تاريخ العرب، وعلوم اللّغة العربية في أوزبكستان

الفصل الثالث

المراجع الروسية والسوفييتية تتحدث عن عرب آسيا المركزية

العرب في ما وراء النهر:

ذكر برتولد في كتابه “العالم الإسلامي” الذي نشر عام 1918، “أن العرب احتفظوا بقوة بشخصيتهم القومية، وتركيبتهم وتسمياتهم القبلية البدوية في تركستان حتى الآن، ولو أنهم فقدوا لغتهم العربية. وفي البلدان المفتوحة استوطن البدو ليس كقبائل متفرقة، بل في مجموعات قبلية كبيرة. وأن العرب المذكورين كلهم انقسموا إلى شماليين وجنوبيين، وأن القسم الأعظم منهم كانوا في المجموعات الرئيسية من القيسيين والكليبيين، وكانت القبائل العربية الشمالية مقسمة بدورها إلى النزاريين أو المعديين (ومعد كان ابن عدنان، ونزار كان ابن معد)، وضمت مجموعة مضر (التي ينسب إليها القيسيون)، ربيعة، ووائل؛ والأخيرة بدورها انقسمت إلى مجموعات بكر، وتغلب.

والعداوة بين مضر وربيعه كانت أشد من العداوة بين عرب الشمال، وعرب الجنوب، وعرب ربيعة أكثر من مرة انضموا إلى القبائل اليمانية ضد مضر، وذكر أن بني ربيعة كانوا غاضبين لأن الله (جل) اختار خليله من بني مضر. والمثال على ذلك استيطان المجموعات القبلية الكبيرة لبعض المناطق، التي قسمت شمال بلاد الرافدين إلى ديار مضر على ضفاف الفرات، متخذين من الرقة مركزاً لهم، وديار ربيعة على نهر دجلة، متخذين من الموصل مركزاً لهم، وديار بكر إلى الشمال منهما متخذين من أميد (في تركيا اليوم) مركزاً لهم. التي أبقت طابع التقسيم القبلي العربي على التسميات الجغرافية على الخارطة الجغرافية المعاصرة. بينما لم تكن هناك أية علاقة تقريباً بين التسميات الجغرافية والقبلية في شبه جزيرة العرب. وكانت المجموعات القبلة الكبيرة منتشرة على مساحات واسعة في مختلف المناطق. وهذه واحدة من الأسباب التي جعلت من الخلافات التي ظهرت بحدة بعد الإسلام أكثر منها قبل الإسلام. ولكن الخلافات القبلية أظهرت تضامناً قومياً كبيراً، انطلاقاً من مصادر دينية ونسبية. حتى أن اليمانيين في بعض الأحيان وقفوا ضد الفرس كأحفاد لإسحاق، بينما كان عرب الشمال من أحفاد إسماعيل”. وأعتقد أن هذا النص يعطي صورة كافية لنظرة برتولد ومدى فهمه لحياة عرب تركستان الروسية آنذاك.

وتذكر المراجع المختلفة أن العرب كانوا يعيشون بكثافة في ثلاث من جمهوريات آسيا المركزية وهي: تركمانستان، وأوزبكستان، وطاجكستان. وخاصة في المناطق الجنوبية منها. بينما بذل جهد كبير في العديد من المراجع الأخرى لتسليط الضوء وإعطاء معلومات تحليلية عن منشأ عرب تركستان الروسية انطلاقاً من المعلومات المتوفرة، ومن الدراسات الميدانية، والمراجع المكتوبة.

وحاولت تلك المراجع تتبع طرق الهجرة التي اتبعها العرب للوصول إلى تركستان الروسية. خاصةوأنهميعترفونوبوضوحبأنتقسيمعربالمنطقةبينالجمهورياتالتيتتشكلمنهاآسياالمركزيةاليوم،هوتقسيمرمزيلاأكثر،وأنالتحليليتطلباستخدامموادتحدثتعنالعربفيالمنطقةبأسرها،وليسفيكلجمهوريةعلىحدى. وهنا لابد أن أشير إلى أن السلطات السوفييتية عمدت إلى تقسيم تركستان الروسية إدارياً إلى جمهوريات أوزبكستان وقازاقستان وتركمانستان وقرغيزستان وطاجكستان في عام 1924 وما بعد، بينما احتفظت إدارة الاحتلال العسكرية بوحدتها القيادية تحت اسم “قطاعتركستانالحربي” منذ تأسيسها في عام 11يونيو/حزيران 1867، وحتى خروج قيادة الاحتلال العسكرية الروسية من معظم أجزاء المنطقة بعد استقلال هذه الجمهوريات.

