لهجة طيء

لفت نظري من مراجعة كتاب لهجات العرب للعلّامة المصري أحمد تيمور (تنكور) پاشا، كأنّ العربيّة الفصحى وفي قسم كبير منها قد بُنيت في الأساس على لغة طيء، ما يجعل أساس لغة القرآن بالتالي هي لهجة طيء العربيّة. طالما أنّ الفصحى ووفق التراث قد بُنيت على المنهج اللّغوي في القرآن.

وبحسب الشروح التي عثر بها تيمور پاشا في كتب لغويي العرب، فإنّ السمة الأساسية للغة طيء هي قلب الياء ألفاً وكذلك قلب الواو ألفاً (وهي ألف لا تُكتب لكنّها كُتبت هنا للتوضيح). فمن قولهم مثلاً لقا بدلاً عن لقيَ. وهم من حوّل لَقَيَ إلى لَقِيَ.

وبلسان طيء تحوّلت كلمة طَفَلة إلى طِفْلة. والأولى أعرب.

وكذلك تحوّلت رضي إلى رضا. والناصية إلى ناصاة. والبادية إلى باداة. وقارية صارت قاراة. وحانية صارت حاناة بمعنى الدكّان. وهذه كلّها ألف تُلفظ عادة ولا تكتب. إنّما تحوّل بعضها لاحقاً إلى همزة. حاناة صارت حانة مثلاً، وقاراة صارت قارئة، وهي في الأصل قارية.

وفي ذات الوقت، فإنّ حرف الألف المقصورة ى أضيف من الأساس إلى الأبجدية العربية بسبب لهجة طيء، إذ أنّها تقلب كلّ ألف ممدودة في نهاية الكلام إلى مقصورة ى، وهي على الأغلب مائلة.
مثلاً جعلت طيء كلمة بقي: بقى.

وهم كذلك غيّرو واو الفعل إلى ألف. من مثل: يغزو صارت غَزا يغزى. و يرضو صارت رَضا يرضى. و يفنو صارت فَنا يفنى.

وطيِّئٌ تبدل الكسرة فتحةً والياء ألِفًا، فالوزن فَعَلَ يصير فَعِلَ. و قَلِيَ تصير قَلَى (بالزيت).

وعلى ما يبدو فإنّ طيء هي نفسها القيس، واللّهجة القيسيّة هي لغة طيء بذاتها. ويُستشفّ هذا من بيت شعر رماه زيد الخيل يُطمئن محمّد رسول الله، فقال:
لَعَمْرُكَ ما أخْشَى التَّصعْلُكَ مَا بَقَى على الأرض قَيْسِيٌّ يَسُوق الأباعِرَا
وزيد الخيل هذا طائيٌّ، وقدم على محمّد في وفد طيِّئ حليفاً، سنة تسعة، فسمّاه: “زيْد الخير”.

وعليه فإنّ “التوراة” من التورية، وقُلبت الياء ألِفاً على لغة طيِّئ. وفيه نظرٌ؛ لأنّها غير عربية.

وعلى ذات المذهب صارت “رَبّيّ” “ربّا” في المراحل التي انتقلت فيها الكلمة ما بين اليهوديّة والمسيحيّة السريانيّة، وهي صفة رجل الدين.

في «سعود الطالع»، ج1، ص75-76 نقرأ: «لغات في القرآن للقبائل، منها المدُّ الكامل والمدُّ الجائز وفي قصر ألف العِلَّة في أواخر الكلمات بالياء حتَّى تأخذ طريقها بفتح الياء عند طيِّئ فتنقلب ألفاً، وانقلاب الياء ألِفاً في لغات الحجاز الذين يتكلّمون بلغة تميم لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، وفي قلب الألف ياء كما في لفظ التوراة فينطق بها: التورية، وفيها نظر خاص دون تقييد في الحركات»

مبنى العربية الفصحى على أساسٍ من لغة طيء على حساب لغة تميم وغيرهم يوضح أنّ مدارس النحاة الأولى كانت في أغلبها تحت يد طيايا، وكانت لهم الكلمة العليا فيما صار من بعد عهد الأموي مروان بن الحكم اللّغة الرسميّة. ويبدو أنّ الخلافات على النحو العربيّ ما بين مدرستي البصرة والكوفة في العهد العبّاسيّ كانت في الأساس خلافات إثنيّة ما بين الطيايا والسريان. أي بين طيّء وتغلب.



اترك رد

توثيق مؤنس بخاري

أشهر التدوينات

تبرّع لدعم استمرار مدوّنة البخاري

مرة واحدة
شهري
سنوي

تبرّعك يعيننا للاستمرار

إنشاء تبرع شهري

إنشاء تبرع سنوي

اختيار مبلغ

€5.00
€15.00
€100.00
€5.00
€15.00
€100.00
€5.00
€15.00
€100.00

أو إدخال مبلغ مخصص


تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تبرعالتبرع شهريًاالتبرع سنويًا