الفصل الثاني
مؤسس مدرسة الاستشراق السوفييتية (فاسيلي فلاديميروفيتش برتولد)
ولد فاسيليفلاديميروفيتشبرتولد بمدينة سانت بيتربورغ يوم 3 تشرين ثاني/نوفمبر عام 1869م، في أسرة قدمت من ألمانيا للاستيطان في الإمبراطورية الروسية. وينحدر والده من أصول بلطيقية. وأمه كانت حفيدة لرئيس الكنيسة اللوثرية ، وسليلة لتلك الأسرة التي قدمت من هامبورغ إلى روسيا للاستيطان.
وكان والد برتولد من العاملين في بورصة سانت بيتربورغ، ويتمتع بحالة مالية جيدة سمحت لأبنه منذ نعومة أظفاره بتحصيل دراسي جيد، شمل اللغات الكلاسيكية القديمة ومبادئ اللغات الأوروبية الحديثة. وبعد استيلاء البلاشفة على السلطة في الإمبراطورية الروسية آثرت أسرة المستوطنين هذه البقاء في روسيا وعدم الهجرة منها كما فعلت العديد من الأسر الروسية الأرستقراطية والثرية والمثقفة آنذاك.
وقد سمح التعليم الموجه والمبكر بلفت اهتمام برتولد منذ الصبا، نحو اللغات الحية والتاريخ، وما أن تخرج من ثانوية سانت بيتربورغ في عام 1887، حتى اختار لنفسه دراسة تاريخ بلدان الشرقين الأدنى والأوسط، والتحق من أجل هذا الهدف بكلية اللغات بجامعة سانت بيتربورغ/قسم اللغات العربية والفارسية والتركية والتترية.
وأخذ برتولد منذ البداية يتعمق في دراسة اللغات العربية والفارسية والتركية، إلى جانب تاريخ بلدان الشرقين الأدنى والأوسط، وهي المواد التي كانت تشغل المركز الثالث من حيث الأهمية في الكلية آنذاك. وتأثر بمحاضرات تاريخ الشرق التي كان يلقيها آنذاك الأستاذ الوحيد لتلك المادة، رئيس قسم تاريخ الشرق البروفيسور فاسيلوفسكي (1848-1918م)، واقتصرت على تسليط الضوء على ما كتبه الرحالة الأوربيون الذين زاروا بلدان الشرق، وعلى تاريخ تركستان التي كانت الشغل الشاغل للإمبراطورية الروسية الآخذة بالتوسع والاجتياح والضم التدريجي للأراضي المجاورة إلى إمبراطوريتها مترامية الأطراف آنذاك.
وتابع برتولد دراسته تحت إشراف العالم الروسي الفرنسي الأصل البروفيسور والمستعرب البارون فيكتور رامانوفيتش روزين (1849-1908م)، الذي يعتبر أحد أعمدة مدرسة الاستشراق في الإمبراطورية الروسية، وصاحب المبادرة لدعوة المؤتمر العالمي الثالث للمستشرقين الذي انعقد في سانت بيتربورغ عام 1876م، وهو الذي كان يشجع تلاميذه على نشر أبحاثهم باللغة الروسية مفنداً الرأي السائد في أوروبا آنذاك، ومفاده أن الكتب التي تنشر باللغة الروسية لا تجد من يقرأها. والأساتذة المتخصصين في الشؤون التركية ميليورانسكي ب.م. (1868-1906م)، ورادلوف ف.ف. (1837-1918م).
وبدأ نجم برتولد بالصعود عندما حصل في عام 1889م على الميدالية الفضية للكلية عن بحث تناول فيه موضوع “المسيحيونفيتركستان” ! وتم نشره، في نشرة “ملاحظات القسم الشرقي لجمعية الآثار الروسية” عام 1893م تحت عنوان “المسيحيونفيتركستانقبلالمرحلةالمغولية“.
