إنتاج الذهب في أوزبكستان: الواقع والآفاق
ومعروف أن أوزبكستان تتمتع بثروات طبيعية هائلة، وهو ما أكده اكتشاف كل أنواع المعادن التي يشملها جدول مندلييف للمعادن في أراضيها فعلاً، إذ تم حتى اليوم اكتشاف أكثر من 2500 موقع يحتوي على أكثر من 100 معدن خام، يستخرج من بعضها ويستثمر صناعياً أكثر من 60 معدناً. ومن بين المواقع التي تم اكتشافها أكثر من 900 موقع تقدر قيمة المعادن الخام المختزنة في باطنها بأكثر من 970 مليار دولار أمريكي، من القيمة الإجمالية للثروة الطبيعية في الجمهورية المقدرة بأكثر من 3,3 ترليون دولار أمريكي.
ومن الثروات الإستراتيجية الهامة النفط والغاز الطبيعي حيث تم مؤخراً في أوزبكستان اكتشاف 155 موقعاً، ومن المعادن الثمينة أكثر من 40 موقعاً، ومن المعادن النادرة والمشعة 40 موقعاً، ومن الخامات الكيميائية 15 موقعاً. وبفضل المستوى العلمي والتقني للكوادر الوطنية، ومستواها التكنولوجي تم اكتشاف الكثير من مواقع الثروات الطبيعية، التي دخل بعضها حيز الاستثمار الفعلي ومن بينها مواقع غنية بالمعادن الملونة والمشعة والنادرة، إضافة لكل أنواع مصادر الطاقة كالنفط والغاز والفحم الحجري، ومواد البناء، وهو ما يسمح للخبراء الاقتصاديين بتقدير مدى المستقبل الذي ينتظر أوزبكستان على المدى القريب، لو تم توظيف الاستثمارات المحلية والأجنبية بالشكل الذي يضمن مصالحها ومستقبل تطور اقتصادها الوطني. إذ تقدر المراجع أن قيمة الثروات الطبيعية التي تستخرج سنوياً من باطن أرض أوزبكستان بـ 5,5 مليار دولار أمريكي، وهو ما يشجع على التوسع في عمليات التنقيب والاستكشاف واكتشافات المزيد منها لزيادة احتياطي الثروات الوطنية التي تكفل لهذه الدولة الفتية الوصول للمستقبل الذي تنشده.
خاصة وأن الثروات الطبيعية الهامة المكتشفة والمستغلة في الجمهورية تشمل: الذهب، والفضة، واليورانيوم، والتيتان، والمنغنيز، والنحاس، والزنك، والسترونتيوم، والولفرام، والملح القلوي، والفوسفوريت، والكاولين. ةيشغل احتياطي أوزبكستان اليوم من الذهب المركز الرابع في العالم، وفي الذهب المستخرج المركز السابع. وفي احتياطي النحاس المركز 10، واليورانيوم المركز 7.
ولهذا نرى أن الخطاب السياسي للقيادة الأوزبكستانية بعد الاستقلال ركز على أهمية اشتراك رؤوس الأموال الأجنبية في مجال استثمار ثروات باطن الأرض سعياً للخروج من فترة ما بعد الاستقلال الانتقالية، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي المنشود، ونلمس هذا في تصريحات رئيس الجمهورية إسلام كريموف الذي أكد أكثر من مرة على “أن أوزبكستان تتبع سياسة الأبواب المفتوحة مع المستثمرين الأجانب الذين يقدمون للجمهورية التكنولوجيا المتقدمة بمستوى عالمي، ويساهمون في بناء البنية الحديثة للاقتصاد الوطني”.
ولم يخف القادة الأوزبكستانيون في أكثر من مناسبة تطلعهم لتحقيق تعاون استثماري فعال مع كافة دول العالم وخاصة الدول العربية وفي طليعتها مجموعة الدول العربية الخليجية، تلك العلاقات التي تعزز من استقلال وسيادة أوزبكستان وتتيح لها البدائل المطلوبة لتحقيق سياسة خارجية متوازنة تضمن مصالحها الوطنية. وترجمت الرغبة تلك بإرساء قاعدة قانونية ملائمة لمشاركة المستثمرين الأجانب، في استثمار وتطوير استخراج وتصنيع الثروات الطبيعية بهدف النهوض بالاقتصاد الوطني الذي لم يزل يعاني من آثار المرحلة الانتقالية لما بعد الاستقلال.