كما واحتفظت الإدارة الدينية لمسلمي المنطقة بوحدتها تحت اسم “إدارةمسلميآسياالوسطىوقازاقستانالسوفييتية” حتى الاستقلال، وانقسمت بعده إلى إدارات لكل جمهورية من جمهوريات آسيا المركزية على حدى. بينما لم يحتفظ بوحدته التنظيمية في المنطقة بعد الاستقلال، سوى الكنس اليهودي للمنطقة، والكنيسة المسيحية الأرثوذكسية (الكنيسة الشرقية) التي بقيت على ما كانت عليه دون تغيير منذ تأسيسها قبل أكثر من قرن ونيف.

وتتحدث المراجع التاريخية عن أعداد كبيرة من العرب استوطنت تركستان الروسية ولم تزل موجودة في آسيا المركزية حتى وقتنا الحاضر، رغم خلو نتائج تعداد السكان الأخيرة قبل انهيار الاتحاد السوفييتي السابق تقريباً من تصنيف العرب بين أبناء القوميات التي تعيش في آسيا المركزية اليوم. وتذكر المراجع ستة تجمعات سكانية مستقلة لها صلة بأشكال مختلفة بالعرب، وعشرات التجمعات التي تحمل تسميات متشابهة في الأحياء والمدن والتجمعات السكانية الكبيرة. تتحدث كلها عن حقيقة انتشار العرب بكثافة في المناطق الجنوبية والشمالية والوسطى من آسيا المركزية.

وتورد تلك المراجع تاريخ نشوء قرية عرب قشلاق بمنطقة عصفارين في محافظة لينين آباد (طاجكستان اليوم)، التي أنشأها الرعاة العرب بالقرب من المزارع، خلال أواسط أو النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي. بينما يسكنها اليوم الطاجيك، والأوزبك، القادمين من مقاطعات كانبدام، وقرغيز نايماني. وتذكر أن مجموعة منهم لها صلة قرابة مع العرب الناطقين باللغة الأوزبكية من سلالة خُجه (بضم الخاء) بدأت مع مطلع القرن العشرين.

وفي وقت متأخر جاء للسكن فيها، طاجيك من أحياء أوراتيوبيه وإيشانخو وتاختي جار. كما وعاش العرب سابقاً في بينجيكينت، بحي – غوزار عرَبٌ، حيث  انصهروا بالمحيط المحلي هناك بالكامل حتى بداية القرن العشرين. وخلال القرنين التاسع عشر، والعشرين سجلت الإحصاءات السكانية اللغة العربية كلغة أم لسبعة أشخاص فقط في بينجيكينت. ورغم عدم وجود الأحياء العربية في عصفاري، يتوقع الباحثون تواجد العرب هناك لوجود المزار الشريف الذي دفن فيه شيخ الإسلام البلخي، سعيد ساربارخان، المتوفي عام 1476م. وهو الشخصية التي يتوقع البعض بأنها عربية كما أورد برتولد ف.ف. في كتابه “تاريخ الحياة الثقافية في تركستان”؛ وتورسونوف ن.و. في كتابه “تشكل وطرق تطور سكان المدن والقرى في شمال طاجكستان في القرن 19 وبداية القرن 20″؛ والمواد الميدانية التي جمعها بوشكوف ف.ي. عام 1971.

