الفصل السادس
دور الاستشراق الروسي والسوفييتي في سياسة طمس الشخصية الثقافية لعرب آسيا المركزية
من الدراسات التي راجعتها وجدت أن المراجع الروسية والسوفييتية تقسم تاريخ العرب الذين سكنوا الشاطئين الأيمن والأيسر لنهر آموداريا في آسيا المركزية إلى مرحلتين:
المرحلة الأولى:
وهي التي رافقت وصول العرب فاتحين إلى ما وراء النهر خلال القرنين السابع والثامن الميلاديين، واستقرارهم في المنطقة، وتنتهي هذه المرحلة مع بداية الحملات العسكرية التي قام بها الأمير تيمور (تيمورلانك) في نهاية القرن الرابع عشر الميلادي. وعاش خلالها العرب في ما وراء النهر داخل مناطق جديدة مجهولة بالنسبة لهم، وقاموا خلالها بإيجاد مكانة اجتماعية لهم داخل التركيبة الاقتصادية والسكانية والثقافية للمجتمع المحلي. مستفيدين من العامل الديني الهام، والدور السياسي الكبير الذي لعبه الدين الإسلامي في حياة المنطقة بعد انتشاره الواسع فيها خلال فترة قصيرة. وحافظ خلالها العرب على ترابطهم وأنسابهم ولغتهم وثقافتهم، وكان لهم مركزاً دينياً خاصاً منحهم الكثير من الميزات الاجتماعية والعلمية والسياسية.
المرحلة الثانية:
وبدأت منذ انطلاقة حملات الأمير تيمور، ونتج عنها تحطيم الأنساق التقليدية السياسية والاقتصاد في المنطقة بأسرها، وأدت تلك التغييرات إلى إعادة توزيع الأدوار السياسية والاقتصادية بشكل دفع المنطقة نحو تشكيل أرضية جديدة غيرت واقع التسميات التي كانت معروفة آنذاك. وأحلت مكانها تسميات جديدة، ارتبطت في الكثير من الحالات بالمواقف التي اتخذتها الطبقة العليا المتنفذة في المجتمع، وحددت من خلالها العلاقات القبلية والعشائرية، ونفوذ كل منها بين جميع القبائل المسلمة التي سكنت المنطقة آنذاك. واستمرت على تلك الشاكلة حتى مجيء الغزاة الروس محتلين إلى المنطقة، وشروعهم بتغيير ملامحها السكانية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفرض ثقافة غريبة عليها. مما نتج عنه تشويه وطمس مقصود لتاريخ المنطقة قام به المستشرقون الروس خدمة للأهداف التوسعية للإمبراطورية الروسية. وكان أول المتضررين منه طبعاً عرب آسيا المركزية الذين تمكنت الإدارة الروسية من القضاء على شخصيتهم الاجتماعية، واللغوية، والدينية، والثقافة، والسياسية، والاقتصادية تدريجياً، تنفيذاً للسياسة الاستعمارية التي رسمتها لنفسها منذ بداية القرن الثامن عشر، لأنها كانت تعتبرهم من أكثر العوامل المؤثرة على عملية استمرار الدين الإسلامي الذي وحد سكان تركستان بكل أعراقهم وقومياتهم وأجناسهم، واعتبرتهم العنصر المنافس الوحيد القادر على تحفيز النفوس لمقاومة الاحتلال الأجنبي الغريب كل الغرابة عن المنطقة لما يتمتعون به من نفوذ ديني وروحي.
وكان الدور الكبير في طمس معالم التاريخ العريق للمنطقة وتشويهه، للاستشراق الروسي كما سبق وأشرت، الاستشراق الذي بدأ بالتوجه نحو دراسة لغات الشعوب الإسلامية العربية، والفارسية، والتركية، منذ عام 1716، ورافقه إيفاد عدد من الطلاب الروس للدراسة في أصفهان عام 1717، رغبة من القيصر الروسي آنذاك بإعداد كوادر روسية خالصة لخدمة مصالح الإمبراطورية الآخذة في التوسع، بديلاً عن العناصر الأجنبية الوافدة للاستيطان في روسيا كما سبق وذكرنا.
