من أكثر المصطلحات إشكالية في تاريخنا المعاصر صفة «مجوس». إذ يبرز مصطلح “المجوس” في الخطاب المعاصر أحد أكثر المصطلحات تعرّضاً للتّشويه التّاريخيّ والتّوظيف الأيديولوجيّ. ويتّضح هذا التّشويه بجلاء في الاستعمال السّياسيّ والمذهبيّ الحديث، إذ تُقذف صفة “المجوسيّة” تهمة جاهزة، وسلاح إقصائيّ يُشهره بعض العرب لنزع الشّرعيّة الإسلاميّة عن شيعة بلاد إيران ومحيطها الجغرافيّ. يتغذّى هذا الاستقطاب الطّائفيّ على جهل عميق ومتجذّر بالحقيقة التّاريخيّة لهذه المؤسّسة الدّينيّة العريقة في أصلها العربي، ويستند إلى ركام من الخلط والمفاهيم المغلوطة الّتي تملأ الفضاء العامّ.
غاية هذا البحث الأكاديمي إثبات نقطتين ضدّ الشائع الشعبي:
- أنّ المجوسية غير الزرادشتية، فليس كل زرادشتي مجوسي بالضرورة.
- أنّ المجوسيّين لا يعبدون النار. وما عبدوا النار من قبل.
يتعرّض التّاريخ الأصيل للـ {مَگُشيّة} (مَقُسيّة) لطمس متعمّد، أسفر عن تراكم تصوّرات شعبيّة مسطّحة ولا منطقيّة، جرّدت هذا الهيكل الدّينيّ من سياقه المعرفيّ. ويظهر هذا الخلط جليّاً في توجيه اتّهامات سطحيّة تختزل المؤسّسة الكهنوتيّة في ممارسة عبادة النّار الصّرفة، أو تذهب أبعد من ذلك لوصمها بعبادة الشّيطان، غافلين عن التّعقيد اللّاهوتيّ والفلسفيّ الّذي أحاط بتقديس العناصر الكونيّة وتطهيرها. ويتجاوز هذا التّشويه حدود الماضي السّحيق، ليتبلور في نظريّات مؤامرة معاصرة تفترض استمراريّة المجوسيّة قوّة سرّيّة ومنظّمة، تكرّس وجودها لمحاربة الإسلام حصراً وهدمه من الدّاخل حتّى يومنا هذا.
تفرّغ هذه السّرديّات الإقصائيّة التّاريخ من محتواه الرّصين، وتعمي الأبصار عن حقيقة التّفاعلات العقائديّة العميقة الّتي شكّلت هويّة المنطقة.
تبرز في هذا السّياق قراءات وتأمّلات تسعى لربط المَگُشيّة بجذور تاريخيّة أقدم، مثل النّظر إليها بوصفها امتداداً للتّقاليد السّومريّة القديمة المتمثّلة في عبادة الشّمس، وتحديداً ربّة الشّمس {مي} الّتي تمثّل الوجه الآخر للقمر الذّكر {مه}، أو اقتراح كونها استمراراً لشعائر عبادة الإلهة عشتار بالنّار. وتصيب هذه التّصوّرات كبد الحقيقة في نقطة مفصليّة؛ فهي تبرّئ الشّعائر المَگُشيّة تماماً من تهمة الانقطاع والانفصال عن محيطها المشرقيّ، حتّى لو تطلّبت التّفاصيل اللّاهوتيّة الدّقيقة تمحيصاً أكاديميّاً صارماً لضبط مراحل التّطوّر والفصل بين المدارس المتعاقبة. لكن، يبرهن هذا الرّبط العضويّ بالأساطير والعقائد الإقليميّة القديمة على التّجذّر الأصيل لهذا الكهنوت في التّربة الدّينيّة الواسعة للمنطقة، ممّا يطرح ضرورة ملحّة لإعادة ضبط البوصلة المعرفيّة لتبديد غبار التّراشق السّياسيّ الحديث، وتأسيس فهم متّصل وعميق لتاريخ الأديان.
تنبثق الغاية الأساسيّة من هذا البحث الأكاديميّ الشّامل من الحاجة الملحّة لتفكيك هذه الإسقاطات التّعسّفيّة، وإيضاح الحقيقة التّاريخيّة للمَگُشيّة (المَقُوسيّة) بعيداً عن التّجاذبات المذهبيّة. وتسعى هذه الدّراسة، بالاعتماد على مناهج التّاريخ المقارن للأديان، إلى تتبّع الجذور اللّغويّة، واللّاهوتيّة، والشّعائريّة الأصيلة لهذا الكهنوت الّذي نشأ في بلاد إيران، لفهم كيفيّة تحوّل منظومة روحيّة معقّدة نظّمت علاقة الإنسان بالطّبيعة قديماً، إلى أداة للصّراع في العصر الحديث.
مدخل
تقدّم هذه الدّراسة التّحليليّة سرداً استقصائيّاً متّصلاً لتاريخ الشّعائر النّاريّة وتطوّراتها. وتستهلّ الدّراسة فصولها بالتّأصيل اللّغويّ المعقّد لمصطلح {مَگُش}، متتبّعة تدويناته المسماريّة وتكيّفاته الصّوتيّة عبر اللّغات القديمة والحديثة، وموثّقة انتقاله اللّفظيّ حتّى استقراره بصيغة {مجوس} في اللّغة العربيّة.
تنتقل الدّراسة تالياً لاستكشاف مهد الشّعائر النّاريّة، فتبحث في قدسيّة النّار وممارسات «الدّفن السّماويّ» الصّارمة، وتصنيف الكائنات إلى قوى خيّرة وأخرى ظلاميّة تُعرف بـ {الخرفستر}. وتفصّل الدّراسة لاحقاً في التّباينات المذهبيّة داخل الدّيانة الزّرادشتيّة وحدود التّأثير المَگُشيّ فيها، قبل أن ترصد التّحوّلات الدّينيّة الكبرى الّتي شطرت المسار جغرافيّاً بين شمال العربية وبلاد إيران إبّان العصور القديمة.
وتختتم الدّراسة بحوثها بتحليل اندماج بقايا هذه الشّعائر في العصر الإسلاميّ، مبرزة التّوظيف السّياسيّ والإسقاطات التّعسّفيّة المعاصرة الّتي طالت مصطلح «المجوس»، ومفنّدة إيّاها بالأدلّة التّاريخيّة الرّصينة لتقديم رؤية شاملة للمسار الحضاريّ.

الفصل الأوّل: التّأصيل اللّغويّ للأسماء وتطوّراتها التّاريخيّة
يمثّل التّأصيل اللّغويّ لمصطلح {مَگُش} 𐎶𐎦𐎢𐏁 المدخل الأساسيّ لفهم الجذور الإثنيّة والدّينيّة لهذه الفئة الكهنوتيّة، وكيفيّة تبدّل النّظرة إليهم عبر العصور. ويقتضي البحث العودة إلى النّصوص المسماريّة القديمة الّتي تظهر نظاماً دقيقاً وبالغ التّعقيد في كتابة هذا الاسم عبر اللّغات الإمبراطوريّة المتعدّدة، ممّا يبرز الأهمّيّة المؤسّساتيّة والإداريّة الّتي حظي بها هؤلاء الكهنة ضمن الدّولة الأخمينيّة وما تلاها.
ورد الجذر الأصليّ للكلمة في النّقوش الآرية القديمة بصيغة {مَگُش} 𐎶𐎦𐎢𐏁 أو {مَگُ} 𐎶𐎦𐎢 (مَقُ) (magu- أو maguš)، وبرز أوّل ظهور أثريّ موثّق له في نقش بيستون Behistun Inscription الشّهير الّذي شيّده الملك الأخمينيّ داريوس الأوّل حوالي عام 522 قبل الميلاد. ووُصفت الشّخصيّة التّاريخيّة المتمرّدة مغتصبة العرش، والمدعوّة {گَوماته} 𐎥𐎢𐎶𐎠𐎫 (قَوماته)، في هذا النّقش إثنيّاً ومهنيّاً بأنّه ماديّ، وأنّه المَگُش 𐎶𐎦𐎢𐏁.
تطلّبت الإدارة الأخمينيّة متعدّدة اللّغات تدوين الاسم بمقاطع مسماريّة تختلف باختلاف اللّغة الإداريّة لضمان استيعاب كافّة شعوب الإمبراطوريّة. ففي النّسخة البابليّة الأگّديّة من نقش بيستون وغيرها من الوثائق التّجاريّة، كُتب المقطع المسماريّ بصيغة ma-gu-šu 𒈠𒄖𒋗 (مَ-گُ-شُ) ليمثّل كلمة مَگُشُ 𒈠𒄖𒋗. أمّا النّسخة الإيلاميّة والألواح الإداريّة المخصّصة لحصص الإعاشة المكتشفة في پرسپوليس، دوّنت الكلمة بمقاطع ma-ku-iš 𒈠𒆪𒆜 (مَ-كُ-إِش) لتمثّل صيغة مَكُىش 𒈠𒆪𒆜.
وإلى جانب ذلك، احتوت وثائق الألواح المكتشفة في پرسپوليس بين عامي 1936 و1938 ميلاديّة، وتلك المكتشفة في إلفنتين بمصر، على النّسخة الآراميّة الإمبراطوريّة (النينوية) الّتي كتبت الكلمة بحروف {مگوشاء} 𐡌𐡂𐡅𐡔𐡀 mgwšʾ و {مگوشج} 𐡌𐡂𐡅𐡔𐡉 mgwšj (م-گ-و-ش-ء / م-گ-و-ش-ي\ج). وتبيّن هذه التّنويعات المسماريّة، لا سيّما الألواح الإيلاميّة والآراميّة، تجذّر الكلمة بعمق في الهيكل الإداريّ والدّينيّ للإمبراطوريّة الأخمينيّة، لذكرهم مسؤولين عن توزيع الحصص وشهود على الوثائق القانونيّة.
انتقلت الكلمة لاحقاً عبر الزّمن، والطّرق التّجاريّة، وتعرّضت لسلسلة من التّحوّرات الصّوتيّة والنّقحرة التّاريخيّة الّتي أثّرت بشكل جذريّ على لفظها الحقيقيّ، ممّا يستوجب ابتعاداً كلّيّاً عن الأخطاء الشّائعة. وكان دخل الجذر الآري القديم إلى اللّغة اليونانيّة ليُكتب ماگوش μάγος بألف مائلة، وتسرّب منها إلى اللّاتينيّة الكلاسيكيّة بصيغة مَگُش magus. ثمّ تكيّفت الكلمة قسريّاً مع قيود الأبجديّات الأوروپيّة واللّغات العروبية الّتي تفتقر إلى بعض الأصوات الإيرانيّة والجزيرية المميّزة؛ فواجهت الأبجديّات المستندة إلى اللّاتينيّة قصوراً في تمثيل أصوات معيّنة، واضطرّت لاستعمال مركّبات حرفيّة Digraphs أو علامات تشكيل لتجسيدها.
