تُمثّل هجرة الشوام إلى أميركا الجنوبية إحدى أبرز حركات الانتقال السكّاني في تاريخ المشرق العربي الحديث، وما تركته من آثار اقتصادية واجتماعية لا تزال ماثلة حتى اليوم.
هاجر نحو نصف مليون شخص من الشام – التي كانت تشمل لبنان الحالي وسوريا وفلسطين والأردن – إلى القارّتين الأميركيّتين بين ثمانينيّات القرن التاسع عشر وعشرينيات القرن العشرين، وشكّل هؤلاء المهاجرون نسيجاً تجاريّاً فريداً امتدّ من المدن الكبرى إلى أقصى الأرياف النائية.
استقرّ منهم ما بين ربع مليون إلى ثلاثمئة ألف نسمة في أكبر ثلاث دول بأميركا الجنوبية وهي الأرجنتين والبرازيل والمكسيك، فيما توزّع الباقون على بلدان القارّة الأخرى.
ولعلّ أكثر ما يستوقف الباحث في هذه الظاهرة هو الأثر العميق الذي خلّفه هؤلاء المهاجرون في تطوير شبكة واسعة من المتاجر والصيدليّات أدّت دوراً حيويّاً في إيصال الأدوية والعقاقير إلى المناطق النائية التي افتقرت إلى الخدمات الصحية الرسمية.


نموّ مذهل: واقع اليوم
لم تتوقّف الحكاية عند وصول نصف مليون مهاجر شامي إلى شواطئ الأمريكتين، بل تحوّلت هذه الموجة البشرية المحدودة إلى ظاهرة ديموغرافية استثنائية شهدت تضاعفاً هائلاً عبر الأجيال المتعاقبة. ففي حين استقرّ ما بين ربع مليون إلى ثلاثمئة ألف نسمة في الأرجنتين والبرازيل والمكسيك وحدها خلال الموجة الأولى (١٨٨٠-١٩٢٦)، تشير التقديرات المعاصرة إلى أنّ عدد المنحدرين من أصول شامية في القارّتين الأميركيّتين تجاوز ثلاثين مليون نسمة اليوم، أي ما يعادل ستّين ضعفاً للعدد الأصلي للمهاجرين.
تتصدّر البرازيل هذه القائمة بفارق كبير، إذ يُقدّر عدد المنحدرين من أصول لبنانية وسورية فيها بما بين سبعة إلى ثلاثة عشر مليون نسمة، يعود معظمهم بجذورهم إلى حمص واللّاذقية. وهذا يعني أنّ عدد السوريّين في البرازيل وحدها يفوق عدد سكّان لبنان نفسه بأضعاف مضاعفة. أمّا في الأرجنتين، فيُقدّر عدد المنحدرين من أصول سورية بنحو ستّة ملايين شخص، مع نحو مليون ونصف إلى مليوني منحدر من أصول لبنانية، ما يجعل الجالية الشامية في الأرجنتين تُمثّل نحو ثلاثة عشر بالمئة من مجموع السكّان. وفي المكسيك، يُقدّر عدد المنحدرين من أصول لبنانية بنحو أربعمئة ألف نسمة، فيما تصل تقديرات أخرى إلى ما يقارب المليون إذا أُضيف إليهم المنحدرون من أصول سورية وفلسطينية وعربية أخرى.
ولا تقتصر الأعداد الكبيرة على هذه البلدان الثلاثة الكبرى، بل تمتدّ إلى بقية دول القارّة بأعداد لافتة:
- كولومبيا مليون ونصف المليون،
- ڤنزويلا مليون ونصف المليون،
- الولايات المتحدة ثمانية ملايين،
- وكندا أربعة ملايين.
يكشف هذا النموّ الاستثنائي عن نجاح غير مسبوق في التجذّر والاندماج، برغم أنّ معظم أحفاد هؤلاء المهاجرين لم يعودوا يتحدّثون العربية، وأصبحت معرفتهم باللّغة في أحسن الأحوال مقتصرة على بضع كلمات أساسية متداولة داخل الأسرة.
يُعزى هذا التضاعف الهائل إلى عدّة عوامل متداخلة. منها ارتفاع معدّلات المواليد في الجاليات الشامية خلال العقود الأولى من الاستقرار، وارتفاع معدّلات الزواج المختلط الذي جعل نسبة كبيرة من المنحدرين ينتمون إلى أصول شامية جزئيّاً، وتحسّن الظروف الاقتصادية والصحّية في بلدان الاستقبال ما أدّى إلى انخفاض معدّلات الوفيات، فضلاً عن موجات هجرة إضافية متأخّرة وصلت بعد الحرب العالمية الثانية وخلال الحرب الأهلية اللّبنانية (١٩٧٥-١٩٩٠).
غير أنّ هذا النجاح العددي ترافق مع تحوّل ثقافي عميق، إذ اندمج المهاجرون وأحفادهم في المجتمعات المحلّية بسرعة ملحوظة، وتسلّقت الإسپانية والپرتغالية إلى لغاتهم الأمّ، فيما حافظوا على بعض العادات الغذائية والاجتماعية التي تذكّرهم بجذورهم الشامية. وهكذا، تحوّلت الجاليات الشامية من أقلية مهاجرة صغيرة إلى مكوّن أساسي من النسيج السكّاني والاقتصادي والسياسي لدول أميركا اللّاتينية، حتى وصل بعض أحفادهم إلى أعلى المناصب، مثل الرئيس الأرجنتيني السابق كارلوس منعم المنحدر من يبرود بريف دمشق، والرئيس البرازيلي الحالي ميشال تامر المنحدر من أصول لبنانية، والملياردير المكسيكي كارلوس سليم الحلو الذي كان لفترة أغنى رجل في العالم.

