تُعدّ حمص مثالًا حيّاً على التمازج الثقافي والاجتماعي بين مختلف القبائل العربية، خاصّة اليمانية منها. وساهمت الهجرات اليمانية في تشكيل هويّة المدينة وتاريخها، منذ القرن الرابع قبل الميلاد، ممّا جعلها نقطة التقاء حضاري بين جنوب الجزيرة العربية وبلاد الشام. وفي الحقبة التي سبقت الإسلام، كانت حمص محطّة مهمّة للقبائل اليمانية سواء عبر الهجرات أو النشاط التجاري. فمهّد استقرار القبائل القحطانية اليمانية وتأثيرها الثقافي والاقتصادي والديني لوجود قوي لهذه القبائل في الفترات اللّاحقة، بما في ذلك حقبة الإسلام.
وينبغي هنا التنويه إلى أنّ التسمية المعاصرة لمدينة {حمص} تحوير اسمها القديم {إميسة} 𐡀𐡌𐡉𐡔𐡀\ܐܡܣܐ أي الشمسيّة (بنت الشمس)، نسبة إلى اسم الشمس {مي} 𐡌𐡉. من {إميسة} صارت {هميس} على طريقة الأنباط التي تبدل همزة التعريف حرف هـ، ثمّ تحوّرت على حوحأة هذيل وفحفحة بعض بطون طيء والأزد وتميم. الذين يبدلون الهاء حاء، فصارت حمص.

في حقبة الإميّة (إميّايا 𐡌𐡉𐡀𐡉𐡀)
خلال الحقبة السلوقية وما سبقها تبع أغلب العرب القيسيّين ديانة الشمس، في حين تبعت طيء ديانة القمر. كانت عاصمة ديانة الشمس (مي) 𐡌𐡉 المقدّسة قبل القرن العاشر قبل الميلاد في مدينة الرقّة، التي فيها معبد داگون (دجن) المقدّس، نفس المعبد الذي حجّ إليه الفينيقيّون ومن تبع ديانتهم من الإغريق من كلّ أنحاء البحر المتوسط.
في القرن العاشر قبل الميلاد خسر عبدة {مي} 𐡌𐡉 معبدهم المقدّس لمصلحة الدولة الأسوريّة الحديثة “مات أشُّر”، وانتقلت القداسة من بعدها إلى مدينتين تنافستا على ريادة ديانة الشمس، هنّ إميسا (حِمْصَ) في سوريا، ومدينة فرات ميسان (ميشان 𐭬𐭩𐭱𐭠𐭭) في العراق. وسبب التنافس كان ببساطة مساعي فريقين من العرب للحيازة على رئاسة ديانة الشمس، وهم الطيايا في ميسان، والجيس في حِمْصَ.
في حِمْصَ، وتحت سلطة السلوقيّين، نشأت في القرن الثالث قبل الميلاد مملكة إميسان الغربية (مملكة إميسه) برئاسة الفيلسوف {يمليكو} 𐡉𐡌𐡋𐡊𐡅 (توفّى ٢٤٥ ق.م) الذي حمل في الإغريقية اسم {يامبليخوس} Ἰάμβλιχος بسبب انتشار مذهبه الفلسفي في كلّ أرجاء المملكة السلوقيّة وبين العديد من القبائل الإغريقيّة والفرنجيّة والتركيّة في البلقان. وانتشرت فلسفة يمليكو داعياً إلى عبادة إله الجبل 𐡁𐡋𐡄𐡀𐡂𐡀𐡋 والحجر الأسود المقدّس الذي أرسله إله الجبل من السماء، ثمّ أودعه العرب في معبد إله الجبل المقدّس في مدينة حِمْصَ.
وكما ذاعت دعوة يمليكو في قبائل أمم مختلفة، ذاعت كذلك في جزيرة العرب ودانت بها قبائل عدّة، من القيسية واليمانية. فدخلت فيها قبائل قحطانية مهمّة، مثل قبائل كلب وهمدان وكندة، بالإضافة إلى الغساسنة. واستضافت حمص هجرات على موجات عدّة استقرّت فيها، من هذه القبائل. كان بأغلبها سبب الحج (إلى معبد الجبل المقدّس والحجر الأسود)، وكذلك لكون حمص صارت عقدة تجارتهم جميعاً، تجمعهم على اقتصاد واحد.