استُخدم حرف J في اللّغة الإسپانيّة أو المركّب ch في الألمانيّة للتّعبير عن صوت الخاء (خ)، في حين يُستعمل المركّب ذاته ch لتمثيل صوت الجيم المثلّثة (چ) في لغات أخرى كالتّشيكيّة، والشّيشانيّة، واللّغات الجرمانيّة. وتحوّر حرف الگاف (الگيم) الپهلويّ 𐭢 g عند دخول الكلمة إلى المحيط العربيّ ليُنطق في مثل حرف الجيم العربيّ (ج)، ممّا ولّد التّعريب الشّهير لكلمة “مجوس”. ويُحتّم التّوثيق الدّقيق تجنّب أخطاء الإسقاطات التّاريخيّة والتّشديد على اللّفظ الأصليّ {مَگُش} 𐎶𐎦𐎢𐏁 باستعمال التّشكيل الدّقيق، بنطق الحرف الأوسط جيماً غير معطّشة، مثل حرف G الإنگليزيّ (كما في كلمة Go)، وليس جيماً معطّشة أو مخفّفة.
كُتب المصطلح في مراحل لاحقة إبّان العصرين الأشكاني البارثيّ والسّاسانيّ باللّغة الپهلويّة بصيغة الحروف السّاكنة مگو 𐭬𐭢𐭥 mgw وپهلوية (أپارنية) الأشكان عموماً كانت تتكاسل عن تدوين الحروف غير السّاكنة، على شاكلة الفينيقيّين وقدامى الآراميّين. ويبيّن التّطوّر المورفولوجيّ للمصطلح تعقّد المؤسّسة الدّينيّة وانبثاق الهرميّة الكهنوتيّة؛ إذ دمج الكهنة الجذر الأصليّ {مَگُ-} 𐎶𐎦𐎢 مع اللّاحقة أو الكلمة الإيرانيّة القديمة {پَتِ} 𐎱𐎫𐎡 الّتي تعني سيّداً أو زعيماً، لينتجا مصطلحاً مركّباً {مَگُپَتِ} 𐎶𐎦𐎢𐎱𐎫𐎡 يعادل حرفيّاً رتبة «كبير المَگُش» أو رئيس الكهنة.
ونلفت النظر هنا إلى التشابه الواقع ما بين كلمة {پَتِ} الإيرانية القديمة، وكلمة {پُتُّ} التي استعملها العرب الفينيقيّون اسماً لأمّتهم. أطلق الفينيقيّون عموماً على بلادهم اسم {پت} 𐤐𐤕 التي يُصار إلى تأويلها اليوم بصيغة {پوتّ} و {پونت}. وأطلقوا على شعبهم اسم {پونيٌّ} 𐤐𐤍𐤉 و {پونيُّم} 𐤐𐤍𐤉𐤌. وهي مصدر التسمية اللاتينية {پونيقي} Punici (پُنيقي).
نعود إلى تركيب {مَگُپَتِ}:
اختُزل هذا المركّب صوتيّاً بمرور الزّمن ليصبح {مُوْبَد} 𐭬𐭢𐭥𐭯𐭲 أو {مَوْبَد} 𐭬𐭢𐭥𐭯𐭲، وهو اللّقب الّذي احتفظ به كبار الكهنة السّاسانيّين، وانتقل أثره حتّى إلى اللّغة الأرمنيّة المجاورة بصيغة {مَگپيت} մոգպետ. ويبيّن هذا التّطوّر اللّغويّ انتقال المَگُش من قبيلة أو فئة مهنيّة إلى قمّة الهرم السّياسيّ والدّينيّ في الدّولة السّاسانيّة. وكانت اكتسبت الكلمة بحلول القرن الرّابع قبل الميلاد دلالات مزدوجة في العوالم الخارجيّة؛ ففي الوقت الّذي عَنَت فيه الكاهن الرّسميّ في بلاد إيران، أشارت في اليونانيّة واللّاتينيّة إلى السّحرة والعرّافين بازدراء أحياناً، أو إلى “الرّجال الحكماء من الشّرق” في التّقاليد المسيحيّة المبكّرة.
| اللّغة والنّظام الكتابيّ | المصطلح بالخطّ الأصليّ | اللّفظ والنّقحرة | الدّلالة والسّياق التّاريخيّ |
|---|---|---|---|
| المسماريّة الآريّة القديمة | 𐎶𐎦𐎢𐏁 | مَگُش maguš | الجذر الأصليّ، ظهر أثريّاً في نقش بيستون لوصف الكاهن. |
| المسماريّة الآريّة القديمة | 𐎶𐎦𐎢 | مَگُ magu- | صيغة مجرّدة للجذر الأصليّ ذاته في النّقوش الآريّة القديمة. |
| المسماريّة الآريّة القديمة | 𐎥𐎢𐎶𐎠𐎫 | گَوماته Gaumāta | اسم الشّخصيّة الماديّة المتمردة المذكورة في نقش بيستون. |
| المسماريّة الأگّديّة (البابليّة) | 𒈠𒄖𒋗 | مَ-گُ-شُ ma-gu-šu | النّسخة البابليّة من نقش بيستون وغيرها من الوثائق التّجاريّة. |
| المسماريّة الإيلاميّة | 𒈠𒆪𒆜 | مَ-كُ-إِش ma-ku-iš | النّسخة المدوّنة في الألواح الإداريّة المخصّصة لحصص الإعاشة في پرسپوليس. |
| الآراميّة الإمبراطوريّة (النينوية) | 𐡌𐡂𐡅𐡔𐡀 | مگوشاء mgwšʾ | النّسخة الآراميّة المكتشفة في ألواح پرسپوليس وإلفنتين بمصر. |
| الآراميّة الإمبراطوريّة (النينوية) | 𐡌𐡂𐡅𐡔𐡉 | مگوشج mgwšj | تنويع كتابيّ آراميّ آخر ظهر في الوثائق الإداريّة ذاتها. |
| اليونانيّة القديمة | μάγος | ماگوش mágos | النّقل اليونانيّ الّذي أشار لاحقاً للسّحرة والعرّافين. |
| اللّاتينيّة الكلاسيكيّة | magus | مَگُش magus | النّقل اللّاتينيّ المتأثّر بالنّطق والتّدوين اليونانيّ. |
| الپهلويّة (الأشكانيّة والسّاسانيّة) | 𐭬𐭢𐭥 | مگو mgw | صيغة الحروف السّاكنة المعتمدة في بلاد إيران إبّان العصرين الأشكانيّ والسّاسانيّ. |
| الپهلويّة (حرف ساكن) | 𐭢 | گ g | حرف الگاف (الگيم) الّذي تحوّر عند العرب ليُنطق كحرف الجيم (ج). |
| المسماريّة الآريّة القديمة | 𐎱𐎫𐎡 | پَتِ pati | لاحقة أو كلمة إيرانيّة قديمة تعني سيّداً أو زعيماً. |
| المسماريّة الآريّة القديمة | 𐎶𐎦𐎢𐎱𐎫𐎡 | مَگُپَتِ magupati | مصطلح مركّب يعادل حرفيّاً رتبة «كبير المَگُش». |
| الپهلويّة | 𐭬𐭢𐭥𐭯𐭲 | مُوْبَد / مَوْبَد mowbad | اختزال صوتيّ للمركّب السّابق، وهو اللّقب الرّسميّ لكبار الكهنة السّاسانيّين. |
| الأرمنيّة القديمة | մոգպետ | مَگپيت magpet | التّأثير اللّغويّ المباشر للمصطلح الكهنوتيّ في اللّغة الأرمنيّة المجاورة. |

الفصل الثّاني: مهد الشّعائر النّاريّة وممارسات التّطهير
تضرب جذور تبجيل النّار وارتباطها بعبادات شمال العربيّة شرق المتوسّط في أعماق التّاريخ السّحيق، متبلورة في هضبة بلاد إيران على يد الكهنوت المَگُشيّ. وتشير التّحليلات الأثريّة والاستقصائيّة إلى نشأة تقديس النّار، بوصفها عنصراً جوهريّاً للإلهام والاتّصال بالعوالم العُلويّة، من تبجيل نار الموقد المنزليّ في بداياتها الأولى، وتطوّرها تدريجيّاً لتتّخذ طابعاً مؤسّساتيّاً مركزيّاً مهيمناً. ولم تكن النّار في التّراث الإيرانيّ القديم والأدبيّات المقدّسة مثل الأڤيستا 𐬀𐬎𐬎𐬀𐬯𐬙𐬀 أداة إنارة أو تدفئة فحسب، بل مثّلت الجوهر المطلق للحياة والوجود. وتُعرف النّار في أقدم النّصوص باسم {آتَر} 𐬁𐬙𐬀𐬭 أو {آتَش} 𐬁𐬙𐬀𐬱، وتُسمّى في الأدب الپهلويّ باسم {آتور} 𐭠𐭲𐭥𐭥 أو {آتَخْش} 𐭠𐭲𐭧𐭱، في حين تُعرف في الأدب الفارسيّ الحديث باسم {آذَر} آذر.
واتّخذ هذا التّقديس بُعداً لاهوتيّاً عميقاً بتخصيص ملاك حارس للنّار، يُعرف في الأدب الپهلويّ باسم {آتوريَست} 𐭠𐭲𐭥𐭥𐭩𐭮𐭲، وفي الأدب الفارسيّ باسم {آذَرِيزَد} آذرایزد الّذي يتكوّن من المقطعين {آذَر} آذر و {إيزَد} 𐭩𐭦𐭲 ويعني حرفيّاً “إله النّار”. وأطلقت النّصوص الزّرادشتيّة على النّار لقب {ابن أهورا مزدا} 𐬞𐬎𐬚𐬭𐬀 𐬀𐬵𐬎𐬭𐬀𐬵𐬌𐬁 𐬨𐬀𐬯𐬛𐬃 نظراً لأهمّيّة هذا الموقع، كما ورد صراحة في نصوص {خورده أڤيستا – آتَش نِيايِش} 𐬑𐬎𐬭𐬛𐬀 𐬀𐬎𐬎𐬀𐬯𐬙𐬀 – 𐬁𐬙𐬀𐬱 𐬥𐬌𐬌𐬁𐬌𐬌𐬈𐬱، وهي تراتيل وابتهالات دقيقة مخصّصة لتمجيد النّار. وتنسب الأساطير الإيرانيّة القديمة اكتشاف إشعال النّار باستخدام احتكاك حجرين إلى الملك الأسطوريّ {هُشنَگ} 𐬵𐬀𐬊𐬱𐬌𐬌𐬀𐬢𐬵𐬀 من السّلالة {الپِشداديّة} 𐭯𐭩𐭱𐭲𐭠𐭲𐭩𐭪، ولا يزال هذا التّقليد حاضراً بقوّة في احتفالات {سَدَه} 𐭮𐭲𐭪 الشّعبيّة المستمرّة حتّى عصرنا هذا.
وتمثّل النّار في العقائد المَگُشيّة والزّرادشتيّة علامة قاطعة على النّقاء والحقيقة، ويُعَدّ {أرديبهشت} 𐭠𐭥𐭲𐭥𐭧𐭱𐭲، وهو الشّهر الثّاني في التّقويم الزّرادشتيّ الحديث، الحارس الرّوحيّ لها. ودأب الكهنة قديماً وحديثاً على تغذية النّار بالأخشاب العطرة وخشب الصّندل باستمرار لإرضاء ملاك النّار، وهي ممارسة لا تزال مستمرّة في أكثر من 300 معبد نار مكرّس، أبرزها معبد {أودڤادا آتَش بهرام} ઉદવાડા આતશ બહેરામ لدى الپارسيّين في الهند والزّرادشتيّين الإيرانيّين.