الدوافع وراء الهجرة الكبرى
لم تكن الهجرة الشامية مدفوعة بالاضطهاد الديني كما روّج البعض، بل كانت الأسباب الاقتصادية هي الدافع الرئيس. انهار اقتصاد الحرير في جبل لبنان الذي كان يُشكّل ستين بالمئة من إجمالي الناتج المحلي مع بداية القرن العشرين، وتراجعت صناعة النسيج في داخل الشام الكبرى، ما دفع آلاف الشوام للبحث عن فرص أفضل وراء البحار.
كما أدّى النموّ السكاني في جبل لبنان وتأسيس المدارس والمستوصفات الطبّية على أيدي المبشّرين إلى انخفاض معدّلات الوفيّات وارتفاع مستوى التعليم، ما أنتج أعداداً من المتعلّمين فاقت الوظائف المتاحة. فاستجاب المهاجرون الشوام للقوى الاقتصادية الجديدة التي ربطت اقتصادات البحر المتوسّط والمحيط الأطلسي ببعضها في أواخر القرن التاسع عشر، وانخرطوا في صناعات التصنيع والتجارة الصغيرة في المجتمعات التي استقبلتهم.

رحلة المسكاتي إلى صاحب المتجر
بدأ أغلب المهاجرين الشوام مسيرتهم التجارية في العالم الجديد باعة متجوّلين، حاملين بضائعهم من بيت إلى بيت ومن قرية إلى قرية. في البرازيل، عُرف هؤلاء باسم “المسكاتي” mascate، وهي كلمة پرتغالية ذات جذور عربية قديمة تعود إلى مسارين متوازيين: الأوّل لغوي مباشر من الكلمة العربية “مِسكات” (جمع مِسكة) التي تعني موضع حفظ البضائع، التي دخلت الپرتغالية في أيّام الحكم الإسلامي للأندلس؛ أمّا المسار الثاني فيرتبط بإمبراطورية مسقط البحرية، حيث كانت موانئ مسقط العُمانية مراكز تجارية مهمّة تعامل معها الپرتغاليون في المحيط الهندي.
أما في البلدان الناطقة بالإسپانية، فقد عُرف هؤلاء الباعة المتجوّلون باسم “البوهونيروس” buhoneros، وهي كلمة مشتقّة من “بوهون” التي تعني البضائع الصغيرة أو الرخيصة. كان البائع المتجوّل يحمل حقيبة كبيرة أو صندوقاً مليئاً بالأقمشة والأكسسوارات والعطور والأدوات المنزلية، ويتنقّل عبر الأنهار الساحلية للوصول إلى القرى المعزولة والبدائية التي لم تكن تبلغها المتاجر الثابتة.
نجح كثير من هؤلاء الباعة في تجميع رأس مال كافٍ مكّنهم من فتح متاجر ثابتة في المدن الساحلية ثمّ في الداخل. ولم تكن هذه المتاجر متخصّصة في نوع واحد من البضائع، بل باعت أصنافاً شتّى شملت المواد الغذائية والملابس والأدوات المنزلية، وأيضاً الأدوية البسيطة والعقاقير، ما جعلها تؤدّي دوراً شبيهاً بالصيدليّات في المناطق التي انعدمت فيها الخدمات الطبية والصحّية.

