تاريخ العرب، وعلوم اللّغة العربية في أوزبكستان

الفصل الثامن

الدراسات الإسلامية وعلوم اللغة العربية، ومخطوطاتها في أوزبكستان: بين الأمس واليوم

للأوساط العلمية في جمهورية أوزبكستان شجون وحنين لذكريات تحملها في طياتها الكثير من الصفحات المشرقة التي خطها الأجداد المسلمين في تاريخ ما وراء النهر، وذكريات الاضطهاد الذي تعرضت له الثقافة الأصيلة لشعوب المنطقة خلال سنوات الاحتلالين الروسي والسوفييتي الذي استمر قرابة المائة والثلاثين عاماً، وآمالاً مع المستقبل المشرق الذي باتت تعمل من أجله تلك الأوساط بعد الاستقلال.

إذ من المعروف للجميع أنه مع انتشار الدين الإسلامي فيما وراء النهر، الذي حمله معهم الفاتحون العرب في القرن السابع الميلادي، انتشرت اللغة العربية لغة القرآن الكريم في تلك الأصقاع من الأرض حتى غدت لغة العلم والتعليم والتجارة والدواوين. ولم يتأثر موقعها الهام هذا رغم تبدل الأسر الحاكمة، والدول التي أقامتها تلك الأسر على أرض ما وراء النهر، إلى أن جاء الاحتلال والضم والاستيطان الروسي خلال الجزء الأخير من القرن الثامن عشر. ذلك الاحتلال الذي أخذ يقضم ويضم تدريجياً الإمارات الإسلامية في ما وراء النهر الواحدة تلو الأخرى، إلى الإمبراطورية الروسية مترامية الأطراف آنذاك، مستفيداً من القسمة والخصومة المحتدمة بين الأمراء المسلمين حكام المنطقة حينها، وانشغال العالم الإسلامي بأسره بالدفاع عن ذاته أمام الهجمات المتعاظمة لقوى الاستعمار الأوروبي الذي أحاط به من كل جانب وأخذ بالتشبث في بعض أجزائه.

وحمل الاحتلال الروسي معه لتركستان ثقافة غريبة، ولغة غريبة، ومفاهيم غريبة عن أبناء المنطقة التي حملت بعد استقرار الاحتلال اسم تركستان الروسية. وازدادت وطأة الاحتلال بعد استيلاء البلاشفة على السلطة في روسيا وإقامتهم للسلطة السوفييتية التي قسمت تركستان الروسية خلال العشرينات من القرن العشرين إلى الجمهوريات المعروفة الخمس التي نعرفها اليوم وهي: أوزبكستان، وقازاقستان، وتركمانستان، وقرغيزستان الناطقة باللهجات التركية، وطاجكستان الناطقة بواحدة من اللهجات الفارسية، والتي حولت فيما بعد تحت الرعاية السوفييتية إلى لغات مستقلة تكتب بالحرف الروسي (الكيريلي). وقامت السلطات البلشفية آنذاك بإغلاق المساجد، ومصادرة وإتلاف كل ما كتب باللغة العربية أو حتى بالحرف العربي ومعاقبة كل من يعثر بحوزته على مثل تلك الكتب، بعد أن عمدت إلى إلغاء استعمال الحرف العربي واستبداله بالحرف اللاتيني أولاً، ومن ثم بالحرف الروسي (الكيريلي). ورافق تلك الحملة إغلاق المدارس الإسلامية ومنع تعليم وتداول اللغة العربية في تلك الجمهوريات تماماً حتى الحرب العالمية الثانية.