ومعروف أن سوق الذهب في الدول الخليجية العربية يتمتع بفرادة خاصة من بين الأسواق العالمية الأخرى للذهب، إذ يعتبر من الأسواق الهامة لتسويق الذهب المكتشف والمستثمر جزئياً في أوزبكستان. فأوزبكستان شغلت في تسعينات القرن الماضي المركز الرابع في إنتاج واحتياطي الذهب في العالم، بعد أن بلغ إنتاجها السنوي من الذهب 70 طناً. بينما كانت أوزبكستان خلال سنوات السلطة السوفييتية تنتج ثلث الذهب المنتج في الاتحاد السوفييتي السابق، واستطاعت المحافظة على مركزها بين دول رابطة الدول المستقلة بعد الاستقلال، وشغلت المركز الثاني بعد الفيدرالية الروسية في إنتاج الذهب.
وهذا لا يعني ولا يجب أن يفسر بأنه دعوة لغض النظر عن الاستثمار في إنتاج وتصنيع المعادن الأخرى المتوفرة في أوزبكستان، والتي يمكن أن تكون مجالاً رحباً للاستثمارات المالية الخليجية العربية، تضاف إليها الخبرات العلمية والتقنية الأوزبكستانية وتكنولوجيا الدول المتقدمة في العالم، خاصة وأن القواعد القانونية الملائمة لضمان مشاركة المستثمرين الأجانب في الاستثمار وتطوير الاقتصاد الوطني الأوزبكستاني تتكامل يوماً بعد يوم.
وعند الحديث عن الثروات الباطنية من المعادن الثمينة كالذهب والفضة وغيرها، نرى أن الاستثمارات العربية لم تزل حتى الآن بعيدة عنها بدليل أن شركة “زرفشان نيومونت” الأوزبكستانية الأمريكية، وشركة “لو نرو” البريطانية، كانتا الشركتين الاستثماريتين الوحيدتين المستثمرتين في مجال استثمار واستخراج وتصنيع الذهب في جمهورية أوزبكستان إلى أن دخلت حلبة الاستثمار شركة “أمان تاي تاو غولد فيلدس” الأوزبكستانية البريطانية المشتركة لاستخراج وتصنيع الخامات الحاوية على معدن الذهب. وأحدثت شركة “أمان تاي تاو غولد فيلدس” الأوزبكستانية البريطانية المشتركة في ولاية نوائي لاستخراج وتصنيع الخامات الحاوية على معدن الذهب. وشارك في تأسيسها كلا من: مؤسسة الجيولوجيا الحكومية الأوزبكستانية، وشركة استخراج وتصنيع المعادن بولاية نوائي، وشركة “أوكسوس ريسورسيز كاربريشين” البريطانية، بحصص متساوية في رأس المال.
وأشارت معطيات الدراسات التقنية والاقتصادية للمشروع الجديد، إلى أن تنفيذه سيتم على مرحلتين يتم خلال المرحلة الأولى منه بناء منشآت معالجة المواد الخام بطاقة إنتاجية تبلغ مليون طن من المواد الخام سنوياً، وتشمل بناء وإعداد وتجهيز مناجم الاستخراج ومعامل التكرير بالمعدات اللازمة للعمل. وبلغت الكلفة الإجمالية للمرحلة 45 مليون دولار أمريكي منها 5.8 مليون دولار لبناء منشآت البنية التحتية للمشروع، وتم في نفس الوقت توريد المعدات والتكنولوجيا اللازمة للمشروع حسب تصريح الجانب الأوزبكستاني في المشروع.
وفي المرحلة الثانية تم بناء الأنفاق في مناجم استخراج المواد الخام، ومصنع تكرير مادة “أوبورني سول فيد” التي لا تملك أوزبكستان حالياً التقنية اللازمة لمعالجتها، وشملت فصل مادتي “سول فيد” و”مشياك” ومعالجتهما والحد من أخطارهما الضارة، عن طريق التخمر البيولوجي المستخدم عالمياً وهي الطريقة الجديدة في أوزبكستان وأعطت المخابر الأوزبكستانية نتائج ملموسة جيدة لها.
كما وتشير الدراسات الأولية إلى أن المشروع احتاج لإنفاق مبلغ يتراوح ما بين الـ160والـ170 مليون دولار تستثمر في شراء المعدات التكنولوجية الحديثة، وإعداد الكوادر البشرية اللازمة للمشروع التي تقدر بنحو 600 متخصصاً محلياً، إلى جانب 10 خبراء أجانب يستمرون في عملهم بعد اكتمال المشروع ودخوله مرحلة الاستثمار القصوى المخططة.
