
مقدّمة
منطقة الجزيرة العليا، الواقعة شمال جزيرة العرب، شهدت على مرّ تاريخها الطويل العديد من التحوّلات السياسية والاجتماعية والثقافية التي شكّلت هويتها المتميزة. فمن كونها مهداً لحضارات عظيمة كالآشورية والبابلية، إلى دورها المحوري في نشأة المسيحية وانتشارها، ثم مكانتها البارزة في ظلّ الإسلام والخلافة العباسية، ظلّت الجزيرة تؤدّي دوراً محورياً في تاريخ المنطقة.
لكن هذه المنطقة الغنيّة بتراثها وتنوّعها، لم تسلم من تدخّلات القوى الخارجية التي سعت إلى السيطرة عليها وتقسيمها وفقاً لمصالحها ورؤاها. فمن الاحتلال المغولي المدمّر، إلى الاستعمار الأوروپي الحديث، تعرّضت الجزيرة لموجات متتالية من التدخّل الأجنبي الذي أثّر بعمق على نسيجها الاجتماعي وبنيتها السياسية.
في هذا المقال، سنتتبّع كيف ساهمت هذه التدخّلات الخارجية، وخاصّة في العصر الحديث، في تشكيل واقع الجزيرة المعاصر. سنستعرض كيف أدّت المعاهدات والاتفاقيات الدولية إلى تمزيق وحدة المنطقة وتقسيمها بين دول مختلفة دون مراعاة لخصوصيتها التاريخية والثقافية. كما سنناقش تداعيات هذه التقسيمات على الهُوِيَّة والانسجام الاجتماعي في المنطقة، وعلى تطلّعات شعوبها نحو المستقبل. هذه رحلة عبر الزمان والمكان، لفهم كيف صنعت تدخّلات الآخرين واقع الجزيرة اليوم.

الجزيرة
منطقة الجزيرة شمال جزيرة العرب، حملت على مرّ تاريخها أسماء مختلفة، منها {الجزيرة الفراتية}، و{بيت نهراين} ܒܝܬ ܢܗܪ̈ܝܢ بالآرامية، وترجمها الإغريق إلى {ميزوپوتميّة} Μεσοποταμία، و{أجّزيرة} أو {إجّزرية} أو {أغريتو} ܐܓܪܬܐ بالسريانية، و{ألجزيرة العليا} تمييزاً عن الجزيرة السفلى أي شبه الجزيرة العربية. سمّاها السلوقيّون الإغريق {سوريا} وسمّاها الأشكان {عرب إستان} و {أروى إستان} وسمّاها الساسان {عربستان}، ثمّ سمّاها العرب في بداية العهد الإسلامية {جزيرة تغلب} و {ديار الرقّة}.
على مرّ تاريخها كانت الجزيرة مهداً للعديد من الدول العظيمة ذات التأثير الكبير على التراث الإنسانية، وأبرز ما قدّمته منطقة الجزيرة للعالم هو الثورة الزراعية. وبعض الحضارات التي خرجت من هذه المنطقة أو كان للجزيرة تأثير كبير في تاريخها: الحضارة الآشورية، والبابلية، والأگّدية، والسومرية-السوبرية، الحثية، الآرامية، والأخمينية، والساسانية. كما ساهمت الجزيرة بشكل كبير بتشكيل الديانة المسيحية المعاصرة وكانت فيها أوّل الحكومات التي اعتمدتها، وفيها تشكّلت أولى الكنائس في العالم.

الجزيرة والداگونيّة واللغة الفينيقية
قديماً عبد الأمورو والفنيقيّون من العرب إلهاً أطلقوا عليه اسم داگون 𐤃𐤂𐤍 وأسّسوا لعرشه مدينة الرقّة لتكون المدينة المقدّسة لأهم معابد داگون، وانتشرت عبادته في مختلف الممالك الأمورية آنذاك: إبلا وأسوريا وأوگاريت وحيت انتشر الأمورو. وداگون ليس اختراعاً فنيقياً، بل ورد ذكره كذلك في النقوش السومرية القديمة باسم “دَ-گَن” 3𒀭𒁕𒃶 وعبده الأگديون كذلك باكراً بذات الاسم السومري ثمّ صار اسمه “دَگَنَ” الذي عنى في السومريّة كلمة “السمكة” (القن=السيّد). وهو نفسه الربّ الذي عرّفه البابليّون لاحقاً باسم أداد وذكرته النصوص الآرامية الغربيّة باسم هداد وحَدد4… ورمزُ داگون في آثار الرقّة هو حوريّ البحر، رجل نصفه سمكة أو سمكة نصفها رجل.

في نصوص ماري الأموريّة المنقوشة قبل 4500 سنة فِهْرِس للآلهة التي عبدها الناس في منطقة النهرين، وذكر هذا الفِهْرِس أنّ داگون هو نفسه أداد وهو نفسه إلُّ (إيلو) وهو نفسه إيل 𐤀𐤋5، ما يعني أنّ اسمه ذاته صار اللّه.
على الجانب الكنعاني، من لم يهتمّوا للزراعة وفضّلوا الإبحار والتجارة عليها، فقد ارتبط اسم “داگون” بالغيم والإمطار، وصارت الناس تتضرّع وتضحّي لداگون كي لا يُغرق قوارب الصيد والسفن بالعواصف والأعاصير. وفي أوگاريت، التي كتبت اسم “دَگَن” بصيغة “دجن” فقد ارتبطت معاني اسم هذا المعبود بالدواجن من الحيوانات، وتشابهت رؤى الأوگاريتيّين مع أهل ماري في الجزيرة في فهم “دَگَن” حين رأوه راعياً للحياة من طريق دفع الحيوانات لطاعة البشر واستدجانها. فهو من طوّع الحيوان في خدمة الإنسان.
استمرّت عبادة “داگون” الفنيقي في العصر الهيليني، إذ كانت ديانته قد دخلت المجتمع الإغريقي عبر الفنيقيّين وقبل العصر الأخميني. مع انتهاء الحكم الأخميني والتحوّل إلى العصر الهيليني، استمكنت عبادة داگون أكثر إله ذكر ترتبط معاني اسمه بالزراعة والحصاد فقط، خاصّة وأنّ المعتقدات الهيلينيّة الشرقية قضت على كلّ الجوانب الأنثوية في ديانات المنطقة تاركة ذكورة الأديان وحدها. وفي هذه النقطة يقول كتاب داگون المقدّس: “وداگون، بعد اكتشافه للحبوب والمحراث، صار يسمّى زِوس الحارث Δίας Αρωτρίου (دياس أروتريو)” أي أنّ زِوس الإغريقي هو نفسه داگون الفنيقي، لكن مع اقتصار اهتمامه بالمزارعين فقط، والتخلّي عن الصيّادين ومربّي المواشي.
ومع انتشار الثقافة الهيلينيّة في كلّ المنطقة من أفغانستان على الشرق إلى روما على الغرب، بقيت مدينة الرقّة مدينة رئيسة لعبادة داگون؛ الذي صار اسمه زِوس، وصار معبد زِوس الأكبر في الرقّة محجّاً لكلّ الناس في العالم الهيليني. ما وضع مدينة الرقّة بمنزلة مكّة الهيلينيّة، وما مكّنها بالتالي من الإثراء والازدهار بشكل لم تعرفه غيرها من مدن العرب قديماً، سوى بابل. هذه المكانة الكبيرة لمدينة الرقّة وضعتها كذلك هدفاً للتهميش في عصر المسيحيّة الأوّل وخاصّة بعد أن تحوّلت الإمبراطورية إلى المسيحية سنة 321.
أنصح بقراءة المزيد في تدوينة {مدينة الرقّة الفنيقيّة عرش اللّه في الأرض}
بكلّ الأحوال. حكاية المعبود داگون توضح وبكلّ بساطة مدى الترابط بين ممالك الجزيرة والساحل الشرقي للمتوسط منذ أقصى الأزمان عمقاً في التاريخ القديم. وهو ترابط ما انحلّ ولا توقّف طيلة الأزمان الماضية، ولن يتوقّف في المستقبل. ويبقى أن نتذكّر أنّ مدينة الرقّة إحدى عواصم العرب العظام، وما كانت ولا صارت مدينة على هامش حياة الإنسان العربيّ.