وبعد تخرجه من الجامعة عام 1891م، وبتوصية من البروفيسور روزين زار برتولد خلال أعوام 1891-1892م، وعلى نفقته الخاصة كلاً من: فنلندا، وألمانيا، وسويسرا، وشمال إيطاليا، والنمسا، وهنغاريا، وكراكوف التي كانت آنذاك ضمن أراضي الدولة النمساوية الهنغارية، واستمع خلالها في جامعة غال إلى محاضرات المتخصص في الشؤون الإسلامية أفغوست ميوللير (1848-1892م)، وفي جامعة ستراسبورغ إلى محاضرات المستعرب الشهير تيودور نيولديك (1836-1930م) الذي كان عضواً مراسلاً في أكاديمية العلوم الروسية منذ عام 1885م وعضو شرف منذ عام 1927م، وبعد عودته إلى جامعة سانت بيتربورغ عام 1892م شرع برتولد بالتحضير للحصول على لقب بروفيسور في قسم تاريخ الشرق، وحصل على الماجستير عام 1893م، وعلى لقب أستاذ مساعد عام 1896م، وعين محاضراً في جامعة سانت بيتربورغ.
وبدأ بنشر أولى محاضراته في نفس العام، فنشر دراسته “تشكلإمبراطوريةجنغيزخان“، التي ضمت أطروحته التي كتبها لنيل درجة الماجستير بعنوان: “تركستانفيعصرالاجتياحالمغولي” في سانت بيتربورغ خلال الأعوام 1898-1900م، في جزئين تضمن الأول منهما النصوص المترجمة إلى اللغة الروسية، وتضمن الثاني الدراسة العلمية التي قام بها.
وبعد حصوله على درجة الدكتوراه في تاريخ الشرق خريف عام 1900م، حصل على لقب بروفيسور من جامعة سانت بيتربورغ عام 1901م، وعين سكرتيراً للكلية، وانتخب عضواً مراسلاً في أكاديمية العلوم الروسية عام 1910م، وعضواً عاملاً في الأكاديمية المذكورة في عام 1913م. وشغل خلال أعوام 1905-1912م منصب سكرتير القسم الشرقي في جمعية الآثار الروسية، ورئيس تحرير نشرة “ملاحظات القسم الشرقي في جمعية الآثار الروسية” خلال أعوام 1908-1912م، وتعاون مع الجمعية الجغرافية الروسية في إصدار ترجمة ميناييف ي.ب. لكتاب رحلات ماركوبولو.
وفي عام 1912م بادر بارتولد مع آخرين إلى تأسيس مجلة “مير إسلاما (العالم الإسلامي)”، التي تحولت بعد صدور العدد الأول، وبطلب من وزير الداخلية في الإمبراطورية الروسية آنذاك ماكاروف، من مجلة علمية بحتة إلى مجلة تخدم السياسة القومية الاستعمارية للإمبراطورية الروسية في المناطق الإسلامية الخاضعة لها وخارجها.
وقام برتولد بعدة رحلات علمية إلى تركستان الروسية بهدف الإطلاع على المخطوطات والتنقيب في المواقع الأثرية فيها، كان أولها بتكليف من جامعة سانت بيتربورغ وأكاديمية العلوم الروسية، وامتدت خلال الفترة 1893-1894م، وبتكليف من جامعة سانت بيتربورغ عام 1902م، وبتكليف من اللجنة الروسية لدراسة وسط وشرق آسيا التي كان سكرتيراً لها، خلال عامي 1904م، و1916م لدراسة المخطوطات الموجودة في سمرقند. وزار القوقاز في عامي 1900م، و1908م.
وإضافة للرحلات العلمية التي قام بها برتولد إلى المستعمرات الروسية في تركستان الروسية والقوقاز، قام بزيارات علمية شملت باريس ولندن وأوكسفورد وهولندا عام 1895م، وألمانيا عام 1898م، وألمانيا والنمسا وتيرول وسويسرا عام 1905م، والنمسا، وصربيا، وبلغاريا، وتركيا، ومصر في عام 1906م، وخلال عامي 1908-1909م زار إيطاليا حتى نابولي، وبودابست، وعام 1909م فنلندا، وعام 1911م أيرلندا وسيف وأمريكا، وألمانيا، وفرنسا، وعام 1912م فيينا، وتيوبينغين، وهامبورغ، وليوبيك، وعام 1913م السويد، والنرويج، وعام 1914م السويد والدانمارك وإنكلترا وجبل طارق وطولون وإيطاليا واليونان وبلغاريا ورومانيا. للمحاضرة والتعاون مع الجمعيات والمجلات العلمية وتبادل المعلومات ودراسة الأبحاث العلمية هناك. أي خلال المرحلة التي شهدت أوج التوسع الاستعماري الأوروبي في العالمين العربي والإسلامي، والتي سبقت الحرب العالمية الأولى، ولا أعتقد أن تلك الزيارات كانت خارج التنسيق بين جهود الدول الاستعمارية الكبرى آنذاك.