وتذكر المصادر أن عرب كوباديان وشاه عرطوز لا يزالوا محافظين على انتماءاتهم القبلية والعشائرية. ويستندون لأقوال بعض المعاصرين الذين أشاروا إلى أنه عاش هناك في السابق وعلى أراضي محافظة كورغان تيبه الحالية، كثير من التجمعات العربية المنتمية لقبيلة لارخابي، وعرب كوباديان، وأيواج، وبيشكيك المنحدرة كلها من بني هاشم القرشية التي ينحدر منها الرسول العربي (صلعم). ويعيش العرب المنحدرون من قريش حالياً في مناطق كوباديان، وشاه عرطوز، ولارخابي، إضافة لقبائل اسكندري، وميوي، وميرحيدري، ونوروزي، وسعيدي وغيرها من القبائل ذات الأنساب العريقة كما تشير تلك المراجع، وعلى ما يعتقد أن هذه التسميات إما لقبائل من الموالي التي استعربت، أو تغيرت تسمياتها مع مرور الزمن أو الترحال والاختلاط بالأعراق المحلية وتأثر التسميات باللغات واللهجات المحلية.

فعامل الزمن والطرق التي سلكها العرب للوصول إلى مناطق سكنهم الحالية في آسيا المركزية لم تدرس بشكل كاف لا من قبل المدرسة الإستشراقية الروسية، ولا من قبل المدرسة الإستشراقية السوفييتية من بعدها. لأن تركيز هاتان المدرستان كان على تثبيت فكرة أن العرب كانوا غزاة ومحتلين لا أكثر، وأن العرب خلال غزوهم لما وراء النهر خلال الفترة التاريخية الممتدة ما بين القرنين السابع، والثامن الميلاديين، تركوا في المدن الرئيسية بما وراء النهر، بخارى، وسمرقند، حاميات عسكرية لا أكثر، وأنهم أجبروا السكان المحليين على إخلاء قسم من بيوتهم لسكناهم. ويعترف برتولد ف.ف. في كتابه “تركستان في عصر الاجتياح المغولي”، وفي “بعض الآراء عن الثقافة الآرية في تركستان”، أن العرب في وقت متأخر انتشروا في المنطقة أكثر من ذلك بكثير. وأنهم عاشوا خلال القرن التاسع الميلادي في جميع مدن خراسان وما وراء النهر.

وتذكر المراجع التاريخية أن العرب أثناء حملاتهم الأولى لفتح ما وراء النهر، تواجدوا في المناطق التي لوحظ فيها مناطق سكنها العرب في مايمورغ جنوب شرق سمرقند عام 654م، وشاهنيان في حوض نهر سورخانداريا عام 667م، وراميتان وغيرها من المناطق القريبة من بخارى خلال عامي 673-674م، وفي مناطق بخارى وسمرقند في عام 676م، ومناطق بخارى وسمرقند وحجند خلال أعوام 680-683م، وترمذ في عام 689م. وتذكر المراجع أن القائد العربي قتيبة بن مسلم قاتل خلال عامي 705-706م في بلخ، وشومان، وشاهنيان، وباي قند، وبخارى. وفي عام 710م في نسف، وكيش. وخلال أعوام 710-712م في خوارزم، وخلال عامي 713-714م في وادي فرغانة، ومدينة شاش.

وتذكر بعض المراجع مشاركة قبيلة بني بخيل التي ينتمي إليها قتيبة بن مسلم نفسه في تلك الحملات. وتذكر أيضاً أنه في وقت لاحق من القرن العاشر شهدت المنطقة ظهور القبائل العربية: مضر، وربيعة، واليمانيين في بخارى حيث أسكنهم قتيبة. وتذكر بعض المراجع أن قتيبة بن مسلم كان ليس قائد عربي وحسب بل كان قائداً محلياً حمل اللقب الذي يطلق على القادة المحليين “بخارخودات قتيبة”، وهو ما يثبت أن القبائل العربية سكنت بخارى خلال خمسينات القرن الثامن الميلادي. وهو ما يؤيده برتولد في كتابه “تركستان في عصر الاجتياح المغولي”، الذي يشير إلى أن حملات الغزاة العرب (حسب تعبير برتولد) امتدت نحو الشمال والجنوب، وشملت بشكل أساسي مجموعات من بني قيس وبني كليب. ومن عرب الشمال بني نزار، وبني معد، ومضر، وربيعة، ووائل، وبكر، وتغلب. وتحدث برتولد في كتابه “التركيبة العرقية للعالم الإسلامي” عن الخلافات الشديدة والتناحر بين القبائل العربية الجنوبية والشمالية، وحتى الصراعات التي كانت قائمة داخل القبائل الشمالية نفسها.