ظاهرة “متجر التركي” عبر القارّة
برغم أنّ معظم هؤلاء المهاجرين لم يكونوا أتراكاً بالمعنى القومي، بل كانوا من رعايا الدولة العثمانية السابقين، فقد سجّلتهم سلطات الهجرة بصفة “أتراك” لأنّهم حملوا جوازات سفر عثمانية. وأطلق السكّان المحلّيّون في أميركا الجنوبية كلّها لقب “تركي” turco على هؤلاء المهاجرين، وهو ما عدّه المهاجرون العرب أنفسهم وصفاً مهيناً، لكنّه ارتبط بنمط تجاري محدّد انتشر في معظم دول القارّة، وإن اختلفت التسميات المحلّية للمتاجر باختلاف اللّغات والمناطق.
ففي بوليڤيا، عُرفت كلّ المتاجر الصغيرة في منتصف القرن العشرين باسم “دكّان التركي” la tienda del turco أو “دكّان العربي” la tienda del árabe، لأن المهاجرون من الشام هم من نشر عادة المتجر الصغير (الدكّان). سجّل الإحصاء الوطني لبوليڤيا عام 1900 وجود ست وثمانين مهاجراً ناطقاً بالعربية فقط، لكن هذا العدد المتواضع لم يمنع هؤلاء من ترك أثر ملموس في الحياة التجارية. أسّس هؤلاء المهاجرون، ومعظمهم من اللّبنانيّين والسوريّين الذين وصلوا منذ أواخر القرن التاسع عشر، متاجر باعت الأدوية إلى جانب السلع الأخرى.
وفي الأرجنتين، فتحت الجاليات الشامية متاجر البقالة العامة المعروفة باسم “الألماسينيس” almacenes، وهي كلمة إسپانية تعني المخازن أو المتاجر الكبيرة، منحوتة من الكلمة العربية “المخزن”. هاجر إلى الأرجنتين ما بين عامي 1891 و1920 نحو 367,348 شخصاً من أصول عربية، واستقرّ معظمهم في مقاطعات بوينس آيرس وقرطبة وسالتا وخوخوي وتوكومان ولاريوخا وسان خوان ومندوزا وسانتياگو ديل إستيرو وميسيونس وچاكو ومنطقة پاتاگونيا. كانت هذه المتاجر أكبر من البقالة التقليدية الصغيرة، إذ احتوت على مساحات تخزين واسعة، وباعت مجموعة متنوّعة من المنتجات اليومية شملت المواد الغذائية والملابس والأدوات المنزلية والأدوية البسيطة.

أما في البرازيل، البلد الوحيد الناطق بالپرتغالية في القارّة، فقد أسّس المهاجرون السوريّون واللّبنانيون متاجر “الأرمازينس” armazéns، وهي الكلمة الپرتغالية المقابلة للإسپانية almacenes. ويُقدّر أنّ البرازيل تضمّ اليوم ما لا يقلّ عن ستة ملايين برازيلي من أصول لبنانية، ما يجعل عدد اللّبنانيين في البرازيل أكبر من عدد سكّان لبنان نفسه. وعُرفت هذه المتاجر أيضاً باسم “لوياس دي توركو” lojas de turco أي “متاجر التركي”. ويُظهر هذا التوازي اللّغوي كيف تطوّرت الظاهرة الاجتماعية والاقتصادية ذاتها في بلدين متجاورين لنفس التأثيرات الخارجية.
وفي چيلي، وصل التجّار الفلسطينيّون حوالي عام 1880، واستقرّوا بأعداد أقل في پيرو وبوليڤيا والإكوادور. وسجّل إحصاء السكّان عام 1895 أوّل تسجيل رسمي لوجود العرب في چيلي، وبحلول عام 1940 قدّر دليل الجالية العربية في چيلي عددهم بنحو 13,466 شخصاً. ويُقدّر اليوم أنّ 800,000 چيلي ينحدرون من أصول شامية، نصفهم تقريباً من أصول فلسطينية. برز في سانتياگو دي چيلي حيّ فلسطيني مميّز هو حيّ پاترونات، الذي احتضن أوّل كنيسة أرثوذكسية بناها الفلسطينيّون عام 1917، واشتهر بورش الخياطة الصغيرة ومتاجر الملابس ومساكن الجيلين الأوّل والثاني من المهاجرين الفلسطينيّين.
وفي كولومبيا، سيطر التجّار اللّبنانيون والسوريّون على المتاجر الصغيرة المعروفة باسم “ألماسين ديل توركو” el almacén del turco، مسجّلين حضوراً تجاريّاً واسعاً في المدن والأرياف. استخدم الوافدون السوريّون، الذين جاء معظمهم من خلفية فلّاحية من قرى نائية أو طبقة عاملة، الأنهار الساحلية طرق للتجارة مع سكّان القرى البدائية المعزولة (للسكّان الأصليّين)، وبفضل عزيمتهم وعملهم الشاق والمهارات التجارية التي ورثوها عن أجدادهم، ازدهروا وفتحوا متاجرهم الخاصّة في المدن الساحلية الكولومبية.
وفي ڤنزويلا، وصلت الموجة الأولى من المهاجرين الناطقين بالعربية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، معظمهم من الشبان العزّاب من سوريا ولبنان. عرف الناس متاجر المهاجرين العرب باسم “بوديگاس ديل توركو” bodegas del turco أي “حانوت التركي”. والبوديگا كلمة إسپانية تعود أصولها إلى اللّاتينية apothēca التي تعني المخزن (الصيدلية). اشتغل المستوطنون العرب سنوات طويلة في مختلف أنواع التجارة مثل النسيج وإصلاح الأحذية وبيع الأجهزة وإصلاحها والمطاعم والملابس، كما انخرطت الجالية العربية التي استقرّت في جزيرة مارگاريتا في صيد اللّؤلؤ في البحر الكاريبي. وتُعدّ ڤنزويلا تقليديّاً واحدة من أكثر البلدان استقبالاً للعرب في أميركا اللّاتينية بعد الأرجنتين والبرازيل، بتعداد يصل إلى 1.6 مليون نسمة من العرب وأحفادهم.
وفي پيرو والمكسيك، انتشرت متاجر اللّبنانيّين والسوريّين في المناطق المدنية والريفية على حدٍّ سواء، مسهمين في ربط المناطق النائية بشبكة التوزيع التجاري.

