موقف الاستشراق الروسي من عرب آسيا المركزية
من نظرة متفحصة في المراجع الصادرة خلال الفترة الأخيرة من الحكم السوفييتي لآسيا المركزية، نطالع تسميات غير واضحة عن أنساب القبائل العربية، ولابد أن ذلك حدث بسبب التشويه الكبير الذي لحق بتاريخ المنطقة أثناء الاحتلال الروسي والحكم السوفييتي. فنطالع أسماء قبائل: بالوي، اسكندري، قريش، لورهابي، ميوي، ناوروزي، سعدي، باخشي باي، غورجي، زانغي باي، ميرحيدري، رشيدي، سانوني، خوجاغي، شيباني وغيرها من التسميات. ونرى أن الباحثين قد قسموا القبائل العربية إلى مجموعات ثلاثة، هي:
- مجموعة القبائل العربية الأصيلة التي واكبت الفتح العربي للمنطقة؛
- ومجموعة عرقية ظهرت خلال القرون الوسطى المتقدمة وحملت تلك القبائل تسميات جغرافية ويعتقد أن بينها قبائل عربية أصيلة؛
- والسلالات القبلية العربية الأصيلة التي سكنت المنطقة خلال فترة لا تزيد عن الـ 100 والـ 150 سنة.
ويذكر بولشاكوف في كتابه “تاريخ الخلافة” أن عرب المجموعة الأولى، ينتمون لقبائل جاءت من قلب الجزيرة العربية: قريش، وبني هاشم، وأبو القيس، وبني أبي الوقاص، والسادة بني السعدي، وقبائل بني تميم، وبني سعدوني (سعدي، أو سعيدي)، وقبائل عرب الجنوب (اليمن): قبائل صنعاني، ورشيدي، وقبائل عرب الشمال: شيباني، وبكر بن وائل (بني بكر، بني وائل). ومجموعة قبائل جنوب طاجكستان: عباسي.
ويذكر أن التسمية الصحيحة للقبيلة القرشية أبو القويس، هو: بني أبي وقاص، نسبة لمؤسسها سعد بن أبي وقاص، والأصح لاسم جده، وهو أحد صحابة الرسول العربي محمد (ص)، أو من القبيلة القرشية بني زهرة. وينسب قبيلة شيباني للبكريين أي بني بكر بن وائل، ويعتقد أن لها قرابة مع القرشيين.
وينسب قبيلة سعدوني، إلى بني سعدة ويعتبرها واحدة من القبائل المدنية، التي عقدت مع النبي (ص) اتفاقية رباعية أطلق عليها بولشاكوف اسم “دستور المدينة”، ويذكر أنه كان من بينها قبيلة عبرية عظيمة، ولا يستبعد أن المعاصرين من عرب المنطقة قد احتفظوا بالتاريخ الثقافي للقبائل المرشدة (بيرا سعيدة جلال الدين حسين) من شمال الهند. ويستند إلى فولين الذي ذكر أن وثائق القرن 15 الميلادي، أوردت أن قبيلة بني سعد سكنت خراسان، وتحركت منها نحو الغرب إلى إيران وبالعكس.
ويذكر بولشاكوف أيضاً أن القبائل العربية الجنوبية: رشيدي، وصنعاني عاشت في آسيا المركزية أيضاً. رغم أن قبيلة رشيدي لم يذكرها المؤرخون في ما وراء النهر في كتاباتهم عن القرون الأولى للإسلام.
ويعتقد أن تسمية عباسي قد يكون مصدرها سياسياً بحتاً، وظهرت مع قدوم الدعاة العباسيون للمنطقة. ولا يستبعد أن تكون تلك القبيلة جزء من بعض القبائل التي جاءت للمنطقة مع بداية الفتح الإسلامي في القرن الثامن الميلادي إلى آسيا المركزية ومن ضمنها القبائل القرشية.