الجزيرة والمسيحيّة واللّغة السريانيّة
سنة 312 ق.م نشأت على أنقاض الإمبراطورية الأخمينيّة المملكة السلوقيّة Βασιλεία τῶν Σελευκιδῶν التي حكمت مناطق شاسعة، يقيم على قسم كبير منها العرب. ثمّ مع تضعضع هذه المملكة وبدء انهيارها، بدأت العديد من أقسامها الغربيّة بالانفصال عنها في ممالك عربيّة، تحكمها سلالات عربية، وتطلب الدعم العسكري والسياسي من دول الجيران القويّة، ضماناً لاستقلالها. وكان من هذه الممالك مملكة الحضر، ومملكة الرها، ومملكة حَضيأب، ومملكة گُمُّخُ المعروفة لاحقاً باسم گُمَّجينه… وغيرها. وعلى مجرى المملكة السلوقيّة التي اعتمدت اللّغة الإغريقيّة لغة رسمية، حافظت هذه الممالك العربية على الإغريقيّة لغة رسمية، ثمّ بدأت بصناعة لغاتها الرسمية الخاصّة اعتماداً على لهجاتها من الآراميّة المحلّيّة. والآراميّة كانت باقية في هذه الشعوب مذ حكمتها الإمبراطورية الأسورية الحديثة: مات أشُّر.
سنة 132 ق.م ومع انهيار المملكة السلوقيّة استقلّ ضابط عربي نبطي بمحافظة أُسرُوينة (خُسرُوينة) السلوقيّة، ومنحها اسم عاصمتها أورهي (الرها) فصار اسمها مملكة أورهي: ملكوته دبيت أورهي ܡܠܟܘܬܐ ܕܒܝܬ ܐܘܪܗܝ. والضابط، أو الملك المؤسّس هو من سلالة عربيّة واضحة، اسمه أريُ (أريو)، وحكم حتّى سنة 127 ق.م، ووضع قبيلته النبطية على قيادات البلد. ثمّ صار القسم شرق دجلة من المملكة يسمّى مملكة حَضيأب ܚܕܝܐܒ، والقسم غرب الفرات من المملكة يسمّى گُمُّخُ (گُمَّجينه) ܓܡܚ.

في عهد أبجر الخامس (4 ق.م – 50 م) بدأت رغبة المملكة السوريّة بالتبلور للحصول على هويّة مستقلّة عن الحماية الأجنبيّة، وقرّرت المملكة التخلّي عن اللّغة الإغريقيّة لغة رسميّة، وصارت إلى تقعيد لهجتها الآراميّة التي سمّتها لسان السوريّين: لشانا سُريايا. هنا تماماً نشأت اللّغة السريانيّة. تحت حكم ملك عربي، من سلالة عربية حكمت هذا البلد خمس قرون.
هكذا نشأت اللّغة السريانيّة في القرن الأوّل الميلادي في مدينة الرها (أورهي) المعروفة اليوم باسم أورفا Şanlıurfa، وصارت لغة رسمية لكلّ مناطق المملكة. وكانت توسّعت وشملت على العديد ممّا حولها من المناطق، أوسع من هذه الحدود في الخريطة. فأضافت إلى لسانها العديد من العرب من سكّان الأناضول وشمال العراق وسوريا وإيران المعاصرات، ممّن كانوا في الأساس على اللّغة الآراميّة، فصاروا على لهجة منها، صارت تسمّى: سريانيّة.
خلال القرن الثاني صارت مملكة الرها تتمايل بالولاء تارَة للأشكان وتارة للرومان، إلى أن أخضعها الأشكان بشكل كامل وغيّرن اسمها إلى عرب إستان سنة 163 ميلادية، تحت عرش الملكين معن الثامن و وائل بن سَحر. ثمّ تقاسمنها مع الرومان سنة 212 تحت عرش الملك أبگر (أبجر) التاسع، ثمّ أزال الرومان عرش بني آري الأباگرة سنة 242 لتحويل البلد إلى محافظة رومانيّة. وكان آخر ملوكها (صوريّاً) أبگر (أبجر) العاشر بن معن.
وهذه المملكة، مملكة أورهي، سوريا أو الجزيرة، هي موطن المسيحيّة الأوّل في هذا العالم، هي أوّل بلد يتّخذ من المسيحيّة بنجاح ديانة رسمية للبلد، ما جعل من لغته الرسميّة السريانيّة لغة للمسيحيّة النسطورية المبكّرة. امتصاص الدولة الرومانية للقسم الغربية من مملكة أورهي (الرها) هو من جعل للمسيحيّة مكانة وعزّة في ختام حياة الإمبراطورية الرومانيّة، وعزّ نهضة الإمبراطوريّة البيزنطية. ففي حوالي عام 200، تبنى أبگر (أبجر) التاسع المسيحيّة، ما مكّن أورهي من أن تصبح أوّل دولة مسيحيّة في التاريخ كان حاكمها العربيّ وبشكل علنيّ مسيحيّاً.
خلال العهد السلوقي كانت ما تزال سوريا بحدود المملكة الأسورية القديمة قبل الأخمينيّين. ثمّ قسّمها الأشكان الپارثيّون إلى ثلاث وحدات إدارية هي: عرب إستان (وهي أغلب الجزيرة) وأسورإستان وإيلام (سوسيانا). حين صارت السلطة إلى الساسان خسروا القسم الغربي من عرب إستان للرومان بموجب معاهدة نصيبين سنة 299. وكانت حدود عرب إستان قبلها تسير مع مجرى الفرات.

عرب إستان (عربستان) عاصمتها نِسِبِس وهي اليوم مدينة نصيبين على الحدود بين تركيا وسوريا. عرفها السريان باسم بيت عربايى وعرفها الپهلويّون باسم أرواستان (أروى إستان، أرڤه ستان، أي أرض العرب) ومذكورة في بعض المصادر العربية باسم عرفه وعربه. وعلى الرغم من وجود مؤسّسات عاصمة الأستان في مدينة نِسِبِس غير أنّ القيادة العسكرية للإستان كانت في قلعة سِسَڤرانُن على الحدود البيزنطية-الساسانية. وهي اليوم على الجانب التركي من الحدود السورية-التركية بالقرب من يزيورت Yazyurdu.
أنصح بقراءة المزيد في تدوينة {أسورإستان موطن السريان}
في القرن الثالث انتشرت المسيحيّة من عرب إستان بين عموم السريان في أسورإستان وحذياب وعربايا (گَرَمِگ) وصارت لهم جميعاً الكنيسة السريانية. بلادهم آنذاك كانت تحت الحكم الپارثي (الپهلوي) وعاصمتها الكوفة تتقلّب في حرب أهليّة يسعى فيها الساسان إلى السيطرة على الإمبراطورية. مدينة الكوفة كان اسمها بالپهلوية أسورإستان على اسم الولاية (الأستان) كلّها وسُجّلت كذلك سورية، أمّا بالسريانية فكان اسمها بيت أرَمايى و عاقولا، وبالعربية الجنوبية سوريا أسوة بالإغريقية. وكان أغلب أهلها من تغلب وعليهم قبيلة إياد.
بدأ انتشار المسيحيّة في سوريا الأشكانية (الپهلوية) خلال القرن الثاني شيوعاً عن سوريا غير الأشكانية (مملكة أورهي)، وعرف العالم أوّل كنيسة منزليّة في التاريخ في مدينة دورا أويروپوس على الحدود الشِّمالية الغربية لأسورإستان، حين قدّمت أميرة المدينة بيتاً لها ليصبح كنيسة للمسيحيّين سنة 233. ثمّ دمّر الساسان المدينة سنة 256 فانتقل مركز الكنيسة إلى مدينة الرصافة القريبة على حدود عرب إستان. سنة 299 صارت الرصافة مع نصف عرب إستان الغربي ملكاً للرومان ومذّاك بدأ انتشار المسيحيّة في الإمبراطورية الرومانية، إلى أن صارت ديناً رسمياً للدولة سنة 321.
كانت المسيحية في بدايتها ثورة عربية على الحكم الپهلوي الأشكاني الأجنبي ثمّ صارت رسالة لمقاومة الاستبداد الساساني الأجنبي، فقمعها الساسان بالتدمير، فهربت إلى الرومان. إذاً، المسيحيّة السريانيّة الرسميّة هي بنت العراق المعاصر، لا فلسطين ولا سوريا المعاصرة.
الكنيسة الأولى سنة 233، انتقالها إلى تحت الحكم الرومانية في الرصافة بعدها بـ66 سنة. ثم اعتمادها دين روما الرسمي بعدها بـ22 سنة. استغرقت رحلة المسيحيّة من الكنيسة المنزلية إلى الإمبراطورية 88 سنة. مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ الإمبراطور فيليپ العربي حاول اعتماد المسيحية في روما سنة 244 وقُتل على إثرها، وكان ذلك بعد عشر سنوات من تأسيس أوّل كنيسة في دورا أويروپوس على الفرات.
أنصح بقراءة المزيد في تدوينة {عاصمة المسيحيّين العرب}
الجزيرة والإسلام
هذه خارطة الجزيرة ما بين القرنين 7 و13 وهي توضح سبب وجود لهجة مميّزة لهذه المنطقة كليًّا، لكن مع ذلك تجد لهجات متباينة داخل منطقة الجزيرة نفسها، ما بين الشرق والغرب والشمال، كالمحلّميّة وغيرها، وهو من تأثير بقايا المناطق القديمة من زمن الدولة الأسورية الحديثة، وكذلك من زمن القرون الأولى للإسلام قبل الكارثة المغولية.
عقب اتّفاق تغلب مع الخليفة عمر بن الخطّاب على الانضمام إلى الدولة الإسلامية، أعيد توحيد منطقة الجزيرة المقسّمة ما بين الساسان والبيزنطيّين منذ سنة 299:
- دُمجت محافظتي أوسرُوينه والفرات البيزنطيّات معاً وضُمّت إليهم منطقة شمال غرب أسورإستان لتشكيل ديار مضر.
- في حين ضُمّت عرب إستان إلى منطقة شمال شرق أسورإستان لتشكيل ديار ربيعة.
- أمّا محافظة النهرين (ميزوبوتميّه) البيزنطية فصارت ديار بكر.
وهكذا عادت الجزيرة موحّدة كما كانت قبل الساسان.
- عاصمة ديار مضر كانت مدينة الرقة. وفيها كانت عاصمة الجزيرة كلّها كذلك.
- عاصمة ديار بكر كانت مدينة آمد، واليوم هي ديار بكر.
- عاصمة ديار ربيعة كانت مدينة نينوى، واليوم هي الموصل.
رسمتُ الخارطة استناداً إلى معلومات موسوعة الإسلام، المجلّد الثاني، الصفحة 523. Encyclopaedia of the Islam Vol. II. و نسخة تفاعلية من الخارطة من هنا