وتُصنّف النّيران المقدّسة مؤسّساتيّاً إلى ثلاث درجات أساسيّة تتطلّب كلّ منها عمليّات تكريس شعائريّة بالغة التّعقيد، وتُحفظ في معابد ذات بنية هندسيّة محدّدة. وتأتي في أرفع هذه الدّرجات نار {آتش بهرام} 𐭠𐭲𐭧𐭱 𐭥𐭫𐭧𐭫𐭠𐭭 الّتي تُعرف بنار النّصر، وتتطلّب شعائر تكريس معقّدة تجمع نيراناً من 16 مصدراً مختلفاً، بما فيها صاعقة البرق. وتليها في المرتبة المتوسّطة درجة {آتش آدران} 𐭠𐭲𐭧𐭱 𐭠𐭲𐭥𐭥𐭠𐭭 الّتي تعني نار النّيران، وتتطلّب تكريساً أقلّ تعقيداً مخصّصاً للمجتمعات المحلّيّة. وتأتي في المرتبة الثّالثة درجة {آتش دادگاه} 𐭠𐭲𐭧𐭱 𐭣𐭠𐭲𐭢𐭠𐭮 الّتي تُعرف بنار المحكمة، وتُستعمل في الاستخدامات اليوميّة وشعائر المحاكم والمنازل.
ولم تقتصر الشّعائر المَگُشيّة على تقديس النّار، بل شملت مفهوماً جذريّاً وحاسماً يتمثّل في الهاجس الدّائم بتجنّب تلويث العناصر النّقيّة المقدّسة المتمثّلة في النّار، والماء، والأرض، والهواء. وأفرز هذا المفهوم الدّقيق ممارسات استثنائيّة للتّخلّص من الموتى، فامتنع الكهنة عن دفن الجثّة في الأرض أو حرقها بالنّار أو رميها في الماء كي لا تتدنّس هذه العناصر الكونيّة. وتجسّد الحلّ بترك الجثامين للجوارح والكلاب، وهي ممارسة علميّة لاهوتيّة تُعرف بالدّفن السّماويّ أو الانسلَاخ.

ويُترك الجثمان تاريخيّاً على قمم الجبال أو داخل مبانٍ حجريّة ضخمة ومخصّصة خالية من الأسقف تُدعى دَخْمَة 𐭣𐭧𐭬𐭪 أو أبراج الصّمت. وتُعرّض الجثث في هذه الأبراج للعوامل الجوّيّة والطّيور الجارحة الاستهلاكيّة مثل النّسور، والغربان، وابن آوى، وحتّى الدّببة في بعض التّقاليد. وتُرتّب الجثث هندسيّاً داخل الدّخمة وفق معايير جنسية وعُمريّة صارمة بصفة شكل من أشكال النّظام الكونيّ حتّى في الموت؛ فتُوضع جثث الأطفال في الحلقة الدّاخليّة الأقرب للمركز، تليها جثث النّساء في الحلقة الوسطى، ثمّ جثث الرّجال في الحلقة الخارجيّة.
وتستطيع هذه الطّيور، متى ما توفّرت النّسور بأعداد كافية وبيئة صحّيّة، تجريد الجثّة من اللّحم بالكامل في مدّة قياسيّة تقلّ عن نصف ساعة. وتُترك العظام المتبقّية بعد ذلك لتجفّ وتتبيّض تحت أشعّة الشّمس في عمليّة تُعَدّ تتويجاً للتّطهير الرّوحيّ والفيزيائيّ معاً. وتُجمع الهياكل العظميّة لاحقاً وتُودع في معاقل عظام تُبنى داخل أو بالقرب من البرج، أو تُرمى في بئر مركزيّة تتحلّل فيها تدريجيّاً إلى مسحوق كلسيّ بفضل المناخ الجافّ.
وتواجه هذه الشعيرة البيئيّة والدّينيّة القديمة أزمة وجوديّة حادّة في العصر الحديث. إذ انخفضت أعداد النّسور في الهند، وخاصّة بالقرب من أبراج الصّمت في مومباي، بنسبة مرعبة تتجاوز 95% منذ منتصف التّسعينيّات. ويُعزى هذا الانهيار البيئيّ المأسويّ إلى التّوسّع العمرانيّ الّذي دمّر موائلها، واستخدام الموادّ الكيميائيّة، والمبيدات، والأدوية البيطريّة، وتحديداً عقار ديكلوفيناك Diclofenac المضادّ للالتهابات الّذي تُحقن به الماشية وتتعرّض له النّسور عند التّغذّي على الجيف، ممّا يسبّب لها فشلاً كلويّاً قاتلاً.
واستغرقت عمليّة التّحلّل في الآونة الأخيرة نتيجة لهذا التّدهور أكثر من ثمانية أسابيع. ويُتطلّب توفير ما لا يقلّ عن 250 نسراً نشطاً لإتمام العمليّة بالسّرعة المطلوبة للتّعامل مع ما يقدّر بـ 800 حالة وفاة سنويّاً في بومباي. ولجأت المجتمعات المتأخّرة لمواجهة هذا العجز إلى بدائل مثل تركيب ألواح شمسيّة لتركيز الحرارة وتسريع التّحلّل، أو إنشاء أقفاص ضخمة لتربية النّسور عبر جمعيّة بومباي للتّاريخ الطّبيعيّ، في حين يُحرم أبناء الشّتات في الدّول الغربيّة كلّيّاً من ممارسة هذه الشعيرة الرئيسة ويلجؤون مرغمين إلى الحرق أو الدّفن المغطّى بالأسمنت.
ويُشار إلى أنّ ممارسات الدّفن السّماويّ ليست حكراً على المَگُشيّة، بل تشترك فيها شعوب أخرى لأسباب عمليّة تعود لقساوة الأرض أو روحيّة تتعلّق بانتقال الأرواح، مثل البوذيّين المتبنّين لمسار ڤاجرايانا རྡོ་རྗེ་ཐེག་པ། في التّبّت، وچينگهاي، ومقاطعة سيشوان، ومنگوليا الدّاخليّة، إضافة إلى النّيپال، وبوتان، وسيكيم وزانسكار في الهند، وتُعرف أماكن التّجهيز بأراضي المقبرة. ومارست شعوب القوقاز مثل الجورجيّين، والأبخاز، والشّركس (الأديغة) شعائراً مشابهة، وكذلك شعب الماساي في إفريقيا الّذين يضعون الجثث في جذوع الأشجار المجوّفة للغرض ذاته.
يُبرز التّحليل المقارن تقاطعاً ظاهريّاً لافتاً بين ممارسات التّخلّص من الموتى في المَگُشيّة، وما نُسب قديماً إلى شعوب المورو (الأموريّين أو المُرّوم)، أسلاف العرب، في المدوّنات الأگّديّة والسّومريّة. إذ امتنع المَگُش عن دفن موتاهم لحماية التّربة من التّلوّث بناءً على منظومة لاهوتيّة بالغة التّعقيد، في حين وصفت النّصوص النهرينيّة القديمة فرد المورو بوصفه كائناً بدويّاً يفتقر للتّمدّن، يأكل طعامه نيئاً، ولا يثني ركبته خضوعاً لأيّ سلطة، ومقترناً بصفة الرّجل الّذي «لا يدفن موتاه». ويوضّح الاستقصاء المعمّق دوافع لاهوتيّة مغايرة خلف هذا الامتناع لدى المورو؛ إذ مارسوا هذه الشّعائر إيماناً راسخاً بهبوط النّسور، بصفة رسل الله، لاستعادة ممتلكاته وإعادتها إلى السّماء، والمقصود بذلك أبناء الله من البشر المتوفّين. ويبيّن هذا التّباين اختلافاً دقيقاً في المنطلقات؛ ففي حين توجّهت المَگُشيّة نحو التّعقيد الشّعائريّ والهاجس البيئيّ المنضبط لتجنّب تلويث العناصر، انطلق المورو قبل 3000 سنة من رؤية روحيّة مباشرة تربط الجوارح بمهمّة إلهيّة لاسترداد الأجساد وإتمام عمليّة الانعتاق السّماويّ.
مثّل التّصنيف البيولوجيّ واللّاهوتيّ للكائنات الحيّة ركيزة فلسفيّة أخرى في هذه الشّعائر، إذ تنقسم المملكة الحيوانيّة بِرُمَّتها وفق النّظرة المَگُشيّة والزّرادشتيّة إلى فئتين متضادّتين تعبّران عن الصّراع الكونيّ الحتميّ بين قوى النّور وقوى الظّلام. وتشمل الفئة الأولى الحيوانات الخيّرة والمفيدة الّتي تُعرف باسم {گوسپند} 𐭢𐭥𐭮𐭯𐭭𐭣، وهي الكائنات الّتي تعزّز رفاهيّة الإنسان وتُعَدّ جزءاً من الإبداع الإلهيّ النّقيّ لأهورا مزدا، وتتضمّن الماشية، والكلاب الّتي تحظى باحترام بالغ، والحيوانات الدّاجنة الّتي تُصنّف صالحة لتقديمها قرابين.
أمّا الفئة الثّانية فتتمثّل في الحيوانات الشّرّيرة والضّارّة الّتي تُدعى {خرفستر} 𐭧𐭫𐭯𐭮𐭲𐭥، وهي فئة تشمل كائنات صُنّفت قوى شيطانيّة مؤذية، مثل الثّعابين، والعقارب، والسّحالي، والسّلاحف، والضّفادع، والعناكب السّامّة، والنّمل، والذّباب، بل وحتّى الذّئاب في بعض التّصنيفات الدّينيّة اللّاحقة مثل {الميشناه} מִשְׁנָה والوثائق الپهلويّة. ويُعَدّ تدمير هذه الكائنات المظلمة وإبادتها واجباً دينيّاً مبرّراً يحمي النّظام الكونيّ من التّلوّث. وتنصّ نصوص متأخّرة مثل موسوعة {بونداهِشْن} 𐭡𐭥𐭭𐭣𐭧𐭱𐭭 على وجوب امتلاك كلّ فرد زرادشتيّ أداة مخصّصة تُدعى قاتلة الخرفستر (خرفسترزادر) 𐭧𐭫𐭯𐭮𐭲𐭥𐭦𐭲𐭥، وهي عصا يُثبّت في نهايتها قطعة من الجلد تُستخدم لضرب هذه المخلوقات وقتلها أينما وُجدت لاكتساب الأجر والمثوبة.
ويعود الأساس اللّاهوتيّ لهذا التّطهير إلى الاعتقاد بإقدام الرّوح الشّرّيرة {أهريمن} 𐭠𐭧𐭫𐭩𐭬𐭭 على استخلاص السّموم من هذه المخلوقات القبيحة واستخدامها سلاحاً فتّاكاً وحقنها في الأرض ضدّ الإبداع الإلهيّ النّقيّ. ويصوّر الأدب الپهلويّ، كما في كتاب {أردا ويراز} 𐭠𐭥𐭣𐭠 𐭥𐭩𐭥𐭠𐭦 ورسائل {منوشچهر} 𐭬𐭭𐭥𐭱𐭰𐭩𐭧𐭥، وصفاً مروّعاً لجهنّم؛ إذ يظهر الجحيم مكاناً عميقاً تحت الأرض، شديد العفونة والظّلام، تعجّ فيه الشّياطين والسّاحرات والمشعوذون، وتظهر فيه كائنات الخرفستر كالثّعابين والعقارب بأحجام هائلة تضاهي الجبال، مكلّفة بتعذيب أرواح الخطأة الملوّثين وتطبيق العدالة القاسية.
