الفصل الرابع
عرب آسيا المركزية في عصر الأمير تيمور (تيمورلانك)
تتحدث المراجع الروسية والسوفييتية بالكثير عن العلاقة المتأزمة التي كانت بين عرب آسيا المركزية والأمير تيمور (تيمورلانك)، وخاصة عرب جنوب طاجكستان، وسمرقند وقشقاداريا وبخارى في أوزبكستان. وتربط بعضها مجيء العرب إلى المنطقة بتاريخ تلك الحقبة التاريخية الهامة من حياة ما وراء النهر. ومنها ما كتبه غريبينكين أ.د. في كتابه “الشعوب الصغيرة في مقاطعة زرافشان (تركستان الروسية)” الذي نشر في سانت بيتربورغ، عام 1872؛ وأندرييف م.س. في كتابه “بعض نتائج البحث العرقي الميداني بمحافظة سمرقند في عام 1921” الذي نشر في طشقند عام 1924؛ و بوريكينا ن.ن.، وإيزمايلوفا م.م.، في كتابهما “بعض المعلومات عن لغة العرب في قرية جوغاري بمقاطعة بخارى في جمهورية أوزبكستان السوفييتية الاشتراكية” الذي نشر في ليننغراد عام 1930؛ وكارميشييف ب.خ. في كتابه “عرب آسيا الوسطى” ومواد البحث الميداني الذي أجرته ماداميدجانوفا ز.م. في عام 1987. وتنحصر الروايات التي يوردونها في إطارين:
الأول: ويعتمد على ما كتبه أندرييف م.س. عام 1921 عن عرب كاتتاكورغان وسمرقند، الذين ذكروا أن الأمير تيمور جاء بهم من دمشق، وأورد أندرييف أن الأمير تيمور “كان غير راض عنهم، وقرر نفيهم إلى الصين عبر تركستان. وعندما عبر المنفيون ما وراء النهر، شاهدهم معلم الأمير تيمور وملهمه الروحي مير حيدر، وتأسف لحالهم، وطلب من الأمير تيمور الذي وافق على طلبه وأسكنهم سمرقند وكاتتاكورغان. وعرفاناً منهم له بالجميل التزم العرب بدفع ضريبة خاصة لمير حيدر تنتقل من بعده لأحفاده عن أملاكهم وأنفسهم وأحفادهم”، وتؤكد المراجع أن قسماً من أولئك العرب يعيش في طاجكستان حتى اليوم.
والإطارالثاني: ما ذكرته ماداميدجانوفا عام 1987 نقلاً عن العرب الذين يعيشون في الوقت الحاضر في جنوب طاجكستان، وذكروا أنهم جاؤا إلى المناطق التي يعيشون فيها الآن منذ قرابة 300-400 سنة. وقبلها كانوا يعيشون في الهند التي جلبهم منها الأمير تيمور وأبقاهم للعيش في بلخ. ونتيجة لترحالهم بحثاً عن الكلأ والمرعى انتقلوا من بلخ إلى أفغانستان، حيث استقروا في وادي بيشكينت، وشغلوا الأراضي الخالية في جنوب طاجكستان. وأن خان بخارى الذي لم تحفظ الروايات اسمه أجبر العرب على تغيير انتمائهم القومي العربي ! وخيرهم بين الانتماء إما للطاجيك أو للأوزبك. ويرجح البعض أن تكون الأسباب الداعية لذلك دينية بحتة، لأن أولئك العرب كانوا من الشيعة، في الوقت الذي كان فيه السكان المحليون هناك من السنة. ولما رفض العرب ما خيرهم عليه خان بخارى، فرض عليهم ضريبة خاصة. فهب للدفاع عنهم مير حيدر، فدفعوا له تلك الضريبة عن طيب خاطر. وذكرت أيضاً أن القسم الآخر من عرب جنوب طاجكستان، جاؤا للاستقرار هناك من قيسارة مع نهاية القرن التاسع عشر.
وللتأكد من الحقائق التاريخية ذكرت الباحثة نقلاً عن غفوروف أن الأمير تيمور كان قد احتل دمشق عام 1401م، وقضى على سكانها الآمنين بقسوة بالغة. واستناداً لما ذكره روي غونزاليس دي غلافيخو أحد أعضاء السفارة الأوروبية لبلاط الأمير تيمور عن مشاهداته في سمرقند عام 1404م، أنه شاهد في المدينة مجموعة كبيرة من الحرفيين العرب، كان الأمير تيمور قد جلبهم معه إلى سمرقند من دمشق. وهو ما يثبت تلك الحقائق ويقطع الجدل القائم بين الباحثين حول العرب المجلوبين من دمشق، رغم عدم ورود أية إشارة لهم في سيرة حياة الأمير تيمور. ومنها ما ذكره فولين س.ل. في كتابه “شعوب آسيا الوسطى وقازاقستان”.