الطابع التجاري المميّز
أصبح المهاجرون العرب في أميركا اللّاتينية “أقلّيّات وسيطة”، وهو مفهوم يُستخدم لوصف الجماعات التي ترتبط هويّتها القومية بنشاطها التجاري، حتّى غدت كلمة “تركو” مرادفاً للبائع المتجول نفسه.
كانت تجارة التجزئة متخلّفة جداً في أميركا اللّاتينية حتى العقود الأولى من القرن العشرين، فالنخب كانوا ملّاك أراضٍ كبيرة وتجّار جملة، لكنّهم لم يكونوا تجّار تجزئة، إذ كانت الفجوة الاجتماعية بين النخب والجماهير واسعة لدرجة أنّ الاتّصال المباشر بينهم كان أمراً لا يُتصوّر. ملأ المهاجرون العرب الشوام هذه الفجوة، وأدّوا دور حلقة الوصل التجارية بين المنتجين والمستهلكين في المجتمعات المحلّية.
كانت مهنة التجوال شاقّة لكنّها مربحة، واستطاع معظم الباعة المتجوّلين بعد بضع سنوات فتح متاجرهم الخاصة. تميّز التجّار بساعات العمل الطويلة والإنفاق القليل على الاستهلاك الشخصي، مع التركيز على الادّخار، إذ كانت فكرتهم الأساسية العودة إلى بلداتهم الأصلية بالثروة المتراكمة. كان يُنظر إلى المهاجرين العرب في البداية أنّهم غير أوروپييّن، لكنّهم لم يُدرجوا في الفئات القومية الموصومة كمثل السود أو الصفر، وكثيراً ما وصلوا بجوازات سفر أوروپية. هكذا، تقبّلهم السكّان الأصليّون الكارهون للأوروپيّين، وكذلك تقبّلهم المستوطنون الأوروپيّون لأنّهم غير أصليّين ولا عبيد.

إنقاذ الأرياف اللّاتينية وتوفير الأدوية
لم تكن هذه المتاجر صيدليّات بالمعنى الرسمي في بداياتها، إذ لم تخضع للقوانين المنظِّمة لمهنة الصيدلة، ولم يكن أصحابها دائماً من الصيادلة المرخّصين.
تعامَلت الصيدليّات المجتمعية في أميركا اللّاتينية مع شرائح واسعة من السكّان، وخاصّة الفقراء، وكانت معدّلات التطبيب الذاتي مرتفعة، وكثيراً ما توفّرت الأدوية التي تتطلّب وصفة طبّيّة دون وصفة. هنا أدّت متاجر “التركي” دوراً مشابهاً للصيدليّات في المناطق التي افتقرت إلى الخدمات الصحّية، حيث باعت الأدوية البسيطة والعقاقير إلى جانب السلع الأخرى. وكان هذا النمط التجاري ضروريّاً في البلدات الصغيرة والمناطق الريفية التي لم تكن تصلها الصيدليّات الحديثة.
شكّلت الصيدليّات شبكة أمان فعلية للفقراء وغير المؤمّنين، وكانت فعلاً جزءاً من نظام الرعاية الصحّية، لا مجرّد مؤسّسات تجارية. وفي هذا السياق، أسهمت متاجر المهاجرين الشوام في سدّ فجوة شديد الْخَطَر في توفير الأدوية والرعاية الصحّية الأوّلية للمجتمعات النائية والفقيرة.

التطوّر نحو الصيدليّات الحديثة
مع مرور الزمن وتطوّر الأنظمة الصحّية والقانونية في بلدان أميركا الجنوبية، تحوّلت كثير من هذه المتاجر إلى صيدليات حديثة farmacias تعمل وفق القوانين المنظِّمة للمهنة.
تخصّص بعضها في بيع الأدوية حصراً، فيما واصل بعضها الآخر بيع السلع المتنوّعة مع التركيز الأكبر على المنتجات الصيدلانية. وهكذا، أسهم المهاجرون الشوام في تطوير البنية التحتية للخدمات الصيدلانية في مناطق واسعة من القارّة، منتقلين من نموذج المتجر العام الذي يبيع الأدوية ضمن سلع أخرى، إلى نموذج الصيدلية المتخصّصة التي تخضع للمعايير المهنية والقانونية.
الاندماج والإرث الثقافي
اندمج العرب في المجتمعات الأميركية اللاتينية بسهولة نسبية، خاصةً عبر دورهم تجار، برغم أنهم واجهوا تمييزاً باعتبارهم “تُرُكاً”. ارتفعت معدلات الزواج المختلط في الجالية العربية بغض النظر عن الانتماء الديني، ما أدّى إلى تحوّل لغوي واضح بعيداً عن العربية، إذ لا يتحدّث سوى قلّة منهم أي عربية، وغالباً ما يقتصر ذلك على بضع كلمات أساسية. أدرك المهاجرون الناطقون بالعربية أنهم لا يستطيعون الاعتماد على حكومات أميركا اللاتينية لتوفير كل الموارد التي يحتاجونها للانتقال السلس إلى حياتهم الجديدة، فلجأوا إلى جالياتهم وأسّسوا منظمات المساعدة المتبادلة والجمعيات الخيرية، التي وفّرت ليس فقط التدريب اللغوي، بل أيضاً الرعاية الطبية والطعام والقروض التجارية الصغيرة والخدمات الدينية.