ويذكر غفوروف ب.غ. في كتابه “الطاجيك في التاريخ القديم والقرون الوسطى”، أن الوالي العربي على خراسان أسد بن عبد الله  أثناء حربه ضد خوتاليا، في عام 737م، انسحب بقواته عبر منطقة بنج في جبال الملح. ويتوقع أنه استخدم خوتاليا للعبور من تشوبك إلى شام ستان على الأرض الأفغانية.

ومن دون أدنى شك هذا يثبت أن تلك المرحلة التاريخية التي شهدت حملات الفتح العربي الأولى للمنطقة، رافقتها إقامة حاميات عسكرية إستراتيجية عربية إسلامية تركزت في المدن، بالإضافة لبعض التجمعات السكانية العربية التي تركزت في المناطق الزراعية كما يشير بوشكوف ف. ي.، في كتابه “سكان شمال طاجكستان: التشكل والاستيطان”  ويؤكد أن المنطقة شهدت سكن قبائل عربية في المناطق الزراعية هناك. ويعتبر ذلك إشارة واضحة بأن الحملات العربية تلك في نهاية القرن السابع وبداية القرن الثامن الميلادي، كان هدفها استطلاع العرب للأوضاع المعيشية في المناطق الجديدة بالنسبة لهم بشكل جيد، من أجل بداية سياسة اقتصادية استعمارية مخططة !! (حسب تعبير بشكوف بالحرف الواحد). ويتابع أنه ليس صدفة أن قائمة المناطق التي حاربت فيها الجيوش  العربية الإسلامية في تلك المرحلة تتطابق بالكامل مع المناطق التي عاشت فيها مجموعات سكانية عربية بشكل دائم حتى القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.

وعن ظهور مبعوثي الدولة العباسية في خراسان وما وراء النهر خلال العشرينات والأربعينات من القرن الثامن، لنشر الدعوة العباسية ضد الدولة الأموية، تشير المصادر إلى أن القبائل العربية التي سكنت المنطقة، وكانت بالدرجة الأولى مؤلفة من القرشيين الذين ينتسب إليهم الهاشميون، اعترفت بحق العباسيين بالخلافة. بينما يشير غفوروف ب.غ.، إلى حقيقة تثبت بطريقة غير مباشرة أن العرب الذين سكنوا خراسان وما وراء النهر كانوا من القرشيين من خلال الحادثة التالية: “أنه بعد وفاة حاكم خراسان عبد الله بن خازم عام 691/692م، طلب الموالي في خراسان من الخليفة عبد الملك، أن يولي عليهم أحد الأمويين، لأنه “لا يستطيع أن يحقق الاستقرار في خراسان المضطربة سوى قرشي”. نقلاً عن برتولد الذي أكد تواجد بني ثقيف، في بخارى، والقبائل اليمانية في خوتاليا وخراسان.

 ويذكر غفوروف أن نقطة الارتكاز التي اعتمد عليها العرب بعد تقدمهم بعناد نحو الشمال، ليلعبوا دوراً هاماً في تاريخ التركيبة السكانية للمنطقة، كانت استيطان 50 ألف أسرة عربية في خراسان، هاجرت من البصرة، والكوفة (حوالي 250-300 ألف نسمة) ضمن خمس حاميات جاءت بعد الحملات الأولى، خلال الفترة الممتدة ما بين أعوام 654-667م. بينما يشير برتولد “إلى أنه كان تحت قيادة قتيبة بن مسلم في خراسان 40 ألف عربي من البصرة، و 7 آلاف عربي من الكوفة، و 7 آلاف عميل (المسلمين المحليين كما يسميهم برتولد).

ويذكر برتولد في كتابه “تركيا، الإسلام والمسيحية” أن القبائل العربية تمكنت خلال الحكم الأموي من الوصول إلى الهند. ويؤكد في كتابه “تركستان في عصر الاجتياح المغولي” وجود بني أسد، وبني سعد في بخارى والمناطق المحيطة بها، ويذكر أن قبيلة بني أسد تنحدر من أسد بن عبد الله الكوشيري والي خراسان في القرن الثامن الميلادي، وزعيم الحزب اليماني، ويؤكد أنهم من القرشيين. استناداً لمراجع الجغرافيين العرب في القرن العاشر الميلادي. ويذكر بولشاكوف و.غ.، في كتابه “تاريخ الخلافة” أن تسمية بني سعد جاءت من اسم الشخصية العربية علاء سعدي، التي يمكن أن تكون قرشية أيضاً.

