مرور 17 عاماً على العلاقات العربية الأوزبكستانية

الخاتمة

تظهر المراجع أجماع الباحثين العرب والأجانب على أن التنافس الدولي حول آسيا المركزية قد أدى إلى توفير قدر لا بأس به من الموارد المالية والتكنولوجية لم يكن ليتوفر لولا ذلك التنافس. وشبهه مدير مركز الدراسات الآسيوية بجامعة القاهرة، هذا التنافس، بالتنافس الذي ساد خلال الحرب الباردة السابقة بين المعسكرين الشرقي والغربي وأدى نتيجة للتنافس الأمريكي السوفييتي في العالم الثالث إلى استفادة تلك الدول من إتباعها سياسة الحياد الإيجابي.

وظهر واضحاً خلال العقد الأخير من القرن العشرين أن التنافس الدولي سعى بالأساس نحو توفير بديل للنفوذ الروسي في دول آسيا المركزية. ولكنه لم يضعف من ذلك النفوذ بشكل جوهري، ولكنه وفر لدول المنطقة بدائل استفادت منها في صياغة سياستها الخارجية ووظفتها للحصول على شروط أفضل في التعامل مع الفيدرالية الروسية، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأمريكية، وحلف الناتو.

وأثبتت الوقائع بجلاء واضح، بأن آسيا المركزية لن تعود مرة أخرى إلى أي نوع من أنواع العلاقات التي كانت تربطها بروسيا القيصرية أو الاتحاد السوفييتي أو بالمركز السابق (موسكو). بل على العكس اتجهت دول المنطقة المستقلة وذات السيادة وخاصة أوزبكستان نحو بناء علاقات جديدة من المنفعة المتبادلة والمتساوية مع الفيدرالية الروسية رغم عدم التطابق في وجهات النظر حيال بعض المواقف والقضايا الهامة والحساسة في المصالح الوطنية للجانبين. وبعبارة أخرى أن استعمار المنطقة راح بلا رجعة، وأن استقلال جمهوريات آسيا المركزية أمر واقعي ومهم وتدعمه بثبات مراكز القوى العالمية.

ولا أحد ينكر حقيقة أن التنافس الدولي هذا قد أدى إلى تعطيل مؤقت، لقدرة دول آسيا المركزية على اختيار النموذج الملائم لها للتطور الاقتصادي والسياسي المستقل. وحقيقة أن أوزبكستان قد نجحت في اختيار طريقها الخاص للتجديد والتقدم، ونموذجها الخاص للانتقال إلى اقتصاد السوق. وساعدها في ذلك استقرار مؤسساتها الدستورية والسلطة السياسية فيها بعد فوز رئيسها إسلام كريموف ولثلاث مرات متتالية بمنصب رئيس الجمهورية عن طريق الاقتراع الشعبي المباشر.

ولكن دخول التطرف الديني والعنف المسلح وما رافقه من ازدهار لتجارة المخدرات وتهريب الأسلحة في المنطقة كصدى للصراع الدائر على الساحة الأفغانية والطاجكستانية كطرف في المعادلة السياسية في المنطقة، تشجعه وتستغله وتدعمه جهات خارجية. ومما ضاعف من حدة الموقف في المنطقة الأحداث الدامية التي جرت في طشقند وجنوب قرغيزستان عام 1999، وأحداث جنوب أوزبكستان وقرغيزستان صيف 2000، وأحداث أنديجان عام 2005، والتي جاءت مطابقة ومؤيدة لتوقعات القيادة الأوزبكستانية، وتنبيهها الدائم إلى خطر انتقال وانتشار التطرف والعنف المسلح من أفغانستان إلى مناطق أخرى في آسيا المركزية بل وإلى أنحاء أخرى من العالم كما أثبتت أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد أثر هذا العامل برأيينا على السياسة الخارجية الأوزبكستانية وأبطأ من اندفاع أوزبكستان الشديد نحو تقوية العلاقات الثنائية مع الدول العربية بعد الاستقلال، والذي واجهته معظم الدول العربية بتجاهل نعتقد أنه غير مقصود لأوزبكستان في السياسة الخارجية وأفضلياتها في تلك الدول، وتمثل بتجاهل أهمية إقامة العلاقات الدبلوماسية وتبادل السفارات واعتماد السفراء المقيمين، وهو المدخل الرسمي الوحيد لخلق قنوات من الحوار البناء وتبادل المعلومات والمصالح وخلق البدائل في السياسة الخارجية للجانبين.