في العهد العبّاسي كانت لمدينة الرقّة ومنطقة الجزيرة أهمّيّة كبيرة للدولة العباسية، إذ خدمت الرقّة عاصمة ثانية للدولة وصارت مدينة العلم والعلماء وأهمّ المراكز الصناعية في متن الإمبراطورية العبّاسية الشاسعة.
تقع الرقة على نهر الفرات الأعلى، وكانت ميناءً نهريّاً مهمّاً للتجارة والتواصل خلال العصر العباسي. موقعها سمح لها بأن تكون ميناءً خالياً من الجليد طوال العام، مما سهل التجارة والنقل. قرب المدينة من المركز التجاري الرئيس جعلها أيضاً موقعاً مناسباً للأنشطة التجارية.
كانت الرقة مركزاً حيوياً للنشاط الاقتصادي خلال الفترة العبّاسية. خدمت محور للتجارة والتبادل التجاري، حيث لعب ميناؤها النهري دوراً رئيسياً في حركة البضائع، ممّا ساهم في ازدهار المدينة اقتصادياً.
كانت الرقة عاصمة إقليم الجزيرة خلال الحِقْبَة العباسية. كانت ملجأً للخلفاء المنفيين وموطناً للعلماء البارزين. الرقة التي خطّطها المنصور على شاكلة بغداد، صمّمت مدينة دائريّة محصّنة بأسوار وبوابات ومسجد وقصر في وسطها.
خلال القرون الثلاثة الأولى من الحكم العباسي، كانت مدن مثل بغداد وسامرّاء والرقّة تقوم مقام العواصم الثقافية والتجارية للعالم الإسلامي، وأدّت دوراً مهمّاً في تشكيل المشهد الثقافي والفكري للإمبراطورية العباسية.
كانت الرقة والجزيرة الفراتية جزءاً لا يتجزأ من الدولة العباسية بسبب موقعها الاستراتيجي وأهميتها الاقتصادية وتأثيرها المعماري وأدوارها كمراكز سياسية وثقافية. ساهمت هذه العوامل بشكل كبير في ازدهار ونفوذ الإمبراطورية العباسية خلال حكمها.
سنة 892 أعاد الحمدانيّون إحياء سوريا فأسّس التغالبة دولة لهم في ماردين توسّعت لاحقاً على دياربكر والموصل، التي نقلوا العرش إليها فحكموا كامل البلاد السريانيّة (الجزيرة)، إلى أن دمّر البويهيّون دولتهم بالتحالف مع الأكراد سنة 979. في تلك الأثناء بقي من آل حمدان سيف الدولة الذي استقلّ بقطعته من سوريا.
ثمّ، سنة 944 اتّخذ سيف الدولة الحمداني من حلب عاصمة لدولته ونقل إليها أهل قنّسرين في مَعْرِض صراعه مع أرمن كيليكيا، الذين حاربوا العرب بالوكالة نيابة عن البيزنطيّين. ومع خراب الدولة الحمدانية في الموصل سنة 979 تأسّست ولأوّل مرّة دولة حلب، واستعملتها تالياً كلّ القوى العربيّة والتركيّة في المنطقة قاعدة لحرب البيزنطيّين في الشمال. وصارت حلب تالياً هي المركز السياسي للجزيرة.
سنة 1258 قام إلخان فارس بتدمير مدن الجزيرة جميعاً، بما فيها الحاضرة الرقّة والعاصمة الموصل، فانتقلت صناعات الجزيرة إلى حلب مع النازحين من كل أرجاء تلك البلاد، لا سيّما الرقّة والموصل، وصارت حلب آنذاك سيّدة صناعات المشرق، وقاعدة أرستقراطيّة عربيّة ذائعة السطوة شرق البحر الأبيض المتوسّط.
ثمّ، سنة 1400 نالت حلب مجزرة رهيبة ارتكبتها قوّات المغولي تيمور لنگ، الذي صنع برجاً من رؤوس عشرين ألف من سكّان المدينة. وفعل الفعلة ذاتها في جميع مدن الجزيرة، مستهدفاً السريان بالخصوص. سنة 1420 أسّس النازحون إلى حلب من كلّ أرجاء الجزيرة حيّ الجديدة خارج أسوار المدينة، وكانوا بأغلبهم من المسيحيّين السريان الذين فرّوا تحت وطأة المذابح التيموريّة. لكنّ هذه المجازر كانت الضربة القاضية لمنطقة الجزيرة ولقدرة العرب فيها على الصمود، فتكاثر وجود الأكراد فيها مدعومين من أنظمة إيران المختلفة.
أنصح بقراءة المزيد في تدوينة {دولة حلب: 944-1925 – 982 سنة}
الجزيرة والتكريد
وهكذا، بين عامي 1258 و 1517، من سقوط الخلافة العباسيّة في بغداد على يد المغول إلى صعود الإمبراطورية العثمانية، كانت الجزيرة منطقة ذات أهمية استراتيجية واقتصادية كبيرة، تقع بين إمبراطوريات الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط. دعم فيها الأنظمة المغولية والتركمانية قوى كردية من بدو اللُّر، للتأثير على السكّان المحلّيّين من العرب المسلمين والمسيحيّين، ولمنافسة القوى العربية المدعومة من حكومات مماليك القاهرة التركمان، أعداء النظام الإلخاني في إيران والعراق.
تبدأ حكاية استعمال التركمان لبدو اللُّر (الأكراد) في قوّاتهم مع الدولة السلجوقية.
خلال القرن 12 نشأت المملكة التركمانية السلغورية تحت رعاية العرش السلجوقي وتميّزت باسم أتابكة فارس (اتابکان فارس). استعان السلغوريّين بفصائل فيلية من كرد اللُّر (بدو اللُّر) في عساكرهم وعيّنوا على رأس الجيش قائداً من الفهیلیّين اسمه {أبو طاهر بن محمّد شبانكاره}. وكان آل شبانكاره قد أسّسوا إمارة إقطاعية بويهيّة في إيلام دامت من القرن 11 حتّى القرن 14. وصارت من إقطاعات السلاجقة اعتباراً من سنة 1071. فيم بعد، عيّن السلغوريّين أبو طاهر شبانكاره حاكماً على محافظة کهگیلویه، فامتدّ سلطانه منها على لُرستان ثمّ أصفهان، فنال من السلاجقة لقب أتابك واستقلّ بإمارته الفهیلیّة تحت اسم هزاراسپیان، وهي كردستان. وهي أوّل دولة مسلمة للأكراد في التاريخ.