ورغم تبدل الظروف تحت وطأة الحرب العالمية الثانية، واضطرار السلطات السوفييتية للتخفيف من ضغوطها، وفتح متنفس بسيط أمام المسلمين وأبناء الديانات الأخرى في تركستان الروسية، وسماحها بتأسيس الإدارة الدينية لمسمي آسيا الوسطى وقازاقستان السوفييتية، وهي التي أعادت افتتاح مدرسة مير عرب الإسلامية في بخارى، وافتتحت معهد الإمام البخاري في طشقند. بالإضافة للسماح بتعليم اللغة العربية في عدد محدود من المدارس الرسمية في أوزبكستان، وتوسيع كلية اللغات الشرقية في جامعة طشقند الحكومية، إلا أن الصورة لم تتبدل من حيث الجوهر، لأنه تم آنذاك فرض تعليم اللغة العربية من خلال كتب كتبها مؤلفون روس اعتمدوا في موادهم الدراسية على مبادئ وقواعد اللغة الروسية، فأصبح على الأوزبكي تعلم العربية من خلال لغة أجنبية أخرى (الروسية). وكانت كلها من حيث الأهداف تلبي احتياجات الحكومية المركزية في موسكو وخططها، واحتياجاتها من المترجمين بعد ازدياد الطلب عليهم مع توسع المشاريع السوفييتية في بعض الدول العربية، وخاصة الجزائر ومصر وسورية والعراق واليمن مع بداية الستينات من القرن العشرين.

وتبدلت تلك الصورة بعد الاستقلال تماماً، وأصبحت دراسة اللغة العربية كلغة أجنبية تدرس في المدارس الرسمية إلى جانب اللغات الأجنبية الأخرى، وأصبحت تدرس في الجامعات والمعاهد كلغة أجنبية وازداد الطلب عليها بعد تأسيس الجامعة الحكومية الإسلامية بمبادرة من رئيس الجمهورية إسلام كريموف في عام 1999، التي يشترط للقبول فيها الإلمام باللغة العربية. وافتتاح عدد كبير من المدارس الثانوية والمعاهد المتوسطة المتخصصة بتعليم اللغة العربية. وازداد الاهتمام بدراسة المخطوطات المحفوظة والمحتبسة خلال العهد السوفيتي في معهد أبي ريحان البيروني للاستشراق، الذي تبدلت أهدافه بعد الاستقلال من معهد يلبي حاجات الاستشراق الروسي الذي رمى إلى تعزيز وتكريس الاحتلال وتثبيت جذور السلطات الاستعمارية والتوسع بالاستيطان ونشر الثقافة الروسية في المنطقة بأسرها، لتصبح أهدافه وأهداف غيره من مؤسسات التعليم بمستوياتها المختلفة بعد الاستقلال دراسة وتحقيق ونشر تراث الأجداد العظام من علماء ما وراء النهر أمثال: الخوارزمي (783-850)، والفارابي (879-950)، والبيروني (973-1048)، وابن سينا (980-1037)، والزمخشري (1075- 43/1144) وألوغ بيك (1449- 1494)، وغيرهم الكثيرون، الكثيرون ممن تعتبر مؤلفاتهم جزءاً لا يتجزأ من التراث الإنساني العالمي وحضارته المتجددة، وتعريف الجيل الناشئ بها، وتقديمها للعالم بأسره.

وتقوم اليوم الكوادر العلمية الخبيرة والمتخصصة في مجال دراسات التراث الأدبي الإسلامي ومخطوطاته بمتابعة الأبحاث العلمية التي بدأت منذ دخول الكوادر الوطنية هذا المجال الهام في جمهورية أوزبكستان في الثلاثينات من القرن العشرين. ومن بين تلك المجالات، مجال دراسة الدور الهام الذي لعبه الأجداد العظام في دراسة وتطوير وإعداد قواعد النحو والصرف العربية، وهم الذين أسهموا بقسطهم الوافر حتى بلغ النحو العربي الدرجات العليا التي وصل إليها اليوم، وخاصة منها ما لم يتناوله البحث والدراسة والتحقيق من قبل. سيما وأن لعلماء ما وراء النهر دور مهم في إعداد قواعد النحو والصرف للغة العربية التي نعرفها اليوم.

ومن الكوادر العلمية الوطنية التي اهتمت بدراسة تلك المخطوطات في أوزبكستان على سبيل المثال لا الحصر: علي بيك رستاموف، وقازاق باي محمودوف، وزاهد جان إسلاموف، ومقصود حكيم جانوف، وأتكور جان قارييف، وعبيد الله اواتوف، وباطير بيك حسانوف، وإيرغاش عماروف، ومخلصة ضياء الدينوفا، ومن الباحثين الشباب سليمة رستاموفا، ورايح بهاديروف، ويولدوز إسماعيلوفا، وبهرام عبد الخاليقوف، وماليكة ناصيروفا وآخرون كثيرون غيرهم.