واستناداً للجانب الأوزبكستاني، فإن شركة “أوكسوس ريسورسيز كاربريشين” قامت بتمويل المرحلة الأولى للمشروع، إضافة للقروض الممنوحة من المصارف، دون أي إسهام مالي من الجانب الأوزبكستاني. وتم استرداد الأموال المستثمرة في المشروع من قيمة الذهب المستخرج لاحقاً. بينما تم تمويل المرحلة الثانية من المشروع وتم تطويره من الأرباح المحققة بعد بدء الإنتاج الفعلي للمشروع.
وأعتقد هنا أن للمستثمرين العرب الراغبين بالمشاركة بمثل هذه المشاريع فوائد استثمارية من خلال توظيف أموالهم فيها، أو بمنح القروض الميسرة التي تدعم وتعزز من موقف الجانب الأوزبكستاني في المشروع وتقلل من تكاليفه. خاصة وأن الجانب الأوزبكستاني توقع أن يحصل على دخل قدره 200 مليون دولار أمريكي من الضرائب وعائدات حصته خلال السنوات العشر المقررة للمشروع. وأن يستمر المشروع بعد انتهاء العشر سنوات الأولى، على ضوء النتائج الفعلية المحققة والاحتياطي المتوفر من المواد الخام، والأعمال الاستكشافية التي يقوم بها الجانب الأوزبكستاني والتي ترافق المشروع وتستمر لعشرة أو عشرين سنة قادمة.
وكانت شركة “نيومونت مايننغ” إحدى كبريات شركات استخراج الذهب في العالم، قد استخرجت 152 طناً من الذهب خلال عام 2000، محققة ربحاً بلغ 1.6 مليار دولار أمريكي، وبدأت استثماراتها في أوزبكستان عام 1995، بالاشتراك في إنشاء شركة “زرفشان نيومونت” الأوزبكستانية الأمريكية المشتركة، التي استخرجت 350 طناً من الذهب حتى عام 2000 حسب تصريح رونالد كمبري رئيس مجلس إدارة شركة “نيومونت مايننغ” للتلفزيون الأوزبكستاني في شباط/فبراير 2001، قسمت عائداتها بالتساوي مابين الشريكين الأوزبكستاني والأمريكي. وهو ما يعني تجاوز إنتاج الذهب الأوزبكستاني لمعدل السبعين طن سنوياً، إذا أخذنا بعين الاعتبار إنتاج الشركات الأخرى العاملة في هذا المجال في أوزبكستان.
ورغم تراجع أعمال البحث والتنقيب في العالم بسبب انخفاض أسعار الذهب العالمية في السنوات الأخيرة، توقع كمبري أن لا يؤثر ذلك على علاقات شركته مع أوزبكستان، وأن تستمر أعمال البحث والتنقيب والإنتاج، خاصة وأنه من المتوقع حدوث تحسن في أسعار الذهب خلال السنوات القادمة.
وقد ترددت أنباء بعد استقبال إسلام كريموف رئيس جمهورية أوزبكستان لرولاند كمبري رئيس مجلس إدارة شركة “نيومونت مايننغ”، وواين ميروي المدير العام التنفيذي للشركة، عن مشروع جديد لاستخراج الذهب في منطقة أنغرين الغنية بالمعادن شرق العاصمة الأوزبكستانية، قدم له بنك التعمير والتنمية الأوروبي قرضاً بلغ 500 مليون دولار أمريكي.
والدرس المستفاد من شراكة البنوك العالمية كشريك غير متضامن في المشاريع الاستثمارية في أوزبكستان وغيرها من دول العالم، هو الحصول على أرباح مضمونة بكفالة حكومية من خلال الفوائد المستحقة على القروض الممنوحة، دون التعرض لأي مسؤولية أو تبعية أو خطورة من أخطار الاستثمار والإنتاج والتسويق. وهو الدرس الذي يمكن للمستثمرين العرب الاستفادة منه، في تحقيق أرباح مضمونة، تزيد من خلالها إمكانيات الاعتماد المتبادل الأوزبكستانية العربية في معادلات العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية الدولية المعقدة في عصر العولمة والانفتاح الاقتصادي.


اترك رد