كما ويورد برتولد في كتابيه: “البلعمي”، و”المسيحية في تركستان قبل المرحلة المغولية”، ظهور قبائل بني تميم في بخارى ومحيطها، وهي القبيلة التي ينتمي إليها ابن البلعمي ووالده، اللذان تقلدا منصب الوزارة في الدولة السامانية، وأن أحفادهما سكنوا المدينة في القرن الثاني عشر، والبلعمي الأب سجل لهم عدداً من المباني في مدينة بخارى. وظهور بني حنظلة في بخارى خلال القرن العاشر الميلادي. ويذكر فولين س.ل.، في كتابه “عن تاريخ عرب آسيا الوسطى” نقلاً عن الإصطخري، أن “ويدار وغيرها كانت تابعة لقوم من قبائل بكر بن وائل. اشتهروا باسم بني صبيعة، وكان لهم الحكم في سمرقند”.

وهكذا نرى ومن خلال المراجع الروسية والسوفييتية ما يثبت أن العرب خلال الفترة الممتدة ما بين القرنين السابع والعاشر الميلاديين، سكنوا بخارى والمناطق المحيطة بها، وسمرقند وبعض مناطق جنوب أوزبكستان وطاجكستان، وهم من قبائل عربية ينحدر بعضها من القرشيين، وبني هلال، وبني ثقيف، والعرب اليامانيين، والبكريين، والمضريين، وبني ربيعة، وبني تميم. جاءت الأربع الأولى من جنوب الجزيرة العربية، والبقية الباقية من القبائل العربية الشمالية، الذين تجمعت أكثريتها في ما وراء النهر قادمة من خراسان جنوب ما وراء النهر.

ورغم اتفاق أكثر المصادر على أن العرب الأوائل في ما وراء النهر، كانوا قد استقروا في المدن، واندمجوا بسرعة بالسكان المحليين. نراهم يترددون في اعتبار العرب المعاصرين في مدن آسيا المركزية من أحفاد الفاتحين العرب الأوائل. ومن ضمن هذا الاتجاه، جاءت آراء بعض الباحثين عن أنه “من غير المستبعد، أن يكون العرب المعاصرون في بخارى ولينين آباد من سلالة أولئك العرب الأوائل الذين جاءوا إلى المنطقة خلال القرون الأولى للإسلام”.

وتذكر كارميشيفا ب.خ.، في كتابها “مقالات في التاريخ العرقي للمناطق الجنوبية من طاجكستان وأوزبكستان “، وتورسونوف ن.و.، في كتابه “حجينت وسكانها (في نهاية القرن 19 وبداية القرن 20)” استناداً لبعض المصادر أن التحقق من تسمية الحي العربي سهل في بخارى، ولكنه صعب في حجينت، حيث ورد في بعض المراجع، أن تجمعين سكانيين يحملان اسم “عَرَبٌ”، عاش في واحد منها أحفاد للعرب الأوائل، بينما حمل الحي الآخر هذا الاسم بعد أن سكنته في السابق أسرة عربية، لم يعرف مصيرها اللاحق. ومن خلال دراسة توضع الأحياء القديمة بالمقارنة مع القسم الحديث من المدينة، والملامح التي يحتفظ بها أحفاد العرب، توصل الباحثون إلى نتيجة مفادها أن عرب حجينت سكنوا المدينة منذ وقت قريب. بينما أورد تورسونوف ن.و.، وكوشاكوفيتش أ.أ.، في كتابهما “معلومات عن منطقة حجينت”، أنه كان للعرب 92 بيتاً في حجينت، مع مطلع القرن العشرين.