تحالفت إمارة هزاراسپیان مع الخوازرميّين الترك في مواجهة المغول، ثم تحالفت هزاراسپیان مع المغول الذين عدّوها واحدة من إيلخانات مغول فارس، فساهمت قوّاتها بإسقاط بغداد. وفي عهد “أباقا خان” ثاني ملوك إيلخانات فارس المغول انتقلوا بعاصمة الإمارة إلى مدينة “ايذه” شرق الأحواز. واستمرّت إمارة هزاراسپیان بالوجود والازدهار كإمارة كردية إلى أن قضى عليها التيموريّون سنة 1424.
في الفترة ما بين القرن 13 والقرن 16 استغلّت الكثير من القوى الدولية في الشرق الأوسط أمراء حرب وزعماء عصابات كردية لفرض السيطرة على مناطق الجزيرة المختلفة. ومن تلك القوى التي دعمت الأكراد في الجزيرة:
- ایلخانان فارس للمغول النساطرة المسيحيين ثم المسلمين السنّة.
- إمارة چوپانی للمغول المسلمين السنّة.
- دولة جلایریان للمغول المسلمين السنّة.
- دولة قره قویونلولر للتركمان المسلمين الشيعة.
- دولة آق قویونلولر للتركمان المسلمين السنّة (في بعض المراحل).
- دولة گورکانیان (ایران و توران) للتيموريّين المغول المسلمين السنّة.
في فترة الحملات التيموريّة على الشرق الأوسط، قاتلت بعض القبائل الكردية إلى جانب تيمور لنگ للتغلّب على حكّامهم التركمان، حتّى أنّ تيمور لنگ عيّن {أحمد بن محمد بن علي الكردي} حاكماً على أذربياجان باسم الإمارة التيموريّة.
ثمّ خلال العهد الصفوي في القرن 16 تحوّل كرد الفهیلیّ إلى المذهب الشيعي ومُنحت بلادهم تسمية كردستان، التي بقيت تُستعمل إلى زوال الملك القاجاري. وطُرد الفيليّون السنّة ممّن رفضوا التشيّع إلى العثمانية وصاروا فيها لاجئين، فنشأت بهم مدينة السليمانية.
أدّت الكيانات الكردية في هذا العصر دوراً ملحوظاً في ديناميكيات القوة في المنطقة:
أدت الغزوات المغولية الأولى بقيادة هولاكو خان إلى نهب بغداد ونهاية الخلافة العباسية، وبدأت مرحلة الفلتان الأمني والإداري. سمح الفراغ السلطوي اللاحق للجماعات الإثنية الوافدة المختلفة، بما في ذلك الأكراد، بالحصول على المزيد من الكيانات وإقامة إمارات في المنطقة.
بعد ضعف سلطة الأيوبيّين، حفدة صلاح الدين الأيوبي، والذين كانوا قد عيّنوا ضباطاً أكراداً من حلب للإشراف على منطقة الجزيرة الفراتية، قام العديد من الزعماء والعائلات الكردية بإقامة حكم محلّي لهم في مناطق مختلفة من الجزيرة الفراتية وشمال سوريا. ادّعت بعض هذه العائلات نسبها إلى الأيّوبيّين وحاولت الحفاظ على نصيبها من ميراث حكمهم.
خلال هذه الفترة، غالباً ما مارست الإمارات الكردية والقبائل السلطة كجهات شبه مستقلة. وكانت في بعض الأحيان تتصرّف حلفاء أو دول حاجزة بين قوى أكبر، مثل المماليك، وإيلخانيّة المغول، وإمبراطورية تيمورلنگ لاحقاً، وغالباً ما خدمت مصالح القوى المغوليّة.
وجد الأكراد أنفسهم في وضع استراتيجي، حيث سيطروا على ممرّات جبليّة وطرق تجارية وأراضي خصبة. وغالباً ما دخلوا في تحالفات أو صراعات مع القوى المجاورة، بما في ذلك الدول الصليبيّة، والسلاجقة الروم، والأسر المغولية والتركيّة المختلفة التي ظهرت من تفكّك الإمبراطورية المغوليّة.
حافظت الأسر الكرديّة مثل الشداديّة والمروانيّة والحسنويهيّة في أوقات مختلفة على السيطرة المحلّية وكانوا لاعبين مهمّين في الصراعات الإقليمية على السلطة. فساهموا في تكريد العديد من القبائل العربيّة والأرمنيّة والتركمانيّة التي لا تخضع إلى سلطة مركزيّة. كما ساهموا بتهجير عدد كبير من مسيحيّي الجزيرة إلى مناطق خارجة عن نفوذهم.
كان المجتمع الكردي في السابق مقسماً إلى قبائل، وكانت التحالفات بين هذه القبائل والقوى الخارجية تتغير باستمرار، ما أدّى إلى تعقيد العلاقات وعدم استقرارها بين حلفاء وأعداء. وفي ذات الوقت كانت الجزيرة الفراتيّة غنيّة بالموارد والزراعة وكانت رابطاً حيويّاً لطرق التجارة التي تربط بين الشرق والغرب. كانت سيطرة الأكراد على أجزاء من هذه الطرق تعني أنّهم يمارسون نفوذهم على التجارة والاستفادة اقتصاديّاً من الرسوم الجمركية وأجور الحماية.
تنتهي هذه الفترة من قرون الفلت والفوضى بسيطرة الإمبراطوريّة العثمانيّة على المنطقة بعد هزيمة المماليك عام 1517. نظّم العثمانيّون الأراضي، ودمجوا مناطق العصابات الكردية في نظامهم الإداري، ممّا قلّل من حكم الإمارات الكردية الذاتي ولكنّه أيضاً دمج القادة الأكراد في الهيكل العثماني حكّام محليّين أو حلفاء، وصارت لهم رتب ومناصب رسمية مدعومة من الحكومة المركزيّة، حتّى أنّ الأسرة العثمانية استعملت أسرة كردية داسنية في بداية عهدها على حكم بغداد.
خلال هذه الفترة، كانت الدول والإمارات والقبائل الكرديّة في الجزيرة العليا مهمّة بسبب قوّتها العسكريّة وسيطرتها على طرق التجارة وقدرتها على التنقّل بين تعقيدات السياسة الإقليميّة. أضافت نفوذها إلى الموزاييك المعقّد من الإثنيّات والثقافات التي ميّزت منطقة الشرق الأوسط خلال هذه القرون.
الجزيرة والعصر الحديث
سنة 1517 اختار الجيش العثماني قرية سريانية اسمها زيؤورتا ܙܥܘܪܬܐ (زِورتا) لتكون مقرّ إدارة لواء الزور، تابعاً لإيالة بغداد. ووقعت على عاتق هذا المعسكر إدارة أغلب الحروب العثمانية-الصفوية على العراق. وتكوّنت خلال القرن التالي وعلى أساس هذا اللواء دولة جديدة أسمتها الدولة العثمانية إيالة الرقّة شملت أغلب القسم الغربي من الجزيرة.

نتيجة لمخاوف بريطانيا من تكرار أحداث حرب 1839، وغيرة من تأسيس الفرنسيّين لمتصرفية جبل لبنان سنة 1861، طلبت بريطانيا من العثمانية تأسيس متصرّفية جديدة في سنجق الزور، وتحقّق ذلك سنة 1864. وكان سنجق الزور قد تأسّس سنة 1857 على إثر تنامي النشاط الاقتصادي البريطاني في المنطقة، أي قبل تأسيس مدينة دير الزور (دير العصافير).
فصارت المتصرّفية تتبع إسمياً إلى والي بغداد، ولها متصرّف تعيّنه بريطانيا. وانتقلت بالتالي إدارة السنجق من قاعدة الزور العسكرية (زِورتا) إلى دير العصافير (الدير). فصارت ترد في السجلّات البريطانية باسم دير-زور بوضع اسمي الدير والزور متجاورين. وتضمّنت إدارة السنجق على أربع أقضية (كازات) هي: الدير، ورأس العين، والعَشَارَة، والبُوكَمَال.
وكانت حدود متصرّفية الزور كالتالي:
- من الغرب ولاية حلب وولاية سوريِه (شام).
- من الشمال ولاية ديار بكر.
- من الشرق ولاية الموصل.
- من الجَنُوب الشرقي ولاية بغداد.
- من الجَنُوب إمارة جبل شمّر (آل رشيد).