وطالما أنّها كانت في الأصل حضر من المزارعين، فإنّ أغلب القبائل اليمانية التي استقرّت حول حمص أدخلت أساليب زراعية متقدّمة استفادت منها المدينة، بفضل خبرة تلك القبائل في الري والزراعة. وهو ما انعكس على اقتصاد المنطقة، وزاد من تمسّك الجيس (نسل يمليكو) بوجود هذه القبائل واستمرار هجراتها من الجنوب. وفي نفس الوقت، صارت شبكة هذه القبائل في جزيرة العرب امتداد لحضور مملكة حمص الديني، حتّى لو ما تبعت مناطقهم لحمص سياسيّاً.
في الواقع، قداسة ملوك حمص وصلت حتّى المغرب العربي، واستفاد منها الرومان لاحقاً لتدعيم سلطتهم شمال غربي أفريقيا. ومن مظاهره مثلاً زواج الإمبراطور {سپتيميوس سيڤيروس{ سنة ١٨٧ بالأميرة الحمصية (وهي على عمر ١٧ سنة) {جوليا دومنا بنت يوليوس بسيانوس} كاهن معبد إله الجبل الأقدس في حمص. واستفاد سپتيميوس من مكانة عائلة بسيانوس المقدّسة حتى صار إمبراطوراً مطلقاً سنة ١٩٣.
وكانت {جوليا دومنا} ذات نفوذ سياسي كبير، وشاركت في إدارة شؤون الإمبراطورية، حتى من قبل وصول زوجها إلى العرش. من طريق أملاك عائلتها الواسعة في مختلف مناطق الإمبراطورية الرومانية. واشتهرت برعايتها للأدب والفلسفة، وجمعت حولها مجموعة من المفكّرين والفلاسفة، وأنفقت على حياة العديد منهم، لتشجيعهم على التفرّغ للإنتاج العلمي.

في الحقبة الرومانية
عقب انهيار الدولة السلوقيّة في القرن الأوّل قبل الميلاد، استقلّت مملكة إميسان الغربيّة برئاسة سلالة {شمس إگِرَم} (شمشگرم) ܫܡܫܓܪܡ الحمصيّة، التي استطاعت في سنة ٤٦ ق.م الوصول إلى اتّفاق مع روما، منحها الحماية الرومانيّة، منعاً لضمّها إلى المملكة الأشكانيّة الناشئة على الشرق في العراق، بديلاً عن المملكة السلوقية. وبهذا حافظت مملكة حِمْصَ على استقلالها، ومكّن الرومان لعاصمتها قداستها الخاصة كسباً لعباد مي (إميّايا) العرب. وصعدت مكانتها حتّى صار الإمبراطور الروماني لا ينال شعبية كافية إن لم يتزوّج أميرة حمصيّة من بني بسيانُس (خدم جرم الشمس).
أسّس مملكة حمص سنة ٤٦ ق.م الملك ”سَمپسي گِرَمُس الأوّل“ Σαμψιγέραμος Sampsigeramus I ويرد اسمه في المصادر العربية باسم {شميس بن العزيز} وفي الآرامية {شميس غرام} 𐡔𐡌𐡉𐡔 𐡂𐡓𐡌. ونال إلى جانب صفته الملكية صفة قداسة روحيّة ككاهن أكبر لديانة إله الجبل، التي عبدت الحجر الأسود في حمص والشمس مي 𐡌𐡉 أو سوريا Σύριος (سوريوس)، وصار على إثرها يحمل لقب {شيخ العرب}.