وفي هذا الفصل سأحاول تقديم بعض من علماء اللغة العربية الذين ولدوا وعاشوا في منطقة ما وراء النهر خلال القرون الوسطى، من خلال نتائج بعض الدراسات الجارية عنهم في أوزبكستان. خاصة وأنه من المعروف أن اللغة العربية في آسيا المركزية خلال القرون الوسطى كانت لغة العلم والفن والأدب لوقت طويل كما سبق وأشرت. وأثبتت الدراسات أن علماء ما وراء النهر (آسيا المركزية اليوم) قد أتقنوا اللغة العربية وشاركوا من خلال أعمالهم بتحليل اللغة العربية وقواعدها وآدابها. وتطور إلى جانب الأدب المكتوب باللغة العربية في المنطقة، الأدب المكتوب بالحرف العربي باللغة التركستانية. وهو ما يثبته وجود الكثير من رسائل النحو العربي، والمعاجم، والشروح لمؤلفات نثرية وشعرية ظهرت خلال الفترة قبل الغزو المغولي لما وراء النهر. وتشير إلى إقبال سكان ما وراء النهر، وخوارزم على اعتناق الدين الإسلامي الذي حمله معهم الفاتحون العرب بشغف كبير، ونشطهم أيما نشاط في تعلم اللغة العربية لغة القرآن الكريم والسنة المطهرة والحديث الشريف، وهما مصادر الشريعة ومنبعها، فلما كانت النهضة العلمية والأدبية في ما وراء النهر وخراسان خلال العصر العباسي ازدادوا سعياً في ميادين العلم والثقافة والأدب العربي.

وقد اشتهر في الشرق الإسلامي علماء كثيرون منهم أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري (1075-1143) الذي أدّى قسطه الوافر لتطوير علوم نحو وصرف اللغة العربية في صدر القرون الوسطى. وهو أشهر من نار على علم، ولا يحتاج لتقديم أو تعريف. ومع ذلك ولضرورة البحث أذكر أنه نشأ في زمخشر، ودرس ودرّس فيها، ثم سافر إلى بخارى شريف طلباً للعلم وهو في مطلع الشباب. وتعرض خلال سفره لحادث أدى لقطع رجله. ليعيش ما تبقى من حياته عاجزاً برجل واحدة. ورغم ذلك قضى حياته في السفر والتنقل طلباً للعلم، فسافر إلى خراسان وبلاد الشام والعراق والحجاز. وعاش أكثر من خمس سنوات في مكة المكرمة، حيث درس فيها العلوم الدينية المختلفة والنحو والصرف والفقه والكلام وعلم اللغة والعروض والأدب والمنطق وتفسير القرآن وأبدع فيهم.

وألف الزمخشري خلال حياته أكثر من خمسين عملاً كتبها نثراً ونظماً. وألف كتابه “المفصل في صنعة الإعراب” خلال سنة ونصف (513هـ/1119م-515هـ/1121م) وهو في مكة المكرمة، وللزمخشري مختصر لهذا الكتاب معروف باسم “الأنموذج في النحو” يحوي على 25 صفحة، تتضمن عرضاً شاملاً لقواعد اللغة العربية، ويستعمل حالياً في تدريس اللغة العربية في أوزبكستان. وهو الكتاب الذي يعتبره العلماء في أوزبكستان وفي العالم الإسلامي على ما أعتقد من أعظم ما كتب في أصول تعليم نحو وصرف اللغة العربية بعد كتاب سيبويه الشهير. وذاع صيت هذا الكتاب منذ اكتماله بين العرب والعجم على السواء حتى أصبح كتاباً أساسياً يعتمد عليه في تعليم اللغة العربية. ويروى أن حاكم بلاد الشام مظفر الدين موسى جعل مكافأة قدرها خمسة آلاف قطعة فضية لمن يحفظ هذا الكتاب عن ظهر قلب من البداية وحتى النهاية.