الفصل الثّالث: المذاهب الزّرادشتيّة وحدود التّأثير المَگُشيّ
تقتضي المنهجيّة الاستقصائيّة الرّصينة تفكيك النّظرة الأحاديّة التّبسيطيّة الّتي تتعامل مع الزّرادشتيّة بصفة كتلة دينيّة صمّاء وموحّدة عبر التّاريخ. إذ انقسمت العقائد في بلاد إيران إلى مدارس ومذاهب متعدّدة لم تتّفق يوماً على نهج لاهوتيّ وشعائريّ واحد، وظهرت تيّارات شعائريذة متضاربة. هنا، يطرح التّحليل التّاريخيّ رؤية معمّقة توضّح تغلغل طبقة الكهنة {المَگُش} 𐎶𐎦𐎢𐏁 داخل التّكوين الزّرادشتيّ في فترة زمنيّة محوريّة، ونجاحهم الباهر في دمج شعائرهم النّاريّة المحلّيّة الصّارمة مع التّعاليم الوافدة أو النّاشئة.
تشير التّقارير الكلاسيكيّة الموثوقة، ولا سيّما روايات المؤرّخ اليونانيّ هيرودوت Ἡρόδοτος، إلى انتماء المَگُش في الأصل إلى قبيلة ماديّة، أو بدقّة أكبر، واحدة من ستّ قبائل ماديّة شكّلت الاتّحاد، اختصّت بمهامّ الكهنوت المتوارث، وتولّت حصريّاً مهامّ تفسير الأحلام والعرّافة وتقديم التّضحيات في البلاط الماديّ. ويتطابق دورهم المنهجيّ والشعائريّ بشكل مذهل مع دور كهنة {آثراڤان} 𐬁𐬚𐬭𐬀𐬎𐬎𐬀𐬥 في التّقليد الڤيديّ الهنديّ القديم، والّذين ارتبطوا بصياغة التّراتيل الرّابعة المعروفة باسم {آثَرڤاڤيدا} अथर्ववेद، ممّا يرجّح بقوّة وجود جذور هندو-إيرانيّة مشتركة تتعلّق بحفظ النّار وإنشاد التّراتيل قبل الانفصال القومي والدّينيّ.
وصف الجغرافيّ والمؤرّخ اليونانيّ سترابون Στράβων هؤلاء الكهنة بدقّة وأطلق عليهم اسم حفظة النّار {پيرايثي} πύραιθοι، موثّقاً شعائرهم بإنشاد الابتهالات مدّة ساعة تقريباً أمام النّار المقدّسة، وهم يحملون حزمة من القضبان الخشبيّة الدّقيقة الّتي عُرفت لاحقاً باسم {البارسْمَن} 𐬠𐬀𐬭𐬆𐬯𐬨𐬀𐬥، ويعتمرون عمائم عالية من اللّباد تتدلّى أطرافها لتغطّي شفاههم وخدودهم، وهو التّقليد الّذي يُعرف باسم {پادان} 𐭯𐭣𐭠𐭭، وهو قناع من القماش يتكوّن من طبقتين يوضع لمنع أنفاس الكاهن البشريّة الملوّثة من تدنيس النّار المقدّسة والأدوات الشعائريّة في أثناء الإنشاد.
تُبرز النّقاشات الأكاديميّة المعاصرة تبايناً في تقييم أصول المَگُش ودورهم؛ ففي الوقت الّذي اقترح فيه باحثون مثل {إيميل بنڤنست} Émile Benveniste كون المَگُش إضافة أصليّة للمجتمع الماديّ أو فئة اجتماعيّة محايدة، يطرح الباحث {إيليا گرشڤيتش} Ilya Gershevitch فرضيّة أكثر واقعيّة تؤكّد أنّهم خبراء فنيّون وكهنة محترفون يُستأجرون لأداء الشعائر لآلهة متعدّدة، ولم يتبنّوا الزّرادشتيّة تدريجيّاً إلّا في أواخر القرن الرّابع قبل الميلاد.
استوعبت الإمبراطوريّة الأخمينيّة الكهنوت بشكل أعمق مع صعودها بدءاً من عهد داريوس الأوّل، وتحديداً بعد إخماد تمرّد {گوماته} 𐎥𐎢𐎶𐎠𐎫 المَگُشيّ، فأصبح المَگُش الكهنة الرّسميّين والوحيدين للبلاط الملكيّ. احتكر الكهنة مهامّ التّضحيات الحيوانيّة، إذ لم تُقبل أيّ تضحيّة دون حضور كاهن مَگُشيّ، وتولّوا تقديم إراقة السّوائل التّطهيريّة للأنهر والجبال.
أظهرت الوثائق الإداريّة والألواح الإيلاميّة في پرسپوليس، المدوّنة بصيغة {مَكُش} 𒈠𒆪𒆜، ممارستهم لشعائر تُدعى {لان} 𒆷𒀭، وهي شعائر ذات أصول إيلاميّة لتقديم الطّعام المكرّس. وتلقّى الكهنة في هذه الشّعائر الشّعير، والنّبيذ، والبيرة، والفاكهة من الإدارة الماليّة للإمبراطوريّة، واستبدلوها أحياناً بحيوانات صغيرة للتّضحية بتسامح صامت من الدّولة. وتولّوا ألقاباً إداريّة صارمة مثل {هَتُرْمَكْشَ} 𒄩ტურමක්𒊭 الّتي تعني حارس أو مؤجّج النّار، و {أَتْرُبَتِّش} 𒀜𒊒𒁁𒋾𒆜 الّتي تعني رئيس أو سيّد النّار.
نتج عن اندماج الكهنوت المَگُشيّ الماديّ-الأخمينيّ مع الدّين الزّرادشتيّ الوافد من الشّرق حالة من التّلفيق الدّينيّ سُمّيت {المزدايّة} (المزدائية). وفنّد الباحث {روبرت زاينر} Robert C. Zaehner فرضيّة التّطابق المطلق بين الدّيانتين، مؤكّداً بحجج قويّة تغيير المَگُش ببراعة بعض تعاليم النّبيّ زرادشت الأصليّة، الّتي ترتكز على نصوص {الگاثا} 𐬀𐬭𐬀𐬚𐬁 الشّعريّة الخالية نسبيّاً من الشّعائر الشعائريّة المعقّدة، لدمج شعائرهم شديدة التّعقيد المتعلّقة بتقديس النّار، وتطهير العناصر، والثّنويّة الكونيّة الصّارمة. وتشير هذه الثّنويّة، الّتي لاحظها الفلاسفة الإغريق مثل أرسطو Ἀριστοτέλης، إلى وجود روح خيّرة تُدعى {أوراماسديس} Ὠρομάσδης الّذي قابله أرسطو بالإله {زوس} Ζεύς، وروح شرّيرة مهلكة تُدعى {أريمانوس} Ἀρειμάνιος الّذي قابله بإله العالم السّفليّ {هاديس} ᾍδης.
تراجعت هيمنة النّموذج المَگُشيّ الخالص بصفته قوميّة ماديّة في حقب لاحقة نتيجة التّعقيدات الدّينيّة واختلاف المذاهب. وعُرف رجل الدّين الزّرادشتيّ بتسميات متعدّدة عبر الأجيال مثل {موبَد} 𐭬𐭢𐭥𐭯𐭲 و {مومَرد} 𐭬𐭢𐭥𐭬𐭥𐭲، ونشأت فروع تختلف في التّطبيقات الشّعائريّة، والتّفسيرات اللّاهوتيّة، والأساطير المتعلّقة بنهاية العالم وحياة زرادشت. ومُثّل زرادشت في الفنّ الكلاسيكيّ الغربيّ، مثلاً في جداريّة مدرسة أثينا لرفائيل، حاملاً كرة أرضيّة بوصفه فلكيّاً. ومُثّل في المنحوتات السّاسانيّة، مثلاً في تمثال طاق بستان في عهد {أردشير الثّاني} الممتدّ بين عامي 379 و 383 ميلاديّة (نحو 243 و 239 قبل الهجرة)، تحيط به هالة من النّور يشير بإصبعه للسّماء.
يثبت هذا التّطوّر عدم جمود الهيكل الدّينيّ في بلاد إيران، ومثّل مزيجاً متغيّراً زمانيّاً ومكانيّاً تشكّل فيه المَگُشيّة النّاريّة فصلاً قويّاً، وربّما الفصل التّنظيميّ الأهمّ، ولكنّه ليس الفصل الأوحد.

الفصل الرّابع: التّحوّلات الدّينيّة الكبرى وانقسام المسار
يتتبّع هذا القسم الانقسام الجغرافيّ والعقائديّ الّذي أصاب الشّعائر النّاريّة والتّطهيريّة المشتركة نتيجة التّحوّلات الدّينيّة والجيوسياسيّة الكبرى في المنطقتين شمال العربية في الجزيرة العليا والشّام، والبلاد الإيرانيّة، وكيفيّة سلوك كلّ إقليم مساراً مختلفاً تماماً.
ذابت الشّعائر القديمة التّطهيريّة تدريجيّاً في الجانب العروبي وشمال العربي، الممتدّ بين النهرين والجزيرة السفلى وشرق المتوسّط، إبّان التّحوّل نحو ديانات أكثر تأطيراً ومؤسّساتيّة، مثل المردوقيّة البابليّة 𒀭𒀫𒌓، وتعاظم نفوذ الدّيانات الإبراهيميّة مثل اليهوديّة الطائية יַהֲדוּת والمسيحيّة الرومية Χριστιανισμός. وشهدت الجزيرة العربيّة في النّصف الثّاني من القرن السّادس الميلاديّ، الموافق للقرن الأوّل قبل الهجرة النّبويّة، تحوّلات سياسيّة عميقة واضطرابات أمنيّة في طرق التّجارة. وأصبحت اليهوديّة، نتيجة للانفتاح الرّوحيّ والبحث عن أطر أعمق للغيب، الدّيانة المهيمنة سياسيّاً واجتماعيّاً في مناطق اليمن ووسط جزيرة العرب، وترسّخت المسيحيّة بقوّة في منطقة الخليج العربيّ والامتدادات الشّماليّة باتّجاه بادية الشام.
واتّخذت الخيارات الدّينيّة في هذه الحقبة طابعاً فرديّاً وتصوّفاً روحانيّاً يؤمن بالآخرة والانعتاق، ممّا أدّى إلى تهميش الممارسات “الوثنيّة” الّتي بقيت محصورة في البوادي وتلاشت في المراكز الحضريّة الكبرى. وحتّى في مكّة، الّتي ضمّت مجمّعاً للآلهة شمل أصناماً مثل هُبل، ومناف، وإساف، ونائلة الّتي ارتبطت بأساطير التّحجّر لارتكاب الفاحشة داخل الكعبة، تأثّرت الزّعامة الرّوحيّة والتّجاريّة بتحالفات مثل حُمس الّتي تجاوزت العبادات المحلّيّة الضّيّقة. وغابت المعابد “الوثنيّة” العامّة المفتوحة في يثرب، الّتي عُرفت لاحقاً باسم المدينة المنوّرة، برغم وجود أغلبيّة للقبائل المشركة.
