في عالم ما بين الفلسفة والأدبيّات العلمية، يكثر تداول مصطلح {تقاطع السُبُل}، وهو المفهوم الأكثر تأثيراً في حياتي ومعتقداتي.
السُبُل سبيلات سابلة، والسابلةُ: المختلفةُ في الطُّرُقات للحوائج، وجمعه سوابِلُ. والسَّبَلُ: المَطَرُ، والسبيل درب المطر، وجمعه سُبُل، وطريق مَسْبُول أي مَسْلوكٌ. ~ الفراهيدي.

مصطلح {تقاطع السُبُل} يتحدّث عن اللّحظة الساحرة التي يلتقي فيها أشخاص، أو تتقاطع أحداث، أو تتلاقى أفكار. هي لحظة التلاقي التي تحمل في طيّاتها قصصاً لم تحدث بعد ومعان تنتظر الإيضاح. لكن، هل تعتقد أنّ هذا التقاطع يحدث بمحض الصدفة؟ أم أنه نتيجة لأحداث سابقة؟ هنا يأتي دور الفلسفة الحتمية Determinism. والحتمية هي فكرة تقول «إنّ كل شيء يحدث لسبب، وأنّ هذا السبب هو نتيجة لأحداث سابقة».
إذا نظرنا إلى {تقاطع السُبل} بواسطة عيون الحتمية، نرى أنّ هذا التقاطع ليس بصدفة، بل هو نتيجة لتراكم وتسلسل أحداث سابقة. تلك اللّحظة التي يلتقي فيها شخصين، أو يحدث حدث، أو تتلاقى فكرتين، كانت محدّدة حتماً بناءً على مجريات الأحداث السالفة. وفي هذا الإطار، {تقاطع السُبل} ليس نتيجة لاختيارات عشوائية أو صدفة، بل هو جزء من نسيج الحياة الأكبر الذي تحدّده قوانين الطبيعة والأحداث التي حدثت في الماضي.
مصطلح {تقاطع السُبل} (أو المسارات) يشير عادة إلى الظروف التي يلتقي فيها شخصان أو يلتقيان في مساراتهما الحياتيّة. وهذا اللّقاء قد يكون مادّيًاً، كلقاء الأشخاص صدفة في مكان معين، أو يكون مجازيًاً، بمعنى انتقال الأشخاص إلى مراحل متشابهة في حياتهم. مثلاً، قد يكون لقاء شخصين في أثناء السفر بالقطار، أو يدخلون الجامعة معاً، أو يبدآن العمل في نفس المكان في ذات الوقت. أمّا في السياق المجازي، فقد يلتقي الشخصين عبر أيّ وسيلة أو منصّة، في حين تكون فيه ظروفهم متشابهة أو حتّى متماثلة.
ويحمل مفهوم {تقاطع السُبل} في كثير من الأحيان نَغْمَة رومانسية أو مصيريّة. لذا اتّجه بعض الفلاسفة إلى تفسير هذا التقاطع كالقدر أو الحتميّة التي تجلب الأشخاص معاً لحاجة ما، وقد يكون لهذا التقاطع تأثيرات عميقة ودائمة على حياتهم.

أغلب قدامى الفلاسفة يرون أنّ مصطلح {تقاطع السُبل} يشير إلى الأشخاص الذين التقوا في الماضي؛ ربّما في حياة سابقة، أو في مرحلة سابقة من هذه الحياة. ثمّ ساروا في مسارات مختلفة، ولكنّ الظروف قادتهم إلى التقاء مرّة أخرى. وهكذا يشير {تقاطع السُبل} إلى إعادة التقاء أو إعادة الاتّصال بين الأشخاص الذين كانوا جزءاً من حياة بعضهم البعض في السابق. حتّى لو كان هذا الاتّصال السابق مجهولاً لدى الشخصين.
الفيلسوف العربي المرسي {ابن عربي}، الذي عاش في القرون الوسطى؛ وكان واحداً من أعظم الفلاسفة الصوفيّين، تحدّث كثيراً في مفهوم {تقاطع السُبل} على أنّه جزء من الرابطة الأكبر والأكثر تعقيداً بين الكائنات والأحداث في الكون. وفي هذا الإطار، ليست الصدفة أو القدر هما المحرّكان الوحيدان لتقاطع السُبل، بل هو جزء من النسيج الأكبر للواقع، حيث كلّ شيء متّصل ومتداخل بطريقة معقّدة وغير مباشرة.
وعن {ابن عربي} نقل بعض الفلاسفة الغربيّين، مثل الفرنسي {ديكارت} René Descartes والإنگليزي {برتراند راسل} Bertrand Russell، فناقشوا العلاقة بين الأحداث الفيزيائية والأحداث العقلية. وناقشوا مفهوم {تقاطع السُبل} من ناحية كيف يمكن للأحداث الخارجية (مثل التقاء الأشخاص) أن تؤثّر على الأحداث الداخلية (مثل الأفكار والمشاعر). وعلى خطى {ابن عربي} طوّر الألماني {ليبنتس} Gottfried Wilhelm Leibniz مفهوم «التناغم المسبق» Pre-established Harmony الذي يشرح كيف أنّ كلّ الأحداث في الكون متناغمة ومترابطة، ويقدّم هكذا منظوراً فلسفياً يدعم فكرة {تقاطع السبل}.