وخلال حياته في مكة المكرمة أيضاً ألف الزمخشري كتابه الشهير “الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل” وتناول فيه نواح في تفسير القرآن الكريم خلال ثلاث سنوات (1132– 1134م) كان خلالها يدرس تراث العلماء السابقين. وأصبح هذا الكتاب فيما بعد درة من الدرر الثمينة في خزائن الأدب الإسلامي العربي. ويتميز كتاب الزمخشري هذا في أنه لفت الأنظار ولأول مرة إلى النواحي اللغوية في التفسير وركز على تحليل الأسلوب لفهم المعنى. والنسخة الأصلية من “الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل” التي كتبها الزمخشري بخط يده عام (528هـ/1134م) ومحفوظة اليوم في العاصمة الإيرانية طهران.

وكان محمود الزمخشري صديقا مخلصاً ومحباً باراً لأهل مكة، ولا سيما أميرها أبي الحسن علي بن حمزة بن وهاس الشريف الحسني. وقد كان الأمير ابن وهاس عالما بارزا وشاعرا نهل من إبداعه الزمخشري. وكان ابن وهاس شاهداً على سعة الآفاق العلمية والإطلاع عند الزمخشري الذي قال عنه ابن وهاس بإعجاب:

جميع قرى الدنيا سوى القرية التي

تبـوأها دارا فــداء زمخـشـرا

وأجري بأن تزهى زمخشر بامرئ

إذا غد وأسد الشـرى زمخ الشـرا

ولما جاور الزمخشري الكعبة المشرفة بمكة المكرمة أكثر من خمس سنوات، لقب نفسه “بجار الله” وصار هذا اللقب علما عليه. واستمرت علاقته الودية بأهل مكة وأميرها حتى نهاية حياته.

واعتبر محمود الزمخشري اللغة العربية، اللغة الأولى بين لغات العالم الأخرى آنذاك لأنها لغة القرآن الكريم والحديث الشريف. ولهذا حرص على أن تكون مؤلفاته الفريدة والمفيدة والمهمة في النحو وعلوم اللغة، باللغة العربية. ومن بين تلك المؤلفات كتاب “مقدمة الأدب” الذي انتهى من تأليفه عام 1139، و”المفصل” و”أساس البلاغة”. بالإضافة لـ “نوابغ الكلم” و”أطواق الذهب” اللذان يعتبران بحق عقدين من الذهب الخالص في خزائن الأدب المكتوب في القرون الوسطى. وتدل مؤلفاته من خلال موضوعاتها المختلفة على سعة الإطلاع والعلم الراسخ المتين، وهو السبب الذي كان وراء الشهرة الواسعة التي تمتع بها الزمخشري في أوساط كل من نطق العربية أو تعلمها في العالم بأسره، وخاصة في العالم الإسلامي حيث أطلقت عليه الألقاب كـ “فخر خوارزم” و”أستاذ الدنيا” و”أستاذ العرب والعجم”، أما هو فقد قال عن نفسه: “إني في خوارزم كعبة الأدب”. وبعد عودة الزمخشري من مكة، استقر لسنوات في خوارزم وانتقل إلى بارئه تعالى ليلة عرفة من عام 538هـ، 1144م. ويذكر الرحالة العربي الشهير ابن بطوطة في كتابه “الرحلة” أنه زار خوارزم في سنة 1333م أي في أوائل القرن الثامن الهجري وأنه: “بخارج خوارزم قبر الإمام العلامة أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري وعليه قبة”.

وقد تناول كثير من العلماء المسلمين مؤلفات الزمخشري أو أشاروا إليها في مؤلفاتهم خلال القرون التي تلت وفاته، ومن هؤلاء: ابن النديم في الفهرست، وأبو منصور عبد الملك الثعالبي النيسابوري (350هـ،961م- 429هـ،1039م) في “يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر”، وياقوت الحموي (426 ـ575هـ، 1179-1229م) في “إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب”، وابن خلكان شمس الدين أحمد ابن محمد (608ـ 681هـ،1211- ،1288م) في “وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان”، وأبو سعاد عبد الكريم محمد السمعاني (1179-1229م) في “كتاب الأنساب”، وجلال الدين عبد الرحمان السيوطي (1445-1505م) في “بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة”، وحاجي خليفة (1609-1697م) في “كشف الظنون إلى أسامي الكتب والفنون”،  وزهر الدين البيحاقي في “تاريخ حكماء الإسلام”، وابن شهبة في “طبقات النحاة واللغويين” وغيرهم.

