تمهيد
التاريخ العربي الأوزبكي المشترك بدأ مع بدايات الفتح الإسلامي في منتصف القرن السابع الميلادي، عندما ضمت منطقة ما وراء النهر إلى الخلافة العربية الإسلامية في العهد الأموي. وهذا لا ينفي أبداً أن العلاقات التجارية والسياسية والثقافية بين العرب وشعوب آسيا المركزية آنذاك كانت قائمة قبل الإسلام بوقت طويل، وخاصة مع بلاد الشام والرافدين. ولكن الذي حدث مع مطلع القرن الثامن الميلادي أنهم أصبحوا معاً داخل دولة واحدة امتدت في وقت ما من المحيط الأطلسي غرباً إلى أسوار الصين شرقاً.
ويحمل التاريخ حقائق كثيرة عن توجه جيوش الفتح الإسلامي العربية شرقاً عام 633م، وبعد سيطرتها على الدولة الساسانية في فارس، انطلقت منها لنشر الدعوة الإسلامية فيما وراء النهر. واعتبارا من عام 674م انتشرت جيوش الفتح الإسلامي بقيادة عبيد الله بن زياد داخل المنطقة. وبعد تعيين قتيبة بن مسلم الباهلي والياً على خراسان عام 705م دخل بخارى فاتحاً عام 709م، وخوارزم، وسمرقند عام 712م، وما أن حل عام 715م حتى خضعت المنطقة الممتدة حتى وادي فرغانة للخلافة العربية الإسلامية.
ويفسر الباحثان الأوزبكيان المعاصران بوري باي أحميدوف، وزاهد الله منواروف، أسباب سرعة انتشار الفتح الإسلامي في المنطقة، بالخلافات التي كانت قائمة آنذاك بين الحكام المحليين، والاهتمام الكبير الذي أبداه القادة العرب المسلمين بالمنطقة بعد أن استقرت الأمور لصالحهم في خراسان. ويشيران إلى أن العرب “لعبوا دوراً تقدمياً في المنطقة، وغالباً ما كانوا يلجأون إلى السبل السلمية، ويعفون معتنقي الدين الإسلامي من الخراج والجزية”. ويضيفان حقيقة هامة، وهي أنه لا مجال لمقارنة الفتح العربي الإسلامي، بالغزو المغولي أو الروسي أو البلشفي. لأن الإسلام لعب دوراً إيجابياً أدى إلى توحيد المدن والدول والقبائل والشعوب المختلفة، وإلى تطوير العلاقات بين تلك الشعوب، إضافة للأثر الإيجابي الكبير في عادات وأخلاق وتقاليد الناس، والذي بفضله تم القضاء على العيوب الاجتماعية التي كانت سائدة آنذاك. وأشارا إلى الدور الهام الذي لعبته اللغة العربية قي تعريف شعوب آسيا المركزية وإطلاعهم على مؤلفات علماء اليونان القدامى، والمخترعات الصينية.
ولا أحد يستطيع إنكار الدور الكبير لشعوب آسيا المركزية، وخاصة الشعب الأوزبكي في الثقافة العربية الإسلامية وتطوير الحضارة الإنسانية. ومعروفة أسماء أعلام إسلامية من أبناء شعوب آسيا المركزية أمثال: عالم الفلك أحمد الفرغاني (توفي عام 850م)، وعالم الرياضيات محمد بن موسى الفرغاني (783م-850م)، والفيلسوف الكبير أبو نصر الفارابي (873م-950م)، والطبيب الموسوعي أبو عليحسين بن سينا (980م-1037م)، والعالم الموسوعي أبو ريحان البيروني (973م-1048م)، والموسوعي فخر الدين الرازي، والنحوي والمحدث الكبير الزمخشري (1075م-1144م)، وشيخ المحدثين الإمام البخاري، وغيرهم الكثير.
واستمر إسهام العلماء الأوزبك في الحضارة العربية الإسلامية والعالمية لقرون عدة، ولم تزل أثاره ماثلة للعيون حتى اليوم. وهم الذين ارتحلوا في طلب العلم مابين دمشق وبغداد والبصرة والقاهرة. وخير مثال على ذلك التراث الذي خلفه إمام المحدثين أبو عبد الله إسماعيل البخاري (809م-869م)، والذي يضم أكثر من عشرين مؤلفاً في علم الحديث أشهرها الجامع الصحيح الذي يضم 7250 حديثاً نبوياً شريفاً. وغيره من علماء الحديث الشريف أمثال: السمرقندي (785م-868م)، والهمذاني 1048م-1140م).