وكان أفصح مثال يوضح الدور الذي لعبه المستشرقون الروس لتحقيق أهداف الإمبراطورية الروسية في القرن الثامن عشر، غيورغ ياكوب كير ماغيستر جامعة لايبزغ، والخبير باللغات السامية والإسلامية، وأول مستعرب في أوروبا قرأ الخط الكوفي، في مشروعه الذي قدمه للحكومة الإمبراطورية الروسية عام 1733. وأوردها برتولد في مقالته”الاستشراق في روسيا في القرن الثامن عشر”، ويتلخص مضمونها بالتالي:
“خدمةالإدارةالحكوميةالروسية،وتأمينحاجاتهامنالمترجمينفياللغاتالشرقية،للترجمةوإدارةالمناطقالتابعةلروسيا،وللعلاقاتمعالدولالشرقية،وخدمةتوسعالإمبراطوريةالروسية،والاستيلاءعلىتركياوآسياالوسطى،ونشرالدينالمسيحيبينالمسلمين. ولهذاالغرضيجبدراسةاللغاتالعربيةوالتركيةوالفارسيةوالسريانيةوالسومريةوالإثيوبيةواليونانيةوالصينيةوالمنشوريةوالمغوليةوغيرهامناللغاتالشرقية“، وهو ما يوضح أبعاد ومرامي سياسية وإيديولوجية واقتصادية وجغرافية توسعية بعيدة المدى.
ومن نظرة متعمقة في ماهية أولئك المستشرقين الذين خدموا الإمبراطورية الروسية طيلة القرون الثلاثة الماضية، نجد أن الأكثرية المطلقة من مؤسسي مدرسة الاستشراق الروسية كانت من الأوربيين اليهود الذين قدموا للاستيطان في الإمبراطورية الروسية، وهم أنفسهم الذين ربطوا بين تدريس اللغتين العربية والعبرية، وتاريخ أديان وقوانين وعلوم وفنون وعادات العبرانيين والعرب في جامعة موسكو منذ عام 1811، الأمر الذي أدى إلى نشأة جيل من المستعربين اليهود الروس الذين التحقوا بالدراسة أصلاً لتعلم اللغة العبرية، وكانت لهم اليد الطولى في توجيه حركة الاستعراب ليس في روسيا وحسب، بل وفي مستعمراتها الإسلامية، من خلال الدراسات التي قاموا بها دون سواهم، والمواقع الحساسة التي شغلوها في معاهد الاستشراق التي أسست في أنحاء مختلفة من الإمبراطورية الروسية، وبعدها في الإمبراطورية السوفييتية.
واستفادوا من ذلك الوضع في كل الظروف والمناسبات لدعم الحلم الصهيوني بإقامة دولة إسرائيل، الأمر الذي تطلب أولاً القضاء على آخر خلافة إسلامية كانت في الدولة العثمانية، كما حدث فعلاً في مطلع القرن العشرين، ومن ثم العمل بدأب ومثابرة للقضاء على اللغة العربية أو محاربة أو تشويه تدريسها في كل مكان وجدوا فيه، وهي اللغة التي تعتبر من مقومات الرابطة التي تجمع الشعوب الإسلامية وتحافظ على نقاء الدين الإسلامي.
ولم يألوا جهداً في الإساءة للعرب وتدنيس تاريخهم في كل المناسبات، ولابد أن الهدف من ذلك كان واضحاً ولا يحتاج لأي تعليق، وعاد وأكده في النصف الثاني من القرن العشرين رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق شمعون بيريز عندما تباهى أمام مراسل صحيفة الفايننشيال تايمز البريطانية وقال:”لقد حاربنا القومية العربية لأربعين عاماً حتى قضينا عليها، ومنعنا توحد العرب. أما الآن فعلينا أن نعلم المسلمين كيف يعيدون قراءة القرآن وفهمه”.
وسخرية القدر أن ذلك كله يتم تحت أبصار البشرية جمعاء، تحت شعار الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، والدفاع عن السامية، والساميين وكأن العرب لا يمتون للسامية بصلة ؟ !!. ومن يدري فربما كان الهدف النهائي القضاء على الشخصية العربية، واللغة العربية، والثقافة العربية لتحل مكانها الشخصية العبرانية، واللغة العبرية، والثقافة العبرانية كواجهة وحيدة تمثل كل الشعوب السامية في المستقبل، ليصبح بعد ذلك الطريق مفتوحاً للتعرض للتراث الإسلامي العلمي تشويهاً وتحريفاً ومن يدري !؟ كما سبق وتعرضت له الديانة المسيحية من إساءة على أيدي دعاة الحركة الصهيونية العالمية. والتي أكدتها تصريحات قادة إسرائيل أكثر من مرة وأوضحت تصريحاتهم تلك الكثير من الحقائق التي عبثاً لا يراها الكثيرون من دعاة حقوق الإنسان في العالم اليوم، ومنها ما أكده رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق بنيامين نيتنياهو، من أن: “المسيحية الصهيونية لم تكن مجرد تيار من الأفكار. إن مخططات عملية وضعت فعلاً من أجل عودة اليهود إلى فلسطين. المسحيين ساعدوا على تحويل الأسطورة إلى دولة يهودية”.