في هذا الخضمّ المتسارع نحو التّوحيد تخلّت جماعات شمال عربية كليّاً عن شكل العبادات القديمة ذات الأصل النّاريّ أو الشّامانيّ دون ترك أثر مؤسّساتيّ ملموس، واستبدلت مفرداتها الوثنيّة بمصطلحات مستمرّة من الآراميّة 𐡀𐡓𐡌𐡉𐡀 واللّغات المحيطة الّتي اغتنت بالتّعبيرات اليهوديّة والمسيحيّة، لتتحضّر المنطقة لاستقبال الإسلام دين توحيديّ مهيمن.
يبرز التّحليل المعماريّ واللّاهوتيّ المقارن مساراً موازياً في المساحة الجغرافيّة ذاتها، يتجلّى بوضوح في بنية معابد الإلهة {عشتار} 𒀭𒈹، الّتي انتشرت انتشاراً واسعاً في التّقسيمات شمال العربية النهرينيّة والشّاميّة، وامتدّت إلى عمق الجزيرة العربيّة وجنوبها بصيغ متعدّدة مثل {عثتر} 𐩲𐩻𐩩𐩧 في الممالك الجنوبيّة و {عشتروت} 𐤏𐤔𐤕𐤓𐤕 في السّواحل الكنعانيّة. وتفرّدت هذه المعابد قديماً بتصميم هندسيّ يضمّ أبراجاً شاهقة أو منارات تُوقد في قممها نيران مقدّسة بصفة دائمة. ومثّلت هذه النّار الموقدة دلالة مزدوجة؛ فهي هداية مادّيّة للقوافل اللّيليّة، ورمز لاهوتيّ للاتّصال العُلويّ وحضور الإلهة.
وشهد هذا التّصميم المعماريّ الوظيفيّ تحوّلاً سيميائيّاً جذريّاً مع صعود الدّيانات الإبراهيميّة، فاستحالت المنارة النّاريّة بُنية اتّصال صوتيّ بدلاً من الاتّصال البصريّ. واستلهمت العمارة الكنسيّة في المسيحيّة هذا النّسق ببناء أبراج الأجراس، مستبدلة النّار بجرس معدنيّ يُقرع لجمع المؤمنين. وتطوّر المفهوم ذاته في العمارة الإسلاميّة اللّاحقة بانبثاق تصميم المئذنة أو المنارة (في المسجد العمري)، متخلّياً عن العنصر المادّيّ للنّار لمصلحة العنصر البشريّ الخالص، ليصدح المؤذّن بصوته من الارتفاع ذاته داعياً للصّلاة. ويؤكّد هذا الانتقال المعقّد من توقّد النّار الوثنيّة إلى رنين الجرس ونداء الصّوت البشريّ، تكيّفاً شعائريّاً عميقاً حافظ على الهيكل المعماريّ وأفرغه من محتواه النهريني القديم لمصلحة منظومات توحيديّة جديدة.
على النّقيض لم تضمحلّ الشّعائر النّاريّة كليّاً في بلاد إيران، بل فرض المَگُش 𐎶𐎦𐎢𐏁 ببطء شعائرهم القديمة على الزّرادشتيّة الوافدة لتصبح دين دولة. واستمرّت عبادة النّار برغم تدمير الإسكندر الأكبر Ἀλέξανδρος ὁ Μέγας للعديد من المراكز الدّينيّة واضطراب العوالم الشّعائريّة، وتوسّعت خلال العصرين السّلوقيّ والپارثيّ لتصل إلى {قپدوقيا} Καππαδοκία، و{ليديا} Λυδία في {هيروقيسارية} Ἱεροκαισάρεια و{هيبايبا} Ὕπαιπα التّركيّة اليوم، وأفغانستان الّتي ضمّت معبد {سرخکوتل} المجهّز بمذبح ومقعد، ومعبد {تخت سنگين} على نهر جيحون (أوكسوس) Ὄξος الّذي احتوى على غرف فرعيّة تضمّ مذابح ناريّة مربّعة توافق بدقّة التّنظيمات الزّرادشتيّة وتُمثّل أقدم معابد النّار، وصولاً إلى مناطق سيستان مثل معبد {كوه خواجه} المتمتّع بمذبح حجريّ متدرّج يعود للقرن الأوّل قبل الميلاد.
ويوثّق السّجلّ الأثريّ لتطوّر هذه المذابح والمعابد عبر العصور وجود مواقع بارزة، فتطالعنا آثار {تپّه نوشِ} {جان تپه نوشیجان} في همدان الّتي تعود لما قبل الأخمينيّين بين عامي 750 و 600 قبل الميلاد، وتحتوي على مذبح من الطّوب اللّبن المليّس بالجصّ ذي قاعدة مستقيمة وأربع درجات، وشكّلت نموذجاً أوّليّاً لا يحتفظ بنار دائمة الاشتعال. ويضمّ موقع {پاسارگاد} 𐎱𐎠𐎿𐎼𐎥𐎭 في إقليم فارس قاعدتين مربّعتين من الحجر الجيريّ من عهد {قورش} 𐎤𐎢𐎽𐎢𐏁، استُخدمت الجنوبيّة منصّة وقوف للرّائي، والشّماليّة لعرض النّار الشّعائريّة. وشكّل موقع {دهانه غلامان} في سيستان نقلة بوجود 47 صندوق نار في مراحله الأولى، وتحوّل لاحقاً لاستيعاب أفران ضخمة وثلاثة مذابح مربّعة تبيّن عقيدة النّيران الثّلاثة الإيرانيّة. وأظهر موقع {آلتین تپه} في تركمانستان هياكل ناريّة من أهرام طينيّة غير مشويّة مغطّاة بالجبس الأبيض تعود لأواخر القرن الخامس قبل الميلاد.
وبلغ تقديس النّار ذروته المؤسّساتيّة والجيوسياسيّة في العصر السّاسانيّ، فارتبطت شرعيّة الحُكم بتمجيد النّار. ودمج الكاهن الأعلى العظيم {كارتير} 𐭪𐭥𐭲𐭩𐭥 في القرن الثّالث الميلاديّ السّلطة الدّينيّة بالسّياسيّة لإنشاء كنيسة زرادشتيّة أرثوذكسيّة عسكريّة تحارب الزّندقة مثل المانويّة 𐫖𐫀𐫗𐫏 والمسيحيّة وغيرها، مسخّراً موارد الإمبراطوريّة كافّة لدعم الكهنوت. ويذكر الأدب الپهلويّ تأسيس أعظم ثلاثة نيران إمبراطوريّة ارتبطت بطبقات المجتمع السّاسانيّ، وهي {آدور بُرزين مِهر} 𐭠𐭲𐭥𐭥 𐭡𐭥𐭥𐭦𐭩𐭭 𐭬𐭲𐭥 نار المزارعين في منطقة پارثيا (پارصفة)، و{آدور فَرنبَاگ} 𐭠𐭲𐭥𐭥 𐭯𐭥𐭭𐭡𐭠𐭢 نار الكهنة في إقليم فارس، و{آدور گُشْنَسب} 𐭠𐭲𐭥𐭥 𐭢𐭥𐭱𐭭𐭮𐭯 نار الملوك والمحاربين في منطقة ماده، وتحديداً في الموقع الأثريّ المهيب {تخت سليمان} في أذربايجان الإيرانيّة.
واعتمدت العمارة الدّينيّة النّاريّة السّاسانيّة بشكل مكثّف على تصميم معماريّ فريد يُدعى {چهارطاق}، وهو غرفة مربّعة مقبّبة ذات أربعة أقواس في كلّ جدار، تعلوها قبّة {گُنبد}، وتُستخدم لعرض النّار المقدّسة وإقامة الشّعائر. وتُلحق هذه الغرفة غالباً بغرفة محصّنة تُدعى {آتشكده} لحفظ النّار من التّلوّث. وتذكر المراجع التّاريخيّة تأسيس الملك السّاسانيّ {خسرو الثّاني پرويز} 𐭧𐭥𐭮𐭫𐭥𐭣 𐭯𐭥𐭥𐭩𐭦 بمفرده لنحو 353 معبد نار، تعرّف الأثريّون على قرابة الخمسين منها، تركّزت غالبيّتها في إقليم فارس، وخوزستان، وعراق عجم (العراق الشرقي)، وظهرت المذابح النّاريّة باستمرار على ظهر العملات الفضّيّة السّاسانيّة، ممّا يمثّل تحوّلاً إمبراطوريّاً شاملاً جعل المَگُشيّة النّاريّة القلب النّابض لبلاد إيران.

الفصل الخامس: بقايا المَگُشيّة والاندماج في العصر الإسلاميّ
يبيّن التّتبّع المنهجيّ عدم مسح الانهيار المفاجئ للهيكل الإمبراطوريّ السّاسانيّ 𐭠𐭩𐭥𐭠𐭭𐭱𐭲𐭥 على يد الفتوحات العربيّة الإسلاميّة في القرن السّابع الميلاديّ، الموافق للقرن الأوّل الهجريّ، كليّاً التّفاصيل الدّقيقة للعقائد النّاريّة والمَگُشيّة من ذاكرة الشّعوب. كما أنّ رواسبها العميقة تسرّبت إلى الممارسات الشّعبيّة والأدبيّات الدّينيّة في المنطقة الممتدّة بين الشّام وبلاد إيران، وامتزجت تدريجيّاً بمنظومات التّشريع الفولكلوريّ والإسلاميّ والمسيحيّ واليهوديّ على حدّ سواء.
وبرز أثر مفاهيم الطّهارة المعقّدة ومكافحة قوى الظّلام بقوّة في هذا التّسرّب. وفرضت الزّرادشتيّة السّاسانيّة قواعد صارمة للتّطهير من النّجاسة المادّيّة والرّوحيّة لدرء الموت والانحلال عبر شعائر دُعيت بأسماء متعدّدة ومارستها الطّبقات كافّة. وشملت هذه الشّعائر تطهيراً رئيسيّاً يمتدّ تسعة أيّام يُعرف باسم {بَرَشْنوم} 𐭡𐭥𐭱𐭭𐭥𐭬، وشعيرة {پادياب} 𐭯𐭠𐭣𐭩𐭠𐭡 للوضوء الأوّليّ المتكرّر، وممارسة {سَگْديد} 𐭮𐭢𐭣𐭩𐭣 وهي النّظرة المطهّرة والخاطفة للكلب للجثمان للتّأكّد من الموت وطرد شياطين الجثث. واستُخدم أيضاً على نطاق واسع {گوميز} 𐭢𐭥𐭬𐭩𐭦، وهو بول الثّور أو البقر النّقيّ، بوصفه مادّة مطهّرة ومانعة للفساد توضع على الجسد الملوّث.
وخضعت هذه الشّعائر التّاريخيّة لتخفيف وتعديل هائلين مع انتقال أتباع هذه الدّيانة وانخراطهم القسريّ أو الطّوعيّ في مجتمعات إسلاميّة أوسع، أو بهجرتهم بصفة أقليّات إلى الهند مثل {الپارسيّين} 𐭯𐭠𐭥𐭮𐭩𐭢𐭠𐭭، أو توجّههم نحو المراكز الحضريّة الحديثة مثل طهران. وتخلّى المجتمع تدريجيّاً عن استخدام {الگوميز} 𐭢𐭥𐭬𐭩𐭦 لاستنكاره الاجتماعيّ، واستبدل الأتباع الدّفن السّماويّ في أبراج الصّمت بالدّفن الأرضيّ في مقابر إسمنتيّة عازلة لمنع تلوّث التّربة، وتخفّفت متطلّبات الطّهارة الشّعائريّة المتزمّتة تحت ضغوط العصرنة.