ومن بين علماء نحو اللغة العربية أيضاً أبو الفتح ناصر بن عبد السيد المطرزي الذي ولد بخوارزم في رجب سنة 538هـ الموافق ليناير/كانون ثاني سنة 1143م وهي السنة التي توفي فيها الزمخشري. ولذلك قيل عنه: “خليفة الزمخشري، وقد اشتغل المطرزي إلى جانب اللغة العربية بالفقه على المذهب الحنفي والفكر المعتزلي. وفي عام 601هـ، 1204م أقام ببغداد لبعض الوقت، حيث تمتع بنفوذ واسع بين النحاة البغداديين. وتوفي في الحادي والعشرين من جمادى الأولى سنة 610 هـ الموافق لأكتوبر/تشرين أول سنة 1213م. ومن أهم مؤلفات المطرزي:

  1. 1) كتاب المصباح في النحو.
  2. 2)  كتاب المغرب في ترتيب المعرب، وهو معجم مرتب على حسب الحرف الأول، استقاه من كتابه المفقود: “المعرب” الذي ألفه للفقهاء وفيه العلاقة بين النحو واللغة والفقه ويقدره الحنفية، تقدير الشافعية لكتاب “غريب الفقه” للأزهري.
  3. 3) الإقناع لما حوى تحت القناع (وهو كتاب في المترادفات ألفه لابنه).
  4. 4) رسالة في إعجاز القرآن.
  5. 5)  شرح مقامات الحريري. ويدل هذا التنوع في مؤلفاته على موسوعيته وسعة ثقافته ورفعتها.

ومن بين علماء اللغة  العربية المسلمين من ما وراء النهر خلال الفترة الممتدة ما بين القرنين التاسع والعاشر الميلاديين، علماء أجلاء بارزين، ساهموا في وضع الأساس اللغوي للغة العربية تمكيناً لنهضة “الأمة الإسلامية”، ومن بين أولئك العلماء الكبار أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي التركي النحوي الذي ألف معجم “تاج اللغة وصحاح العربية” ذلك المعجم المتميز حتى اليوم في تاريخ معاجم اللغة العربية.

وقد ولد الجوهري في فاراب وكان لغوياً وأدبياً وشاعراً وكاتباً. تلقى تعليمه الأولي في فاراب. ثم سافر في طلب العلم إلى العراق ودرس هناك على أبي علي الفارسي (900-987م) وأبي سعيد السيرافي ( المتوفى في عام 368هـ،991م)، وأتيحت له الفرصة للتعمق في تفاصيل اللغة العربية ونحوها، عندما سافر كثيراً، وتنقل في الحجاز لدراسة لهجتي قبيلتي ربيعه ومضر. ورجع بعد ذلك إلى نيسابور حيث درس واشتغل بالتأليف حتى توفي فيها سنة 1008م. ومن أهم مؤلفات الجوهري أيضاً:

  1. 1) كتاب العروض أو عروض الورقة.
  2. 2)  كتاب المقدمة في النحو.

وقد قال الثعالبي عنه في كتابه “يتيمة الدهر”: هو من عجائب الدنيا .. في علم اللغة العربية وله مكان بارز. وضُربت الأمثال عن حسن خطه الذي شابه خط ابن مقلة والمهلهل ويزيد”. ويعد معجمه “تاج اللغة وصحاح العربية” ثورة في علم اللغة العربية. وهو من أمهات المعاجم العربية. وقسّم الجوهري كتابه إلى أبواب رتبت حسب الحرف الأخير في جذر الكلمة ثم رتبت الكلمات داخل كل باب إلى فصول حسب الحرف الأول في جذر الكلمة أما الحرف الثاني في جذر الكلمة فيحدد موقعها داخل الفصل. مثلا: نريد أن نبحث عن كلمة “كتاب” (في الصحاح). أولا نحدد الجذر: ك، ت، ب. ونجد “باب الباء” ثم نحدد في هذا الباب موقع “فصل الكاف” وهناك سنجد كلمة “كتاب” من أول الفصل. وكان هذا بحد ذاته ثورة في عالم صنع المعاجم آنذاك.