ولا يجهل أحد بأن تقوية العلاقات الأوزبكستانية العربية قد تتعارض ومصالح بعض القوى العالمية التي تسعى دائماً إلى تسميم العلاقات العربية مع العالم الخارجي بشتى الطرق، وتوظف لذلك الهدف إضافة لقوتها الاقتصادية والعلمية والدبلوماسية، أجهزة إعلام قوية منتشرة ومجربة تسيطر عليها لتخلق بشكل دائم رأي عام دولي مساند ومتعاطف مع تلك القوى العالمية، ورأي عام دولي جاهل إن لم نقل معاد للمصالح الوطنية العربية.

والغريب في الأمر أن هذا يجري على ساحة آسيا المركزية بشكل عام وفي أوزبكستان بشكل خاص، في ظروف من الضعف أو الغياب شبه التام للجانب العربي في معادلة المساعي الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية والسياسية والثقافية والإعلامية الدائرة لتحقيق أقصى الفوائد للمصالح الحيوية في العلاقات الثنائية بين الدول العربية وأوزبكستان حتى ولو استثنينا تلك الدول العربية التي لها علاقات دبلوماسية معها أو لها سفارات مقيمة فيها وخاصة دولة الكويت التي قام أميرها بزيارة رسمية لأوزبكستان في عام 2008.

وهنا لابد من التأكيد على حقيقة أن العلاقات الثنائية العربية الأوزبكستانية هي في مصلحة الطرفين على حد سواء. فهي بالنسبة للدول العربية ولأوزبكستان بديل قوي من البدائل التي يمكن أن تعتمدها وتستغلها لتساعدها على صياغة سياسة خارجية مستقلة تراعي المصالح الحيوية والوطنية. حتى وإن لم نشر إلى الحقائق الاقتصادية والثقافية والدينية التاريخية التي تتمتع بالأفضلية في العلاقات المشتركة بين أوزبكستان والدول العربية، وتمتد بجذورها عمقاً لآلاف السنين.

ولهذا فإننا نرى أنه لابد من تفعيل العلاقات الثنائية الاقتصادية والأمنية خاصة، والسياسية والثقافية والعلمية والإعلامية بشكل عام مع أوزبكستان، وهذا طبعاً يتطلب من الجانبين التعجيل قدر المستطاع بفتح السفارات المقيمة، لأنها تعتبر أهم آلية لتطوير العلاقات الثنائية وخدمة المصالح المشتركة للجانبين. ولما كانت أوزبكستان هي الدولة الأكثر ثقلاً وفاعلية في آسيا المركزية فمن المصلحة العربية أن يكون سفرائها المعتمدون في طشقند سفراء غير مقيمين لها في الدول المجاورة بالنسبة للدول غير القادرة حالياً على افتتاح سفارات لها في كل جمهوريات آسيا المركزية. وهنا نعترف بأن لكل دولة إمكانياتها ولكن الحد الأدنى برأيينا يسمح لأية دولة بافتتاح شعبة قنصلية لها في سفارة شقيقة أو صديقة معتمدة، تكون همزة الوصل الرسمية لترعى مصالحها الوطنية العليا، وتعمل على تشجيع الصلات وتنقل الأشخاص والبضائع بينها، وتبادل المعلومات والوفود الرسمية والإطلاعية والسياحية.

والأهم أن تبدأ العلاقات بزيارات رسمية لقادة الدول العربية وأوزبكستان، وتكرارها للتعرف والإطلاع على الواقع لدى الطرفين عن كثب، واتخاذ القرارات الهامة التي تعجل من تفعيل العلاقات الثنائية ذات المنفعة المتبادلة. فكيف يمكن تعزيز العلاقات الثنائية ولم يقم أي قائد عربي باستثناء الرئيس ياسر عرفات، وأمير دولة الكويت حتى الآن بزيارة لأوزبكستان. رغم الزيارات التي قام بها الرئيس كريموف لدول عربية خلال أعوام: 1992، 1998، 2004، 2007، و2008.

ولابد من تفعيل دور الجامعة العربية لبناء شبكة من العلاقات المتعددة الاتجاهات المبنية على التعاون، والاعتماد المتبادل، والتكامل بين الدول العربية وجمهوريات آسيا المركزية، وهذا يتطلب من الجامعة العربية افتتاح ممثلية إقليمية لها في طشقند ترعى شؤونها في المنطقة أسوة بأكثرية المنظمات الدولية التي سارعت لافتتاح مكاتب إقليمية لها في طشقند. والعمل على افتتاح مركز إعلامي عربي لإيضاح الصورة الإعلامية العربية أمام الإعلاميين الأوزبكستانيين على الأقل. والعمل على افتتاح مدرسة عربية بمراحلها الثلاث: الابتدائية، والإعدادية، والثانوية، لتعليم أبناء أعضاء السلك الدبلوماسي العربي المعتمد في طشقند، وأبناء الجاليات العربية المقيمة في أوزبكستان.