ولعل في هذا بعضاً من أسباب الحملة الشعواء التي تعرض لها عرب آسيا المركزية، دون سواهم الذين تعرضوا لحملات طمس الشخصية الثقافية التي ميزتهم داخل المجتمع في تركستان الروسية منذ الأيام الأولى للاحتلال الروسي، وزادت حدتها خلال العهد السوفييتي الذي وسع من رقعة احتلاله، باحتلال إمارة بخارى في أيلول/سبتمبر 1920، وتمثلت بالحملة الشعواء التي تركزت واشتدت خلال الفترة الممتدة ما بين الثلاثينات والستينات من القرن العشرين. وهي الفترة التي شهدت تركيزاً على دراسة ونشر أبحاث مستفيضة عن لغة عرب آسيا الوسطى السوفييتية قام بها تسيريتلي، وفينيكوف. تمهيداً لشطبهم نهائياً من بين الأقليات العرقية في الاتحاد السوفييتي وهو ما حدث بالفعل.
والعرب وكما تعترف الموسوعة السوفييتية: “من الشعوب التي تعيش في آسيا الوسطى، ضمن مجموعات صغيرة، وخاصة في محافظتي بخارى، وسمرقند في أوزبكستان السوفييتية، بين السكان المحليين الأوزبك، والطاجيك، والتركمان، منصهرين بالتدريج فيهم !؟ (بالحرف الواحد كما ورد في النص الوارد في الموسوعة، وفيه إشارة واضحة للهدف الموضوع)، وعددهم حوالي 8000 شخص، وفق إحصائيات عام 1959. ويتحدث أكثر من 34 % منهم بلهجات اللغة العربية، واللغات الأوزبكية والطاجيكية والتركمانية. وتشير الدراسات إلى أنهم من أحفاد العرب القادمين من بلاد الرافدين، وشبه جزيرة العرب، وجاؤا آسيا الوسطى خلال فترات مختلفة من شمال أفغانستان، ومنها انتقلوا إلى الضفة اليمنى لنهر أموداريا. وثقافتهم وحياتهم شبيهة بثقافة وحياة الأوزبك والطاجيك، ولو أنهم احتفظوا ببعض ملامح ثقافتهم القديمة، ويدينون بالدين الإسلامي، المذهب السني”. ونلاحظ أن العرب اختفوا تماماً من الإحصائيات السكانية التي جرت في الاتحاد السوفييتي بعد ذلك التاريخ، فماذا حل بهم ؟ ولماذا هذا الانقراض السريع يا ترى ! ؟
والجواب نجده في السياسة السوفييتية المعلنة آنذاك، والتي تقول (بالحرف الواحد) في واحدة من الموسوعات السوفييتية: أنه “في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، وفرت كل الظروف لتطور كل الشعوب والقوميات. وفي المجتمع الاشتراكي “القومية” و”اللغة الأم” يعتبران مفهومان مستقلان، لهذا في برنامج تعداد السكان لعام 1920 اعتبرت اللغة الأم هي اللغة التي يتحدث بها أفراد الأسرة، وفي الأسر المختلطة اعتبرت لغة الوالدة اللغة الأم للأسرة. وفي إحصاء عام 1926، اعتبرت اللغة الأم هي اللغة التي يتحدث بها الشخص المعني بطلاقة، وفي إحصائيات عامي 1939 و1959، اعتبرتاللغةالأمهياللغةالتييفضلهاالشخصذاته. وهو الأسلوب الذي أتبع في إحصاء السكان خلال عامي 1970، و1979. وفي نفس الوقت أخذت اللغة الثانية التي يتحدث بها الشخص بطلاقة بعين الاعتبار، ضمن سياسة فرض اللغة والثقافة الروسية على أبناء المنطقة. (أنظر الجدول رقم: 1)
