وفي انهيار مجموعات الأسماك، وفي رصد الموادّ الكيميائيّة الصناعيّة في حليب الأمّ البشريّ. تحسّنت منظّفات الغسيل الحديثة لتتجاوز التركيبات السامّة المبكّرة، وبقيت صناعيّة في جوهرها، وتخالف جذريّاً تركيبة نبات لم يزل يحسّن كيمياءه منذ ملايين السنين.
يصنع النبات ما يعجز تَايْد عن محاكاته، فيرتكز أسلوب تنظيف عشبة الصابون على الصابونين، وهي جزيئات طبيعيّة تشكّل رغوة ثابتة في الماء وتحمل الأوساخ بعيداً عن القماش والبشرة. وتنظّف هذه الجزيئات الأسطح دون تدميرها، وتتحلّل بيولوجيّاً بالكامل خلافاً للمنظّفات الصناعيّة. ولا تدوم في أنظمة المياه، ولا تتراكم بيولوجيّاً. بل تلطّف هذه الجزيئات بما يكفي لتنظيف كفن تُورِين، وتلطّف بالتبعيّة بما يكفي لتنظيف البشرة البشريّة التي تعاني الإكزيما أو الصدفيّة.
اغل الجذور 15 دقيقة، وصفّ السائل، واستعمله؛ يختصر هذا المسار العمليّة بِرُمَّتها.

التطبيقات العلميّة والطبيّة الحديثة
يحمل لحاء شجرة الصابون الچيليّة تعقيداً كيميائيّاً أكبر، ويسلك مسار هذه الشجرة المنسيّة هنا منعطفاً غير متوقّع البتّة.
سنة 1974 عزل باحث دنماركيّ مركّباً فريداً من مستخلص اللّحاء، واكتشف تعزيزه الاستجابة المناعيّة البشريّة للّقاحات بفعّاليّة ملحوظة. ويشكّل هذا المركّب اليوم مكوّناً أساسيّاً في اللّقاح (التطعيم) الحديث ضدّ {الهربس النطاقيّ} الذي يستعمله أكثر من 60 مليون إنسان. ويدخل هذا المركّب في لقاح {الملاريا}، وفي لقاح {نُوڤَاڤَاكْس} Novavax لكوڤيد-19. وكان قُيّم هذا المركّب في أكثر من 120 تجربة سريريّة شملت 50 ألف مريض، وتتجاوز تكلفته 100 ألف دولار للغرام الواحد.
يدرّب الجزيء ذاته، الذي غُسل به شعر شعب {مَاپُوچِي} قروناً، جهاز المناعة البشريّ للتعرّف إلى الملاريا. ولم يُبدّل الجزيء، بل وجد دائماً، وأدركت 60 سنة من البحوث الصيدلانيّة أخيراً ما تنتجه شجرة جبليّة في چِيلِي لملايين السنين. لكن، تصعّب ندرة اللّحاء وتعقيد عمليّة الاستخراج عمليّة التوسّع الإنتاجيّ للغاية. لذا، تُفكّك البيولوجيا الكاملة لنبات عشبة الصابون الشائعة اليوم في مركز {جُون إِنِس} John Innes في المملكة المتّحدة، ويفترض الباحثون قدرة العشبة المتواضعة، التي نُظّفت بها منسوجات العصور الوسطى، على حلّ أزمة الإمداد العالميّة لتطوير اللّقاحات الحديثة مستقبلاً.