وتفعيل التعاون المشترك والتنسيق في المواقف داخل منظمة الأمم المتحدة وأجهزتها المختصة ومنظماتها المتخصصة، والمنظمات الدولية الأخرى بما يكفل المصالح الوطنية العليا للجانبين ويعزز من مواقفهم المشتركة، ومطالبهم العادلة التي لا تمس السيادة الوطنية للجانب الآخر.

والإسراع في عقد اتفاقيات ثنائية للتعاون وتبادل المعلومات والخبرات الأمنية لمكافحة الجريمة والتطرف والإرهاب، ومكافحة تجارة المخدرات والتهريب بكل أنواعه. لأن الأمن والاستقرار وحماية أرواح وممتلكات المواطنين هو هم مشترك وواجب يقع على عاتق الحكومات في إطار القواعد الدستورية التي تكفله لمواطني الدول أينما كانوا. والتنسيق بين وزارات الدفاع والداخلية والأجهزة الأمنية بما فيها اللجان الوطنية للشرطة الدولية (الإنتربول).

ولابد من تفعيل التعاون الاقتصادي عن طريق تشجيع التعاون الثنائي بين الوزارات المعنية، وتشجيع الغرف الصناعية والتجارية والزراعية لدى الطرفين على التعاون وافتتاح فروع لها في عواصم الطرفين، وتشجيع الاتحادات المهنية ورجال الأعمال والشركات الكبرى على التعاون وإقامة المشاريع المشتركة في أوزبكستان وفي الدول العربية في آن معاً. والعمل المشترك لدراسة جدوى الاستثمار الصناعي والزراعي والثروة الحيوانية والبترولية واستخراج الثروات الطبيعية واستثمارها والتبادل التجاري وتبادل المعلومات والإطلاع على الإمكانيات المتاحة لدى الجانب الآخر. وتبادل المعارض الاقتصادية بشكل دائم، وحبذا لو قامت الدول العربية بشكل مشترك بافتتاح مركز تجاري دائم في طشقند يكون بمثابة معرض دائم، ومكان لعقد الصفقات المتكافئة لمصلحة الطرفين. وهذا يتطلب أيضاً الإسراع بإبرام اتفاقيات ثنائية تضمن الاستثمار والاستثمار المشترك وتنقل رجال الأعمال والأموال والبضائع والتكنولوجيا، وتحل مشاكل الازدواج الضريبي.

ولابد من تفعيل التعاون العلمي والثقافي عن طريق التعاون في مجال إعداد الكوادر العلمية والتقنية اللازمة والمدربة تدريباً عالياً في المؤسسات العلمية للطرفين، لتستطيع تلك الكوادر إعداد الدراسات الصحيحة التي تدفع العلاقات الثنائية وتوسعها وخاصة في مجال الاستثمارات الصناعية والزراعية والثروة الحيوانية والبترولية واستثمار الثروات الباطنية وتصنيعها وتبادلها تجارياً. وتشجيع الجامعات ومراكز البحث العلمي لدى الجانبين على إقامة علاقات مباشرة، وتبادل المنح الدراسية وخاصة في مجال الدراسات العليا، والتدريب المستمر ورفع الكفاءة المهنية، والسعي لإنشاء مراكز معلوماتية مشتركة للبحث العلمي وإعداد البحوث العلمية والدراسات وتقديم الاستشارات التي تكفل تعزيز العلاقات الثنائية عبر الوزارات المختصة.

ولابد من تشجيع الوزارات والجهات المختصة لافتتاح المراكز الثقافية وتطوير التعاون في المجالات الثقافية والدينية والسياحية، والرياضية، وتنظيم المهرجانات والأسابيع الإعلامية والثقافية والسينمائية والمسرحية والسياحية واللقاءات الرياضية والمعارض الفنية، وعقد المؤتمرات واللقاءات بين المؤسسات الدينية الرسمية والمعترف بها لدى الجانبين، لأن هذا يعتبر من البديهيات الهامة لخلق وتعزيز الروابط بين الشعوب. والعمل على دعم الجهود المشتركة للدبلوماسية الشعبية وتشجيع إقامة جمعيات للصداقة والعلاقات الثقافية.