بينما أظهرت بعض الأبحاث الحديثة صورة أكثر تعقيداً. تقول أنه حتى عام 1991 لم تبقى في حجينت سوى أربع أسر من أصل عربي سكنت الحي الجنوبي الشرقي، حيث عاش العرب في السابق. ومعهم بقيت أسطورة تقول: أنه في القرن السابع (أي أثناء الحملات العربية الأولى!) وصل إلى حجينت سبعة من العرب القرشيين، سكنوا البادية خارج أسوار المدينة، وبدءوا بالدعوة للإسلام، وتمكنوا خلال فترة قصيرة من دعوتهم إدخال ألف شخص من السكان المحليين في الإسلام، احتفظوا بدينهم الجديد سراً لبعض الوقت (وفي هذا دليل جاء به المستشرقون أنفسهم ويناقض طروحاتهم بأن الإسلام نشر في المنطقة بحد السيف والإرهاب). بينما تذكر مصادر أخرى أن عرب حجينت وصلوا إليها في القرن الثامن الميلادي قادمين من خراسان، أي أنهم من العرب الأوائل.

وتؤكد المصادر والدراسات الميدانية وخاصة التي جرت مع باكورة استقلال جمهوريات آسيا المركزية خلال عام 1991م انصهار العرب بالمحيط المحلي خلال فترة طويلة، وتم التأكد من أن مناطق سكن العرب حملت تسمية عرب خانة (الحي العربي) كما هو معروف اليوم في المنطقة، وليس “عَرَبٌ” كما ورد في بعض المراجع الروسية السابقة. وأن انصهار العرب في المحيط المحلي تم عن طريق التزاوج واختلاط الأنساب. مثال: زواج جدة شيخ الحي (عرب خانة) أحمد أمير سعيدوف، من طاجيكي كان أبوه في مرحلة الاحتلال الروسي للمنطقة حاكماً لمدينة حجينت.

واستناداً لنتائج الدراسات الميدانية التي نفذت خلال الفترة الممتدة ما بين عامي 1987، 1991م، يظهر أن تشكل حي عرب خانة الحالي في حجينت كان بعد إنشاء آخر أسوار المدينة. وإضافة للأسر الأربعة التي سبق ذكرها من أحفاد العرب الأوائل، يعيش في الحي الحالي عرب قادمين من أوراتيوبه، وكاني بادام، وبيشاريك، ومرغيلان، وبشقارد وغيرها من الأماكن. وفي نفس الوقت أُضطر عرب حجينت أنفسهم بسبب ضيق المكان للانتقال للسكن على أطراف المدينة. وانتقلوا للسكن في قرية غازيون المعاصرة، حيث تقع مقابرهم (عند مزار كليتش برهان الدين)، وأنشئ في القرية حي عرب خانة، ويسكن فيه اليوم أولاد خالق باي باتشا. بينما انتقلت بعض العائلات للسكن في داشتاك (أولاد ملا سانغيدمولاي عالم) وأونجي أولاد الذين يعيشون في الوقت الحاضر في قرية زاكر عرب.

ولم يحتفظ أحفاد العرب الذين يعيشون الآن في حجينت بأي ملامح مميزة لهم لا في العادات ولا في الثقافة العربية، ولا في اللغة، ولا في الطعام، ولا في الملبس، ولا في المنطق الروحي، ولا في تقاليد الدفن، وأصبحت كلها متطابقة مع المحيط السكاني الطاجيكي. إلا في بعض الخصائص المميزة في إضافة عبارة “سيد” إلى أسمائهم التي تشير لانتمائهم إلى سلالة الرسول (صلعم). وفي حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب (قارئ)، وهذا ينطبق على النساء اللاتي يطلق عليهن تسمية “بيوتون” وهن النساء اللاتي يقمن بالواجبات الدينية بين النساء. ورغم أن أغلبية العرب في حجينت كانوا من المزارعين، إلا أنه يمكن أن يصادف بينهم نجارون ونقاشون على الخشب، وشعراء محترفون. وأصحاب مطاعم شعبية، ومنهم من حصل على تعليم تقني عالي. بينما تميزت النساء العربيات تقليدياً بالتطريز (سوزاني دوز، وريسيداني رسمون) وصنع الخيوط الحريرية.

كما وتذكر نتائج الدراسات الميدانية أن أحفاد العرب يعيشون في الوقت الحاضر أيضاً في قرية كيستاكوز، وفي محيط مدينة أوراتيوبه، وفي قرية كالاتشي عرب، وتوتكي، وتشورباغ.