سنة ٧٨ توفّى الملك الحمصي {گَايُس أُوليُس ألِكسيون} Γάϊος Ἰούλιος Άλεξίων وظنّ الكثيرون أنّ مملكة حمص العربية الرومانية انتهت بوفاته، بسبب غياب التدوينات عن المملكة عقب وفاته. ولا توجد أيّ تدوينات تتحدّث فعلاً عن نهاية مملكة حمص. وكان {گَايُس أُوليُس} حمل لقباً آخر غير {ألِكسيون} هو لقب ديني نقرأه {سَمپسي گِرَمُس} Σαμσιγέραμος تماماً كاسم أو لقب جدّه المؤسّس الأول. ويبدو أنّ هذا اللّقب الديني رافق كلّ ملوك أسرة {بسيانُس} على حمص، لذا يُعتقد بأنّ لهذا اللّقب الآرامي علاقة برتبة الكاهن الأعظم للشمس.
{ألِكسيون} كان ملكاً مختلفاً ومتميّزاً بين الملوك، إذ جمع في أنسابه العرب والإغريق والأرمن والمديان والبربر واللاتين الرومان، وهو ابن الملك {صُهيم} الحمصي من زوجته الأميرة {درُزيلّا المَوريتانية} (المغربية). و{صهيم} (سحيم) عربي من بيت خليط فيه أمّهات من الأرمن والماديين. في حين كانت {درُزيلّا} پطُلمية إغريقية حفيدة لـ{كليوپترا السابعة} وسليلة زواج بربري-حمصي في الواقع، فوالدتها هي {جوليا أورانيا}، أميرة حمصيّة -مورتانية هي الأخرى، أبوها الملك البربري {پطُليمُس بن جوبا الثاني} أنجبها من زوجته {كليوپترا سِلِني}. ساعدت هذه الأنساب على ارتقاء وريادة مكانة الأسرة الحمصية حدّ القداسة في عموم الإمبراطورية الرومانية.
في عهد الإمبراطور {كاراكلّا} وما بين سنتي ٢١١ و ٢١٧ ارتقت مدينة حمص إلى رتبة مستعمرة رومانية انتصب عليها {يُليُس بسيانُس} حاكم مستعمرة وهو والد زوجة {كاراكلّا}، فجعل {كاراكلّا} من مدينته التي نشأ فيها أهمّ مدن المشرق الروماني، وعزّز من انتشار ديانتها في عموم الإمبراطورية الرومانية، ومنح العائلات الحمصيّة احتكار تجارة القمح والعنب والزيتون ومنتجاتهم. كما ساهمت كتائب المملكة الحمصية العسكرية في عموم العمليات العسكرية حول العالم الروماني، حتى في بريطانيا.
هنا صارت حمص أثرى مدن أبرشية المشرق وأهمّ المدن العربية في الشمال، وفي هذا الزمن بالذات وقبلها بستّ سنوات كان كلّف كاراكلّا {جفنة الغساني} مهمّة حماية الحدود الشرقية للإمبراطورية الرومانية ومنحه جباية ضرائب سوريا وفِينيقيا وفلسطين (وكانت حمص عاصمة إدارية لفينيقيا). وهنا مُنح جفنة مرتبة {بطريق} الدينية، وكانت العرب لم تزل على ديانة الشمس.
برغم انتقال أنساب {سَمپسي گِرَمُس} الحمصية إلى مدينة روما من بعد ٢١٧ بانتقال {جوليا دومنا} و {جوليا مَيسا} للإقامة في روما، لكن أبيهم يُليُس بسيانُس بقي حاكماً على مستعمرة حمص الرومانية ولم يترك المدينة، وبقيت من بعده سلالته على حكم المدينة. وأرى أنّ حكم هذه الأسرة قد استمرّ عبر الغساسنة، الورثة الحقيقيّين لعرش سَمپسي گِرَمُس وبيت بسيانُس.

في حقبة المسيحية
في عهد الحارث الثاني (٣٦٠-٣٧٣ م) دخلت المسيحية إيمان الغساسنة وشاعت في مملكة حمص، حتّى بدّل الغساسنة دائرة الشمس على رايتهم ووضعوا في مكانها صورة القدّيس سركيس Σέργιος (سرجيوس، سرقيس) الرصافي. هنا، دانت العرب اليمانية (التي كانت في حلف حمص من بدايتها) بالمسيحية العربية، وتبعت الغساسنة. برغم بقاء معبد إله الجبل على حاله وشعائره في حمص. غير أنّ مركز الحجّ انتقل مع المسيحية من حمص إلى رصافة الفرات قرب الرقّة. العاصمة المقدّسة القديمة.


