أردت تقديم إجابة للسؤال المستفزّ “شو فرقتو عن بشار الأسد؟”. ولكي لا يتّهمني البعض بالتنظير من فوق، أجريت دراسة تحليلية متعمّقة لحوار اجتماعي-سياسي دار على منصّة فيسبوك في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة في سوريَا (آذار ٢٠٢٥). فمَا هو مسرود في هذا التقرير لا يقف على أرائي الشخصية وحدها، بل هو تحليل وجمع لآراء السوريّين أنفسهم، من مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية.
تناول بحثي تحليل منشور واحد استمرّ لمدّة ١٤ ساعة متواصلة وجمع مئات التعليقات من أطراف متنوّعة تمثّل مختلف الاتجاهات السياسية والمجتمعية في سوريَا. اخترت هذا الحُوَار تحديداً لأنّه شكّل مرآة صادقة للانقسامات والتحوّلات في المجتمع السوري خلال المرحلة الانتقالية الحرجة.
استخدمت منهجيّة تحليل المحتوى النوعي لفهم أنماط الخطاب، الحجج المستخدمة، والديناميكيات النفسية والاجتماعية التي كشفت عنها التفاعلات. ومكّنتني هذه المقاربة من توثيق لحظة تاريخية فارقة عبر عيّنة حوارية حقيقية غير منقّحة، تظهر المخاوف، الآمال، والتحدّيات التي تواجه المجتمع السوري في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد.
تقرير تحليلي:
حكومة أحمد الشرع ونظام الأسد – الفروقات والتحدّيات
مقدّمة
سقط نظام الأسد في ٨ كانون الأول ٢٠٢٤ بعد أكثر من نصف قرن من الحكم الاستبدادي، ومرّت سوريا بمرحلة انتقالية تحت حكم الحكومة الوطنية المؤقّتة برئاسة أحمد الشرع. واجهت الحكومة الجديدة في ٨ آذار ٢٠٢٥ محاولة انقلابية من فلول النظام السابق، وأثارت هذه الأحداث سؤالاً استفزازياً متكرّراً على منصّات التواصل الاجتماعي: “شو فرقتو عن بشار الأسد؟”

الفروقات الجوهرية بين حكومة الشرع ونظام الأسد
١. المسؤولية والشفافية
- اعترفت الحكومة الوطنية المؤقّتة بوقوع تجاوزات وانتهاكات خلال التصدّي للانقلاب
- أصدرت الحكومة قرارات فورية بتشكيل لجان تحقيق مستقلة
- ظهر الرئيس أحمد الشرع ثلاث مرّات خلال الأزمة للتواصل مع الشعب
- وبالمقارنة: رفض نظام الأسد الاعتراف بالجرائم وأنكر استخدام الأسلحة الكيماوية والبراميل المتفجرة طوال ١٤ عاماً
٢. نطاق الانتهاكات
- تركّزت الانتهاكات الحالية في فترة زمنية محدودة وفي مناطق محدودة
- استهدفت العمليات العسكرية للحكومة الجديدة العناصر المسلّحة من فلول نظام الأسد
- وقعت بعض الانتهاكات ضدّ مدنيين بصفة تجاوزات فردية غير ممنهجة
- مارس نظام الأسد القمع كسياسة دولة منتظمة على مدى ٥٤ عاماً
- في عشر سنوات قتل نظام الأسد أكثر من مليون شخص وشرّد عشرة ملايين آخرين
- في عشر سنوات أعدم نظام الأسد ٣٥٠ ألف شخص تحت التعذيب في السجون
٣. منهجية التعامل مع المعارضين
- أطلقت الحكومة الوطنية المؤقّتة بعد التحرير عفواً عامّاً شمل كثيراً من أتباع النظام السابق
- سمحت الحكومة الوطنية المؤقّتة للمواطنين بحرّية التعبير والنقد
- فرضت الحكومة الوطنية المؤقّتة إجراءات أمنية مشدّدة فقط عند وقوع تهديد مباشر للأمن العام
- اعتمد نظام الأسد سياسة القبضة الأمنية والاعتقال التعسّفي لأي معارض أو منتقد
- عدّ نظام الأسد المعارضين “جراثيم” و”إرهابيين” منذ اليوم الأول للاحتجاجات عام ٢٠١١
- منع نظام الأسد أي شكل من أشكال المعارضة أو النقد