طرق متوازية وصدفة عالميّة
من اللّافت للنظر أنّ نماذجاً متشابهة نشأت في ثلاث قارّات مختلفة خلال فترات زمنية متقاربة، دون ظهور دليل على أنها تأثّرت ببعضها البعض مباشرة. هذا النمط من التطوّر المتوازي أو المترادف parallel evolution يُمثّل مثالاً كلاسيكيّاً على كيفية توصّل المجتمعات البشرية إلى حلول متشابهة لمشاكل اقتصادية واجتماعية متماثلة، حتى في غياب الاتّصال والتواصل المباشر بينها. الشوام في أميركا اللّاتينية، السويديّون في أميركا الشمالية، والألمان في ألمانيا.

المسارات الثلاثة المستقلّة
في أميركا الجنوبية، بدأت الظاهرة مع وصول الموجة الأولى من المهاجرين الشوام بين ثمانينيّات القرن التاسع عشر وعشرينيّات القرن العشرين. انطلق هؤلاء المهاجرون باعة متجوّلين حاملين بضائعهم من بيت إلى بيت، ثم تطوّروا تدريجيّاً ليؤسّسوا متاجر ثابتة باعت مجموعة متنوّعة من السلع شملت المواد الغذائية والملابس والأدوات المنزلية والأدوية البسيطة. وبحلول العقود الأولى من القرن العشرين، أصبحت “متاجر التركي” – كما عُرفت – ظاهرة منتشرة في معظم دول القارّة، وأدّت دوراً حيويّاً في سدّ فجوة شديدة الْخَطَر في توفير الأدوية للمجتمعات النائية والفقيرة. وكان الدافع وراء هذا النموذج عمليّاً بحتاً: غياب البنية التحتية التجارية والصحّية في المناطق الريفية، وحاجة المهاجرين لتحقيق الربح من أي سلعة متاحة.
أمّا في الولايات المتّحدة الأميركية، فقد سبق ظهور النموذج المتنوّع ظاهرة أميركا الجنوبية بعقود طويلة. فمنذ القرن السابع عشر، كانت الصيدليات الأميركية (على النموذج العربي) تبيع منتجات متنوّعة إلى جانب الأدوية، وفقاً لنموذج المتجر العام general store الذي كان سائداً في المستوطنات الأميركية المبكّرة. وفي القرن التاسع عشر، باعت الصيدليّات كل شيء من الكتب والقرطاسية إلى ورق الحائط والطلاء والحلوى إلى جانب الأدوية والعقاقير. لكن الثورة الحقيقية جاءت مع چارلز روردولف والگرين Charles Rudolph Walgreen، ابن المهاجرين السويديّين، الذي افتتح أوّل صيدلية له في شيكاگو Chicago عام ١٩٠١ بعد أن عمل في ستة متاجر صيدلية مختلفة واكتسب خبرة واسعة في أساليب الإدارة المتنوّعة.
لم يكن ابتكار والگرين في تنويع البضائع – فهذا كان موجوداً أصلاً – بل في طريقة العرض والخدمة: العرض المفتوح للبضائع بدلاً من الاحتفاظ بها خلف الطاولة، شعبية طاولات الغداء ونوافير الصودا (التي ابتكر فيها مخفوق الحليب بالشعير عام ١٩٢٢)، النظافة والترتيب في مقابل المتاجر الباهتة والكئيبة السائدة، وتصنيع منتجاته الخاصّة لضمان الجودة وتخفيض الأسعار. وبحلول عام ١٩٢٧، كان والگرين قد أسّس ١١٠ متاجر، وفي عام ١٩٥٢ – بعد وفاته بعقود – افتتحت سلسلة والگرينز Walgreens أوّل متجر بنظام الخدمة الذاتية، ليصبح رائداً في هذا المفهوم الذي انتشر بسرعة في جميع أنحاء البلاد.
وفي ألمانيا، جاء التطوّر متأخّراً لكنّه كان مدفوعاً بظروف محلّية مشابهة. في عام ١٩٧٢، افتتح ديرك روسمان Dirk Rossmann (المولود عام ١٩٤٦)، ابن عائلة صيدلانية من هانوڤر Hannover، أول صيدلية خدمة ذاتية في ألمانيا. كان عمره خمس وعشرين عاماً فقط، ولم يكن دافعه مستوحى من نماذج أجنبية، بل من إدراكه أن البيع التقليدي عبر الطاولة لم يعد مناسباً للعصر، ومن استعداده للاستفادة من إلغاء قيود الأسعار الثابتة للمنتجات الصيدلانية المقرّر في عام ١٩٧٣. بعد عام واحد فقط، في ٢٨ آب أغسطس ١٩٧٣، أسّس گوتس ڤولفگانگ ڤيرنر Götz Wolfgang Werner (المولود عام ١٩٤٤) سلسلة دي إم dm في كارلسروه Karlsruhe، مدفوعاً بفلسفة رودولف شتاينر Rudolf Steiner الأنثروپوسوفية وبرغبته في تطبيق مبدأ الخصم على تجارة الصيدليات.
كلا الرجلين نشأ في عائلات صيدلانية عريقة – والد روسمان وجدّه امتلكا صيدلية صغيرة، وعائلة ڤيرنر امتلكت صيدليّات لثلاثة أجيال – وكلاهما كان يسعى لتحديث قطاع راكد ومقيّد بقوانين صارمة. المصدر الرئيس لإلهامهما لم يكن أميركا اللّاتينية – التي لم تُذكر مطلقاً في أي مصدر تاريخي عن الشركتين – بل نموذج الـdrugstores الأميركية الشمالية، خاصّةً والگرينز Walgreens وسي ڤي إس CVS، التي كانت معروفة في أوروپا نماذج ناجحة للبيع بالتجزئة الحديث.