ومن المهمّ أن نذكر هنا أنّ بلدة دير الرمّان (الدير) دُمّرت بالكامل سنة 1807 وتخرّبت مزارعها وتمّ تهجير كلّ أهلها على يد البدو من جيش إمارة الدرعية؛ وهي التي تُعرف باسم الدولة السُّعُودية الأولى. ثمّ عادت البلدة وانتعشت تحت اسم دير العصافير بسبب الاهتمام العثماني-البريطاني، ثمّ ارتفع عدد سكّانها بشكل ملحوظ وصارت مدينة واسعة على إثر نزوح عدد كبير من الشمامرة إليها.
أنصح بقراءة المزيد في تدوينة {دير الزور، من مذابح تيمور لنگ إلى قيادة حرب العثمانية على الصفويّين إلى سنجق الزور البريطاني}
عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، أدّت معاهدات دولية متعدّدة إلى إعادة تشكيل التكوين السياسي للشرق الأوسط. خلال هذه العملية، جرى تقسيم منطقة الجزيرة، ذات التاريخ الثقافي والتراثي العريق، بين دول جديدة هي العراق، سوريا، تركيا. هذا التقسيم تمّ دون النظر الكافي في التماسك الاجتماعي والتاريخ المشترك للسكان الأصليّين للمنطقة، عرب الجزيرة.
الحدود الجديدة التي رسمتها اتّفاقيّات النفط، لم تعكس البدن الاجتماعي والتراثي الفريد للجزيرة، وعلى هذا، أثرت سلباً على الانسجام الإثني والثقافي وأدّت إلى تحديات دائمة تتعلق بالهوية وحقوق الشعوب الأصلية في تلك المناطق. القرارات التي اتخذتها القوى الاستعمارية انطلاقًا من مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية قد تجاهلت بشكل واضح البنية التاريخية والاجتماعية للجزيرة، مما نتج عنه تداعيات تاريخية مستمرة إلى اليوم.

قبل الحرب العالمية الأولى تدخّلت فرنسا في منطقة الجزيرة لرعاية مشروع الوطن القومي الأشوري-الكلداني، في الوقت الذي تدخّلت الولايات المتحدة الأميركية لرعاية مشروع الوطن القومي الكردي.

لتدمير المشروع المسيحي، وبدفع من ألمانيا والولايات المتحدة الأميركية ومن روسيا وبريطانيا تارَة أخرى، ارتكبت فصائل كردية مذابح واسعة في حقّ السريان والأرمن، منها مذابح دياربكر سنة 1895، ومذابح سيفو سنة 1915، رفعت هذه المذابح نسبة السكّان الأكراد في المنطقة إلى 50٪، لا سيّما في طور عابدين.
سنة 1916 تفاهمت الدبلوماسية البريطانية والفرنسية والروسية على تقسيم الجزيرة ما بين بريطانيا وفرنسا، بحيث تكون الموصل وشمال الجزيرة من حصّة فرنسا، في حين تكون متصرّفية الزور من حصّة بريطانيا.
سنة 1918 اتّفقت بريطانيا وفرنسا على اقتسام سنجق الزور مناصفة، فصار القسم الغربي من نصيب سوريا الفرنسية، والقسم الشرقي من نصيب العراق البريطاني، على أن تبق حقول النفط في الزور السوري لمصلحة شركة شِل الإنگليزية-الهولاندية. وصارت هكذا مدينة ديرالزور مدينة سورية.
ومع ذلك طرحت المؤسّسة العسكرية البريطانية سنة 1919 مشروع لورنس لتأسيس مملكة هاشمية في الجزيرة تحت حكم زيد بن الحسين الهاشمي تكون ديرالزور عاصمتها وتمتدّ على شمالاً لتضمين الرقّة والرُها ونصيبين شمالاً حتّى دياربكر وعينتاب، مع الموصل غرباً.

نهاية سنة 1919 عادت القوّات البريطانية إلى اجتياح كامل متصرّفية الزور بما فيه الشطر الغربي. فقامت العشائر بتكليف رمضان شلاش لطرد البريطانيّين وهو ما حدث فعلاً فأعلن نفسه حاكماً على إمارة الفرات والخابور والبوكمال والميادين، وحكم باسم جميعة العهد العراقية. وكانت هذه أوّل محاولات استقلال الجزيرة.
سنة 1920 وقّعت دول العالم معاهدة سيفر Traité de Sèvres، هذه المعاهدة كانت محاولة أولى لتقسيم الإمبراطورية العثمانية المهزومة وتحديد الحدود الجديدة للمنطقة. ومع ذلك، لم تدخل المعاهدة حيّز التنفيذ في الشرق الأوسط بسبب المقاومة التركية وتغيّر الظروف السياسية بالثورة البلشفية في روسيا.
لكن وبرغم مقتضيات معاهدة سيفر وقّعت بريطانيا مع فرنسا اتّفاق سان ريمو San Remo Resolution الذي استعادت بموجبه السيطرة على الموصل من فرنسا مقابل التخلّي عن مشروع لورنس، وحكمت الموصل منطقة عسكرية لا تتبع أي حكومة.
سنة 1920 انحازت العقيدات إلى مصطفى كمال في تركيا وصارت من القوّات الكمالية، معلنة تبعيّة متصرّفية الزور لجمهورية أنقرة. فحرّكت فرنسا قوّاتها الكردية من الملّية (قوّات محمود بك الملّي) لقمع العقيدات وجماعة العهد. لكنّ القوّات الملّية انهزمت.
محمود بك الملي (1880-1930) هو قائد كردي من العراق. اشتُهر أمير حرب خلال العهد العثماني المتأخّر وفترة الاحتلال البريطاني للعراق. كان محمود بك الملي هو القائد العسكري لقوّات الملّيّة التي كانت بأغلبها كرديّة. أُنشئت هذه القوّات عام 1916 من قِبل البريطانيّين لمساعدتهم في مقاومة الجيش العثماني وقوّات الاتحاد والجهاد العربي.
بعد الحرب العالمية الأولى، انضمّت قوات الملية إلى الفرنسيّين في سوريا لمقاومة الحركات الوطنية التي كانت تريد التخلص من الاحتلال الفرنسي. وكان محمود بك الملّي هو القائد العام لهذه القوات خلال الحملات الفرنسيّة ضد العقيدات وجماعة العهد في سوريا.
سنة 1921 تبعتها معاهدة أنقرة L’accord d’Ankara التي وقّعتها فرنسا وجمهورية أنقرة، وحدّدت الحدود بين تركيا والأراضي السورية تحت الانتداب الفرنسي.
نهاية سنة 1921 تحرّكت القوّات الفرنسيّة باجتياح كامل للقطاع منطلقة من الرقّة ومدعومة من القوّات الملّية، ونجحت باحتلال تدمر وديرالزور (قواعد العقيدات) وبانتصارها صار غرب الجزيرة وديرالزور من أراضي سوريا الفرنسية.
سنة 1923 تمّ التصديق على معاهدة لوزان لتثبيت الحدود الوطنية لتركيا الحديثة، وبموجبها تمّ إقرار تقسيم حلب. وفي نفس السنة وقّعت بريطانيا وفرنسا اتفاقية خط پوليه-نيوكومبه Paulet-Newcombe Line لترسيم الحدود بين مستعمراتهم في المنطقة، وبموجبها تم إقرار تقسيم الزور والجزيرة بحيث تبدأ الحدود الفرنسية شرقاً عند مدينة جزيرة ابن عمر.
سنة 1925 أقرّت عصبة الأمم ضمّ الموصل إلى العراق، وبذلك انتهت كلّ المشروعات التي حاولت تقرير مصير الجزيرة.
سنة 1926 وقّعت بريطانيا وتركيا اتّفاقية الحدود التركية العراقية، ونظّمت هذه الاتفاقية الحدود بين تركيا والعراق، وأدّت إلى اعتراف تركيا بعراقيّة الموصل والتوقّف عن المطالبة بها.

سنة 1932 تأسست المملكة العراقية وأعلنت استقلالها عن بريطانيا، مع ذلك حافظت بريطانيا على تواجدها العسكري في شرق منطقة الجزيرة دون تسليمها للعراق.
سنة 1939 تمّ ضم القسم الشرقي من الجزيرة (جَنُوب الجزيرة) إلى العراق.
سنة 1946 انسحبت القوّات الفرنسية والبريطانية من سوريا وتمّ ضم القسم الغربي من الجزيرة (وسط الجزيرة) إليها بشكل رسمي ونهائي.

واقع الجزيرة السياسي
اليوم تدير منطقة الجزيرة عدّة محافظات مختلفة متوزّعة بين إدارات العراق وسوريا وتركيا، وهي جميعاً، بما فيها المحافظات التي تحتوي في أجزائها أراض من الجزيرة وليست كلّها منها:
في العراق:
- محافظة دهوك
- محافظة نينوى
- محافظة أربيل
- محافظة كركوك
- محافظة الأنبار
- محافظة صلاح الدين
- محافظة ديالى
- محافظة بغداد
في سوريا:
- محافظة الحسكة
- محافظة الرقة
- محافظة دير الزور
- محافظة حلب
في تركيا:
- محافظة شانلي أورفا Şanlıurfa
- محافظة غازي عنتاب Gaziantep
- محافظة أديامان Adıyaman
- محافظة ديار بكر Diyarbakır
- محافظة ماردين Mardin
- محافظة بطمان Batman
- محافظة سعرد Siirt
- محافظة العزيز Elazığ
بمقتضى التقسيمات والحدود المعاصرة، يمكن تقسيم الجزيرة إلى ثلاث أقسام: شمال الجزيرة، وسط الجزيرة، جَنُوب الجزيرة.