كما وتطالعنا المراجع بما يؤكد تجنب الأمير تيمور رغم قساوته وجبروته، لأي صدام مباشر مع رجال الدين، بل على العكس اعتماده عليهم في الكثير من الحالات. وأن أول ملهم ديني له، كان معلم والده في شهرسابز الشيخ شمس الدين قلل. وأن أول حدث هام في حياة الأمير تيمور بعد استيلائه على بلخ عام 1370م ، استقباله لكبار الشيوخ الذين جاؤا إليه من ترمذ، ومن بينهم الشقيقان أبو المعالي، وعلي أكبر، الملقبان بـ”خوداواند زادة”، وأسفر لقاءه بهم عن توطيد العلاقة بينه وبين رجال الدين الإسلامي في المنطقة، تلك العلاقة التي لم تنقطع طيلة فترة حكمه. وتذكر المراجع أيضاً لقاءه في نفس العام مع الشيخ سعيد بركة، المولود في بعض الروايات بمكة المكرمة وفي بعضها الآخر بالمدينة المنورة، والذي ظل الأمير تيمور على علاقة حميمة معه حتى وفاته، ودفنه معه في ضريح واحد في سمرقند بعد وفاته. وتتحدث المراجع أيضاً عن إقطاع الأمير تيمور الشيخ سعيد بركة، مدينة أندهوي في شمال أفغانستان، التي ظل يحكمها وأحفاده من بعده حتى القرن 15 الميلادي.
ويذكر برتولد في كتابه “أولوغ بيك وعصره”، وكتابه “مقبرة تيمور” أن سعيد بركة توفي عام 1403/1404م في قره باغ، ودفن في البداية في أندهوي، ومن ثم نقلت رفاته ودفنت إلى جوار قبر الأمير تيمور في سمرقند. ويذكر أن حكم أندهوي بعد وفاة الأمير تيمور انتقل إلى شاه روح. وهذا يؤكد وجود العرب في شرق خراسان آنذاك.
وتتحدث المصادر عن سياسة النفاق الديني التي كان يتبعها الأمير تيمور في المناطق التي يستولي عليها، فتارة كان يفرض المذهب السني، وتارة يفرض المذهب الشيعي. وأن البناء الهام والوحيد الذي شيده الأمير تيمور خارج عاصمته سمرقند ومسقط رأسه شهر سابز، كان الضريح الكبير على قبر الشيخ أحمد يسوي، المقدس عند الشيعة ! بما فيهم أتباع الطريقة الحيدرية. وأنه أعطى سعيد بركة الأصل المكاوي أو المدني في أندهوي لأنها كانت محاطة بالعرب الرحل. ولأن أندهوي كانت وقفاً للمدن المقدسة مكة المكرمة والمدينة المنورة، أو أن سعيد بركة طلب إعطاءه ضريبة مدينة أندهوي لتلك الأسباب المنطقية والقانونية. خاصة وأن بعض المراجع تذكر أن سعيد بركة من أشراف مكة، وجاء إلى خراسان للإشراف على أوقاف المدن الإسلامية المقدسة فيها، وبعد أن رفض الأمير حسين وضع الأوقاف تحت تصرفه، توجه بطلبه للأمير تيمور وسلمه شارات السلطة “الطبل والراية”، لقاء وعد منه بتسليمه أموال الوقف. بينما يشير فولين في كتابه “إلى تاريخ عرب آسيا الوسطى” أن عرب جيناو، أكدوا أن الأمير تيمور أسكنهم المنطقة، التي وصلوا إليها من أندهوي، أي إقطاعية الشيخ سعيد بركة. وهو ما يفسر أن علاقة الأمير تيمور بالعرب ورجال الدين قد بدأت من سمرقند وقارشي وشهرسابز، ومن هناك امتدت إلى بلخ وأند هوي ومن ثم إلى شرق خراسان.