ويدخل ضمن المجموعة الثانية حسب تصنيف بشكوف ومادامينوفا، مجموعة القبائل التي حصلت على تسمياتها خلال مرحلة الازدهار في القرون الوسطى (القرون 12-17م)، ومنها قبائل: مير حيدري، واسكندري، وزانغوي (زانغي باي أو زانغوي)، وسعدي خوسا (أو سعد خوسا)، وبهلوي، ولورخابي (أو ليارخوبي)، وغورجي، ونوروزي، وميوي. التي يقسمانها إلى مجموعتين: الأولى لها صلة بالصوفيين الذين انتشروا خلال القرون الوسطى في خراسان، وأفغانستان، وما وراء النهر، وشمال الهند. ويعتبرانها من الملاك الإقطاعيين. ويذكران أن قبيلة زنغي باي جاءت من بابي سينغي، ويعني بابا سينغيين، من شمال أفغانستان، ويمكن أن يكون أصلهم من وسط غيريرود في جبال سينغي سيبا، على وسط الطريق بين هيرات وشهري ناو، ورباطي سينغي من باسين بمنطقة كوشك على الطريق من سلسلة جبال باراباميز إلى قرية سينغي سيبا.
أما سعدي خوسا، وتعني “تابعة لسعد”، فيذكر يوسوبوف في مقالته “بكوية كوباديان في نهاية القرن التاسع عشر”، أنها من قبائل السلالة المعروفة والمنسوبة لأحد شيوخ جوبر خوجة سعد بن حجة الإسلام (المتوفي عام 1563م)، الشخصية المؤثرة في قصر عبد الله خان. وكان سعد من كبار ملاك الأراضي في خانية بخارى، كان يملك إضافة لتلك الأراضي، أراض في منطقة كاباديان. ومن افتراض أن تلك الأراضي كانت غير تابعة لسعد، توقع أن تكون مجموعة عرب سعدي خوسا قد توقفت عملياً عن الترحال مع نهاية القرن 16م، وتحولت إلى مزارعين عاديين اختلطت بالسكان المحليين، ورافقت مرحلة إنعاش المناطق والأراضي المهجورة التي نهبت وخربت نتيجة لاجتياحها من قبل قبائل الرحل المغولية والتركية، حيث قام شيوخ جوبر وسعد هناك بإنشاء قنوات للري. ويدعم إدعاء شيوخهم بنسبهم للنبي (ص) وأحقيتهم بحمل لقب خوجة الذي حمله أمثالهم، بأن قسماً من تلك الأراضي (بما فيها شمال طاجكستان) سكنها قرشيين، وسكنتها من بعدهم مجموعة من المجموعات العربية، ومن بينها خوجة غي، التي سميت في الماضي خوجة جوبر أو مازينداران.
أما نسب إسكندري، فهو معقد جداً، لعدم وجود أية شخصية معروفة حملت هذا الاسم في القرون الوسطى يمكنها المطالبة بدور رئيسي بين القبائل العربية. وهذا ينطبق على اسكندر بن أفراسياب، أحد أصحاب الأمير تيمور، الذي حكم لبعض من الوقت غرب مازيندران، وقام بعد ذلك بالعصيان على سيده وقتل خلال إحدى المعارك. ولا اسكندر بن هيندوبوكا، أحد القادة العسكريين الذين خدموا ألوغ بيك، ونائبه في سمرقند أثناء غيابه عنها. ولكن من المثير ربط هذه التسمية باسم السلطان اسكندر حفيد الأمير تيمور، لأن هذا من غير المعقول، فالسلطان اسكندر كان حاكماً لفرغانة، وتسلم حكم حمدان عام 1403م، وتسلم حكم فارس وأصفهان خلال 1409-1415م، وقتل عام 1416م. ولم يلعب أي دور في حياة عرب المنطقة لا من قريب ولا من بعيد.