وطالما أنّها كانت مدينة مقدّسة، برزت حمص كمركز مسيحي رئيس في القرن الثالث الميلادي، على يد أسقفها الشهير {پولس السميساطي} الذي تولّى منصب بطريرك أنطاكية عام ٢٦٠م، ما أعطى لحمص أهميّة دينية متزايدة في المنطقة. وسكن المدينة مجتمع مسيحي كبير ضمّ قبائل عربية تنصّرت مثل تنوخ وسليح وغسّان. ونشأت على أرضها مدرسة لتعليم اللّاهوت باللّغة الآرامية والعربية ما ساهم بنقل اللاهوت المسيحية إلى الطلّاب العرب الذين قصدن حمص من مختلف أنحاء جزيرة العرب. وكان أسّس المدرسة الأسقف {سلڤانوس} عام ٣١٢م. واستشهد سلڤانوس مع عدد من تلاميذه في عهد الإمبراطور {گاليريوس} Galerius Valerius Maximianus فصار للمدرسة مكانة معنوية خاصّة.
شهدت كنائس حمص في القرن الرابع مجادلات لاهوتية مهمّة حول طبيعة المسيح، وكانت كلّها مجادلات بين أساقفة عرب، حملت موروثاً عربياً. وأثّرت هذه النقاشات في قرارات مجمع نيقية عام ٣٢٥م… وصلتنا مخطوطات سريانية وعربية من تلك الفترة تشرح المواقف اللّاهوتية لأساقفة حمص. واستمرّ الدور المسيحي للمدينة بعد الفتح المسلم. فاحتفظت الكنائس بمكانتها، وبقي المسيحيّون العرب فيها يمارسون شعائرهم بحرّية. ولهم اليوم حيّ {الحميدية} في حمص القديمة.
تركت حمص المسيحية أثراً عميقاً في تاريخ المسيحيّة العربية، ويشهد عليه تراثها المعماري والفكري الباقي حتى اليوم.
![قصر وجزء من مدينة حمص، المعروفة قديماً باسم إيميسا، رسم [Louis-François] كاساس Cassas، نقش [Simon-Charles] ميجير Miger.](https://i0.wp.com/albukhari.com/wp-content/uploads/2025/01/cassas_miger_chateau_et_portion_de_la_ville_de_hemss_jadis_emese.jpg?resize=1216%2C716&ssl=1)
في حقبة الإسلام
بعد فتح الإسلام لبلاد الشام في القرن السابع الميلادي، برزت مراكز القبائل اليمانية في الشام عواصم عسكرية واقتصادية للدولة الجديدة، ووفدت عليها المزيد من الهجرات اليمانية لتمكين هذه السلطة الجديدة. برزت قبيلة كلب بحمص وصارت المدينة في منزلة مركز القبائل اليمانية في الصراع التقليدية مع القيسية. ثمّ إنّ كلب صارت حرّاس البيت الأموي، ولا سيّما في العهد المرواني وحقبة التعريب. وشاركت كلب مدينة حمص مع همدان وكندة وحِميَر اللاتي امتلكن الكثير من أراضي المنطقة الزراعية.
في الواقع، كثرت بنات كندة في حمص حتّى صارت عاصمة لهم في جزيرة العرب كلّها، وصار يقال حمص كندة، وحمص الكندية، وصارت لهم المدارس والمراكز العلمية والثقافية وسيطروا على الحركة الصناعية في المدينة. واستمرّ تنفّذ الكنديين في حمص حتّى في العهد العبّاسي. حين صار لهم القضاء في المدينة. ومن أشهرهم القاضي والشاعر الكندي علي بن الجهم بن بدر بن الجهم الذي تولّى القضاء في عهد الخليفة العبّاسي المتوكل.