عموماً، وعلى الرغم من أنّ {تقاطع السُبل} قد لا يكون مصطلحاً رسميّاً في الأدبيّات العلميّة التقليدية، فإنّ الفكرة الأساسيّة لتقاطع وتتداخل المسارات بطرق معقّدة هو موضوع بحث شائع في العديد من التخصّصات العلمية. ولمفهوم {تقاطع السُبل} تفسيرات عديدة في ميكانيكا الكم أو فيزياء الكم، خصوصاً عند النظر فيها من طريق عدسة مفهوم «المبدأ غير المحدّد» أو مفهوم «التداخل».
في مفهوم «المبدأ غير المحدّد» في ميكانيكا الكم، هناك مفهوم يدعى «مبدأ هايزنبيرگ لعدم اليقين» (على اسم الألماني Werner Heisenberg)، الذي ينصّ على أنّه لا يمكن تحديد موقع الجسيم وسرعته بدقّة في نفس الوقت. هذا المفهوم فسّر {تقاطع السبل} بفكرة أنّ الطرق التي يمكن أن تجري فيها حياتنا ليست دائماً محدّدة بشكل واضح، وتتغيّر بناء على الظروف والحاجات.
في مفهوم «التداخل» في ميكانيكا الكم، يرى الأميركي {ريتشارد فاينمان} Richard Feynman أنّ الموجات الكمومية للجسيمات يمكن أن تتداخل مع بعضها البعض، ممّا يؤدّي إلى تأثيرات غير عادية، مثل التداخل الكمّي. هذا يفسّر مفهوم {تقاطع السبل} على أنّ حياتنا يمكن أن تتداخل وتتأثّر بحياة الأشخاص الآخرين بطرق غير متوقّعة، لكن لأسباب فيزيائية محدّدة.
هناك عدة فلاسفة وعلماء آخرين ناقشوا مفاهيم مشابهة لتقاطع السبل، وإن لم يستخدموا هذا المصطلح تحديداً. منهم مثلاً الألماني {كارل يونگ} Carl Gustav Jung الذي طوّر مفهوم «التزامن» Synchronicity الذي يصف الأحداث المترابطة التي تظهر معاً بشكل ذي معنى، دون وجود علاقة سببيّة واضحة. مفهوم يونگ يشبه كثيراً فكرة {تقاطع السبل}، خاصّة في بُعدها الروحي والنفسي.
الفيلسوف العربي {أبو حامد الغزالي} تحدّث عن «موافقات القدر» في كتابه {إحياء علوم الدين} وناقش كيف تتقاطع مسارات البشر بتدبير إلهي، وهكذا قدّم رؤية روحانية تتوافق مع مفهوم {تقاطع السبل}. وفي نفس السياق كتب البلخي {جلال الدين الرومي} كثيراً عن اللّقاءات المصيرية في أشعاره، خاصّة في قصة لقائه بـ{شمس التبريزي} وهذا يعتبر مثالاً حيّاً لمفهوم {تقاطع السبل}.
على جانب آخر نجد الألماني الأميركي {آينشتاين} Albert Einstein الذي، برغم أنّه لم يناقش المفهوم مباشرة، إلّا أنّ نظريّته في النسبية قدّمت إطاراً فيزيائياً لفهم كيف يمكن للزمان والمكان أن يتشابكا، ممّا يقدّم بُعداً علميّاً إضافياً لفهم {تقاطع السبل}. وعلى ذات السياق قدّم الفرنسي {هنري برگسون} مفهوم «الديمومة» الذي يناقش كيف أنّ الزمن والخبرة متداخلان، وهذا المفهوم يقدّم رؤية فلسفية تساعد في فهم الطبيعة الزمنية لـ{تقاطع السبل}.
تحدّث الفيلسوف الصيني {لاوتسي} 老子 في كتاب {تاو تي تشينگ} عن تقاطع المسارات حين شرح كيف أنّه يرى أنّ الطريق (تاو) يجمع كلّ المسارات معاً، وهذا يقدّم منظوراً شرقيّاً يتوافق مع مفهوم {تقاطع السبل} كما هو عند العرب.

