حين يتفاعل العرب ضمن إطار اجتماعي ثابت لعدّة أجيال، تنشأ بينهم لهجة بيضاء، مهما تنوّعت واختلفت لهجاتهم الأصلية. وتنتج هذه اللّهجة البيضاء بتفاعل لهجات العرب، فوجودها لا يسبق وجودهم، إنّما هي نتيجة لتواصلهم وحضورهم المشترك.
الحدود السياسية لأيّ دولة هي إطار اجتماعي، بسبب نزول سكّان هذه الدولة جميعاً تحت ضغط وسائل إعلام محدودة ونظام تعليمي واحد. الآن، قد يتوسّع الإطار الاجتماعي عبر الحدود السياسية أحياناً حين تمتدّ تغطية وسائل الإعلام عبر الحدود. واليوم، توفّر منصّات التواصل الاجتماعي هذه، مثل فيٓسبوك، إطاراً اجتماعياً جديداً يعبر الحدود.
واللّهجة البيضاء هي لهجة سواء يتّفق عليها أهل منطقة هذا الإطار الاجتماعي. وتستند هذه اللّهجة البيضاء غالباً على لهجة عاصمة هذا الإطار الاجتماعي، سواء أكانت هذه العاصمة سياسيّة أو اقتصاديّة أو ثقافية أو دينيّة. مع إضافات ناتجة عن رفد لهجة العاصمة بتطعيمات وتلقيحات لهجات المتفاعلين من العرب.
واليوم، إذا استمرّ تفاعل العرب بلهجاتهم المختلفة، من المحيط إلى الخليج، ستتكوّن لهجة بيضاء جديدة، تكون وسيلة التواصل السهل واليسير بين العرب. فتنتهي عقود العزلة، وتذوب الفوارق ما بيننا، ونتّفق على كلمة سواء بيننا.
تَسمّى ظاهرة اللّهجة البيضاء في علم اللّغويات الاجتماعية {التسوية اللّهجية}. وتَحدث هذه الظاهرة نتيجة تلامس لغوي طويل المدى بين متحدّثي لهجات مختلفة. وتَتبع هذه العملية نمطاً معروفاً في الدراسات اللّغوية: يَبدأ المتحدّثون بتكييف كلامهم تلقائياً لتسهيل التواصل. ثمّ يَختارون العناصر اللّغوية الأكثر وضوحاً وفهماً للطرف الآخر. ثمّ تَسقط تدريجياً السمات المحلية الضيّقة من كلامهم في أثناء التواصل مع الآخرين.
تَخضع هذه العملية لمبدأ {الاقتصاد اللّغوي}: يَميل المتحدّثون إلى اختيار الأشكال اللّغوية الأقل جهداً والأكثر فعّالية في التواصل. تَبرز في هذا السياق ظاهرة {التقارب اللّغوي المتبادل}؛ يَتحرّك كل طرف نحو الآخر في أنماط نطقه ومفرداته وتراكيبه. وتَختلف هذه الظاهرة عن {اللّغة المعيارية} أو {اللّغة الرسمية (الفصحى)} التي تصنعها مختبرات المتخصّصين. تَنشأ اللهجة البيضاء طبيعيّاً دون تخطيط مركزي. وتَعكس ديناميكيّات القوّة الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع. ويَظهر هذا في تأثير اللهجات المرتبطة بمراكز القوة الاقتصادية والإعلامية.
علم اللّهجات Dialectology هو العلم المختصّ بدراسة هذه الظواهر اللّغوية، وهو فرع من علم اللّغة الاجتماعي Sociolinguistics. يدرس هذا العلم كيفية تطوّر اللّهجات وتفاعلها مع بعضها البعض، والعوامل الاجتماعية والجغرافية والسياسية التي تؤثّر في تشكّلها.
في حالة اللّهجة البيضاء، هناك عدّة مفاهيم مرتبطة من علم اللّهجات وعلم اللّغة الاجتماعي:
- التقارب اللّغوي Linguistic Convergence: عمليّة تطوّر اللّهجات المختلفة نحو شكل مشترك نتيجة الاحتكاك المستمر
- اللّغة المشتركة Koine: وهي اللّغة الوسيطة التي تنشأ من اختلاط عدّة لهجات، وتعتبر اللّهجة البيضاء نوعاً من الكوينة العربية
- التسوية اللّغوية Linguistic Leveling: عملية فقدان السمات المميّزة للّهجات المختلفة لمصلحة شكل لغوي مشترك
- الاتّصال اللّغوي Language Contact: دراسة كيفيّة تأثير اللّغات واللّهجات على بعضها البعض عند التواصل المستمرّ بين متحدّثيها
هذه المجالات تساعدنا في فهم كيف تتشكل اللهجة البيضاء وتتطوّر في المجتمعات العربية المختلفة.











اترك رد