ويرجح البعض نسب أولئك العرب، لواحد من الشيبانيين المشهورين وهو عبد الله بن اسكندر (33/1534-1598م)، الذي تسلم عن جده جاني بيك نتيجة القسمة عام 1512 أو 1513م حكم مدينتي كرمين وميانكال، وهي الأماكن التي ظهر فيها فيما بعد العرب الإسكندريين. وقد ولد عبد الله بن اسكندر في قرية أفاريكينت (اليوم برينكينت على الطريق من إشتيهان إلى سمرقند في جمهورية أوزبكستان). وبعد عودة اسكندر خان إلى كيرمان، ظهر عبد الله وللمرة الأولى كحاكم، وصد عنها الهجوم الذي تعرضت له عام 1551م من قبل حكام طشقند وسمرقند. وبعد عدة إخفاقات وهو يحاول التثبت في بخارى وقارشي وشهرسابز، أقام حكمه عام 1555 أو 1556م في كيرمان وشهرسابز، واستولى عام 1557م على بخارى. وبعد معارك طاحنة أخضع لحكمه بلخ، وسمرقند، وطشقند، وفرغانة، خلال الفترة من عام 1573وحتى عام 1583م. واستولى في الجنوب الشرقي على بدهشان، وفي الغرب على خراسان، وغيليان، وفي الشمال على خوارزم. وبعد فترة قصيرة من وفاته ومقتل ابنه انتقلت السلطة في ما وراء النهر إلى أسرة أخرى.
كما ويتوقع فولين بأن يكون قسم من العرب الذين استوطنوا الشاطئ الأيمن لنهر أموداريا قد حصلوا على التسمية عام 1513م، عند قيام جاني بيك خان وعبيد الله بتمشيط خراسان، وبلخ بعد الاستيلاء عليهما، وإخضاع قسم من سكانهما. وهو ما لا يخلوا من الأساس، خاصة وأن تلك الحوادث كانت قد بدأت خلال مرحلة خاصة من المرحلة الثانية من تاريخ عرب آسيا المركزية، بما فيهم عرب قبائل بهلوي، وميرحيدري، وإسكندري، لأنه مع نهاية تلك المرحلة قام عبد الله خان أثناء حكمه بتوطين أبناء جنسه، الذين حملوا اسم أبيه إسكندر. وحسب روايات سكان ما وراء النهر فإن عبد الله بن إسكندر كان يشغل مكانة لا تقل عن المكانة التي شغلها الأمير تيمور في تاريخ ما وراء النهر، وكان اسمه كاسم الأمير تيمور مرتبط بالكثير من الأحداث التاريخية التي عاشها العالم الإسلامي. ويفهم ذلك أيضاً من أن اسم إسكندر الذي ظهر أثناء الأحداث التي جرت خلال عامي1512 و1513م، وأبقا جده له من بعده تلك الأماكن التي عاش عليها أولئك العرب.
ويدخل بعض الباحثين ضمن المجموعة الثانية، التي ترتبط تسمياتها، بتسميات جغرافية: كقبيلة بهلوي، مؤكدين نسبها للقبيلة العربية المشهورة بني بهلي التي سكنت أثناء حياة محمد (ص) في المنطقة الشمالية للمدينة المنورة، ويشكك بروك، وبرتولد بذلك لأنه من المعروف على سبيل المثال، أن العرب بعد غزوهم (حسب تعبير برتولد) لما وراء النهر، أطلقوا على أراضي الصغد تسمية “إيران العليا”، وأثناء الاندماج أصبحت بهلوي، وتنطق بوليوي، بوليي وغيرها. وأخذت بالانتشار الواسع في خراسان، وشمال أفغانستان، وآسيا الوسطى. وفي نفس الوقت لا يستبعدان، انتسابها للأصل، رغم تأثرها بالمحيط الأجنبي وأخذها الشكل الإيراني اشتقاقاً من الكلمة الفارسية، الطاجيكية (بالا، بولو “أعلى”) التي تعني ” عالي، أو خارجي، أو نسبة لعرب الشمال” لتمييزهم عن القبائل العربية للمناطق الواقعة إلى الجنوب من إيران، وحتى المناطق الجنوبية من إيران نفسها، لتصبح ذات مدلول جغرافي.