ويعتبر “الصحاح” والمعاجم الأخرى التي ألفت من بعده وبالأسلوب نفسه خزينة لكلمات القوافي بين الشعراء. ولهذا اشتهرت المعاجم ولقيت رواجا عظيما، وتراجعت معها المعاجم السابقة التي ألفت طبقا للترتيب الصوتي مثل: “العين” للخليل بن أحمد الفراهيدي (718-791) و”البارع” لأبي علي القالي (288-356هـ،901-967م.) و”المحيط” لابن عباد، وكتاب “الجمهرة في اللغة” لابن دريد (توفي عام 321هـ،934م) وغيرهم.

وفضل الجوهري ومعجم “الصحاح” كبير على العلماء المتأخرين الذين بحثوا في علم اللغة وبدونه ما كان ليحقق علم اللغة التطور الذي بلغه حتى الآن. لأنه كان الأساس الذي أعتمد عليه في المعاجم التي ألفت من بعده. وقد صرف الجوهري أربعين سنة من عمره لتأليف “الصحاح”، الذي قال عنه إسماعيل النيسابوري:

هذا كتاب الصحاح سيد ما صُنّف قبل الصحاح في الأدب

يـشـمـل أنواع ويجمع ما فُـرّق في غـيره من الكـتب

وجاء بعد الجوهري بحوالي قرنين من الزمن، لغوي ونحوى بارز من ما وراء النهر أيضا، هو رضي الدين الحسن بن محمد بن السغاني (1181 – 1252م) الذي تابع الطريق الذي بدأه الجوهري بمعاجم “العباب” و”مجمع البحرين” و”تكملة الصحاح”.

ومن بينهم أيضاً السكاكي سراج الدين أبو يعقوب يوسف بن بكر بن محمد بن علي الذي ولد سنة 555هـ، 1169م في خوارزم. وتوفي في قرية الكندي سنة 626هـ، 1229م وكان علامة في المعاني والبيان والأدب والعروض والشعر، ومتكلم فقيه. ومن أشهر مؤلفاته “مفتاح العلوم” في ثلاثة أجزاء، خص الأول منه لعلم الصرف، والثاني لعلم النحو، والثالث لفرعي البلاغة: المعاني والبيان، وغيرها من العلوم ويعتبر من أهم الأجزاء الثلاثة، وقد صنف في مفتاح العلوم اثني عشر علماً. ومن مؤلفات السكاكي الهامة الأخرى:

  1. 1) الرسالة الولدية، وهي رسالة وجهها إلى محمد ساجقلي زاده، أحد تلامذته وفيها ضوابط علم المناظرة وقوانينها.
  2. 2) مصحف الزهرة، عن السحر والتنجيم والعرافة وغيرها.

وفي مجال الدراسات الإسلامية تجري منذ فجر الاستقلال برعاية من الدولة خطوات كبيرة على طريق إحياء علوم الدين الإسلامي الحنيف ودراستها، وقد تم فعلاً تحقيق وترجمة وطباعة العديد من الكتب التي كانت محرمة في العهد الشيوعي لأئمة كبار وقدمت للقارئ الأوزبكستاني.  وأعيد فتح آلاف المساجد، والعديد من المدارس الإسلامية، وتم بناء الجديد منها. وبرعاية من الدولة بدأ العمل على إحياء التراث الديني والعلمي الغني للأجداد البررة للشعب الأوزبكي، ودراسته وتحليله وتطويره واستخلاص العبر من نتائج دراسته.

ومن بين الدراسات الإسلامية القائمة حالياً هناك دراسة عن أشهر أئمة الحنفية في ما وراء النهر، خلال الفترة من عام 699 وحتى عام 1197م، وهم: 

أبو حنيفة؛

محمد بن الحسن الشيباني؛

أحمد بن حفص أبو حفص الكبير البخاري؛

عبد الله بن محمد بن يعقوب بن الحارث السيبذاموني؛

  1. أبو بكر محمد بن الفضل؛
  2. أبو علي الحسين بن الخضر النسفي؛
  3. شمس الأئمة الأكبر أبو محمد عبد العزيز الحلوائي؛
  4. شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي؛
  5. أبو حفص عمر بن علي بن الزاندرامعيشي؛
  6. أبو حسن علي بن أبو بكر بن عبد الجليل الفرغاني المرغيناني.
  7. أبحاث يقوم بها الباحث الدكتور عبد الله عبد الستاروف، بقسم الدراسات الإسلامية بجامعة طشقند الحكومية للدراسات الشرقية.

