تحتضن أزقّة دمشق القديمة قصصاً ترويها الحجارة العتيقة جيلاً بعد جيل. تسير في شوارعها فتلمس آثار حضارات تعاقبت على أرضها منذ آلاف السنين. ويبرز حيّ القيمريّة بموقعه المتميّز في قلب المدينة شاهداً على تحوّلات عميقة طرأت على المكان وساكنيه. تمتدّ جذور هذا الحيّ العريق إلى عصور ما قبل الميلاد، عندما شغل المكان جزءاً من حرم معبد حدد القديم. ثمّ تطوّر الحيّ عبر العصور ليصبح مركزاً مهمّاً للتجارة والعلم والفنون.

قد يكون حيّ القيمريّة ثاني أقدم أحياء دمشق أو ثالثها، بعد حيّ العمارة الجوّانية. يتميّز بعدم تماسّه مع أيّ من جدران سور دمشق القديم فهو في الوسط تماماً. في قلب دمشق. كان الحيّ جزء من حرم معبد حدد القديم (داگون 𐤃𐤂𐤍) ما بين السور الخارجي للمعبد وسوره الداخلي. ثمّ زال السور الخارجي وبقي السور الداخلي سوراً لحرم المسجد الأمويّ الدمشقي. وبقي من ذلك السور القديم باب مدفون ثلثيه تحت الأرض، يسمّيه الناس اليوم باب جيرون. وهو اليوم يتوسّط حيّ القيمريّة. وينسبه الناس خطأ إلى معبد جوبيتر الروماني، لكنّه بعيد في الواقع عن حدود معبد جوبيتر القديم، وأُهمل وزال جداره قبل العصر الروماني بنحو ألف سنة.

الاسم القديم لحي القيمريّة كان آيا ماريا أو الدرب المريمية، وتغيّر إلى القميرية نسبة إلى المدرسة القيمريّة، التي بناها سنة 1267 الأمير الأيّوبيّ ناصر الدين بن أبو الفوارس القيمري. واشتُهرت المدرسة القيمريّة لأنّ الأمير أنشأ لها مسجداً ثمّ جعله وقفاً للقطط، فعمّم على أهل دمشق أنّ من يملك قطّة لا يستطيع إطعامها أن يضعها في هذا المسجد حيث تقدّم لها الرعاية والطعام بالمجّان. وهكذا شاع بين الناس تسمية مسجد القيمرية بمسجد القطط، وضاع صيته بين الناس. رعى خادم المسجد القطط داخله لقرون عديدة. وجلب الناس قططهم إليه ليطعمها ويعتني بها. ثمّ وبعد استملاك الحكومة السورية للوقف، تولّت امرأة رعاية القطط بعد وفاة آخر خادم. درّست مدرسة المسجد العلوم الشرعية واللّغة العربية والرياضيات.
تعود تسمية الحي القديمة آيا ماريا أو الدرب المريمية نسبة إلى الطريق الواصلة إلى الكاتدرائية المريمية. ويُعتقد أنّ التسمية شاعت بين أهل دمشق سنة 314 بعد براءة ميلان وإيقاف اضطهاد المسيحية. ولو أنّني أعتقد أن المريمية موجودة في مكانها وباسمها من قبل المسيحية، ارتباطاً بديانة سبقتها. يفسّر المسيحيّون اسم الكنسية المريمية بمعنى “رقاد السيّدة”، وهي التي صارت بالرومية آيا ماريا أي قداسة مريم (الطهارة)، والسبب أنّ الكنيسة امتلك في نفس الشارع ديراً للراهبات وميتماً للبنات اللّواتي يصبحن راهبات. وكان درب مريم أو الدرب المريمية يمتدّ أساساً بين الكنيسة والدير والميتم، وصار في مكانه اليوم ميتم القدّيس پندلايمون للبنات.

خلال العهد العثماني تحوّلت إدارة وقف مسجد القيمرية إلى إدارة وقف التكية السليمانية، التي أنشأت كذلك وقف “مرجة الحشيش” الذي خصّصته للخيول والبغال والحمير المتقاعدة. وكان واجب الاعتناء بهذه الحيوانات يقع على عاتق الطلّاب من سكّان التكيّة السليمانية. بعد زوال الدولة العثمانية أزيلت أوقاف الحيوانات كلّها، لتتحوّل أرض مرج الحشيش إلى “معرض دمشق الدولي”، بينما أعيد ترميم المدرسة القيمرية سنة 1956 ليُزال مبنى المدرسة القيمرية الصغرى، في حين تمّ ضمّ جزء من المدرسة القيمرية الكبرى إلى مسجد القيمرية لتوسعته. وبهذا زالت المدرسة تماماً من الحضور.
في كتاب تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام المؤلف يذكر شمس الدين الذهبي أنّه في سنة 1287 توفّى في البيمارستان النوري رجل سمّاه “البديع الساعاتي” ولا يذكر اسمه الحقيقي، ويقول بأنّه صنع ساعات وُزّعت على جدران المدرسة القيمرية. ما يعني أنّ السخاء في الإنفاق على هذه المدرسة كان واضحاً وأنّها كانت أحد أهمّ كليّات دمشق في القرن 13، وربّما بعده.