وتأتي ضمن المجموعة الثانية أيضاً قبيلة غورجي، وهي بالحرف الواحد “جورجي”، ولكن البعض يعتبرونها تحريف لغورجاتي، أي من غورجاتا في شمال الهند، ونوروزي نسبة لقرية نوروز آباد على نهر غيريرودي، وميوي أي من مرو. ويتوقعون أن تكون تسمية لارخابي، تحريفاً للاهوريين، أي من مدينة لاهور في شمال الهند، وكذلك الحال بالنسبة لقره باغي، وهي تحريف للقره باغيين، أي من قرية قره باغ الواقعة بين قارشي وياكّاباغ. ويربطون بينها وبين الأحداث التاريخية والسياسية التي جرت خلال القرون الوسطى في المنطقة، وسببها انتقال القبائل العربية من مناطق سكنها السابقة لأماكن جديدة فيها.
أما المجموعة الثالثة وتتضمن قبائل اشتقت أسماؤها من اللغات العربية والفارسية والتركية، كغيردون التي يمكن أن تكون من الأصل الطاجيكي غادوندان أي رحل، وكاتتا بو من الأصل الأوزبكي كاتتا “كبير”، وبو “قدم”، أي القدم الكبيرة، ويمكن أن يكون أصلها عربي وجاءت على صيغة الجمع من كلمة “كتب – كتبوا” إشارة إلى الدور الثقافي الذي كانوا يلعبونه في تعليم أهل المنطقة اللغة العربية وتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، و”أيوا جا” المعنى العامي لأصل “نعم جاء”، وملاغولي وهي مشتقة من ملا “رجل دين” وغول “أي زهرة”.
بينما بقيت أمام الباحثين مجموعة كبيرة من القبائل العربية المختلفة النسب والمصدر، مجهولة بالنسبة لهم، كتسميات بني علي، وجمالي، وبيت يمني. ويتوقعون أن تسمية بيريندي يمكن أن تكون مشتقة من تسمية قرية برادان على الفرات الأوسط في العراق، أو من الاسم المؤنث بورادوخت، وهو اسم بنت خوسروف الثاني، الذي حكم إيران لبعض الوقت في القرن السابع. ولا يستبعدون أن تكون هذه التسمية مرتبطة بالأسطورة التي ترددت في القرن التاسع الميلادي عن نبأ “زواج الحسين بن علي بن أبي طالب وزوجته فاطمة الزهراء (رض)، من ابنة آخر الملوك الساسانيين”. وتسمية باخشي باي أو باخشاوي، التي جاءت كما يعتقدون من منصب باخشي، وهو اسم كان يطلق على المنشدين في قصور التيموريين. وتسمية قبيلة سورخانوبوش، التي تترجم بالحرف الواحد إلى اللغة العربية بـ “لابس الأحمر”، التي سكنت سورخانداريا، وقبائل بونصاري، وميغليادي، وموشكاكي، وسالبور، وشولبوش، وشوني التي لم يتمكن الباحثون ذكر أي شيء عنها.
ومن المجموعات الكبيرة من العرب، المجموعة التي تحركت من أندهوي في الجنوب إلى أراضي آسيا الوسطى، والتي يمكن أن تكون قبيلة شيبانية، قدمت وفق ماذكرته بوريكينا ن.ن.، وإيزمايلوفا م.م. لزيارة ضريح (مزار) بهاء الدين نقشبندي بالقرب من بخارى واستقرت هناك. وتمت دراستهم في الثلث الأول من القرن العشرين، في قرية جوغاري بمنطقة كيجدوفان بولاية بخارى، واكتشف أنهم قد فقدوا لغتهم العربية. ويذكر فولين س.ل. أن آخر موجة كبيرة من القادمين العرب جاءت في نهاية القرن السابع عشر.