قاد قادة مجتمعيّون وإصلاحيّون، مثل {أرباب كيخسرو شاهرخ} في طهران، حملات إصلاح لتبنّي نظرة تركّز على {هومته هوخته هورشته} 𐬵𐬎𐬨𐬀𐬙𐬀 𐬵𐬏𐬑𐬙𐬀 𐬵𐬎𐬎𐬀𐬭𐬱𐬙𐬀، أي الفكر الصّالح والقول الصّالح والعمل الصّالح، بديلاً عن الشّعائر الكهنوتيّة المكلفة والمرهقة، ممّا أدّى إلى تقليص صلاحيّات الكهنة {الموبدان} 𐭬𐭢𐭥𐭯𐭲𐭠𐭭 وتعديل التّقاليد. حدث هذا التّحوّل التّاريخيّ في أواخر القرن التّاسع عشر والنّصف الأوّل من القرن العشرين الميلاديّين، الموافق لأواخر القرن الثّالث عشر وأوائل القرن الرّابع عشر الهجريّين. وبرزت جهود {أرباب} الإصلاحيّة بروزاً مكثّفاً إبّان أواخر العهد القاجاريّ وبدايات العهد الپهلويّ في بلاد إيران. وتبلورت هذه الحملات المؤسّساتيّة بقوّة إثر تأسيسه لجمعيّة زرادشتيّي طهران في عام 1907 ميلاديّة \ 1325 هجريّة، واستمرّت مساعيه التّحديثيّة حتّى رحيله في عام 1940 ميلاديّة \ 1359 هجريّة. ومثّلت هذه الحقبة الزّمنيّة نقطة تحوّل محوريّة لانتقال المجتمع الزّرادشتيّ من الانغلاق الشّعائريّ الصّارم نحو الاندماج المدنيّ والعصرنة.
واخترقت مفاهيم قوى الظّلام المادّيّة والحيوانيّة المسمّاة {خرفستر} 𐭧𐭫𐭯𐭮𐭲𐭥 التّراث الشّعبيّ وبعض النّصوص اللّاهوتيّة للأديان المحيطة اختراقاً أعمق بكثير. ويظهر ذلك بوضوح ساطع في النّصوص التّلموديّة البابليّة {تلمود باڤلي} תַּלְמוּד בָּבְלִי. إذ سجّل التّلمود نقاشات واحتكاكات لاهوتيّة ومعرفيّة متعدّدة بين الحاخامات רַבָּנִים اليهود وكهنة الزّرادشتيّة {المَگُش} 𐎶𐎦𐎢𐏁 في العصر السّاسانيّ. وتبيّن هذه النّصوص استيعاباً للفكر النّقديّ والممارسات التّطهيريّة الإيرانيّة بتفاصيل معقّدة، وتتضمّن التّساؤل المستمرّ والجدل حول سبب خلق الله للزّواحف والحشرات الضّارّة שְׁרָצִים الّتي تصنّفها الزّرادشتيّة قوى {خرفستر} شيطانيّة. وناقشت النّصوص أيضاً نار المذبح الدّائمة المذكورة في {سفر اللّاويّين} וַיִּקְרָא (6:6) وما إذا كانت دليلاً على ألوهيّة النّار. وأُدمجت شخصيّات مثل الحاخام {حنينا بن دوسا} חֲנִינָא בֶּן דּוֹסָא في قصص سحريّة تبرز بيئة غنيّة بالتّداخل المعرفيّ، واختلطت فيها شخصيّات مثل {النّمرود} נִמְרוֹד، و {إبراهيم} אַבְרָהָם، و {زرادشت} 𐬰𐬀𐬭𐬀𐬚𐬎𐬱𐬙𐬭𐬀 لخلق تعاويذ تطرد قوى الشّرّ.
ووثّقت نصوص مسيحيّة سريانيّة ܣܘܪܝܝܐ شمال عربية في بلدان العراق ومحيطها الجغرافيّ في الشام وما حولها، إضافة إلى أدبيّات سحريّة شعبيّة وأدبيّات صغديّة 𐼼𐼴𐼶𐼹𐼰𐼱، ممارسات ومخاوف ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنسق تفكير المَگُشيّة القاضي بحرب مستمرّة ضدّ المخلوقات الظّلاميّة لحماية التّوازن الكونيّ. ورفضت هذه النّصوص التّشريعات المَگُشيّة الجائرة المتعلّقة بالميراث وزواج المحارم {خويدوده} 𐭧𐭥𐭩𐭲𐭥𐭣𐭠𐭲 الّذي فرضته القوانين السّاسانيّة لضمان بقاء الثّروة داخل العائلات الكهنوتيّة والنّبيلة.
واندمجت بعض هذه المفاهيم في المنظومة التّراثيّة في العصر الإسلاميّ والتّصوّف المبكّر دون المساس بأساس التّوحيد الإسلاميّ الصّارم. ووُجّهت مفاهيم التّطهير العضويّ والمحاربة نحو التّعليمات الفقهيّة الخاصّة بقتل الحيوانات السّامّة والضّارّة، مثل العقارب والحيّات والكلب العقور، الّتي رُبطت أحياناً في الموروث الشّعبيّ بالجنّ أو القوى الشّيطانيّة المؤذية الّتي تسعى لدمار الإنسان، ممّا يتقاطع سيكولوجيّاً مع عقيدة إبادة قوى {الخرفستر} 𐭧𐭫𐭯𐭮𐭲𐭥. والتقى زهّاد مسلمون على الصّعيد الصّوفيّ، مثل {شقيق البلخيّ} في خراسان وعموم آسيا الوسطى، برجال دين بوذيّين 𐨦𐨂𐨢، وببيئة إسلاميّة حديثة العهد دانت قريباً بالزّرادشتيّة وقدّست معابد النّار، ممّا أدّى إلى تبلور عادات زُهديّة متفرّدة تمزج بين الانعتاق الشّعائريّ الصّوفيّ والاحترام العميق للطّبيعة، مؤكّدة استمراريّة تاريخيّة طبيعيّة للأعراف الشّعبيّة بعيداً عن الانقطاع الحضاريّ التّامّ الّذي تفترضه القراءات السّطحيّة.

الفصل السّادس: المجوسيّة في المفهوم الإسلاميّ والإسقاطات السّياسيّة
لا تمثّل عمليّة التّعريب اللّغويّ للمصطلح القديم {مَگوش} 𐎶𐎦𐎢𐏁 واستقراره بصيغة {ٱلْمَجُوس} تحوّلاً صوتيّاً بريئاً فحسب؛ بل استتبعت هذه العمليّة حمولة تاريخيّة وسياسيّة حاسمة استقرّت بعمق في العقل الجمعيّ والتّراث الإسلاميّ، وتعرّضت لتوظيف براغماتيّ شرس عبر قرون.
ذُكرت كلمة المجوس بوضوح وصراحة في نصّ {ٱلْقُرْآنُ ٱلْكَرِيم} في سُورَةُ ٱلْحَجِّ، الآية 17: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. ووضع هذا النّصّ القرآنيّ أتباع هذه الدّيانة مبدئيّاً في مصافّ أصحاب الشّعائر المعترف بوجودها لغرض الحساب الأخرويّ والفصل الإلهيّ، وساهم في تصنيفهم لاحقاً في العهود المبكّرة ضمن {أَهْلُ ٱلذِّمَّةِ}، فجُبيت منهم الجزية وحُفظت حقوقهم في المراحل الأولى للفتوحات الإسلاميّة لبلاد إيران في عهد {ٱلْخُلَفَاءُ ٱلرَّاشِدُينَ} و {ٱلْأُمَوِيُّين}.
كما وُصف المجوس في الفقه الإسلاميّ المبكّر والتّفاسير المعتمدة، مثل تَفْسِيرُ ٱبْنِ كَثِيرٍ، بعبدة النّار ومتبنّي الثّنويّة الكونيّة الّتي تفتقر إلى التّوحيد المطلق. وأشار المفسّرون إلى اعتقاد المجوس بوجود مصدرين للكون: إله للنّور وإله للظّلام، ممّا دفع ابن كثير لتصنيفهم ضمن فئة أسوأ المشركين لتبنّيهم فكرة الخالقين المنفصلين ولعبادتهم للنّار وممارساتهم الّتي استنكرها العرب قديماً مثل زواج المحارم {خويدوده} 𐭧𐭥𐭩𐭲𐭥𐭣𐭠𐭲، معقّباً بأنّ نارهم الّتي يعبدونها ستكون عذابهم في الآخرة.
واستعمل الكتّاب والمؤرّخون العرب والمسلمون كلمة المجوس مصطلحاً شاملاً لوصف أتباع الزّرادشتيّة 𐬰𐬀𐬭𐬀𐬚𐬎𐬱𐬙𐬭𐬀 والدّيانات الإيرانيّة المحلّيّة كافّة دون تمييز الدّقائق الفقهيّة بين المدارس المَگُشيّة 𐎶𐎦𐎢𐏁 القديمة، والمزدايّة، والزّرادشتيّة الأصيلة الّتي تختلف فيما بينها لاهوتيّاً حول قدم النّور وخلق الظّلام لاحقاً.
وانتقل النّقاش حول كلمة المجوس في العقود الأخيرة، وبشكل حادّ، من حقل اللّاهوت والتّاريخ التّراثيّ إلى ساحة المعارك الجيوسياسيّة والمذهبيّة المستعرة، لتُستخدم الكلمة سلاحاً أيديولوجيّاً قاطعاً لتجريد الخصوم السّياسيّين والمذهبيّين، وتحديداً الشِّيعَة في العراق وإيران والخليج العربيّ، من عروبتهم، وأصولهم التّاريخيّة، وشرعيّتهم الإسلاميّة.
وشكّل صدور كتاب {وجاء دور المجوس: الأبعاد التّاريخيّة والعقائديّة والسّياسيّة للثّورة الإيرانيّة} في القاهرة عام 1981 ميلاديّة (1401 هجريّة)، نقطة تحوّل محوريّة وخبيثة في هذا التّوظيف السّياسيّ. وزعم هذا الكتاب، الّذي كُتب إثر التّوجّس من الثّورة الإيرانيّة عام 1979 ميلاديّة (1399 هجريّة)، تشكيل الشّيعة المعاصرين والحركات المرتبطة بهم خطراً مباشراً على الإسلام الصّحيح. ونسخته الأشهر صدرت عام 1983 ميلاديّة (1403 هجريّة)، للمؤلّف {عَبْدُ ٱللَّٰه مُحَمَّد ٱلْغَرِيب} الّذي عُرف لاحقاً بكونه الاسم المستعار للشّيخ {مُحَمَّد سُرُور نَايِف زَيْنُ ٱلْعَابِدِين}.
وطرح الكتاب نظريّة مؤامرة تدّعي اعتناق سكّان بلاد إيران من المجوس للإسلام ظاهريّاً فقط بعد هزيمتهم المدوّية في الإمبراطوريّة السّاسانيّة 𐭠𐭩𐭥𐭠𐭭𐭱𐭲𐭥، بهدف تدميره من الدّاخل والانتقام لسقوط مجدهم. وربط الكتاب عمليّة اغتيال الخليفة الثّاني {عُمَر بْنُ ٱلْخَطَّاب} على يد الأسير المسيحيّ-الإيرانيّ {پيروز نهاوندي} الملقّب {أَبُو لُؤْلُؤَةَ ٱلْمَجُوسِيّ} بصفة حلقة ديناميكيّة أولى في هذه المؤامرة الّتي توارثوها عبر العصور.