القوى المشتركة التي أنتجت نفس الحل
السبب الحقيقي وراء هذا التشابه المذهل ليس التأثير المتبادل، بل القوى الاقتصادية والاجتماعية المشتركة التي واجهتها المجتمعات الثلاثة في فترات متقاربة:
أولاً: المنطق الاقتصادي البسيط. في كلّ مكان، اكتشف التجّار أنّ بيع الأدوية وحدها يُحقّق هامش ربح محدود، في حين أنّ إضافة منتجات أخرى تزيد الإيرادات من نفس المساحة وتجذب عدداً أكبر من الزبائن. كان هذا المنطق التجاري الأساسي متاحاً لأي تاجر ذكي، سواء في ساو پاولو São Paulo أو شيكاگو Chicago أو كارلسروه Karlsruhe.
ثانياً: غياب الخدمات أو ارتفاع تكلفتها. في أميركا الجنوبية، كانت المناطق الريفية تفتقر إلى أي بنية تحتية تجارية أو صحّية، ما خلق حاجة ماسّة لمتاجر متعدّدة الأغراض. وفي الولايات المتّحدة، كان نموذج المتجر العام سائداً في المستوطنات النائية لنفس السبب. وفي ألمانيا، كان نظام أپوتيكه Apotheke التقليدي مكلفاً جدّاً وغير متاح لشرائح واسعة من السكّان، ما خلق طلباً على بديل أرخص.
ثالثاً: التغيّرات الاجتماعية والديموغرافية. في كلّ المجتمعات الثلاثة، شهد القرن العشرون ارتفاعاً في الوعي الصحّي، وتزايداً في الطلب على منتجات العناية الشخصية، ورغبةً متزايدةً في “التطبيب الذاتي” للمشاكل الصحّية البسيطة دون الحاجة لزيارة الطبيب.
رابعاً: التطوّر القانوني والتنظيمي. في كلّ مكان، حصل تمييز قانوني بين الأدوية التي تحتاج وصفة طبّية (وتُباع حصراً في الصيدليات المرخّصة) والأدوية البسيطة التي يمكن بيعها في متاجر أخرى. فتح هذا التمييز المجال أمام نوع جديد من المتاجر التي تقع في منطقة وسطى بين الصيدلية التقليدية والمتجر العام.
خامساً: ثورة المستهلك وتطوّر التجزئة. الستينيّات والسبعينيّات من القرن العشرين شهدت في كل مكان صعود نموذج “المتاجر الكبرى” ذات الخدمة الذاتية، التي قدّمت للمستهلكين تنوّعاً أكبر وأسعاراً أقل. شمل هذا الاتّجاه العالمي ليس فقط الصيدليّات، بل أيضاً محلّات البقالة والملابس والإلكترونيات.