وتتفق المراجع على أن القرن السابع عشر، يمثل المرحلة التي شهدت تغيير الأسر الحاكمة القديمة في آسيا الوسطى، وانهيار التقسيم الإداري والسياسي القديم للمنطقة، الذي بني على أساس التقسيم الجغرافي. وسجل التاريخ السياسي لتلك المرحلة التاريخية، غياب أي نوع من السلطة المركزية في آسيا الوسطى، وكثرة تبدل الأسر الحاكمة فيها، نتيجة للحروب الداخلية والغزوات الخارجية الكثيرة، وخاصة في خراسان، وبلخ، وما وراء النهر. وظهرت في الحركة الكبيرة للعرب الكتتاكورغانيين، والسمرقنديين، والطاجيك، التي كانت وفق ما ذكره برهان الدين خاني كوشكيكي، في كتابه “كاتتاغان وبدهشان” نتيجة للحروب الداخلية في بخارى وبدهشان خلال النصف الثاني من القرن السابع عشر. ومن المعروف أنه أثناء حكم صوبخان قولي خان (1680-1702) لبلخ، كانت هناك قبيلة كبيرة من الأوزبك الكاتاغانيين المتذمرين من هذا الخان، وانتقلت من ضواحي سمرقند للسكن في غيسار، وبعد ذلك في قندوز. ومن هناك استولى الكاتاغانيين على غيسار، وقولياب ومقاطعات شمال افغانستان وشرق خراسان، وهو ما أدى إلى تحديد حركة بعض القبائل، وأدى بالتالي إلى تحرك قسم من عرب أفغانستان إلى مناطق مشتركة بين طاجيكستان وأوزبكستان، بما فيها تلك التي عاشت في السابق في كاتاغاني. وهو ما أكدته روايات عرب قارشي التي أشارت بدقة إلى تلك المرحلة التاريخية.
وقد شهدت تلك المرحلة تنقلات كبيرة للعرب من وراء نهر أموداريا ليس أكثر، وبدأ عرب خانية بخارى (إمارة) بالتدريج بشغل مناطق محددة من أراضي الخانية، وتأقلموا ضمن العلاقات الاقتصادية والاجتماعية في الوسط متعدد القوميات لخانية بخارى. وتعتبر المراجع أن سبب استقرار العرب في تلك المناطق، أنهم كانوا من الرحل، وآثروا السكن هناك لتلاؤم الظروف الطبيعية والأحوال الجوية التي تسمح لهم بالتمسك باقتصادهم التقليدي، على الحدود الفاصلة بين الأراضي الزراعية والواحات والبادية. واختاروا في الشتاء العيش في الوديان المعزولة قليلة الثلوج، وخرجوا للبادية في الربيع وإلى الجبال في الصيف. وفي نفس الوقت استفادوا من قربهم الدائم من المراعي والمدن المركزية الكبيرة، مما سهل لهم عملية تبادل المنتجات، والمحافظة على استقرار اقتصادهم الخاص داخل النظام الاقتصادي والاجتماعي في إمارة بخارى. وشغلوا في الإمارة موقعاً معيناً سمح لهم بتحقيق بعض المكاسب السياسية، والحفاظ على حد أدنى معين من التبعية لحكام بخارى، وبسهولة التحرك إلى أطراف الإمارة في حال حدوث أي صدام. وهو ما تؤكده المراجع التاريخية، التي ذكرت أن عرب بخارى شكلوا وحدة إدارية خاصة في العلاقات الاقتصادية، في مناطق ما وراء أموداريا حتى أواسط القرن التاسع عشر، تحت رئاسة ميرخازورامي المنصب الذي انتقل بالوراثة، وكان شاغل هذا المنصب مسؤولاً أيضاً عن جباية الضرائب والعطاءات. ومع الزيادة الكبيرة في عدد سكان الإمارة، وحضور مجموعات كبيرة العدد من الشمال، شغلت الأراضي المحيطة بأراضيهم التقليدية، أضطر بعضهم إلى ترك الترحل، والانتقال إلى حياة الاستقرار.