وبسبب الأحداث السياسية التي عبرت القرن العشرين، لا سيّما المرحلة ما بين نهاية الحرب العالمية الثانية ونهاية الحرب الباردة، انعزلت كل منطقة من هذه المناطق الثلاث، وتحوّلت بشكل مستقبل مع تطوّرات اجتماعية مختلفة، ونشأت فيها مناطق اقتصادية جديدة.
شمال الجزيرة

شمال الجزيرة هي المنطقة العربية من الجزيرة الواقعة جَنُوب تركيا المعاصرة، ومحافظاتها الأبرز هي:
- محافظة شانلي أورفا (Şanlıurfa)
- محافظة ديار بكر (Diyarbakır)
- محافظة ماردين (Mardin)
- محافظة بطمان (Batman)
أبرز مدن شمال الجزيرة في تركيا هي:
- شانلي أورفا: اسمها العربي هو الرُّها، وتُعرف باسم مدينة الأنبياء، حيث يعتقد أن نبي الله إبراهيم قد ولد فيها. وتُعدّ مركزًا لصناعة النسيج، خاصةً في مجال الحرير. ويقدّر عدد العرب من سكّانها اليوم ما بين 40٪ و 70٪. سنة 1924 هجرها قسم كبير من سكّانها العرب المسيحيّين.
- ويران شهر: اسمها العربي هو تيلا، تشتهر بإنتاج القطن. ويقدّر عدد العرب من سكّانها اليوم ما بين 50% و 70%. واليوم هي واحدة من أسرع المدن نموّاً في تركيا.
- سِويريك، اسمها العربي الران. تشتهر بوجود سد أتاتورك، وهو أكبر سد في تركيا. وتُعدّ مركزًا لصناعة الزيتون. ويقدّر عدد العرب من سكّانها اليوم ما بين 40% و 60%. المدينة هي مسقط رأس زعيم عشيرة بوجاك سيدات بوجاك Sedat Bucak، وهو عضو سابق في الجمعية الوطنية الكبرى (البرلمان التركي) منذ تأسيسها. وهو من زعامات المافيا التركية.
- دياربكر: اسمها منسوب إلى بني بكر بن وائل حكّام المدينة وأهلها من أيّام الساسان. تُعرف باسم مدينة السور الأسود، وتشتهر بوجود مسجد حسن باشا، وهو من أهم المواقع الدينية في تركيا. وتُعدّ مركزًا لصناعة الحديد والصلب. ويقدّر عدد العرب من سكّانها اليوم ما بين 30% و 50%. سنة 1895 ارتكبت فصائل كردية مذابح واسعة في حقّ سريانها، رفعت نسبة السكّان الأكراد في دياربكر إلى 50٪.
- ماردين: اسمها عن مردا ܡܪܕܐ ومعناه أهل القلعة، حيث مردا معناها قلعة. وتُعرف باسم مدينة الحجر. وتُعدّ مركزًا لصناعة الفضة، وتعدّ من أهم مدن صناعة الفضة في تركيا. ويقدّر عدد العرب من سكّانها اليوم بين30% و 50%. خلال فترة الحكم الإسلامي كانت المدينة مركزاً أسقفيّاً للكنيسة الأرمنية الأرثوذكسية، وكنيسة الأرمن الكاثوليك، وكنيسة المشرق الآشورية، والكنيسة السريانية الكاثوليكية، والكنيسة الكلدانية الكاثوليكية. وكذلك مقرّاً للكنيسة السريانية الأرثوذكسية، من عام 1034 إلى عام 1924، سنة طرد المسيحيّين العرب عن جَنُوب تركيا.
- نصيبين: تُعدّ مركزًا لصناعة زيت الزيتون. ويقدّر عدد العرب من سكّانها بين 70% و 90%. معروفة تاريخياً بكونها العاصمة العلمية للثقافة السريانية، وعرفت ازدهاراً عظيماً في العصر الإسلامي، ثم نزح عنها أغلب سكّانها ما بين سنوات 1914-1918 لوقوعها ميداناً للمعارك والجبهات.
يعتمد اقتصاد شمال الجزيرة على قطاعات متنوّعة، أهمّها الزراعة والصناعة والسياحة والتجارة الخارجية.
تُعرف المنطقة بإنتاجها الوفير من الحبوب، مثل القمح والشعير، والقطن، والخضروات والفواكه، مثل البطيخ والعنب. وتُعدّ تربية الحيوانات، خاصّةً الأغنام والماعز، من الأنشطة المهمّة في المنطقة.
تُعدّ صناعة النسيج من أهمّ الصناعات في المنطقة، خاصةً في مدينة شانلي أورفا. وتُوجد أيضًا صناعات أخرى، مثل صناعة المواد الغذائية، وصناعة الكيماويات، وصناعة البلاستيك.
تُعدّ المنطقة وجهة سياحية مهمّة، خاصةً لوجود العديد من المواقع التاريخية والثقافية، مثل مدينة ماردين القديمة، ومدينة نصيبين، ومدينة ديار بكر.
ولأنّها منطقة حدودية، تُعدّ التجارة مع الدول المجاورة، مثل سوريا والعراق، من الأنشطة المهمّة في المنطقة.
أهم صادرات شمال الجزيرة:
- الحبوب: القمح والشعير
- القطن
- الخضروات والفواكه: البطيخ والعنب
- منتجات الألبان: الجُبْن واللّبن
- المنسوجات: الملابس والسجاد
- المنتجات الكيماوية: الأسمدة والمبيدات الحشرية
- المنتجات البلاستيكية: العبوات والأدوات المنزلية
وسط الجزيرة

وسط الجزيرة هي المنطقة العربية من الجزيرة الواقعة شرق سوريا المعاصرة، ومحافظاتها الأبرز هي:
- محافظة الحسكة (الحسچة)
- محافظة دير الزور
- محافظة الرقّة
- محافظة حلب
أبرز مدن وسط الجزيرة في سوريا هي:
- مدينة الحسكة: مركز تجاري هام. حتى 2011 بلغت نسبة العرب فيها 80٪، ويقدّر عدد العرب من سكّانها اليوم ما بين 50٪ و 70٪.
- مدينة القامشلي: مركز ثقافي هام، ومركز تجاري على الحدود التركية. نشأت عقب تهجير ونزوح أهل نصيبين. ويقدّر عدد العرب من سكّانها اليوم ما بين 40٪ و 60٪.
- مدينة رأس العين: تقع على نهر الفرات، وتشتهر بإنتاج القطن. ويقدّر عدد العرب من سكّانها اليوم ما بين 40٪ و 60٪.
- مدينة المالكية: تقع على الحدود العراقية، وتشتهر بزراعة القمح. ويقدّر عدد العرب من سكّانها اليوم ما بين 20٪ و 40٪.
- مدينة دير الزور: مركز تجاري هام على نهر الفرات. ويقدّر عدد العرب من سكّانها اليوم ما بين 80٪ و 90٪.
- مدينة الميادين: تقع على نهر الفرات، وتشتهر بإنتاج القمح. ويقدّر عدد العرب من سكّانها اليوم ما بين 80٪ و 90٪.
- مدينة البوكمال: تقع على الحدود العراقية، وتعدّ مركزاً تجاريًا هامًا. ويقدّر عدد العرب من سكّانها اليوم ما بين 80٪ و 90٪.
- مدينة الرقة: مركز تجاري هام. وكانت في الماضي أحد أبرز المراكز الصناعية العبّاسية والأيّوبية. ويقدّر عدد العرب من سكّانها اليوم ما بين 75٪ و 85٪. تعرّضت للعديد من التحدّيات في السنوات الأخيرة، بسبب الحرب السورية. أدّت الحرب إلى نزوح العديد من سكّان المدينة.
- مدينة الطبقة: تقع على سد الفرات، وتشتهر بإنتاج الكهرباء. ويقدّر عدد العرب من سكّانها اليوم ما بين 70٪ و 80٪.
- مدينة منبج: تقع على نهر الفرات، وتشتهر بإنتاج القمح. ويقدّر عدد العرب من سكّانها اليوم ما بين 50٪ و 60٪. تعرّضت مدينة منبج للعديد من التحديات في السنوات الأخيرة، بسبب الحرب السورية. وأدّت الحرب إلى نزوح العديد من سكّان المدينة.
- مدينة جرابلس: تقع على الحدود التركية، وتعدّ مركزاً تجاريّاً هامًا. ويقدّر عدد العرب من سكّانها اليوم ما بين 80٪ و 90٪.
يعتمد اقتصاد وسط الجزيرة السورية على قطاعات مختلفة، أهمّها الزراعة والثروة الحيوانية والنفط والصناعة والسياحة.
تعدّ المنطقة من أهمّ المناطق الزراعية في سوريا، حيث تتميّز بتربة خصبة ومناخ مناسب لزراعة الحبوب مثل القمح، الشعير، الذرة. القطن. البقوليات مثل العدس، الحِمَّص. الخضروات مثل البصل، الطماطم، الخِيار. الفواكه مثل العنب، التين، الرمان. بالإضافة إلى تربية الأغنام والماعز والأبقار والدواجن.
تحتوي المنطقة على احتياطيات كبيرة من النفط، ويتم استخراجه وتكريره في مصافي دير الزور. كما توجد في المنطقة بعض الصناعات التحويلية، مثل صناعة الغزل والنسيج وصناعة المواد الغذائية وصناعة مواد البناء.
تتمتع المنطقة ببعض المواقع السياحية، مثل تل أبيض ومدينة الرقة القديمة وبحيرة الأسد.
أهم صادرات المنطقة القمح والقطن والنفط والحبوب والبقوليات والخضروات والفواكه ومنتجات الألبان واللّحوم
تواجه اقتصاد المنطقة العديد من التحدّيات، إذ أدّت الحرب السورية إلى تدمير البنية التحتية للمنطقة، ونزوح العديد من السكان، وتوقّف العديد من الأنشطة الاقتصادية. كما تعاني المنطقة من الجفاف بشكل متكرّر، مما يؤثّر على الإنتاج الزراعي. ومع توفّر الظروف المناسبة، يمكن أن يصبح اقتصاد وسط الجزيرة السورية من أهمّ الاقتصادات في الشرق الأوسط.
جَنُوب الجزيرة