من التقليد القديم إلى النموذج الحديث
في الحقيقة، فكرة الصيدلية متعدّدة البضائع ليست اختراعاً حديثاً على الإطلاق، بل هي امتداد لتقليد قديم جداً يعود إلى العصور الوسطى. فالصيدليّات في العالم العربي الإسلامي، ثمّ في أوروپا المسيحية، كانت دائماً تبيع منتجات أخرى إلى جانب الأدوية: العطور والبخور ومستحضرات التجميل والتوابل والأصباغ وأحياناً حتى الكتب والقرطاسية، لهذا أطلقت عليها بغداد والقاهرة اسم «أجزاء خانة» (أگزخانة) أي متجر الجزء من كل شي. وانتقل هذا التقليد مع المستوطنين الأوروپيّين إلى العالم الجديد، حيث أصبحت الصيدليّات – أو “المتاجر العامّة” التي تبيع أدوية – جزءاً أساسيّاً من النسيج التجاري للمستوطنات الأميركية منذ القرن السابع عشر.
ما حدث في القرن العشرين لم يكن اختراع هذا النموذج، بل تطويره وتحديثه وتنظيمه بطرق مختلفة في أماكن مختلفة، استجابةً لظروف محلّية متباينة. في أميركا الجنوبية، كان التطوّر عفويّاً وغير منظّم في البداية، مدفوعاً بحاجات السوق وغياب الرقابة القانونية. في الولايات المتّحدة، كان التطوّر أكثر تنظيماً وابتكاراً، مدفوعاً برجال أعمال طموحين مثل والگرين أدخلوا تقنيات جديدة في العرض والخدمة. وفي ألمانيا، كان التطوّر متأخّراً لكنّه كان سريعاً وفعّالاً بمجرّد أن تغيّرت القوانين المنظّمة للقطاع.

الدرس الأكبر
توضّح هذه الحالة التاريخية كيف أنّ الحلول المتشابهة لمشاكل متماثلة يمكن أن تنشأ بشكل مستقل في أماكن متباعدة، دون الحاجة لاتّصال مباشر أو تأثير متبادل. هذه الظاهرة، المعروفة في علم الأحياء التطوّري باسم “التطوّر المتقارب” convergent evolution، تنطبق أيضاً على التاريخ الاقتصادي والاجتماعي: عندما تواجه مجتمعات مختلفة ظروفاً متشابهة، فإنّها غالباً ما تتوصّل إلى استجابات مماثلة، حتى في غياب التواصل بينها.
لكن هذا لا يعني أنّ التطوّر كان متطابقاً تماماً. فالتفاصيل المحلّية – الثقافة، القوانين، مستوى التطوّر الاقتصادي، التقاليد التجارية – أنتجت نكهات مختلفة لنفس الفكرة الأساسية. “متاجر التركي” في أميركا اللّاتينية ظلّت في الغالب متاجر عائلية صغيرة منتشرة في الأرياف تملكها عائلات شامية، وتحوّلت تدريجيّاً إلى صيدليّات حديثة مع مرور الزمن. أمّا سلاسل والگرينز Walgreens وسي ڤي إس CVS في الولايات المتّحدة، فأصبحت شركات عملاقة متعدّدة الفروع بمليارات الدولارات من العائدات. وسلسلتا روسمان Rossmann ودي إم dm في ألمانيا نمتا لتصبحا من أكبر شركات التجزئة الأوروپية، مع توسّع دولي وفلسفات إدارية مميّزة.
في النهاية، تبقى القصّة الأهم هي قصّة القدرة البشرية على التكيّف والإبداع: سواء كانوا مهاجرين شوام يحملون بضاعتهم على ظهورهم في أرياف الأرجنتين، أو صيدليّاً سويديّاً-أميركيّاً يصنع مخفوق الحليب بالشعير في شيكاگو، أو رجلي أعمال ألمانيّين يتحدّيان نظاماً صيدلانيّاً متحجّراً – جميعهم اكتشفوا أنّ تلبية احتياجات الناس بطريقة مبتكرة ومرنة هو مفتاح النجاح التجاري، بغضّ النظر عن الزمان والمكان.