ويذكر بوشكوف، وكارميشيفا أن وضع عرب مدينة كاني بادام وضواحيها، مختلف تماماً عن غيرها من المدن، حيث يعيش فيها منذ القدم مجموعة كبيرة ومتماسكة من العرب، داخل المدينة، ضمن الحي العربي (عرب خانة) الذي  يقع في المركز التاريخي للمدينة. إضافة للعرب الذين عاشوا في الأحياء الشرقية من المدينة حي زاردبيت، حي عَرَبوني بولو، وعَرَبوني بَيون. إذ من المعروف أن تلك الأحياء قد سكنت أثناء توسيع حدود المدينة مع بداية القرن العشرين. واستناداً لبعض المصادر فإن العرب سكنوا أطراف المدينة في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وخاصة في قرية باتار، ويمكن أن يكون العرب قد أنشأوها. وقرية شوركورغان (توره كورغان)، وقرية داشت قره يانتاك، وكانابادام. وكلها تثبت أن العرب يعيشون فيها منذ القدم.

كما ويورد تورسونوف، وبوشكوف ذكر مزار هاشت صاحبي الذي تم تشييده في القرن العاشر الميلادي على ضريح ثمانية من القادة العسكريين العرب القادمين من المدينة المنورة الذين استشهدوا خلال المعارك ضد الكفار في منطقة آشت بشمال طاجكستان. ويربط روزييف بين مزار حظرتي بابا الذي شيد في نفس الفترة بقرية تشوركو والعرب. ويتحدث بوشكوف في دراساته كذلك عن “وادي أسامة بن عبد الله البخيلي” (سور كاخ) إلى الشرق من قرية واروخا ويربط بينه وبين حاكم المنطقة آنذاك القائد العسكري العربي البخيلي المشهور حفيد قتيبة. وعن مزار المحدث الكبير أبي هريرة (رض) في الطريق بين قرية قيزلي، وقرية تاغاياك بمنطقة غانتشي. وحسب الأساطير فقد دفن هناك أحد أوائل دعاة الإسلام في المنطقة. ومزار خوجه عبد الله أنصاري، في القرية الجبلية أوغوكي (سويداك في المرحلة المبكرة للقرون الوسطى)، والذي يعتبره السكان المحليون موفداً للرسول العربي محمد (صلعم)، ويؤكدون أنه جاء إلى المنطقة قادماً من بلاد العرب عبر شمال أفغانستان. وهو ما يؤكده أيضاً برتولد في كتابه “العالم الإسلامي”، عندما يشير إلى أن ظهور العرب في ما وراء النهر كان انطلاقاً من خراسان وشمال أفغانستان خلال القرن الهجري الأول، وعاشوا هناك بأعداد ضخمة ضمن مجموعات قبلية كبيرة خلال القرون الوسطى، ومنثمانصهروافيبوتقةالمجتمعالإسلاميالمحلي،وفقدوانتيجةلذلكلغتهموثقافتهمونسبهمالقبليوالعشائرينتيجةللاختلاطوالتزاوج،وهيحجةواهيةلأنهاتنكرأنالعربيةكانتلغةالعلموالتعليمحتىخلالالفترةالمبكرةمناجتياحالجيوشالروسيةللمنطقة،ولايمكنأنتندثربتلكالسرعةلولاسياسةالاحتلالالأجنبيالذيعملعلىمحاربةالدينالإسلاميوطمسمعالمكلماهوعربيأولهصلةبالعروبةفيالمنطقةخلالقرنونيفمنالزمن. لأن نجاح المحتل بذلك يعني القضاء على المعالم الثقافية الإسلامية المميزة لشعوب المنطقة، التي هي من عوامل وحدتها الثقافية وتماسكها الاجتماعي، وبالتالي وضع حواجز تعيق من اتصالها بغيرها من الشعوب العربية والإسلامية المجاورة، وهو ما سهل على المستعمر إنجاز عملية طمس المعالم الثقافية القومية وفرض ثقافته بديلاً عنها، وهي السياسة التي استمر عليها الاتحاد السوفييتي خلال فترة حكمه التي استمرت لأكثر من سبعين سنة دون كلل أو ملل.

الصفحات: 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15


اترك رد

أشهر التدوينات

تبرّع لدعم استمرار مدوّنة البخاري