علاقة عرب آسيا المركزية بالطرق الصوفية:
كما وتتعرض مختلف المصادر لعلاقة عرب ما وراء النهر بالطرق الصوفية في تلك المرحلة التاريخية، ومنها الطريقة الحيدرية التي كانت واحدة من الطرق الصوفية المنتشرة في خراسان وغيرها من المناطق المجاورة خلال القرون الوسطى. وتربط تلك المصادر هذه الطريقة باسم مؤسسها الشيخ كتب الدين حيدره زاواوي، الذي عاش في خراسان مع نهاية القرن 12 الميلادي. وتذكر من ضمن هذا الإطار أن الطريقة الحيدرية تشكلت مع نهاية القرن الـ 14م كطريقة جديدة عرفت بطريقة ميرحيدري، نسبة لمؤسسها السلطان مير حيدر توني (توفي في تبريز عام 1427م). وكان لتلك الطريقة أتباع كثيرون ليس في خراسان وحدها، بل وفي بعض مناطق ما وراء النهر وأفغانستان وشمال الهند.
وتربط بعض المصادر ظهور الطرق الصوفية تلك بالأحداث السياسية والعسكرية والاضطرابات التي عصفت بالمنطقة منذ مطلع القرن الخامس عشر الميلادي. وهي الفترة التي حاول خلالها رجال الدين الإسلامي وسعوا للسيطرة وفرض الهيمنة على رجال السلطة، وأصحاب القرار السياسي والعسكري. ولا تنفي تلك المصادر مسعى مؤسسي تلك الطرق لحسم أوجه الصراع المختلفة التي كانت منتشرة بين السنة والشيعة آنذاك، وخاصة ما يتعلق منها بأموال الوقف الإسلامي، وبيت مال المسلمين. وهو ما ربطته بعض الدراسات بالضريبة الخاصة التي دفعها العرب لمير حيدر في البداية، ومن ثم لشيخ الطريقة من بعده.
ويفسر البعض بذلك ترحيل الأمير تيمور لقسم من العرب من شمال الهند إلى بلخ، التي تأسست فيها في أواسط القرن الرابع عشر الأخوة الصوفية الجلالية السهروردية، التي تنتسب إليها مجموعة مير حيدري. ويعتبرون أن أولئك العرب كانوا تلك الجماعة التي فرضت عليها ضريبة خاصة لقاء رفضها الاندماج بالطاجيك أو الأوزبك، بعد توغلها في عمق خانية بخارى، وبالتالي دخولهم ضمن نطاق سلطة خان بخارى. مما أدى لتعارض صريح في المصالح بينهم وبين السلطات المحلية، لأن العرب يتمتعون بميزة دينية، وهي الميزة التي دفعوا لقاءها ضريبة خاصة سميت خلال القرون 15-17 الميلادية بـ”مال الجهاد”. وهو ما يشبه الضريبة التي فرضها الأمير تيمور على القبائل العربية كـ”عقاب” لها انطلاقاً من المصالح السياسية الناتجة عن المعتقدات الدينية لتلك القبائل، ومن المرجح أن تكون تلك الضريبة بسبب رفض تلك القبائل المشاركة في الصراع الدموي الذي كان دائراً على السلطة في المنطقة آنذاك، ورغبتهم بعدم الانحياز لأي طرف من الأطراف المتصارعة على السلطة.
ويورد برتولد في كتابه “تاريخ الحياة الثقافية في تركستان”، ورسولوف في مقالته “تنظيم جيوش خانيتي بخارى وقوقند في القرن التاسع عشر الميلادي” أن عرب قارشي لم يقدموا لجيش أمير بخارى حيدر (1800-1826م) سوى 100 من الرماة، مما اضطره لفرض ضريبة كبيرة على العرب لتغطية نفقات جيشه الكبير الذي ضم مقاتلين من عرب سمرقند وميانكال وقارشي أيضاً، وكان في تلك الضريبة ظلماً وإجحافاً شديدين. ومن دون أدنى شك كان ذلك سبباً لتوتر العلاقة بين عرب ما وراء النهر والأمير تيمور. وفي هذا دليل آخر يسوقه المستشرقون أنفسهم أيضاً ويثبت ليس تواجد العرب في المنطقة وحسب، بل ومدى النفوذ الذي تمتع به أولئك العرب في المنطقة قبل الاحتلال الروسي، ويفند مزاعمهم بأن انصهار العرب مع السكان المحليين كان فرضاً من أحد الحكام المحليين الذين لم يحتفظ التاريخ باسمه كما ذكرت سابقاً في هذه الدراسة، تلك المزاعم التي روجوها بطريقة ذكية لإبعاد الشبهات عن الحرب الشعواء التي شنها المحتل الروسي والسوفييتي ضد عرب المنطقة بالتحديد.










اترك رد