ومن الدراسات التي راجعناها نجد أن تاريخ العرب على الشاطئين الأيمن والأيسر لنهر آموداريا في آسيا الوسطى قد قسمته المراجع الروسية إلى مراحل نلخصها في:
المرحلة الأولى: ورافقت وصول العرب الفاتحين إلى ما وراء النهر خلال القرنين السابع والثامن الميلاديين، واستقرارهم في المنطقة حتى بداية الحملات العسكرية التي قام بها الأمير تيمور في نهاية القرن الرابع عشر الميلادي. حيث عاش خلالها العرب داخل مناطق جديدة بالنسبة لهم، وقاموا خلالها بإيجاد مكاناً لهم داخل التركيبة الاقتصادية والسكانية للمجتمع المحلي مستفيدين من العامل الديني الهام والدور السياسي الكبير الذي لعبه الدين الإسلامي في حياة المنطقة. وحافظ العرب خلالها على ترابطهم وأنسابهم ولغتهم وثقافتهم، وكان لهم مركزاً دينياً خاصاً منحهم الكثير من الميزات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والسياسية.
المرحلة الثانية: وبدأت مع انطلاق حملات الأمير تيمور ونتج عنها تحطيم التركيبة التقليدية السياسية والاقتصادية السائدة في المنطقة بأسرها، وإلى إعادة توزيع الأدوار السياسية والاقتصادية في المنطقة، التي دفعت نحو تشكيل أرضية جديدة غيرت واقع التسميات التي كانت من طبيعتها. وأحلت مكانها تسميات جديدة، ارتبطت في الكثير من الحالات بالمواقف التي اتخذتها الطبقة العليا في المجتمع، وحدد من خلال علاقاتها القبلية والعشائرية ونفوذها بين جميع القبائل، واستمرت حتى مجيء الغزاة الروس محتلين إلى المنطقة، وشروعهم بتغيير ملامحها السكانية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفرض ثقافة غريبة عليها، وما نتج عن الغزو من تشويه وطمس مقصود لتاريخ المنطقة، كان أول المتضررين منه عرب آسيا الوسطى الذين تمكنت الإدارة الروسية من القضاء على شخصيتهم اللغوية، والدينية، والثقافية، والسياسية، والاقتصادية، تنفيذاً للسياسة الاستعمارية التي رسمتها لنفسها منذ بداية القرن الثامن عشر.
وكان الدور الكبير في طمس معالم التاريخ العريق وتشويهه للاستشراق الروسي الذي بدأ بالتوجه نحو دراسة لغات الشعوب الإسلامية العربية، والفارسية، والتركية، من عام 1716 بإيفاد عدد من الطلاب الروس للدراسة في أصفهان عام 1717، رغبة من القيصر الروسي آنذاك بإعداد كوادر روسية خالصة لخدمة مصالح الإمبراطورية الروسية.