الخلاصة
شكّلت الظاهرة التجارية للمهاجرين الشوام في أميركا الجنوبية جزءاً من نمط أوسع لريادة الأعمال وبناء الجسور الاقتصادية بين المشرق والعالم الجديد. بدأ هؤلاء المهاجرون باعة متجوّلين يحملون بضاعتهم على ظهورهم، ثمّ أسّسوا متاجر صغيرة تطوّرت مع الزمن لتصبح صيدليّات حديثة ومتاجر كبيرة. وسادت مصطلحات “متجر التركي” و”المسكاتي” و”البوهونيرو” في النصف الأول من القرن العشرين، لكنّها أصبحت الآن متقادمة، بل وغير مقبولة في معظم السياقات المعاصرة.
مع ذلك، يبقى الأثر الذي تركه هؤلاء المهاجرون في النسيج الاقتصادي والاجتماعي لأميركا الجنوبية شاهداً على قدرتهم على التكيّف والإبداع، وعلى دورهم المحوري في نقل الخدمات التجارية والصيدلانية إلى أقصى أطراف القارّة، مالئين فجوة حيوية في توفير الأدوية والرعاية الصحية الأولية للمجتمعات التي كانت محرومة من هذه الخدمات.
المراجع والمصادر
- Baeza, Cecilia. “Palestinians in Latin America: Between Assimilation and Long-Distance Nationalism.” Journal of Palestine Studies 43, no. 2 (2014): 59–72. https://doi.org/10.1525/jps.2014.43.2.59
- Balloffet, Lily. “Latin America & the Arab World: One Hundred Years of Migration.” Khayrallah Center for Lebanese Diaspora Studies, NC State University, September 30, 2015. https://lebanesestudies.ncsu.edu/news/2015/09/30/latin-america-the-arab-world-one-hundred-years-of-migration/
- Glade, William. “The Levantines in Latin America.” American Economic Review 73, no. 2 (1983): 118–122.
- Homedes, Nuria, and Antonio Ugalde. “Pharmacies and the Pharmaceutical Industry in Latin America.” World Medical & Health Policy 11, no. 3 (2019): 238–286. https://doi.org/10.1002/wmh3.307
- Issawi, Charles. “The Historical Background of Lebanese Emigration: 1800-1914.” In The Lebanese in the World: A Century of Emigration, edited by Albert Hourani and Nadim Shehadi, 13–31. London: I.B. Tauris, 1992.
- Karpat, Kemal H. “The Ottoman Emigration to America, 1860-1914.” International Journal of Middle East Studies 17, no. 2 (1985): 175–209.
- Khater, Akram. “Why Did They Leave? Reasons for Early Lebanese Migration.” Khayrallah Center for Lebanese Diaspora Studies, NC State University, November 15, 2017. https://lebanesestudies.ncsu.edu/news/2017/11/15/why-did-they-leave-reasons-for-early-lebanese-migration/
- Khater, Akram. “Phoenician or Arab, Lebanese or Syrian: Who Were the Early Immigrants to America?” Khayrallah Center for Lebanese Diaspora Studies, NC State University, September 20, 2017. https://lebanesestudies.ncsu.edu/news/2017/09/20/phoenician-or-arab/
- Khatlab, Roberto. “A Lebanese Online Archive Chronicles Arab Immigration to Latin America.” Arab News, May 6, 2022. https://www.arabnews.com/node/2076336/middle-east
- Klich, Ignacio, and Jeffrey Lesser. “Introduction: ‘Turco’ Immigrants in Latin America.” The Americas 53, no. 1 (1996): 1–14.
- Lesser, Jeffrey. “From Peddlars to Proprietors: Lebanese, Syrian and Jewish Immigrants to Brazil.” In The Lebanese in the World: A Century of Emigration, edited by Albert Hourani and Nadim Shehadi, 393–410. London: I.B. Tauris, 1992.
- Agar, Lorenzo. “El comportamiento económico de los inmigrantes árabes en Chile: una aproximación.” In El Mundo Árabe y América Latina, edited by Raymundo Kabchi, 281–303. Madrid: UNESCO, 1997.
- Gutiérrez Zamora, D. Adalid, Ana Maria Aguilar Liendo, and Dilberth Codero Valdivia. “Actitudes de los Expendedores de Farmacias Bolivianas Frente a un Caso de Diarrea.” Boletín de la Oficina Sanitaria Panamericana 118, no. 5 (1995): 424–428.
- Nicholls, David. “No Hawkers and Pedlars: Levantines in the Caribbean.” Ethnic and Racial Studies 4, no. 4 (1981): 415–431.
- Robelledo Hernandez, Antonia. “Turcofobia: Discriminación anti-árabe en Chile, 1900-1950.” Historia (Santiago) 28 (1994): 248–272.
- “Arab Argentines.” Wikipedia, accessed November 2025. https://en.wikipedia.org/wiki/Arab_Argentines
- “Arab Chileans.” Wikipedia, accessed November 2025. https://en.wikipedia.org/wiki/Arab_Chileans
- “Lebanese Diaspora.” Wikipedia, accessed November 2025. https://en.wikipedia.org/wiki/Lebanese_diaspora
- The Arab Diaspora in Central and South America. Arab America, March 20, 2019. https://www.arabamerica.com/the-arab-diaspora-in-central-and-south-america/
- The Arab Diaspora in Venezuela. Arab America, September 11, 2020. https://www.arabamerica.com/the-arab-diaspora-in-venezuela/
- Hyland, Steven. “Arab Labor Migration in the Americas, 1880–1930.” Oxford Research Encyclopedia of American History, May 23, 2019. https://doi.org/10.1093/acrefore/9780199329175.013.598
- Bonacich, Edna. “A Theory of Middleman Minorities.” American Sociological Review 38, no. 5 (1973): 583–594.
- Moise A. Khayrallah Center for Lebanese Diaspora Studies, North Carolina State University. https://lebanesestudies.ncsu.edu/
- USEK Library – Latin American Collection, Holy Spirit University of Kaslik, Lebanon. https://libguides.usek.edu.lb/latin-american-collection
- Instituto de Estudios Palestinos (Institute for Palestine Studies). https://www.palestine-studies.org/
- Baily, Samuel L., and Eduardo Jose Miguez. Mass Migration to Modern Latin America. Wilmington, DE: Jaguar Books on Latin America, 2003.
- Hourani, Albert, and Nadim Shehadi, eds. The Lebanese in the World: A Century of Emigration. London: I.B. Tauris, 1992.





اترك رد