وخلال الفترة الممتدة من عام 1970 إلى عام 1979 تضاعف عدد الأوزبك الذي يتكلمون اللغة الروسية بطلاقة 5.5 مرات، ووصلت نسبتهم في عام 1979 إلى 52.9 % من عدد الأوزبك، بينما كانت 13.1 % عام 1970. وبلغ عدد أبناء القوميات الأخرى الذين يقطنون أوزبكستان عام 1979، ويعتبرون اللغة الأوزبكية اللغة الأم لديهم 133.680 نسمة، بينما كان عددهم 72.618 نسمة في عام 1970″. وأعتقد أن العرب قد واجهوا الضغوط التي وجهت ضدهم طيلة فترة الاحتلال باختيار اللغة الأوزبكية والحياة في كنف إخوانهم الأوزبك في أوزبكستان، والطاجيكية في طاجكستان، وهكذا في بقية جمهوريات آسيا الوسطى وقازاقستان السوفييتية، هرباً من سياسة الاضطهاد الروسي والسوفييتي. وهو الخيار الصائب الذي اختاروه عن وعي وإدراك لوضعهم المأساوي الذي وصلوا إليه. (أنظر الدول رقم: 2)
وأعتقد أننا لا نحتاج هنا إلى تعليق، بل إلى إضافة أن السلطات السوفييتية كانت قد استبدلت الحرف العربي بالحرف اللاتيني أولاً في الكتابة بتركستان الروسية في 1 كانون أول/ديسمبر 1928، واستبدلته بعد ذلك بالحرف الروسي الكيريلي في 9 كانون ثاني/يناير 1940. قاطعة بذلك الصلة بين شعوب المنطقة وثقافتهم وتاريخهم المكتوب. وأرفقتها بمضاعفة حملتها الشعواء ضد الأديان، وإغلاق المساجد والكنائس، وإتلاف الكتب الدينية، ومحاربة رجال الدين. وهو ما يمكن تصوره من الحالة المرثية التي وصل إليها الناطقين بالضاد خلال تلك الفترة العصيبة من تاريخ آسيا المركزية، الذين تعتبر لغتهم من أساسيات ومسببات استمرار الدين الإسلامي الحنيف فيها. وهو ما كانت تدركه السلطات السوفييتية جيداً، حيث عملت وباستمرار على إفقاد وحرمان الأقلية العربية في المناطق الإسلامية الخاضعة لسلطتها ليس ثقافتها ولغتها وحسب، بل وشخصيتها ومكانتها داخل المجتمع المحلي التي هي جزء لا يتجزأ منه أصلاً.
وقد تبدل الوضع بعد استقلال جمهورية أوزبكستان وبدأت تظهر أرقام واضحة عن توزع السكان حسب القومية التي يحددها المواطن لنفسه في مختلف ولايات الجمهورية دون أية ضغوط، وعادت القومية العربية إلى الظهور في الإحصائيات الرسمية المنشورة، كما هي الحال في ولاية قشقاداريا، وهو ما توضحه نتائج تعداد السكان لعام 1995 الواردة في الجداول 3، و4، و5.
ورغم كل الضغوط بقي الدين الإسلامي، في قلوب شعوب المنطقة رغماً عن أنف المستعمر واستبداده. الدين الذي يلقى اليوم رعاية الدولة في جمهورية أوزبكستان رغم فصل الدين عن الدولة في الدستور. وخير مثال على ذلك افتتاح الجامعة الحكومية الإسلامية بطشقند رسمياً، في احتفال خاص جرى تحت رعاية رئيس الجمهورية إسلامكريموف في مطلع أيلول/سبتمبر 1999، وحظي بشرف تمثيل العرب وإلقاء الكلمات فيه من بين السفراء العرب والأجانب المعتمدين في طشقند الأستاذ أبوبكرعباسرفيع سفير المملكة العربية السعودية، والدكتور ممدوحشوقي سفير جمهورية مصر العربية في أوزبكستان. وإنشاءصندوقالإمامالبخاريالدوليقبلذلكبإسهامكويتيكبير، والتوسع في تدريس اللغة العربية في مدارس الجمهورية، وافتتاح أقسام الدراسات الإسلامية في مؤسسات التعليم العالي والمتوسط في الجمهورية قبل ذلك.










اترك رد