وهناك دراسات قائمة اليوم عن التراث الإسلامي، في الجامعة الإسلامية الحكومية بطشقند وتتناول بالبحث والتحقيق أعمال فقهاء الحنفية في ما وراء النهر، ومن بين أولئك الأئمة الذي يجري تحقيق تراثهم العلمي: عبد العزيز الحلوائي (المتوفي عام 1056م)، وشمس الأئمة السرخسي (المتوفي عام 1094م)، وفخر الإسلام علي البزدوي (المتوفي عام 1089م)، وأبو اليسر البزدوي (المتوفي عام 1100م)، وأبو المعين النسفي (المتوفي عام 1114م)، وعلاء الدين السمرقندي (المتوفي عام 1144م)، وعلاء الدين الكاساني (المتوفي عام 1191م)، وبرهان الدين المرغيناني (المتوفي عام 1197م).

وكان شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي الحنفي من الشخصيات الفاضلة التي تركت تراثاً لا يقدر بثمن. وهو أحد الأئمة الكبار وصاحب حجة، وعالماً وفقيهاً ومجتهداً في أصول الدين الحنيف. وانطلقت الدراسات الحديثة لتراثه الديني وحياته ونشأنه من حقيقة قلة الدراسات المنجزة عنه، وكان لا بد من التعمق في دراسته بصورة متكاملة لتستفيد الأجيال الناشئة من تراثه الديني الغني.

وقد ولد الإمام الفقيه شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي الحنفي نحو عام 1009م، بمدينة سرخس ونسب إليها، وكانت ما وراء النهر آنذاك تحت حكم القره خانيين (999-1212م). وسافر إلى مدينة بخارى طلباً للعلم، وتتلمذ على يد الإمام شمس الأئمة عبد العزيز الحلوائي حتى أتم تعليمه على يديه، ولقب بلقبه. وكانت بخارى آنذاك حاضرة ومركزاً من مراكز العلم الهامة في العالم الإسلامي، يقصدها طلاب العلم من مختلف دول العالم في القرون الوسطى.

وأخذ الإمام محمد السرخسي من شيخه الحلوائي علم الحديث، وروى عنه الأحاديث العديدة. وتفقه على يديه أبو بكر محمد بن إبراهيم الحصيري (المتوفي 1106م)، وأبو عمرو عثمان بن علي البيكندي (المتوفي 1158م)، وأبو حفص عمر بن حبيب جد صاحب “الهداية”، وبرهان الأئمة عبد العزيز بن عمر بن مازه (المتوفي 1111م)، ومحمود بن عبد العزيز الأوزجندي، وركن الدين مسعود بن الحسن وغيرهم.

وقد أمضى السرخسي خريف عمره في مدينة بلخ، حيث كان يقصده طلبة العلم ليأخذوا منه علم الفقه وأصوله والحديث وعلم التفسير. ونجد في المراجع المتوفرة اليوم اختلافات كبيرة في تاريخ وفاته، لهذا سأكتفي بأرجح التواريخ التي تشير إلى وفاته في بلخ (أفغانستان اليوم) عام 1094م، وأنه دفن بمقبرة نوبهار بجوار قبر الفقيه الحنفي الشهير أبي مطيع البلخي.

واعتبره أحمد بن سليمان بن كمال باشا الرومي (المتوفي 1534 م)، من كبار المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب، وأنه بلغ من مراتب العلم ما بلغ أبي بكر الخصاف (المتوفي 875م)، وأبي جعفر الطحاوي (المتوفي 933م)، وأبي حسن الكرخي (المتوفي 952م) وغيرهم من مرتبة رفيعة. وهذه المرتبة تلي أصحاب الإمام أبي حنيفة في الاجتهاد، وأنه من كبار علماء ما وراء النهر في عصره دون منازع. 