هؤلاء المفكّرون، برغم اختلاف مصطلحاتهم وأطرهم الفكرية، قدّموا جميعاً إسهامات تثري فهمنا لمفهوم {تقاطع السبل}، وتظهر كيف أنّ هذه الفكرة تتجاوز الحدود الثقافية والزمنية والفلسفية. كلّ منهم قدّم منظوراً فريداً يساعدنا في فهم هذه الظاهرة المعقّدة من زاوية مختلفة.
يمكن القول بالخلاصة أنّ مفهوم {تقاطع السُبل} هو مفهوم ذو طابع إنساني عميق ومتعدّد الأبعاد، يجمع بين الفلسفة والعلوم والروحانية. وبواسطة فهم هذا المفهوم، نكتشف كيف يمكن أن تتداخل حياتنا مع حياة الآخرين بطرق لا يمكن توقّعها أو حتى فهمها بالكامل. هذا التقاطع، سواء كان ماديّاً أو مجازيّاً، قادر على أن يغيّر مسارات حياتنا بالكامل.
إنّ التفكير في {تقاطع السُبل} يدعونا إلى النظر في العالم والأحداث من منظور أكثر ثقلاً، ككتلة واحدة متداخلة. ويعزّز تقديرنا للعلاقات والتجارب الإنسانية، ويشجّعنا على الاعتراف بأنّ حياتنا ليست منعزلة، بل هي جزء من نسيج أكبر؛ من أحداث وعلاقات. وفي النهاية، يمكن أن يعلّمنا {تقاطع السُبل} أنّ حياتنا متشابكة بطرق لا يمكن فصلها، وأنّ الصدفة والقدر والاختيارات الشخصية كلّها تؤدّي دوراً في تشكيل هذا التشابك العميق والمعقّد.
مراجع:
- ابن عربي. ١٩٨٠. “فصوص الحكم”. دار الكتب العربي. بيروت.
- ديكارت، رينيه. ١٩٩٨. “التأمّلات الفلسفية”. تَرْجَمَة محمد قدور. دار الطليعة. بيروت.
- راسل، برتراند. ٢٠٠٤. “مشكلات الفلسفة”. تَرْجَمَة عبد الله الديك. دار الكتاب الجديد. بيروت.
- هايزنبرگ، فيرنر. ٢٠٠٧. “جزء والكل: محادثات في الفيزياء والفلسفة”. تَرْجَمَة حسن زهران. دار الكتب العربي. بيروت.
- فاينمان، ريتشارد. ٢٠١١. “QED: النظرية الغريبة للضوء والمادة”. تَرْجَمَة صالح عبد الحميد. دار الكتب العربي. بيروت.
- الجيلاني، محمد. ٢٠١٦. “الرابطة بين العقل والمادة: دراسة في الفلسفة والفيزياء”. دار الفكر. دمشق.
- السيد، محمد. ٢٠١٩. “الفلسفة والعلم: تقاطع الطرق وتداخل المفاهيم”. دار النهضة العربية. بيروت.
- يونغ، كارل غوستاف. ١٩٩٥. “التزامن: مبدأ الارتباطات غير السببية”. تَرْجَمَة وجيه أسعد. دار الحوار. دمشق.
- بوبر، مارتن. ٢٠٠٨. “أنا وأنت”. تَرْجَمَة عبد الغفار مكاوي. دار التنوير. بيروت.
- الغزالي، أبو حامد. ٢٠٠٥. “إحياء علوم الدين”. دار المعرفة. بيروت.
- الرومي، جلال الدين. ٢٠٠١. “المثنوي”. تَرْجَمَة إبراهيم الدسوقي شتا. المجلس الأعلى للثقافة. القاهرة.
- آينشتاين، ألبرت. ٢٠١٣. “النسبية: النظرية الخاصة والعامة”. تَرْجَمَة ردة الله الطلحي. مكتبة العبيكان. الرياض
- لايبنتز، غوتفريد. ٢٠٠٩. “المونادولوجيا والمبادئ العقلية للطبيعة والفضل الإلهي”. تَرْجَمَة عبد الغفار مكاوي. المركز القومي للترجمة. القاهرة.
- لاوتسي. ٢٠١٧. “تاو تي تشينغ: الكتاب المقدس للطاوية”. تَرْجَمَة هادي العلوي. دار المدى. بغداد.
- برغسون، هنري. ٢٠١٥. “التطور الخلاق”. تَرْجَمَة محمد محمود قاسم. مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت.





اترك رداً على مؤنس بخاريإلغاء الرد