وبرز برتولد كواحد من أبرز المتخصصين في تاريخ وشؤون إيران والقوقاز والمناطق العربية والتركية، وعلى الأخص تاريخ تركستان، سائراً على نفس الخط الذي سار عليه من قبله كلاً من غريغورييف ف.ف.، وفيسيلوفسكي ن.ي.. وحرص من أجل ذلك على إقامة صلات قوية مع المتخصصين في شؤون تركستان، فساهم في أعمال نادي هواة التنقيب عن الآثار الروس في تركستان، خلال أعوام 1895 – 1917م، ونشر حتى عام 1913م في صحافة تركستان الروسية كـ”تركستانسكيخ فيدوموستياخ”، و”أكراييني”، و”روسكوم تركستاني” وغيرها، أكثر من 150 مقالة وبحث علمي في مجال اختصاصه. أسهمت إلى حد بعيد في خدمة الأهداف الاستعمارية للإمبراطورية الروسية آنذاك.
وبعد استيلاء البلاشفة على السلطة في الإمبراطورية الروسية، لم يكتف برتولد بنشاطاته العلمية والتنظيمية، التي كان مضطلعاً بها آنذاك، بل قام بتوسيعها، فأصبح الرئيس الدائم لمجلس المستشرقين في أكاديمية العلوم السوفييتية، وشارك في الأعمال التحضيرية لإنشاء جامعة آسيا الوسطى الحكومية في طشقند (جامعة ميرزة ألوغ بيك القومية الأوزبكية اليوم)، وترأس نادي ف.ف. رادولف، الذي جمع كل المستشرقين الروس عام 1918م، ومن ثم ترأس قسم الدراسات التركية في الأكاديمية خلال الأعوام 1928-1930م، والأكاديمية الحكومية للثقافة المادية، ورئاسة تحرير المجلة العلمية “إيران” التي أصدرت في ليننغراد بثلاثة أجزاء خلال أعوام 1927-1929م، وغيرها من إصدارات أكاديمية العلوم السوفييتية.
وقام برتولد بتنفيذ العديد من أوامر الحكومة السوفييتية القاضية بإنشاء أقسام تاريخ الشرق في مؤسسات التعليم العالي السوفييتية، والمكتبات العلمية، ومكتبات المخطوطات، والمتاحف في جمهوريات الشرق السوفييتي، لتمتين ربطها بالمركز في روسيا.
وقام برتولد من أجل ذلك خلال أعوام 1920، 1927، 1928، برحلات علمية شملت آسيا الوسطى السوفييتية. وقام بإلقاء محاضرات في جامعة موسكو، وجامعة باكو الأذربيجانية عام 1924 تناولت موضوع “مكانة المناطق المحيطة ببحر قزوين في تاريخ العالم الإسلامي”، نشرت في باكو عام 1925. وألقى محاضرات في جامعة طشقند عامي 1925، و1927. وفي عام 1925 زار بارتولد مدن طشقند وسمرقند وبخارى وشهرسابز، وفي عام 1927 زار طشقند وبخارى وخيوة، وفي آذار/مارس 1926 شارك بارتولد في أعمال المؤتمر العالمي الأول للمتخصصين في الشؤون التركية الذي انعقد بمدينة باكو، عاصمة أذربيجان.
وخلال العشرينات من القرن العشرين تابع بارتولد التدريس في معهد ليننغراد (سانت بيتربورغ) للغات الشرقية الحية الذي أعيد تشكيله وغيره من مؤسسات التعليم العالي في ليننغراد.
ومن مظاهر تأثيره الكبير في الأوساط العلمية بآسيا الوسطى الاحتفالات الكبيرة التي أقيمت عام 1926 في طشقند بمناسبة مرور 25 عاماً على نيله درجة الدكتوراه في العلوم، وتم حينها إصدار كتاب خاص ضم أطروحته أطلق عليه عنوان “عقد الجومان (أي عقد اللؤلؤ)”، كهدية من أصدقائه وتلامذته، نشر في طشقند عام 1927. واحتفاء بمرور 30 عاماً على ممارسته لمهنة التعليم (1896-1926) أصدرت “نشرة جامعة آسيا الوسطى الحكومية” في طشقند، العدد: 14/1926 مقالة لأمنياكوف ي.ي. اعتبرت أولى المحاولات العلمية لدراسة مؤلفات برتولد.