استقرّت الموجات الجديدة من همدان وكندة في البلقاء، وارتبطت بحمص لاستقرار زعامات العشائر فيها، وكان له دور بارز في فتوحات المسلمين. وساهم استقرار القبائل اليمانية في حمص والبلقاء وداريا (في دمشق) في تعزيز الروابط الثقافية والاجتماعية بين جنوب الجزيرة العربية والشام. وانعكس ذلك في العادات والتقاليد واللّهجات المحلّية، ممّا أثرى التنوّع الثقافي في حمص.
في عهد الأزديّين الغساسنة، ثمّ بعد التحوّل إلى الإسلام، عُرفت العديد من مدن الشام مراكز استقرار لهجرات يمانية استمرّت بعد التحوّل إلى الإسلام، وربّما بوتيرة تسارعت أكثر. فكثر الأزد في دمشق وطبريّة، ويقال أنّ تجمّع الأزد في دمشق آنذاك فاق تجمّعاتهم في مدن العرب كلّها. واستهدفت حِميَر حمص وقيسارية، وصارت لجذام عسقلان وبيسان، ولخم في اللّد وطبرية.
بعض المصادر القديمة، مثل كتاب {المنمّق في أخبار قريش} لمحمد بن حبيب و{نسب معد واليمن الكبير} لابن الكلبي، تحدّثت عن انتشار القبائل القحطانية اليمانية شمالاً، وأشارت إلى تأثيرها في مدن مثل حمص. عبد الهادي النجار في كتابه {الموجز في تاريخ مدينة حمص وآثارها}، أشار إلى استقرار القبائل العربية في حمص ودورها في تشكيل تاريخ المدينة. والنقوش التي عُثر عليها في جنوب الجزيرة العربية وفي مناطق شمالية تُظهر وجود أسماء وألقاب لقبائل يمنية استقرّت في الشام، وجلّها من المزارعين.

العرب في نصوص هيبوليتوس الرومي
مثيرة النصوص التي نجدها في كتب القدّيس هيبوليتوس الرومي حول العرب لما فيها من تناقض صريح مع معتقدات كلّ القوميّين من كلّ الحركات القوميّة في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى اتّفاقها المطلق مع المنطق الاجتماعي وسياق الانسياب التاريخيّ.
القدّيس إپّوليتُس Hippolytus (هيبوليتوس الرومي) هو عالم عقيدة مسيحيّ ومؤرّخ من القرن الثاني وُلد في روما حوالي سنة ١٧٠ وتوفّى في سردينيا سنة ٢٣٥. تعود أصول أهله إلى مملكة الپنطس (تركيا المعاصرة)، وعاش داعياً الناس إلى المسيحيّة في مدينة روما. ترك إپّوليتُس كتباً عديدة بالإغريقية يهمّنا منها هنا كتابين بعنوان {كتاب الشرائع وأورَنيُس} و {كتاب شرائع البلدان}.
وأورَنيُس أو يورانُس هو ملك حمص في فترة من النصف الأوّل من القرن الثالث، واسمه الكامل هو Lucius Julius Aurelius Sulpicius Severus Uranius Antoninus وعُثر على نقود حمصية مضروب على وجه منها وجه أورَنيُس مع اسمه بالحرف الإغريقي، وعلى الوجه الثاني مضروب رسم لمعبد {إيل گَبَل} (إله الجبل) الحمصي وفي قلبه الحجر الأسود المقدّس. ومن المهمّ أنّ أذكر هنا أنّ مملكة حمص امتدّت آنذاك من فنيقيا اللّبنانية شمالاً (فنيقيا الداخل) وحتّى شمال الحجاز جنوباً. وهي مملكة عاشت حليفة للرومان من القرن الأول قبل الميلاد حتّى القرن السادس؛ حين انفرطت إلى ١٨ طائفة.

في هذين الكتابين سابقيّ الذكر يتحدّث إپّوليتُس عن سكّان شبه الجزيرة العربية؛ حيث ورد فيهما تقسيمه للعرب إلى ثلاث شعوب: {الطائيّين Țayyēyē (طسَيّيي)}، و{السراسين Saraceni (سَرَگينِ)}، و{الأعراب Árabes (آرَبيس)}. ويشير إلى انقسام هؤلاء {الآرَبيس} إلى مجموعتين: {پراتي prōtoi} و {ديتِري deúteroi} ومعانيهنّ ببساطة: الأولى والثانية.