جَنُوب الجزيرة هي المنطقة العربية من الجزيرة الواقعة شمال غرب العراق المعاصر، ومحافظاتها الأبرز هي:
- محافظة نينوى
- محافظة صلاح الدين
- محافظة كركوك
- محافظة الأنبار
أبرز مدن جَنُوب الجزيرة في العراق هي:
- الموصل: هي مدينة نينوى القديمة. عاصمة محافظة نينوى وأكبر مدنها، وهي مركز تجاري وثقافي هام في شمال العراق. تشتهر الموصل بأسواقها القديمة وقلعتها التاريخية وجامع النوري الكبير. يقدّر عدد العرب من سكّانها اليوم ما بين 70٪ و 80٪.
- تلعفر: مدينة تقع شمال غرب الموصل، وهي مركز تاريخي هام للمسيحييّن الآشوريّين. تشتهر تلعفر بإنتاج الحنطة والشعير والقطن. يقدّر عدد العرب من سكّانها اليوم ما بين 20٪ و 30٪. شهدت مدينة تلعفر موجات هجرة كبيرة خلال العقود الأخيرة، ونزحت العديد من العائلات العربية خلال سيطرة تنظيم داعش عليها، ولم يعد بعضهم بعد.
- الحضر: مدينة أثرية تقع جَنُوب غرب الموصل، وهي من أهم المواقع الأثرية في العراق. تشتهر الحضر بمعبدها الكبير وبواباتها الضخمة.
- تكريت: عاصمة محافظة صلاح الدين ومركزها الإداري. تشتهر تكريت بجامعها الكبير وقلعتها التاريخية. يقدّر عدد العرب من سكّانها اليوم ما بين 50٪ و 60٪. شهدت موجات هجرة كبيرة خلال العقود الأخيرة، ونزحت العديد من العائلات العربية خلال سيطرة تنظيم داعش عليها، ولم يعد بعضهم بعد.
- سامراء: مدينة تاريخية تقع جَنُوب تكريت، وهي من أهم المواقع الأثرية في العراق. تشتهر سامراء بمسجدها الكبير ومارستانها العتيق. يقدّر عدد العرب من سكّانها اليوم ما بين 80٪ و 90٪.
- الدجيل: مدينة تقع شمال تكريت، وهي مركز زراعي هام في العراق. تشتهر الدجيل بإنتاج التمور والحمضيات. يقدّر عدد العرب من سكّانها اليوم ما بين 95٪ و 98٪.
- كركوك: عاصمة محافظة كركوك ومركزها الإداري. تشتهر كركوك بحقول النفط والغاز الطبيعي. يقدّر عدد العرب من سكّانها اليوم ما بين 35٪ و 40٪. شهدت المدينة صراعات طائفية خلال العقود الأخيرة، وأدّت هذه الصراعات إلى نزوح العديد من العائلات من المدينة، ممّا أثّر على التركيبة السكانية للمدينة.
- الحويجة: مدينة تقع جَنُوب غرب كركوك، وهي مركز زراعي هام في العراق. تشتهر الحويجة بإنتاج القمح والشعير والقطن. يقدّر عدد العرب من سكّانها اليوم ما بين 70٪ و 80٪.
- داقوق: مدينة تقع شمال غرب كركوك، وهي مركز تجاري هام في شمال العراق. تشتهر داقوق بإنتاج الحنطة والشعير والقطن. يقدّر عدد العرب من سكّانها اليوم ما بين 30٪ و 40٪.
- الرمادي: عاصمة محافظة الأنبار ومركزها الإداري. تشتهر الرمادي بجامعها الكبير وقلعتها التاريخية. يقدّر عدد العرب من سكّانها اليوم ما بين 90٪ و 95٪.
- الفلّوجة: مدينة تقع شمال الرمادي، وهي مركز زراعي هام في العراق. تشتهر الفلّوجة بإنتاج التمور والحمضيات. يقدّر عدد العرب من سكّانها اليوم ما بين 95٪ و 98٪.
- عانة: مدينة تقع غرب الرمادي، وهي مركز تجاري هام في غرب العراق. تشتهر عانة بإنتاج الحنطة والشعير والقطن. يقدّر عدد العرب من سكّانها اليوم ما بين 90٪ و 95٪.
يعتمد اقتصاد جَنُوب الجزيرة في العراق على قطاعات مختلفة، أهمها الزراعة والثروة الحيوانية والنفط والصناعة والسياحة.
تعتبر المنطقة من أهمّ المناطق الزراعية في العراق، حيث تتميّز بتربة خصبة ومناخ مناسب لزراعة الحبوب مثل القمح، الشعير، الذرة. القطن. البقوليات مثل العدس، الحِمَّص. الخضروات مثل البصل، الطماطم، الخِيار. الفواكه مثل التمر، العنب، التين، الرمان. بالإضافة إلى تربية الأغنام والماعز والأبقار والدواجن.
تحتوي المنطقة على احتياطيّات كبيرة من النفط، ويتم استخراجه وتكريره في مصافي كركوك. وتوجد في المنطقة بعض الصناعات التحويلية، مثل صناعة الغزل والنسيج وصناعة المواد الغذائية وصناعة مواد البناء.
أهمّ صادرات المنطقة القمح والنفط والحبوب والبقوليات والخضروات والفواكه ومنتجات الألبان واللحوم
أهمّ التحدّيات التي تواجه اقتصاد المنطقة هي نزوح العديد من السكّان، وتوقّف العديد من الأنشطة الاقتصادية.
الجزيرة والمستقبل
لو توحّدت منطقة الجزيرة في دولة واحدة، فمن المرجّح أن تكون لها قوّة اقتصادية كبيرة نظراً لما تتمتّع به من موارد طبيعية وبشرية هامّة. من الموارد الزراعية والنفط والغاز والموقع الاستراتيجي والقوى العاملة والتنوع الصناعي والسياحة والتراث
تتميّز الجزيرة بأراضي خصبة ومناخ ملائم لزراعة محاصيل متنوّعة كالحبوب والقطن والخضروات والفواكه. هذا من شأنه أن يجعلها سلّة غذاء المنطقة والدول المجاورة، وباكتفاء ذاتي.
تحتوي أجزاء من الجزيرة على احتياطيّات نفطيّة وغازيّة كبيرة، خاصّة في شرق سوريا. استغلال هذه الثروات سيدرّ عائدات ضخمة على الدولة الجديدة.
بالإضافة للزراعة والنفط، يوجد في بعض مناطق الجزيرة صناعات أخرى مثل النسيج والأغذية ومواد البناء. هذا التنوع يمنح اقتصادها مرونة ومناعة لا تتأثّر بالصدمات.
تقع الجزيرة في موقع متوسّط بين دول الشرق الأوسط، وتربط بين العراق وسوريا وتركيا. هذا يجعلها نقطة عبور هامّة للبضائع والطاقة، ويمكّنها من تأدية دور محوري في التجارة الإقليميّة والدوليّة.
تحتوي الجزيرة على كثافة سكانيّة عالية نسبياً، وقوى بشرية شابّة ونشيطة يمكن استثمارها في مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية.
تزخر الجزيرة بتراث ثقافي وتاريخي غني من مواقع أثرية ودينية ومعالم طبيعية فريدة. استغلال هذه المقومات سيجعل منها وجهة سياحية عالمية رئيسة.
لكن في المقابل، توحيد الجزيرة سيواجه تحديات سياسية واجتماعية جمّة، نظرًا للتنوّع الإثني والديني فيها والتدخّلات الإقليميّة والدولية. ثم أنّ بناء دولة فعّالة يتطلّب استثمارات ضخمة في البنية التحتية والتنمية البشرية.
لكن إجمالاً، إذا نجحت دولة الجزيرة في تجاوز هذه التحدّيات واستغلال إمكاناتها الهائلة، فبإمكانها أن تصبح قوّة اقتصادية ومحوراً تجاريّاً وماليّاً إقليميّاً بارزاً تستفيد منه شعوبها وجيرانها. لكن ذلك يبقى رهيناً بحكمة قياداتها وإرادة مواطنيها وتعاون الأطراف الخارجية.
المراجع والمصادر
- Lluís Feliu, The God Dagan in Bronze Age Syria. Brill, 2003. (المرجع الأهم عالمياً للتحقق من عبادة “داجون” في الفرات الأوسط).
- أرشيف ماري الملكي (Archives Royales de Mari). (المصدر الأساسي للنصوص التي ذكرت القبائل العربية القديمة في الجزيرة).