مخطّط مدينة دمشق القديمة سنة 1910 وعليه مخطّط المعالم الرئيسيّة لما كانت عليه المدينة قبل العهد الروماني. والمخطّط عن كتاب:Dorothée Sack. Damaskus. Entwicklung und Struktur einer orientalisch-islamischen Stadt. von Zabern, Mainz 1989.
لوّنت المعالم موضوع هذه التدوينة لتمييزها، وهي كالتالي:
- باللون الأزرق الطريق المحيطة بالسور الخارجي لمعبد حدد (داگون).
- باللون البنفسجي “قدس الأقداس” peribolos حرم معبد حدد (داگون).
- باللون البرتقالي المسجد الأموي، والمنطقة المنقّطة حواليه هي حرم المسجد temenos وسورها هو السور الخارجي لحرم المسجد الأموي اليوم، وداخل المنطقة التي يقع عليها المسجد الأموي اليوم كان فيها مكان يسمّى “بيت قدس الأقداس” cella حيث التماثيل المعظّمة.
- باللون الأخضر الفاتح حرم الأگورا.
- باللون البنّي الفاتح الطريق التي كانت تحيط بالسور الخارجي للأگورا.
- بالأخضر الداكن طريق اسمها “الطريق المقدّس” Via Sacra تصل الأگورا بحرم المعبد، وتتصل به عبر باب جيرون.
- باللون البنّي الداكن الطريق الشرقي، وكان يصل ما بين باب توما وباب كيسان.
- باللون الأحمر الشارع المستقيم، أقدم شوارع دمشق الناجية، ويصل باب شرقي بباب الجابية.
- المنطقة المؤطّرة بالأخضر الفاتح هي منطقة القيمرية اليوم، ونلاحظ باب جيرون في وسطها.
الأبواب:
- باللّون الأحمر باب جيرون.
- باللّون الأزرق باب الجابية، باب كوكب المريخ؛ وكان يخرج على بحيرة اصطناعية.
- باللّون الأخضر باب شرقي، باب شروق الشمس.
- باللّون البرتقالي باب توما، باب كوكب الزهرة. وهو في الأصل باب ديدِيمُوس Δίδυμος (التوأم) سبب تسمية المدينة بدمشق.
- باللّون الفوشي باب كيسان، باب كوكب زُحَل.
بكلّ حال، يتوسّط حيّ القيمرية موقعاً مميّزاً في قلب دمشق القديمة إذ تحيط به من كلّ الجوانب مبان على مستوى عال من الأهميّة التاريخية، كالمسجد الأموي ومقهى النوفرة والكنيسة المريمية والزاوية السعدية حمّام البكري وحمّام نور الدين الشهيد. وفي الحيّ البيمارستان النوري (متحف تاريخ الطب عند العرب) ومكتب عنبر وخان أسعد پاشا وخان السفرجلاني.
خلال القرن 19 ومطلع القرن 20 صار حيّ القيمرية أهمّ أحياء الطبقة الوسطى المتعلّمة، وصار موطناً لرجال الأعمال الدمشقيّين الكبار ومقرّاً لمكاتبهم وشركاتهم، وهم الذين اختاروا بناء قصورهم في حيّ سيدي عامود إلى جوار القيمرية. هذه الشركات التي كانت في القيمرية كانت تدير تجارة واسعة تمتدّ شبكاتها من جزر الفيليپين شرقاً حتى الأرجنتين غرباً، وكان من بينها أكبر شركاء التجارة البريطانية والألمانية في المشرق. ثمّ سنة 1925 قصفت القوّات الفرنسية حي سيدي عامود فأزالته وصار اسمه من وقتها الحريقة، وهاجرت شركات حي القيمرية تنزح عن قصورها التي تركتها، لتصبح مبانيها اليوم فنادق راقية وگاليريات ومطاعم.

تروي قصّة حيّ القيمريّة مسيرة دمشق عبر العصور. تنطق جدرانه العتيقة بحكايات المعابد والكنائس والمساجد. وتشهد أزقّته على تعايش الأديان والحضارات. يحكي تراثه المعماريّ عن ازدهار التجارة والعلوم والفنون. وتستمرّ حياة الحيّ اليوم متجدّدة في فنادقه وگاليريّاته ومطاعمه، لتضيف فصلاً جديداً إلى قصّة دمشق المستمرّة. ويبقى حيّ القيمريّة شاهداً حيّاً على عراقة دمشق وأصالتها، يجمع بين عبق الماضي ونبض الحاضر.
الكتاب المذكور اسمه الكامل: تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام المؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (المتوفى: 748هـ) المحقق: الدكتور بشار عوّاد معروف الناشر: دار الغرب الإسلامي الطبعة: الأولى، 2003 م عدد الأجزاء: 15 أعده للشاملة/ مصطفى الشقيري.







اترك رد