عرّف إپّوليتُس {عرب طي (طسَيّيي)} بأنّهم ينتمون إلى خيبر شمال يثرب ويتمدّدون منها حتى نهر الفرات، وسمّاهم يهود العربيّة. كما عرّف العرب {السراسين (السَرَگينِ)} بأنّهم يستوطنون الأراضي إلى الشمال من طي، من شمال الحجاز حتى سوريا وسمّى المنطقة فنيقيا، وتحدّث عن قدراتهم العسكرية العالية وبأنّهم يناهضون روما ويرفضون الخضوع للإمبراطورية؛ لذا سمّاهم الرومان {بربر}. ثمّ قال أنّ {الأعراب (آرَبيس)} هم سكّان البلاد إلى الجنوب من طيء والسراسين.

عاد إپّوليتُس بأصول الأعرب الأوائل {الپراتي} إلى اندماج الشعبين {الكِدرو kedroúsioi} و{الأمو alamousnoi}، أو قصد أن التسميتين {الكِدرو} و{الأمو} هنّ في الواقع تسميتين لذات الشعب {الآرَبيس (الأعراب)}. ويقول إپّوليتُس أنّ {الأمو} يعودون بنسبهم إلى جدّ اسمه {سَبَط بن إيكتَن Iektan} ولا أعرف ما هو التعريب المحتمل لاسم الجدّ الأخير هذا. ويعتقد الدكتور يان ريتسوه Jan Retsö من جامعة گوتِنبورگ أنّ {سَبَط Sabat} هو في الواقع سبأ المذكور في التوراة باسم محرّف.
يتحدّث إپّوليتُس كذلك عن منطقة الجزيرة الفراتيّة، ويقول بأنّ العرب الذين سكنوا شمال الحجاز هم ذاتهم العرب الذين سكنوا منطقة الجزيرة الفراتية منذ ما قبل الفترة الأشكانية-الپارثية، ما دفع المملكة الأشكانية لتسمية الجزيرة بمحافظة العربية {عرب إستان}. وهي محافظة امتدّت حدودها من شمال الجزيرة حتّى شمال الحجاز؛ وكان متنها في شمال الجزيرة. والمملكة الأشكانية هي المملكة التي حكمت العراق وإيران قبل المملكة الساسانية وبعد المملكة السلوقية.
مثيرة نصوص إپّوليتُس (هيبوليتوس الرومي)، أليس كذلك؟ إذ يتّضح من كلامه أن حال العرب في الفترة الرومانية لم يتغيّر كثيراً عن حال العرب اليوم ولا عن حال العرب في القرن السابع. ما ينفي بشدّة أن يكون انتشار العرب قد حدث زمن الدولة الإسلامية الأولى، بل يعود بتواجد العرب حيث هم اليوم إلى زمن طويل يسبق الإسلام.
مراجع
- Ball, Warwick. “Rome in the East: The Transformation of an Empire”, Routledge, 2016.
- Macdonald, Michael C.A. “Literacy and Identity in Pre-Islamic Arabia”, Routledge, 2009.
- Butcher, Kevin. “Roman Syria and the Near East”, Getty Publications, 2003.
- Shahîd, Irfan. “Byzantium and the Arabs in the Fifth Century”, Dumbarton Oaks, 1989.
- Fisher, Greg. “Between Empires: Arabs, Romans, and Sasanians in Late Antiquity”, Oxford University Press, 2011.
- النجار، عبد الهادي. “الموجز في تاريخ مدينة حمص وآثارها”، دمشق، 1971.
- ابن الكلبي، هشام بن محمد. “نسب معد واليمن الكبير”، تحقيق ناجي حسن، عالم الكتب، 1988.
- Kaizer, Ted. “The Religious Life of Palmyra”, Franz Steiner Verlag, 2002.
- Bowersock, G.W. “Roman Arabia”, Harvard University Press, 1994.





اترك رداً على سورية العربية – الأيام ميدياإلغاء الرد