ونال الكتاب رواجاً هائلاً وأصبح من أكثر الكتب مبيعاً وتأثيراً في المنطقة، وأثنى عليه رموز المؤسّسة الدّينيّة آنذاك، مثل مفتي السّعوديّة السّابق {عَبْدُ ٱلْعَزِيزِ بْنُ بَاز} الّذي أمر بطباعة وتوزيع 3000 نسخة مجّانيّة منه على العلماء. وشكّل الكتاب الأرضيّة الأيديولوجيّة القاسية الّتي مهّدت لخطاب سياسيّ تكفيريّ حوّل الكلمة الدّينيّة التّاريخيّة المجوس والمصطلح المذهبيّ {الرَّافِضَة} إلى إهانة قوميّة وسياسيّة تُنشر عبر كتيّبات، وتُستخدم لتخوين المؤسّسات والمساجد الشّيعيّة في الكويت والسّعوديّة وتصنيفها طابوراً خامساً.
واستعارت النّظم السّياسيّة والعسكريّة العلمانيّة هذا القاموس الدّينيّ لتعزيز حروبها سريعاً؛ فشنّ {حِزْبُ ٱلْبَعْثِ ٱلْعَرَبِيِّ ٱلِٱشْتِرَاكِيِّ} العراقي إبّان حكم {صَدَّام حُسَيْن}، الّذي دافع عن البوّابة الشّرقيّة للأمّة العربيّة، حملة شعواء شديدة العداء لبلاد إيران واستخدم الخطاب القوميّ المناهض للإيرانيّين بوصفهم حصريّاً المجوس أو الزّرادشتيّين.
وبرز هذا الخطاب العنصريّ بوضوح في الكُتيّب الرّسميّ الّذي ألّفه {خَيْرُ ٱللَّٰه طَلْفَاح}، خال صدّام حسين ووالد زوجته، تحت عنوان {ثلاثة كان على الله ألا يخلقهم: الفرس، اليهود، والذباب}، مستخدماً مصطلح الفرس للإشارة إلى الإيرانيّين، والّذي شتم فيه أصول الإيرانيّين واصفاً إيّاهم بمخلوقات مقزّزة ولا نفع منها ولا أصل لهم إلّا الشّرّ. وتوارثت الحركات الجهاديّة الرّاديكاليّة لاحقاً هذا الخطاب وجعلته ركيزة وجوديّة لقتالها.
وعُسكر مصطلح المجوس بدءاً من {أَبُي مُصْعَبٍ ٱلزَّرْقَاوِيّ} ووصولاً إلى {أَبُي بَكْرٍ ٱلْبَغْدَادِيّ}، زعيم {تَنْظِيمُ ٱلدَّوْلَةِ ٱلْإِسْلَامِيَّةِ}. واقتبس البغداديّ في خطابه التّأسيسيّ الأوّل في كانون الأوّل ديسمبر 2006 ميلاديّة (ذو الحجّة 1427 هجريّة) آيات من سورة الإسراء مستشهداً بسياسات النّبيّ محمّد مُحَمَّد، ثمّ حرّض بشكل سافر على إبادة الشّيعة واصفاً إيّاهم بالرّافضة، ومسمّياً الإيرانيّين صراحةً بالمجوس، ومطالباً بوقف وتجميد التّعاملات التّجاريّة المباشرة كافّة للتّجّار السّنّة في الخليج مع تُجّار المجوس في بلاد إيران، واعداً الفلسطينيّين بتوطينهم في المدن العراقيّة بعد تطهيرها من الشّيعة.
ويُظهر التّحليل النّقديّ العقلانيّ، والتّأريخ المنهجيّ الأكاديميّ، بطلان وتهافت هذه الاتّهامات علميّاً وتاريخيّاً. ويخلط هذا التّوظيف السّياسيّ الرّخيص للمجوسيّة عمداً بين الطّبيعة المستقلّة والدّيناميكيّة لتطوّر المذاهب الإسلاميّة المبكّرة، بما فيها الشّيعة، من جهة، وبين الاستمراريّة التّاريخيّة التّلقائيّة لبعض العادات الشّعبيّة المحلّيّة الّتي التصقت بالشّعوب الإسلاميّة كافّة من جهة أخرى.
ونشأت المدارس الفقهيّة والشّيعيّة في بداياتها الأولى داخل بيئة إسلاميّة فقهيّة خالصة تمحورت حول النّزاع السّياسيّ والدّينيّ لمساندة الخليفة الرّابع {عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب} في {مَعْرَكَةُ ٱلْجَمَلِ} و {وَقْعَةُ صِفِّينَ}، وتطوّرت بشكل عضويّ بعيداً كليّاً عن النّسق اللّاهوتيّ المَگُشيّ 𐎶𐎦𐎢𐏁. ولم يحمل التّشيّع الأوّل أيّ عداء للخلفاء السّابقين مثل {أَبُو بَكْرٍ ٱلصِّدِّيق} و {عُمَر بْنُ ٱلْخَطَّاب}، بل تطوّر لاحقاً بصفة مدارس أصوليّة وإخباريّة لا تربطها أيّ صلة عقائديّة أو هيكليّة بعبادة النّار، أو تقديس الكلاب، أو التّقسيم الكونيّ للكائنات إلى {گوسپند} 𐭢𐭥𐭮𐭯𐭭𐭣 و {خرفستر} 𐭧𐭫𐭯𐭮𐭲𐭥 الّذي ميّز الزّرادشتيّة 𐬰𐬀𐬭𐬀𐬚𐬎𐬱𐬙𐬭𐬀.
ويمثّل نعت الشّيعة بالمجوس أداة سياسيّة صُمّمت لخلق استقطاب طائفيّ قاتل يجرّد فئة واسعة من المسلمين، عرباً وإيرانيّين، من هويّتهم وحقّهم الرّوحيّ، وليس استنتاجاً لاهوتيّاً يبحث في الأصول التّشريعيّة. ويتجاهل هذا النّعت الحقائق التّاريخيّة المتمثّلة في تلاشي العقائد المَگُشيّة القديمة هيكليّاً بصفة مؤسّسة حكم وتواريها خلف هويّات دينيّة جديدة فرضتها قرون من التّفاعلات والتّحوّلات الإسلاميّة العميقة، فلم تعد موجودة بصفة خطر لاهوتيّ، بل أضحت مكوّناً تاريخيّاً يشرح تطوّر الوعي الدّينيّ لشعوب المنطقة.
الخاتمة
تتضافر الأدلّة التّاريخيّة، والأثريّة، واللّغويّة الممتدّة من نقوش داريوس في جبال بيستون إلى نصوص التّلمود، لتؤكّد وحدة المسار التّاريخيّ العميق لشعوب منطقة شمال العربية وبلاد إيران. وتبرهن المقاربات التّحليليّة لشعائر النّار، مثل تقديس {آتَش} 𐬁𐬙𐬀𐬱 وممارسات التّخلّص من الموتى في {الدّخمة} 𐭣𐭧𐭬𐭪، على أصالة {المَگُشيّة} 𐎶𐎦𐎢𐏁 بصفة ظاهرة دينيّة ليست استثناءً غريباً أو ديناً منقطع الجذور في منطقتها.
تمثّل هذه الشّعائر مرحلة تطوّر طبيعيّة ونتاجاً عضويّاً لتفاعلات الشّعوب الممتدّة من بلاد النهرين وعموم الجزيرة العربيّة وصولاً إلى هضبة بلاد إيران. ومارست هذه الشّعوب التّأثير والتّأثّر، ونظّمت علاقة الإنسان بالبيئة وبقوى الغيب عبر تقديس العناصر النّقيّة مثل النّار، مستلهمة جذوراً أقدم تبلورت في شعائر شعوب المورو {أمورو} 𒈥𒌅 ومعابد الإلهة {عشتار} 𒀭𒈹 ذات المنارات الموقدة الّتي أضاءت طرق القوافل ورمَزت للاتّصال العُلويّ.
ويوضّح التّتبّع المعماريّ واللّاهوتيّ لانتقال أبراج النّار إلى مآذن وأبراج أجراس، وتكيّف مفاهيم محاربة قوى الظّلام مثل {خرفستر} 𐭧𐭫𐭯𐭮𐭲𐭥 داخل الفقه الإسلاميّ والتّراث الشّعبيّ، حقيقة الامتزاج الحضاريّ الرّصين. وتدحض هذه القراءة المعرفيّة الشّاملة الرّؤى الموجّهة ذات البُعد الواحد؛ سواء تلك القراءات الاستشراقيّة أو القوميّة الّتي تعزل الدّيانة الزّرادشتيّة 𐬰𐬀𐬭𐬀𐬚𐬎𐬱𐬙𐬭𐬀 وتُصوّرها كياناً نقيّاً متفرّداً لم يستقِ من الشّعائر المحلّيّة والشّامانيّة، أو تلك الرّؤى الّتي تتجاهل التّداخل اللّغويّ العظيم المدوّن بالخطوط المسماريّة المتعدّدة والآراميّة 𐡀𐡓𐡌𐡉𐡀.
تُسقط هذه الدّراسة الاستقصائيّة، بالبرهان العلميّ القاطع، الأقنعة عن التّوظيف الأيديولوجيّ المعاصر والرّاديكاليّ الّذي يختطف مصطلح {ٱلْمَجُوس} لسلخ المكوّنات الأصيلة في المجتمعات الإسلاميّة والعربيّة عن محيطها واستباحة دمائها. ويشكّل نعت الشِّيعَة والمخالفين السّياسيّين بهذا المصطلح التّاريخيّ تزويراً فجّاً للحقائق، وقفزاً فوق قرون من التّطوّر الفقهيّ الإسلاميّ الخالص الّذي لا يمتّ بصلة لتقديس {گوسپند} 𐭢𐭥𐭮𐭯𐭭𐭣 أو شرب {گوميز} 𐭢𐭥𐭬𐭩𐭦. ويبرز هذا التّراشق المذهبيّ بصفة أداة سياسيّة وظّفتها أنظمة وحركات متطرّفة لاختلاق عدوّ وهميّ يبرّر سياسات الإقصاء والحروب المدمّرة في المنطقة.
ويتيح الفهم العميق والمنهجيّ للمَگُشيّة 𐎶𐎦𐎢𐏁، بوصفها تجربة روحيّة إنسانيّة تفاعلت، وتماهت، وانحسرت لمصلحة منظومات إبراهيميّة أوسع، قراءة رصينة لتاريخ مشترك مَلآن بالامتزاج. إذ يقوّض هذا النّسق الأكاديميّ مساعي الفصل العنصريّ والطّائفيّ الّتي تستند إلى مفاهيم مشوّهة وتشويهات لغويّة لم تراعِ يوماً الدّيناميكيّة العظيمة والفريدة لحضارات شمال العربية وبلاد إيران.
ونختتم الدّراسة بتأكيد ضرورة تحرير التّاريخ الدّينيّ من قيود الحاضر السّياسيّ المأزوم، لتعود قراءة التّراث قراءة علميّة تضيء دروب المعرفة وتجمع الشّعوب، بدلاً من إشعال نيران الكراهيّة.