وعبر مئات السنين استقرت بعض الهجرات العربية في ما وراء النهر وأدى التفاعل والاندماج الكامل بينهم وبين شعوب آسيا المركزية، إلى قيام تجمعات سكانية محلية من أصول عربية وخاصة في ولايات بخارى وسمرقند وقشقاداريا وسورخان داريا، لم تزل حتى اليوم تحتفظ بطابع حياتها المتميز.
وقد أخذت العلاقات العربية بشعوب المنطقة تضعف بالتدريج منذ الاجتياح المغولي خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، وما نتج عن قيام الدولة المغولية من تأثير على اللغة والثقافة العربية فيما وراء النهر. دون أن يتمكنوا من المساس بالثقافة الإسلامية بسبب اعتناق المغول أنفسهم للدين الإسلامي الحنيف. وقيام الدولة التيمورية التي أسسها الأمير تيمور “تيمور لانك” (1336م-1405م) والتي امتدت من آسيا الوسطى إلى إيران وأفغانستان والقوقاز وبلاد الرافدين وسورية وشمال الهند. تلك الدولة التي اتخذت أيام ازدهارها من سمرقند عاصمة لها. وقامت جمهورية أوزبكستان على القسم المركزي منها في تركستان.
وأدى تفكك الدولة التيمورية في تركستان إلى قيام ثلاث دول مستقلة في المنطقة هي: بخارى، وخيوة، وقوقند، وهو ما سهل الطريق أمام الأطماع الروسية للتوسع في المنطقة. حيث قام الاحتلال الروسي فيما بعد بقطع كل الصلات التي كانت قائمة بين تركستان والعالم العربي والإسلامي، سواء أثناء الحكم القيصري الروسي، أم خلال الحكم الشيوعي الروسي. واقتصرت العلاقات العربية مع دول المنطقة على العلاقات الرسمية التي كانت تمر عبر موسكو فقط. وكان من النادر جداً كما أشار الباحث الأوزبكي زاهد الله منواروف أن تتصل طشقند مباشرة بالعواصم العربية، وأن الاحتلال الروسي والبلشفي قضى على أية إمكانية يمكن أن تسمح بإقامة علاقات مباشرة بين أوزبكستان والدول العربية. ويتابع أنه رغم ذلك فإن الروابط الثقافية والحضارية التي جمعت العرب والأوزبك استمرت، وعلى أساسها قامت العلاقات العربية الأوزبكستانية بعد الاستقلال.
ولذلك لم يكن غريباً أن قيل بأن العرب قد فوجئوا باستقلال جمهورية أوزبكستان وغيرها من جمهوريات آسيا المركزية عام 1991. لأنهم أمام الهيمنة السوفييتية على جمهورية أوزبكستان، وضعف علاقاتهم معها، لم يكونوا ليتوقعوا أبداً استقلالها، ولهذا كان تقارب الدول العربية معها بطيئاً جداً في البداية. لأن الدول العربية كانت حريصة على استكشاف الطريق إلى أوزبكستان دون أن تؤثر علاقاتها المحتملة معها على العلاقات مع الاتحاد السوفييتي قبل الاستقلال، ومن ثم العلاقات مع الاتحاد الروسي بعد الاستقلال. خاصة وأنها رافقت فترة صعبة من التاريخ كان العرب فيها منشغلين بتداعيات حرب الخليج الثانية، والحلول الدولية المنتظرة لقضية الشرق الأوسط والتمهيد لانعقاد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط.
ومع ذلك نرى كماً هائلاً من المؤتمرات والندوات قد انعقدت في العديد من الدول العربية بحثت كلها عن أفضل السبل لإقامة علاقات مع جمهوريات آسيا المركزية ومنها طبعاً أوزبكستان.
ورغم سرعة الدول العربية بالاعتراف الدبلوماسي باستقلال أوزبكستان، تلبية لقرار مجلس جامعة الدول العربية الصادر في آذار/مارس 1992، والذي حث الدول العربية على تنشيط الاتصالات بدول آسيا المركزية وفتح سفارات فيها، وإقامة تعاون في كل الميادين، وإقامة مراكز ثقافية عربية فيها، فإننا نرى أن مصر، والأردن، وفلسطين، والجزائر، والسعودية، والكويت، فقط افتتحت سفارات لها والإمارات العربية المتحدة قنصلية لها في العاصمة طشقند، وكانت مصر الدولة العربية الوحيدة التي أقامت مركزاً ثقافياً عربياً في أوزبكستان، وأن العلاقات الاقتصادية والسياسية لم تزل بطيئة ولا تتجاوب مع العلاقات التاريخية حتى الآن.


اترك رد