تاريخ العرب، وعلوم اللّغة العربية في أوزبكستان

الفصل الأول

عرب آسيا المركزية تحت الاحتلال والغزو الثقافي الروسي

صعوبات كثيرة تواجه كل من يحاول البحث في الواقع الذي وصلت إليه الأقلية من الأصول العربية التي غادرت مواطن سكنها الأصلية في شبه جزيرة العرب وبلاد الشام والعراق، حاملة لواء الإسلام في القرن السابع الميلادي وما تبعه، واختارت مواطن لها أراض بعيدة كل البعد عن مواطنها الأصلية، وانصهرت في المحيط السكاني المتجانس معها في إطار العقيدة الإسلامية والتاريخ المشترك، وبفعل عامل التأثير الثقافي الذي ألف بين قلوب الشعوب الإسلامية قاطبة. إلى أن وجدت نفسها معزولة لظروف وعوامل مختلفة سببها الاحتلال الروسي التدريجي لدويلات ما وراء النهر، الاحتلال الذي بدأ مع مطلع القرن التاسع عشر وانتهى باستقلال جمهوريات ما يعرف اليوم بآسيا المركزية، وهي: (أوزبكستان، وقازاقستان، وتركمانستان، وقرغيزستان، وطاجكستان)، التي استقلت عن الاتحاد السوفييتي وريث الإمبراطورية الروسية إثر انهياره في مطلع تسعينات القرن العشرين.

ووجدت تلك الأقلية نفسها منقطعة تماماً عن جذورها العرقية والاقتصادية والثقافية والتاريخية واللغوية. تحت تأثير مباشر لسياسة مارستها سلطات الاحتلال التي عملت على طمس متعمد لهويتها القومية الثقافية، وقطع منظم لأية صلات قد تصلها بجذورها خلال فترة تاريخية طويلة من الزمن، شنت خلالها سلطات الاحتلال حرباً شعواء ضد اللغة العربية والدين الإسلامي الحنيف ولم تتوقف عنها طيلة فترة الاحتلال. والأكثر من ذلك لجوء الاستشراق الروسي للإساءة المتعمدة لتلك الأقلية من خلال التشويه وطمس الحقائق التاريخية، قبل وأثناء وبعد الاحتلال، في المراجع العلمية الروسية والسوفييتية التي كادت أن تصبح ومع الأسف الشديد المرجع الموثوق الوحيد للباحثين في تلك الحقبة التاريخية من حياة آسيا المركزية اليوم.

وتعتبر الأقلية العربية في آسيا المركزية من الجماعات العرقية الصغيرة نسبياً بالمقارنة مع عدد سكان آسيا المركزية. وهي أقلية منقطعة تماماً ولم تزل حتى اليوم، عن مجتمعاتها الأصلية. وعن جذورها القومية واللغوية والثقافية والسياسية والاقتصادية. ومنصهرة تماماً داخل المجتمعات الحديثة المحيطة بها. وكل ما تبقى لها اليوم ذكريات مشوشة، وأساطير شفهية تتناقلها الأجيال، وتسميات الأحياء العربية (عرب خانة) القائمة هنا وهناك داخل المنطقة مترامية الأطراف. وتحمل في طياتها نسمات من التاريخ الطويل للأقلية العربية التي كان لها شأن في الأحداث التاريخية التي جرت هناك في غابر الأيام.

ومن نظرة في المراجع الروسية والسوفييتية المتوفرة عن عرب آسيا المركزية، نصادف اليوم مراجع كتبت في مراحل تاريخية مختلفة. أكثرها يحمل الطابع الأكاديمي البحت في دراسة المناطق التي سبق وضمتها الإمبراطورية الروسية لممتلكاتها الواسعة، بعد أن مهدت لاحتلالها. وكان هدفها التعرف على الواقع الاقتصادي والسكاني والثقافي والسياسي لتلك المناطق، تسهيلاً وتمهيداً لعملية احتلالها عسكرياً. ومن ثم ضمها وهضمها والسيطرة عليها إلى الأبد كما كانوا يعتقدون. ومن تلك الدراسات على سبيل المثال لا الحصر دراسات صدرت خلال العهد السوفييتي وهي التي أُعتمد عليها لتقطيع أشلاء تركستان الروسية كما كانت تعرف في مطلع القرن العشرين إلى الجمهوريات المعروفة اليوم، وهي دراسات:

  • أندرييف م. س.: نتائجالدراساتالعرقيةفيمحافظةسمرقندعام 1921، والمنشورة في “أخبار القسم التركستاني للجمعية الجغرافية الروسية” في طشقند: 1924؛
  • فينيكوف ي. ن.: العربفيالاتحادالسوفييتي. المنشورة في الإصدار الرابع للإثنوغرافيا السوفييتية. الصادرة في موسكو، وليننغراد عام 1940؛
  • فولين س. ل.: تاريخعربآسياالوسطى. وهو التقرير الذي قدمه للمؤتمر الثاني لرابطة المستعربين، الذي انعقد خلال الفترة 19-23 تشرين أول/أكتوبر 1937، ونشر في موسكو، وليننغراد عام 1941؛
  • ومقالة كارميشيفا خ.: عربآسياالوسطى. في كتاب شعوب آسيا الوسطى وقازاقستان. الصادر في موسكو عام 1962؛
  • ومقالة أميريانتس ي. أ.: التطورالإثنوغرافيلعربآسياالوسطى. في كتاب التفاعل الإثنوغرافي لدى المجموعات القومية في آسيا الوسطى وقازاقستان. المنشور في موسكو عام 1980.

وكلها صدرت بعد استيلاء البلاشفة على الحكم في روسيا، وإقامتهم للإمبراطورية ذات الشكل الجديد آنذاك، وعرفت على مدى سبعة عقود ونيف باسم اتحاد الجمهوريات السوفييتية الاشتراكية.

بينما نرى أن الدراسات التي سبقت الثورة البلشفية في روسيا وما بعدها أيضاً، قد تعرضت على السواء لعرب آسيا المركزية، من خلال بعض الملاحظات القليلة والعابرة التي دونها بعض الرحالة الروس أمثال:

  • كوشاكيفيتش أ.: معلوماتعنمنطقةحجينت. والمنشورة في مذكرات تاريخ الجمعية الجغرافية الروسية الصادرة في سانت بيتربورغ عام 1871؛
  • غايفسكي ب.: بكويةكورغانتيوبيه. التي نشرت في وقت متأخر في “أخبار الجمعية الجغرافية الروسية” بموسكو عام 1924.
  • إضافة لبعض المعلومات المبدئية والمنهجية التي جمعها كلاً من: كارميشيفا ب. خ، وبيسارتشيك أ. ك. أثناء دراستهما الميدانية لمكونات الترابط العرقي في محافظة قولياب، جنوب طاجكستان في عام 1949 ونشرت في أخبار أكاديمية العلوم بجمهورية طاجكستان الاشتراكية السوفييتية عام 1953.

ولتسليط الضوء على الاستشراق الروسي خلال فترة توسع الإمبراطورية الروسية في آسيا المركزية، اخترت كنموذج، وأتمنى أن أكون قد وفقت في الاختيار، فاسيليفلاديميروفيتشبرتولد، مؤسس مدرسة الاستشراق السوفييتية، وريثة مدرسة الاستشراق الروسية التي لم تزل تتردد أصداؤها حتى اليوم في آسيا المركزية المستقلة، رغم انقضاء أكثر من عقد على استقلال جمهورياتها، وانهيار الاتحاد السوفييتي السابق في عقد التسعينات من القرن العشرين. والمحاولات الكثيرة التي تبذل وخاصة في أوزبكستان بتشجيع من الدولة لإعادة كتابة تاريخ آسيا المركزية وإزالة التشويه الذي ألحق به. ولأخذ لمحة موضوعية عن أهداف الاستشراق في الإمبراطورية الروسية أولاً، ومن ثم الإمبراطورية السوفييتية، ومن يدري كيف ستكون ماهية الطريق الذي ستسير عليه الفيدرالية الروسية بعد أن استقلت الجمهوريات الإسلامية الستة (جمهوريات آسيا المركزية وأذربيجان) وانفصلت عن روسيا؟ لأن علم الاستشراق أوجد أصلاً لأغراض محددة تخدم وخدمت المصالح القومية الروسية والحكم القائم فيها فقط ولا غرابة في ذلك.

الصفحات: 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15


اترك رد

أشهر التدوينات

تبرّع لدعم استمرار مدوّنة البخاري

مرة واحدة
شهري
سنوي

تبرّعك يعيننا للاستمرار

إنشاء تبرع شهري

إنشاء تبرع سنوي

اختيار مبلغ

€5.00
€15.00
€100.00
€5.00
€15.00
€100.00
€5.00
€15.00
€100.00

أو إدخال مبلغ مخصص


تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تبرعالتبرع شهريًاالتبرع سنويًا