ولم تقتصر نشاطات برتولد العلمية بعد استيلاء البلاشفة على السلطة في روسيا على الاتحاد السوفييتي فقط، بل تعدتها إلى دول العالم الغربي التي تتفق معها بالمصالح والأهداف في القضاء على استقلال ما تبقى من العالمين العربي والإسلامي آنذاك. فزار فنلندا عام 1917، وفنلندا وأوكسفورد ولندن وبلجيكا وهولندا وألمانيا خلال أعوام 1922-1923. واشترك كممثل لأكاديمية العلوم الروسية في المؤتمر العالمي للمؤرخين الذي انعقد في بروكسيل عام 1923، وألقى محاضرات عن تاريخ الترك والمغول في الكلية الملكية King’s College بلندن، في الوقت الذي اشترك فيه مع جيب خ. أ.ر. لإصدار الترجمة الإنكليزية لكتابه: “تركستان في عصر الاجتياح المغولي”، الذي صدر في لندن عام 1928. وفي عام 1926 زار تركيا بعد القضاء على الخلافة الإسلامية فيها، بدعوة من حكومة الجمهورية التركية لإلقاء محاضرات عن تاريخ الشعوب التركية في آسيا الوسطى، بجامعة اسطنبول تبعها صدور تلك المحاضرات باللغة التركية عام 1927، واللغة الألمانية عام 1935، وبالفرنسية عام 1945. وفي عام 1929 زار مدن برلين وهامبورغ وغيتينغين في ألمانيا.
وسجل نشاطه في مجال النشر والبحث العلمي زيادة ملحوظة خلال العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين، فصدر له في سانت بيتربورغ كتب: “أولوغ بيك وعصره”، و”العالم الإسلامي” و”الثقافة الإسلامية” عام 1918، و”تاريخ تركستان” عام 1922 الذي ضم محاضراته التي ألقاها في جامعة آسيا الوسطى الحكومية في طشقند عام 1920، و”تاريخ الحياة الثقافية في تركستان” عام 1927، ومقالات في تاريخ الطاجيك عام 1925، والقرغيز عام 1927 وأعيد إصدارها عام 1943، والتركمان عام 1929، اعتبرت كلها المدخل والأساس الجديد في دراسة تاريخ تركستان الذي أخذت به ليس العلوم السوفييتية وحسب، بل والسلطة السوفييتية لتقسيم المنطقة على أساس عرقي وقومي.
وتظهر المصادر أن بارتولد أصدر خلال الفترة الممتدة من عام 1892 وحتى عام 1930 حوالي 400 عملاً علمياً، صدر بعضها بعد وفاته، وترجم معظمها إلى اللغات الأجنبية وخاصة التركية والفارسية والعربية، وصدرت في العديد من الدول الأجنبية. إضافة لقيامه بالكتابة لـ”الموسوعة الإسلامية” التي ضمت 246 مقالة من مقالاته.
وبعد وفاة زوجته ماريا أليكسييفنا جوكوفسكايا في أيار/مايو 1928، والتي كانت بمثابة الملهم الروحي له، وهي سليلة عائلة ضمت عدداً من كبار المستشرقين في روسيا، ومن بينهم شقيقها الأكبر المتخصص في الشؤون الإيرانية البروفيسور فالنتين أليكسييفيتش جوكوفسكي (1858-1918). وزوج شقيقتها أليكساندرا، الأكاديمي نيكولاي ياكوفليفيتش مار (1864-1934)، وابنهما البروفيسور يوري نيكولاييفيتش مار (1892-1935)، تأثر برتولد لفقدانها كثيراً. ولم يعش طويلاً بعدها، حيث وافته المنية في مستشفى ليننغراد (سانت بيتربورغ) في 19 آب/أغسطس عام 1930، وتم دفنه مع زوجته في قبر واحد، عن واحد وستين عاماً كرس معظمها للاستشراق الروسي والسوفييتي، وقدم خدمات كبيرة لتوطيد أقدام الإمبراطورية الروسية أولاً، ومن ثم الإمبراطورية السوفييتية، في المنطقة التي عرفت أيام عزها باسم ما وراء النهر، ومن ثم باسم تركستان، ومن ثم تركستان الروسية، ومن ثم آسيا الوسطى وقازاقستان السوفييتية، وأخيراً آسيا المركزية الذي حصلت عليه بعد استقلال جمهورياتها الخمس في مطلع تسعينات القرن العشرين.










اترك رد