وتفعيل العلاقات بين وزارات التعليم والتربية لدى الجانبين في مجال تعليم اللغة العربية كلغة أجنبية، وتوفير دورات تدريبية لمعلمي اللغة العربية من جمهورية أوزبكستان، والتعاون وتقديم المساعدة في مجال تطوير المناهج التعليمية وتأليف الكتب المدرسية. وتبادل الزيارات الإطلاعية والدورات التدريبية للكوادر والقيادات التعليمية على مختلف المستويات والفروع والمواد التعليمية. وإبرام الاتفاقيات الثنائية التي تكفل تسهيل ذلك، وتشجيع تعليم اللغة الأوزبكية في الدول العربية.

وتفعيل التعاون الإعلامي القائم وتوسيعه عن طريق عقد اتفاقيات تعاون ثنائية بين وكالات الأنباء العربية ووكالتي الأنباء الأوزبكستانية “JAHON” و “UZA” لتبادل الأخبار ونشرها، وتشجيع التعاون بين محطات الإذاعة والتلفزيون الوطنية، وتبادل البرامج الإذاعية والتلفزيونية لتعريف المستمع والمشاهد بما يجري على جميع الأصعدة الاقتصادية والسياسية والثقافية والدينية والعلمية والاجتماعية لدى الطرف الآخر، وتبادل وبث البرامج الخاصة في المناسبات الوطنية والدينية لدى الجانبين بما فيها الجسور التلفزيونية المباشرة (البث المباشر). وتشجيع العلاقات المباشرة بين الصحف والمجلات الصادرة لدى الطرفين، وتشجيع ودعم تبادل الزيارات الإطلاعية للوفود الصحفية من الجانبين. والتعاون في مجال الأمن الإعلامي الذي تفرضه العولمة وتقنيات الاتصال الحديثة. وتشجيع افتتاح المراكز الإعلامية واعتماد المراسلين الصحفيين وتقديم التسهيلات اللازمة لهم عن طريق المعاملة بالمثل.

وتشجيع تنقل اليد العاملة الخبيرة والمدربة، والسعي لإيجاد فرص عمل للفائض من اليد العاملة المدربة الأوزبكستانية في الدول العربية، وخاصة منها حملة التخصصات الجامعية العليا والمتوسطة.

والتحرك الفعال نحو إعادة الصلات التاريخية التي كانت تربط جمهوريات آسيا المركزية وخاصة أوزبكستان بالوطن العربي عن طريق إحياء طريق الحرير البرية، وإقامة شركات النقل البري والجوي والبحري المشتركة والسكك الحديدية خاصة بعد أن تم تسيير خط السكك الحديدية بين الموانئ البحرية السورية وإيران التي هي بدورها مرتبطة بشبكة الخطوط الحديدية لجمهوريات آسيا المركزية، وتسيير خطوط جوية منتظمة لنقل الأشخاص والبضائع بين طشقند التي يمكن أن تكون الركيزة للتنقل إلى جمهوريات آسيا المركزية الأخرى، والعواصم العربية من التي يمكن أن تكون ركيزة للتنقل إلى الدول المجاورة. إضافة للخطوط الجوية المنتظمة التي تربط طشقند بالشارقة، وطشقند بدبي، وطشقند بالقاهرة. والإسراع لعقد اتفاقيات ثنائية للنقل الجوي وتنفيذ وتفعيل القائم منها.

وتشجيع التعاون بين الجهات المختصة بمكافحة ومواجهة آثار الكوارث الطبيعية والأوبئة ومكافحة الجفاف والتصحر والتلوث البيئي، والتنسيق بين الوزارات المختصة وخاصة الصحة والزراعة والثروة المائية والحالات الطارئة وأجهزة الدفاع المدني بين الجانبين من أجل ذلك.

وهذا تصور نضعه أمام القارئ، وبين أيدي أصحاب القرار في الدول العربية وأوزبكستان، ونحن على ثقة تامة من أن الجميع يشاطروننا الرأي بأنه حان الأوان لتفعيل العلاقات الأوزبكستانية العربية ورفعها إلى المستوى الذي يرغبه القادة العرب والأوزبك، وتتطلع شعوبهما إليه بآمال كبيرة، بما يعود بالفائدة على شعوب آسيا المركزية، والعالمين العربي والإسلامي.

الصفحات: 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35


اترك رد