وصنف شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي الحنفي في الفقه والأصول، وأملى “المبسوط”  وهو في السجن بأوزجند وكانت من أعمال فرغانة آنذاك، وكان قد حبس لكلمة نصح بها الخاقان. وكان يملي خواطره من دون مطالعة للكتب، وأصحابه في أعلى الجب المحبوس فيه يكتبون ما يمليه عليهم. وله أيضا كتاب “الأصول: في مجلدين. وأملى أيضا “شرح السير” على محمد بن الحسن في مجلدين ضخمين، وله شرح كتاب “النفقات للخصاف”، وشرح “أدب القاضي للخصاف”، و”أشراط الساعة”، و”الفوائد الفقهية”، وكتاب “الحيض”. وقال العلامة الطرسوسي عن “المبسوط” للسرخسي بأنه “لا يعمل بما يخالفه، ولا يركن إلا إليه، ولا يفتى بقول إلا عليه”.

والقائمة هذه يمكن أن تمتد كثيراً، ولكنني سأكتفي بهذا القدر متمنياً أن أكون قد تمكنت من التعريف بشيء يسير عن الدور الهام الذي يقوم به المستعربون في جمهورية أوزبكستان اليوم، لتحقيق والتعريف بتراث أجدادهم العظام من مسلمي ما وراء النهر الذين أبدعوا خلال القرون الوسطى من أجل نشر وتطوير الدراسات الإسلامية وعلوم اللغة العربية ونحوها وأصولها وقواعدها.

ولا أبالغ إن قلت أن لعلماء ما وراء النهر في يوم من الأيام كان دوراً بارزاً وهاماَ في تطوير علوم اللغة العربية التي نشأت مع بداية القرن السابع الميلادي. وكان لهم فضل في بلوغ علوم اللغة العربية أوجها. وأبناء المنطقة يفخرون بفضل أجدادهم العظام ويقدرون أعمالهم الجليلة وفضلهم في تطوير علم نحو اللغة العربية، وتطوير العلوم الإنسانية الأخرى، وما تلك المؤلفات الخالدة التي تركها أجدادهم لأحفادهم من بعدهم يشبعونها درساً وتمحيصاً ودراسة وتطويراً، إلا مثال ساطع على حرصهم على اللغة العربية وعلومها، خاصة وأنها جزء هام من الثقافة العربية والإسلامية والعالمية.

وهو ما يدفعني للقول وبحق أن اللغة العربية ليست ثروة وتراثاً قومياً للعرب وحدهم، بل هي ثروة لجميع الشعوب الإسلامية وللعالم أجمع. لأنها لغة القرآن الكريم والحديث المطهر والسنة الشريفة. وهي حافظة للتراث العلمي والأدبي والتاريخ المشترك للشعوب الإسلامية قاطبة، وشاهد خالد على الدور الذي لعبه العلماء العرب والمسلمين في إثراء الحضارة الإنسانية في مختلف العلوم عندما كانت أوروبا والعالم الغربي في ثباتهما العميق.

ومن هذا الفهم ينطلق حرص الدولة والأوساط العلمية في جمهورية أوزبكستان اليوم على تعلم وتعليم اللغة العربية وعلومها، والتي من دونها لا يمكن الإطلاع على مضمون مخزون المخطوطات العلمية الثمينة التي كتبها جهابذة العلم في أوج ازدهار الدولة العربية الإسلامية في القرون الوسطى، وهي المؤلفات التي هي بحق “الدرة الثمينة” التي لا تقدر بثمن.

الصفحات: 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15


اترك رد

أشهر التدوينات

تبرّع لدعم استمرار مدوّنة البخاري

مرة واحدة
شهري
سنوي

تبرّعك يعيننا للاستمرار

إنشاء تبرع شهري

إنشاء تبرع سنوي

اختيار مبلغ

€5.00
€15.00
€100.00
€5.00
€15.00
€100.00
€5.00
€15.00
€100.00

أو إدخال مبلغ مخصص


تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تبرعالتبرع شهريًاالتبرع سنويًا