التحليل النفسي والاجتماعي للحوار
أنماط الخطاب السائدة
١. الخطاب العاطفي
- برزت ذكريات الألم والمعاناة في تعليقات الكثيرين ممن عاشوا فترة حكم نظام الأسد
- استذكر المشاركون مجازر تاريخية مثل حماة ١٩٨٢، تدمر ١٩٨٠، وكيماوي غوطة دمشق ٢٠١٣
- عبر بعض المشاركين عن صدمتهم من عودة العنف مجدداً بعد سقوط النظام
٢. خطاب الإنكار والتبرير
- ظهرت محاولات لتبرير العنف الحالي كرد فعل متوقّع على ٥٤ عاماً من الظلم
- دافع بعض المشاركين عن الانتهاكات الحالية بوصفها “غير ممنهجة” و”محدودة”
- اتّهم مؤيّدو النظام السابق الحكومة الجديدة بنفس الممارسات القمعية
٣. خطاب العدالة والإنصاف
- طالب كثيرون بمحاسبة مرتكبي الانتهاكات من جميع الأطراف
- برزت دعوات لتطبيق العدالة الانتقالية
- أكّد معظم المشاركين على رفضهم قتل المدنيين مهما كانت انتماءاتهم
الأبعاد الطائفية في النقاش
- ظهر توتّر واضح بين المكوّنات السنية والعلوية في المجتمع السوري
- اتّهم بعض المشاركين العلويّين بالتواطؤ الجماعي مع نظام الأسد
- دافع آخرون عن ضرورة عدم تعميم المسؤولية على طائفة كاملة
- برزت مخاوف من تحول الصراع السياسي إلى صراع طائفي
التأثيرات النفسية للصدمة الجماعية
- عانى المجتمع السوري من صدمة جماعية نتيجة عقود من العنف والقمع
- أدّت الصدمة إلى تبني خطاب الضحية والجلاد عند طرفي النزاع
- تعزّز الشعور بالخوف والقلق من المستقبل
- تطوّرت مشاعر الانتقام لدى بعض ضحايا النظام السابق
- تعمّقت الهويات الطائفية كمصدر للحماية والانتماء

تحدّيات بناء المستقبل
١. تعزيز سيادة القانون وثقافة حقوق الإنسان
- تواجه الحكومة الوطنية المؤقّتة تحدّي تأسيس منظومة قضائية مستقلّة
- تحتاج سوريا لبناء تراث جديد يحترم الحقوق والحريات
- تتطلّب المرحلة الانتقالية تطوير آليات محاسبة فعالة
٢. تحقيق المصالحة الوطنية
- تتطلّب المصالحة الحقيقية الاعتراف بالانتهاكات وتحمّل المسؤولية
- تحتاج سوريا لبناء جسور الثقة بين مختلف مكوّنات المجتمع
- يستلزم تجاوز الماضي عملية طويلة من الحُوَار الوطني والعدالة الانتقالية
٣. مواجهة إرث الخوف والكراهية
- طبعت عقود النظام الطائفي والقمعي النفسية السورية بالخوف
- تتطلّب المرحلة علاجاً نفسيّاً جماعيّاً للصدمات
- تستدعي عملية التعافي مبادرات مجتمعية لبناء التعايش السلمي
خاتمة
اختلفت حكومة أحمد الشرع عن نظام الأسد في جوهر الممارسة السياسية وطبيعة التعامل مع الشعب. برغم وقوع انتهاكات خلال فترة حكمها حديثة العهد، تميّزت الحكومة الوطنية المؤقّتة بالاعتراف بالمسؤولية، والشفافية، والمحاسبة، والتعامل مع الانتهاكات بصفة تجاوزات فردية تستوجب العقاب، لا كسياسة ممنهجة كما فعل نظام الأسد على مدى عقود.
تحتاج سوريا اليوم إلى تعزيز هذه الفروقات وترسيخها أساس لبناء دولة ديمقراطية تحترم حقوق جميع مواطنيها. تشكّل المرحلة الانتقالية فرصة تاريخية لكسر حلقة العنف وبناء مستقبل أفضل، رغم التحدّيات الهائلة التي تواجه هذه العملية.

خلاصة الدراسة
تتبّعت هذه الدراسة حواراً واحداً استمرّ ١٤ ساعة على منصة فيسبوك عقب أحداث آذار ٢٠٢٥ في سوريَا، وكشفت عن ديناميكيّات اجتماعية وسياسية عميقة تميز المرحلة الانتقالية.
أظهر التحليل وجود انقسام جوهري في تقييم الأحداث، مع اتّفاق واسع بين المشاركين على رفض مقارنة الحكومة الوطنية المؤقتة بنظام الأسد. برزت فروقات رئيسية مثل اعتراف الحكومة الجديدة بالتجاوزات، ومحدودية نطاق الانتهاكات مقارنة بالممارسة الممنهجة لنظام الأسد، ووجود آليات للمساءلة والمحاسبة.
كشف الحُوَار عن جراح مجتمعية عميقة وصدمات نفسية جماعية تركها حكم الأسد، مع ظهور نزعات انتقامية لدى البعض وخوف من المستقبل لدى آخرين. تجلّى البعد الطائفي بوضوح، ممّا يشير إلى تحدّيات كبيرة أمام المصالحة الوطنية.
برغم محاولات بعض المشاركين تبرير الانتهاكات الحالية، ظهرت مطالبات قوية بمحاسبة مرتكبي التجاوزات من جميع الأطراف، ممّا يظهر تطلّعاً لبناء دولة تقوم على سيادة القانون.
تشير نتائج الدراسة إلى أنّ المجتمع السوري يمرّ بمرحلة تحوّل صعبة، تتصارع فيها قيم العدالة مع رغبات الانتقام، والمساءلة مع المصالحة. لذا، يمثّل هذا الحُوَار نافذة على التحدّيات الهائلة التي تواجه عملية إعادة بناء النسيج الاجتماعي السوري وتأسيس نظام سياسي يضمن حقوق جميع السوريين.





اترك رد