بين كيمياء النّبات وتاريخ الصّابون العربيّ
ولا بدّ من التطرّق هنا إلى الصابون العربي العريق، كمثل الصابونة الحلبية أو الرقّية أو النابلسية مثلاً، والمقارنة بعمل نباتات الصابونية. إذ يُبْرَز الفارق جليّاً عند مقارنة هذه النّباتات مع تاريخ صناعة الصّابون العريقة في المشرق.
يُسَجَّل أوّل ابتكار بشريّ للصّابون في بلاد سُومَر، شمال الجزيرة العربيّة، قبل نحو 4500 سنة. حين خُلِطَت الزّيوت الدّهنيّة برماد الخشب الحاوي لمادّة قلويّة، وغُلِيَت المكوّنات لإنتاج مادّة منظّفة. وطُوِّرَت هذه الصّناعة لاحقاً، وتُوِّجَت بما يُعرف اليوم بـ {صابون حَلَب}، المصنوع بمزج زيت الزّيتون وزيت الغار مع مادّة قلويّة قويّة. يتَطَلَّب هذا المسار البشريّ تفاعل كيميائيّ يُسمّى التّصبّن، تُفَكَّك فيه الرّوابط الكيميائيّة للزّيوت لإنتاج أملاح الأحماض الدّهنيّة، أيْ الصّابون، ومركّب الگْلِيسِيرِين.
هنا الفارق الكيميائيّ الجوهريّ. إذ يُسْفَر في مسار التّصبّن البشريّ عن مادّة قلويّة الطّبيعة ذات درجات حموضة عالية نسبيّاً. ويُلْحَظ اختلاف جذريّ في النّباتات، كالصّابونيّة المخزنية وشجرة القِلاَجَة في چِيلِي. إذ لا يتطلّب عمل هذه النّباتات لأيّ تفاعلات كيميائيّة لكسر الزّيوت، وتُفْرَز مركّبات صَاپُونِين جاهزةً للاستعمال.
تُسْتَخْدَم هذه الجزيئات خافضات للتّوتّر السّطحيّ طبيعيّاً، وتُشَكَّل رغوة كثيفة يُحَاط بها حول الأوساخ وتُزَال، محتفظةً بدرجة حموضة معتدلة تقارب حموضة البشرة البشريّة. ويُفَسَّر بهذا الاختلاف الكيميائيّ تفوّق مستخلصات النّباتين في العناية بالمنسوجات الأثريّة الحسّاسة والبشرة المتهيّجة، مقارنةً بألطف أنواع الصّابون المُصَنَّع بشريّاً.
اسْتُهْلِكَت قرون من التّجارب في المشرق لابتكار كيمياء التّصبّن، وكُمِنَت مركّبات صابونين جاهزةً سلفاً في جذور النّباتات ولحائها منذ ملايين السّنين.

في الختام
لا تحتاج شهادة في الكيمياء أو سلسلة توريد صيدلانيّة لاستعمالها. تنمو عشبة الصّابونيّة نباتاً معمّراً في أيّ مناخ معتدل تقريباً، وتعود كلّ سنة من نظام جذرها دون إعادة زراعة. وتنتشر بثبات ولا تتطلّب أيّ رعاية فور نموّها الأوّل، وتنتج رقعة صغيرة موادّ جذريّة كافية للتنظيف المنزليّ إلى أجل غير مسمّى.
ينظّف السائل ذاته، الذي تنظّف به منسوجات العصور الوسطى التي لا تقدّر بثمن، غسيلك وشعرك وبشرتك، بلا كيمياء تخليقيّة، وبلا تغليف بلاستيكيّ، وبلا تكلفة تتجاوز الماء ووقت غلي الجذور 15 دقيقة.
يحمل كلا النباتين اسم الصابون، وسمّيا بما فعلاه، واستُعملا في كلّ حضارة واجهتهما، واستبدلا لا لاكتشاف بديل أفضل، بل لولادة صناعة كيميائيّة بسبب حرب احتيج فيها إلى أسواق للاستمرار، ولم يكلّف أحد عناء المقارنة. تتوفّر المقارنة الآن، عبر كيس بذور، وقطعة جذر، و15 دقيقة مع الماء المغلّى.
في حين تتجاوز قيمة صناعة المنظّفات العالميّة 200 مليار دولار سنويّاً، تنمو النباتات التي استُبدلت في سياجك النباتيّ مجّاناً.
مراجع ومصادر
- The Shroud of Turin: An Amino-Carbonyl Reaction Maillard Reaction May Explain the Image Formation. https://www.researchgate.net/publication/237245454_The_Shroud_of_Turin_An_Amino-Carbonyl_Reaction_Maillard_Reaction_May_Explain_the_Image_Formation.
- Materials and Making. https://tidsskrift.dk/atr/article/download/167042/208071/372533.
- Quillaja https://en.wikipedia.org/wiki/Quillaja_saponaria.
- QS-21: A Potent Vaccine Adjuvant. https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC4874334/.
- Soap bark discovery offers a sustainability booster for the global vaccine market. https://www.jic.ac.uk/press-release/soap-bark-discovery-offers-a-sustainability-boost-for-the-global-vaccine-market/.
- Washing…for 4500 years!. https://www.roeschswiss.com/en/content/8-washing-for-4500-years.
- Development of Tide Synthetic Detergent. https://www.acs.org/education/whatischemistry/landmarks/tidedetergent.html.





اترك رد