- Georges Roux, Ancient Iraq. Penguin Books. (كتاب جورج رو “العراق القديم” – مرجع كلاسيكي شامل).
- Jean-Marie Durand, Les Documents épistolaires du palais de Mari. (وثائق قصر ماري – المجلدات الخاصة برسائل “بنو يمينا” و”بنو سمأل” وهم من أجداد عرب الجزيرة).
- Pettinato, Giovanni, The Archives of Ebla: An Empire Inscribed in Clay. (عن إيبلا وعلاقتها بالجزيرة).
- H.J.W. Drijvers, Cults and Beliefs at Edessa. Brill, 1980. (للتحقق من الديانة في الرها قبل المسيحية وعلاقتها بالكواكب والآلهة العربية).
- Warwick Ball, Rome in the East: The Transformation of an Empire. (يناقش الهوية العربية للمدن الرومانية الشرقية).
- Irfan Shahîd, Rome and the Arabs: A Prolegomenon to the Study of Byzantium and the Arabs. (سلسلة عرفان شهيد – تثبت الوجود العربي السياسي في الجزيرة قبل الإسلام).
- Steven K. Ross, Roman Edessa: Politics and Culture on the Eastern Fringes of the Roman Empire.
- Amir Harrak, The Acts of Mar Mari the Apostle. (توثيق دخول المسيحية للمنطقة).
- J.B. Segal, Edessa: The Blessed City. (ذكرناه سابقاً وهو عمدة هذا الباب).
- Sebastian Brock, The Hidden Pearl: The Syrian Orthodox Church and Its Ancient Aramaic Heritage.
- William Cureton, Ancient Syriac Documents Relative to the Earliest Establishment of Christianity in Edessa. (وثائق سريانية قديمة – مصدر أولي).
- المطران يوحنا دولباني، تاريخ دير الزعفران. (مصدر محلي سرياني مهم).
- Le Strange, Guy, The Lands of the Eastern Caliphate. (كتاب “بلدان الخلافة الشرقية” – المرجع الجغرافي التاريخي الأدق باللغة الإنجليزية عن تقسيمات الجزيرة).
- المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر.
- ابن حوقل، صورة الأرض. (وصف دقيق للجزيرة في القرن الرابع الهجري).
- Marius Canard, Histoire de la dynastie des Hamdanides de Jazira et de Syrie. (تاريخ الدولة الحمدانية – دراسة ماريوس كانار هي الأهم أكاديمياً عن سيف الدولة والحمدانيين).
- ابن العديم، بغية الطلب في تاريخ حلب. (موسوعة ضخمة تغطي تاريخ الجزيرة المرتبط بحلب).
- ابن شداد، الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة. (مصدر لا غنى عنه لتفاصيل مدن الجزيرة وحصونها في العصر الأيوبي والمملوكي).
- Vladimir Minorsky, Studies in Kurdish History and Sociology. (مينورسكي هو المرجع الأول عالمياً في تاريخ الأكراد في العصور الوسطى).
- Sharaf Khan Bidlisi, Sharafnama (شرف نامة). (المصدر الأولي التاريخي الذي كتبه أمير كردي في القرن 16 يوثق الإمارات الكردية).
- Bertold Spuler, History of the Mongols: Based on Eastern and Western Accounts.
- John E. Woods, The Aqquyunlu: Clan, Confederation, Empire. (عن دولتي الخروف الأبيض والأسود اللتين حكمتا الجزيرة).
- ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة. (يغطي الحملات التيمورية بدقة).
- Stefan Winter, A History of the ‘Alawis: From Medieval Aleppo to the Turkish Republic. (يحتوي على تفاصيل هامة عن الإدارة العثمانية في الأطراف).
- Nelida Fuccaro, The Other Kurds: Yazidis in Colonial Iraq. (تاريخ اليزيدية والقبائل في سنجار والجزيرة).
- Jordi Tejel, Syria’s Kurds: History, Politics and Society. (من أهم الكتب التي تشرح سياسة فرنسا في الجزيرة).
- Christian Velud, État mandataire, mouvement national et tribus (1920-1936). (دراسة فرنسية معمقة جداً -وبالخرائط- عن “دولة الانتداب والعشائر” في الجزيرة السورية).
- سارة شيلدز (Sarah Shields)، Mosul before Iraq: Like Bees to Honey. (الموصل قبل العراق – دراسة اقتصادية اجتماعية عن ترابط الموصل والجزيرة قبل الحدود).
- خالدة حاتم علوان، تاريخ لواء الزور 1864-1918. (أطروحة أكاديمية متخصصة جداً).
- عبد العزيز العظمة، مرآة الشام: تاريخ دمشق واقتصادها. (للسياق العام).
- Report by His Britannic Majesty’s Government … to the Council of the League of Nations on the Administration of Iraq. (تقارير الانتداب البريطاني السنوية لعصبة الأمم – وثائق أولية).
- Max von Oppenheim, Die Beduinen. (موسوعة البدو لأوبنهايم – المجلد الأول مخصص لقبائل ما بين النهرين والجزيرة بدقة متناهية).
- أحمد وصفي زكريا، عشائر الشام. (موسوعة شاملة).
- عمر رضا كحالة، معجم قبائل العرب القديمة والحديثة.
- The Treaty of Peace Between the Allied and Associated Powers and Turkey (Treaty of Sèvres), Aug. 10, 1920.
- Lausanne Conference on Near Eastern Affairs (1922-1923): Records of Proceedings.
- Tripartite Agreement (1920) – (اتفاقية سان ريمو وتقسيم النفط).
- David Fromkin, A Peace to End All Peace. (كتاب “سلام ما بعده سلام” – يشرح كواليس صناعة الشرق الأوسط الحديث).
- Myriam Ababsa, Atlas of Jordan & Raqqa: Territories, History and Heritage. (أطلس مريم عبابسة – يحتوي خرائط تفصيلية للجزيرة).
- Fabrice Balanche, The Geopolitics of the Syrian Civil War. (خرائط دقيقة لتوزع الثروات والسيطرة).
- Hanna Batatu, The Old Social Classes and the Revolutionary Movements of Iraq. (حنا بطاطو – المرجع الاجتماعي الأهم للعراق والجزيرة الجنوبية).
- Hanna Batatu, Syria’s Peasantry, the Descendants of Its Lesser Rural Notables, and Their Politics. (كتاب بطاطو عن فلاحي سوريا – يغطي الجزيرة السورية بدقة).
- UN-ESCWA Reports on Water Resources in the ESCWA Region. (تقارير الإسكوا عن المياه في دجلة والفرات).
- Karen Radner, Ancient Assyria: A Very Short Introduction. (لفهم الإرث الآشوري).
- Philip Hitti, History of Syria: Including Lebanon and Palestine.
- Albert Hourani, A History of the Arab Peoples.
- مذكرات رمضان باشا شلاش. (إن وجدت طبعات محققة، أو ما كُتب عنه في الصحف الدمشقية 1919-1920).
- الوثائق العثمانية (Başbakanlık Osmanlı Arşivi): دفاتر الطابو والتحرير الخاصة بولاية ديار بكر والرقة.





اترك رداً على 3aynwowإلغاء الرد