مراجع ومصادر
- Fire in ancient Iranian culture: https://en.wikipedia.org/wiki/Fire_in_ancient_Iranian_culture
- FIRE ALTARS – Encyclopaedia Iranica: https://www.iranicaonline.org/articles/fire-altars/
- Fire Temples, Pre-Islamic Religions – ResearchGate: https://www.researchgate.net/publication/373272009_Fire_Temples_Pre-Islamic_Religions
- MAGI – Encyclopaedia Iranica: https://www.iranicaonline.org/articles/magi
- Introduction to Zoroastrianism – ResearchGate: https://www.researchgate.net/profile/Dickson_Adom/post/Do_you_think_Zoroastrianism_influenced_Judaism/attachment/5a7813454cde266d5888c3ad/AS%3A590588558721024%401517818693025/download/zorocomplete.pdf
- Nouvelles Assyriologiques Brèves et Utilitaires (NABU): http://sepoa.fr/wp/wp-content/uploads/2012/05/1995-3.pdf
- Oral Tradition among Religious Communities in the Iranian-Speaking World: https://www.researchgate.net/publication/366399780_Oral_Tradition_among_Religious_Communities_in_the_Iranian-Speaking_World
- Was the transition from ‘p’ to ‘F’ in Persian words – Quora: https://www.quora.com/Was-the-transition-from-p-to-F-in-Persian-words-from-middle-to-modern-Persian-because-of-Arabic-influence-or-was-it-simply-a-natural-process-like-we-see-in-many-other-Indo-European-languages
- What are the unique qualities of the Persian language – Quora: https://www.quora.com/What-are-the-unique-qualities-of-the-Persian-language-that-set-it-apart-from-the-Arabic-language
- Shouldn’t the Persian language switch to the Latin alphabet – Quora: https://www.quora.com/Shouldnt-the-Persian-language-switch-to-the-Latin-alphabet-Since-Persian-is-an-Indo-European-language-Latin-script-should-fit-it-very-well
- The Sacred Fire in Zoroastrianism: Archaeological Evidence: https://www.thearchaeologist.org/blog/the-sacred-fire-in-zoroastrianism-archaeological-evidence
- Sky burial – Wikipedia: https://en.wikipedia.org/wiki/Sky_burial
- Under a Birdless Sky – Harvard Divinity Bulletin: https://bulletin.hds.harvard.edu/under-a-birdless-sky/
- Zoroastrian Towers of Silence: Leaving the Dead for the Vultures – Ancient Origins: https://www.ancient-origins.net/history-ancient-traditions/zoroastrian-towers-silence-where-dead-are-left-vultures-007182
- Tower of Silence: The Vanishing Practice of Zoroastrian Sky Burial – Countere Magazine: https://www.countere.com/home/tower-of-silence-dakhma-zoroastrian-sky-burial-vultures
- MAMMALS iii. The Classification of Mammals and the Other Animal Classes – Encyclopædia Iranica: https://www.iranicaonline.org/articles/mammals-03-in-zoroastrianism/
- Toward a more Materialist Ethics: Vermin and Poison in Zoroastrian Thought – Brill: https://brill.com/display/book/9789004460294/BP000013.xml
- Selected Writings of Mary Boyce – Internet Archive: https://archive.org/stream/boyce19552005selectedwritings/Boyce_1955-2005_Selected_Writings_djvu.txt
- Bulletin of The Asia Institute 27 – Scribd: https://www.scribd.com/document/911704824/Bulletin-of-the-Asia-Institute-27
- Commentary – Brill: https://brill.com/display/book/9789004269224/B9789004269224_004.pdf
- Officina Magica Essays on the Practice – Academia.edu: https://www.academia.edu/95826588/Officina_Magica_Essays_on_the_Practice_o
- Hell in Zoroastrian History – Academia.edu: https://www.academia.edu/3766355/Hell_in_Zoroastrian_History
- KARTIR – Encyclopaedia Iranica: https://www.iranicaonline.org/articles/kartir/?generate_pdf=1
- Laws of Ritual Purity: Zand ī Fragard ī Jud-Dēw-Dād – DOKUMEN.PUB: https://dokumen.pub/laws-of-ritual-purity-zand-fragard-jud-dw-dd-a-commentary-on-the-chapters-of-the-widwdd-9004433945-9789004433946.html
- Early Vedic Schism-Indo-Iranian Split and Rise of Zoroastrianism – ResearchGate: https://www.researchgate.net/publication/339484332_Early_Vedic_Schism-Indo-Iranian_Split_and_Rise_of_Zoroastrianism
- The World of Achaemenid Persia: History, Art and Society – DOKUMEN.PUB: https://dokumen.pub/the-world-of-achaemenid-persia-history-art-and-society-in-iran-and-the-ancient-near-east-9780755625420-9781848853461.html
- The Daeva Cult – Scribd: https://www.scribd.com/document/259644508/The-Daeva-Cult
- Zoroastrianism: Origins and Teachings – Scribd: https://www.scribd.com/document/790524450/Choksy-Zoroastrianism-Jones-Ed-Encyclopedia-of-Religion-2nd-Ed-Macmillan-2005
- Zoroastrianism – Encyclopedia.com: https://www.encyclopedia.com/philosophy-and-religion/ancient-religions/ancient-religion/zoroastrianism
- Religion in pre-Islamic Arabia – Wikipedia: https://en.wikipedia.org/wiki/Religion_in_pre-Islamic_Arabia
- Pre-Islamic Arabia: Societies, Politics, Cults and Identities during Late Antiquity: https://maryjahariscenter.org/blog/pre-islamic-arabia-societies-politics-cults-and-identities-during-late-antiquity
- EVOLUTION OF THE ZOROASTRIAN PRIESTLY RITUALS IN IRAN – SOAS: https://www.soas.ac.uk/sites/default/files/2022-06/09%20Evolution%20of%20the%20Zoroastrian%20Priestly%20Rituals%20in%20Iran%20file125074.pdf
- ZOROASTRIAN RITUALS – Encyclopaedia Iranica: https://www.iranicaonline.org/articles/zoroastrian-rituals/
- Food and Purity in Zoroastrianism: Then to Now – DigitalCommons: https://digitalcommons.usu.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=1093&context=imwjournal
- Purification Rituals in Zoroastrianism: https://hii.alzahra.ac.ir/article_771.html?lang=en
- The fatal chamber pot and the idol of Pe’or – Liverpool University Press: https://www.liverpooluniversitypress.co.uk/doi/pdf/10.18647/3279/JJS-2016?download=true
- Rabbis, Sorcerers, Kings, and Priests – dokumen.pub: https://dokumen.pub/download/rabbis-sorcerers-kings-and-priests-the-culture-of-the-talmud-in-ancient-iran-9780520961548.html
- A State of Mixture: Christians, Zoroastrians, and Iranian Political History – DOKUMEN.PUB: https://dokumen.pub/a-state-of-mixture-christians-zoroastrians-and-iranian-political-culture-in-late-antiquity-9780520961531.html
- STVDIA ASIATICA. Revue internationale d’études asiatiques: https://www.ihr-acad.ro/wp-content/uploads/2022/06/STVDIA.ASIATICA.X.2009.full_opt.pdf
- Early Sufism in Iran: Proto-Sufism in Khurasan: https://www.independentphilosophy.net/Early_Sufism_in_Iran.html
- Iranian Philosophy of Religion and the History of Political Thought – eScholarship: https://escholarship.org/content/qt8t2507mw/qt8t2507mw_noSplash_2203fa9314e2af02adcb433343a12246.pdf
- Zoroastrianism: An Introduction for Muslims: https://muslimskeptic.com/2022/01/31/zoroastrianism-an-introduction-for-muslims/
- Voice Voiceless – Americans for Democracy & Human Rights in Bahrain: https://www.adhrb.org/wp-content/uploads/2017/03/ADHRB_Voiceless_Web.pdf
- Shia–Sunni relations – Wikipedia: https://en.wikipedia.org/wiki/Shia%E2%80%93Sunni_relations
- Sunni Polemical Writings on the Shi′a and the Iranian Revolution: https://d-nb.info/1123418314/34
- Zarqawi’s Anti-Shi’a Legacy: Original or Borrowed? – Hudson Institute: https://www.hudson.org/national-security-defense/zarqawi-s-anti-shi-a-legacy-original-or-borrowed
- A new synthesis: Saudi Salafism and the contested ideologies of Muhammad Surur – Rowan Digital Works: https://rdw.rowan.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=3786&context=etd
- The Wahhabi Political Doctrines in the Middle Eastern Westphalian System: https://espace.rmc.ca/jspui/bitstream/11264/842/1/Haider%20Ali%20PhD%20Dissertation%20RMC%2010%20May%202022.pdf
- The Caliphate Attempted: Zarqawi’s Ideological Heirs – Hudson Institute: https://www.hudson.org/national-security-defense/the-caliphate-attempted-zarqawi-s-ideological-heirs-their-choice-for-a-caliph-and-the-collapse-of-their-self-styled-islamic-state-of-iraq
- Methodology in Islamic History – Mahajjah: https://mahajjah.com/methodology-in-islamic-history-new-upload/
- Section Three: The Smear Campaign of Rafd Against Him – Mahajjah: https://mahajjah.com/section-three-the-smear-campaign-of-rafd-against-him/
- Happiness For Mankind. Achaemenian Religion – Internet Archive: https://archive.org/stream/HappinessForMankind.AchaemenianReligion/HappinessForMankind.AchaemenianReligion_djvu.txt
- Achaemenid Religion – Encyclopaedia Iranica: https://iranicaonline.org/articles/achaemenid-religion
- Ahura Mazda – Encyclopaedia Iranica: https://iranicaonline.org/articles/ahura-mazda
- Behistun Inscription – Livius: https://www.livius.org/articles/place/behistun/
- Persepolis Fortification Archive – Oriental Institute: https://oi.uchicago.edu/research/projects/persepolis-fortification-archive
- Herodotus on the Magi – Livius: https://www.livius.org/sources/content/herodotus/herodotus-on-the-magi/
- Strabo’s Geography, Book 15 – Perseus Digital Library: http://www.perseus.tufts.edu/hopper/text?doc=Perseus:text:1999.01.0198:book=15
- The Zoroastrian Flame – I.B. Tauris: https://books.google.com/books?id=f_XnDwAAQBAJ
- Chahartaq – Encyclopaedia Iranica: https://iranicaonline.org/articles/cahartaq
- Sasanian Empire – World History Encyclopedia: https://www.worldhistory.org/Sasanian_Empire/
- Kartir’s Inscription at Naqsh-e Rajab – Livius: https://www.livius.org/articles/place/naqsh-e-rajab/naqsh-e-rajab-kartir-inscription/
- Dakhma – Encyclopaedia Iranica: https://iranicaonline.org/articles/dakhma
- Vendidad (Vidēvdād) – Avesta.org: http://www.avesta.org/vendidad/vd_engl.htm
- Bundahishn – Avesta.org: http://www.avesta.org/pahlavi/bundahis.html
- Babylonian Talmud: Tractate Sanhedrin – Sefaria: https://www.sefaria.org/Sanhedrin
- Zoroastrians under early Islamic rule – Encyclopaedia Iranica: https://iranicaonline.org/articles/islam-i
- The Idea of Iran: From Sasanian Transition to Islam: https://books.google.com/books?id=bXZ5DwAAQBAJ





اترك رد