تتميّز اللّغة العربية بتنوّع ظواهر اللّهجات لعدّة أسباب جوهرية مترابطة:
أولاً، يرتبط هذا التنوع بالطبيعة الجغرافية لشبه الجزيرة وعموم البلاد العربية. فالمساحات الشاسعة والتضاريس المتنوعة من جبال وصحارى ووديان وسواحل أدت إلى عزلة نسبية بين المجتمعات العربية القديمة. هذه العزلة سمحت لكل مجتمع بتطوير خصائص لهجية مميّزة، تتناسب مع بيئته وظروفه المحلية.
ثانياً، لعب النظام القبلي دوراً محورياً في هذا التنوع. فكل قبيلة كانت تعتز بهويتها وخصوصيتها اللغوية، وتحافظ على سماتها المميزة في النطق والتعبير. هذا الاعتزاز القبلي بالخصوصية اللغوية أدى إلى تراكم الفروق اللهجية وترسيخها عبر الأجيال.
ثالثاً، تميزت العربية بمرونة صوتية استثنائية في نظامها الصوتي. فظواهر النبر والإبدال التي نراها – مثل إبدال الواو همزة أو السين صاداً – تعكس قدرة النظام الصوتي العربي على التكيف والتطور مع احتياجات الناطقين المختلفة. هذه المرونة سمحت بظهور تنويعات صوتية متعدّدة دون أن يؤثر ذلك على فهم المعنى الأساسي.
رابعاً، أسهم الاحتكاك مع اللغات المجاورة في إثراء التنوع اللهجي. فالقبائل العربية التي عاشت على أطراف الجزيرة العربية مثلاً تأثرت باللغات الآسيوية والأوروپية والأفريقية المجاورة، مما أضاف طبقة إضافية من التنوع اللهجي. على سبيل المثال، نجد أن لهجات اليمن تأثرت باللغات السامية الجنوبية القديمة.
خامساً، حافظت العربية على هذا التنوع من طريق نظام لغوي فريد يجمع بين الوحدة والتنوع. فرغم وجود لغة فصحى موحدة، إلا أن هذه الفصحى كانت تستوعب التنوعات اللهجية وتعتبرها جزءاً من ثراء اللغة. وقد وثق علماء اللغة القدامى هذه الظواهر اللهجية باعتبارها “لغات” مقبولة، وليست “أخطاء” يجب تصحيحها.
وأخيراً، ساهمت طبيعة الحياة العربية القائمة على التنقل والتجارة في الحفاظ على حيوية هذا التنوع اللهجي. فرغم التواصل المستمر بين القبائل، إلا أن هذا التواصل لم يؤد إلى ذوبان اللهجات، بل إلى تعايشها وتفاعلها بشكل حيوي.
هذا التنوع اللهجي الثري يعكس في النهاية قدرة اللغة العربية على التكيف مع الظروف المختلفة مع الحفاظ على هويتها الأساسية، وهو ما يفسر استمرارها كلغة حية ومتجددة حتى يومنا هذا.
أبرز سمات لهجات العربية:
إبدال الحروف:
- العَنْعَنَة: إبدال الهمزة عيناً (مثل “عن” بدل “أن”)
- الكَشْكَشَة: إبدال كاف الخطاب المؤنث شيناً (مثل “عليش” بدل “عليكِ”)
- الكَسْكَسَة: إبدال كاف المؤنّث سيناً (مثل “أبوس” بدل “أبوكِ”)
- الوَتْمُ: قلب السين تاءً (مثل “النات” بدل “الناس”)
- العَجْعَجَة: إبدال الياء جيماً (مثل “تميمج” بدل “تميمي”)
- الفَحْفَحَة: جعل الحاء عيناً
تغييرات صوتية:
- الطُّمْطُمانية: إبدال اللام ميماً في أداة التعريف (مثل “امهواء” بدل “الهواء”)
- اللَّخْلَخة: إبدال اللام نوناً (مثل “قنتلّو” بدل “قلت له”)
- التَّلْتَلَة: كسر حروف المضارعة (مثل “تِعلمون” بدل “تَعلمون”)
- القُطْعَة: قطع آخر الكلام (مثل “يا أبا الحكا” بدل “يا أبا الحكم”)
- الجُلْجُلة: إبدال القاف گيم (جيم غير معطّشة) (مثل “گال” بدل “قال”)
تغييرات في البنية:
- لهجة طيء: قلب الياء ألفاً (مثل “رضا” بدل “رضي”)
- مدّ الحركات في اللّهجة الدادانية (مثل “ياكول” بدل “يأكل”)
ظواهر نطقية:
- الغَمْغَمَة: عدم تبيين الكلام
- العَجْرَفِيَّة: التقعر والجفاء في الكلام
- اللَّخْلخَانِيَّة: العجمة واللّكنة في المنطق
تحوّلات صوتية:
- إبدال القاف همزة في لهجة تهامة والشام والقاهرة والأندلس
- إبدال العين همزة في لهجة تهامة
- تبادل الأصوات بين القاف والهمزة والجيم
هذه السمات تعكس التنوع اللّهجي الكبير في اللّغة العربية وتطوّرها عبر المناطق المختلفة.


في حقبة دولة الخديوي إسماعيل في القاهرة، اشتغل الپاشا المصري أحمد تيمور (تنكور) على تصنيف وفهرسة التراث العربي بمجمله، وهو جهد عظيم لم يشتغل عليه غيره في القرن العشرين، ولم تزل كتبه مصدراً لكل الدارسين في تاريخ التراث العربية، حتّى بعد مضّي قرابة القرن على وفاته. وكان من جملة ما اشتغل عليه الپاشا فهرس لهجات العرب، ثمّ نشرته لجنة نشر المؤلفات التيمورية في كتاب سنة ١٩٤٨، بعد وفاة أحمد پاشا بـ١٨ سنة.
والأديب اشتغل على البحث عن معاني أسماء لهجات اللّغة العربية في كلّ ما وصل إلى يديه من كتب اللّغة العربية ومعاجمها. وترك غير المشروح على حاله وذكر فقر الكتب بشرحه.
ومن هذا الباب ننشر هنا سلسلة لهجات العرب؛ أنشر فيها كتاب أحمد پاشا تيمور، وكتاب الممتع الكبير في التصريف لابن عصفور وكتب التراث اللّغوي العربي الأخرى. وأفتح المجال لنا جميعاً لإتمام وإكمال جهد الأدباء العظام، وشرح ما لم يجده الپاشا أحمد في كتب التراث. اختر اللّهجة باسمها من القائمة على يسار الصفحة (أسفل الصفحة على الجوّال).

ويمكنك كذلك الاطلاع على تدوينات مؤنس بخاري حول لهجات العرب من هنا




















اترك رداً على يحيى عطااللهإلغاء الرد