وأوضح الدور الذي لعبه المستشرقون الروس لتحقيق أهداف الإمبراطورية الروسية في القرن الثامن عشر، غيورغ ياكوب كير (ولد في شليزينغين عام 1692 وتوفي في سانت بطرسبرغ عام 1740) ماغيستر جامعة ليبزغ، وهو أول مستعرب في أوروبا قرأ الخط الكوفي، والخبير باللغات السامية والإسلامية، في مشروعه الذي قدمه للحكومة الإمبراطورية الروسية عام 1733. وأوردها برتولد في مقالته “الاستشراق في روسيا في القرن الثامن عشر”، وتتلخص فيما يلي:
“خدمة الإدارة الحكومية الروسية، وتأمين حاجتها من المترجمين في اللغات الشرقية، للترجمة وإدارة المناطق التابعة لروسيا، وتنظيم العلاقات مع الدول الشرقية، وخدمة توسع الإمبراطورية الروسية، والاستيلاء على تركيا وآسيا الوسطى، ونشر الدين المسيحي بين المسلمين. ولهذا الغرض دراسة اللغات: العربية، والتركية، والفارسية، والسريانية، والسومرية، والإثيوبية، واليونانية، والصينية، والمنشورية، والمغولية، وغيرها من اللغات الشرقية”. ومن نظرة متعمقة نجد أن الأكثرية المطلقة من مؤسسي مدرسة الاستشراق الروسية كانت من الأوربيين الذين قدموا للاستيطان في روسيا، وهم أولئك الذين ربطوا بين تدريس اللغتين العربية والعبرية، وتاريخ أديان وقوانين وعلوم وفنون وعادات العبرانيين والعرب في جامعة موسكو منذ عام 1811، وهو ما أدى إلى نشأة جيل من المستعربين اليهود الروس الذين التحقوا بالدراسة أصلاً لتعلم اللغة العبرية، وكانت لهم اليد الطولى في توجيه حركة الاستعراب ليس في روسيا وحسب، بل وفي مستعمراتها الإسلامية، من خلال الدراسات التي قاموا بها دون سواهم، والمواقع الحساسة التي شغلوها في معاهد الاستشراق التي أسست في أنحاء مختلفة خلال العهد السوفييتي. واستفادوا من ذلك الوضع في كل الظروف والمناسبات لدعم حلمهم بإقامة دولة إسرائيل، الأمر الذي تطلب أولاً القضاء على آخر خلافة إسلامية في الدولة العثمانية، كما حدث فعلاً في مطلع القرن العشرين، ومن ثم العمل بدأب ومثابرة للقضاء على اللغة العربية أو محاربة أو تشويه تدريسها في كل مكان وجدوا فيه، وهي اللغة التي تعتبر من مقومات الحفاظ على نقاء الدين الإسلامي. ولم يألوا جهداً في الإساءة للعرب وتدنيس تاريخهم في كل المناسبات. وسخرية القدر أن ذلك كله كان يتم تحت أبصار البشرية جمعاء تحت شعار الدفاع عن السامية، وكأن العرب لا يمتون بصلة لها خاصة وأنه من المعروف أن العرب والعبرانيين أبناء عمومة وينحدرون من أصل سامي واحد.
ولعل ذلك هو من أسباب الحملة الشعواء التي تعرض لها عرب آسيا الوسطى، دون سواهم الذين تعرضوا لحملات طمس للشخصية الثقافية التي ميزتهم داخل المجتمع في تركستان الروسية منذ الأيام الأولى للاحتلال، وزادت حدتها خلال الفترة الممتدة ما بين ثلاثينات وستينات القرن العشرين. وهي الفترة التي شهدت تركيزاً على دراسة ونشر أبحاث عن لغة عرب آسيا الوسطى السوفييتية قام بها تسيريتلي، وفينيكوف وغيرهما. تمهيداً لشطبهم نهائياً من بين الأقليات العرقية في الاتحاد السوفييتي السابق، وهم وكما تعترف الموسوعة السوفييتية الكبيرة، أنهم: “من الشعوب التي تعيش في آسيا الوسطى، ضمن مجموعات صغيرة، وخاصة في محافظتي بخارى، وسمرقند في أوزبكستان السوفييتية، بين السكان المحليين الأوزبك، والطاجيك، والتركمان، منصهرين بالتدريج بهم !؟ (بالحرف الواحد كما ورد في النص، وفيه إشارة واضحة للهدف الموضوع)، وعددهم حوالي 8000 شخص، وفق إحصائيات عام 1959. ويتحدث أكثر من 34% منهم بلهجات اللغة العربية، واللغات: الأوزبكية، والطاجيكية، والتركمانية. وتشير الدراسات إلى أنهم من أحفاد العرب القادمين من بلاد الرافدين، وشبه جزيرة العرب، وجاءوا إلى آسيا الوسطى خلال فترات مختلفة من شمال أفغانستان، ومنها انتقلوا إلى الضفة اليمنى لنهر أموداريا. وثقافتهم وحياتهم شبيهة بثقافة وحياة الأوزبك والطاجيك، ولو أنهم احتفظوا ببعض ملامح ثقافتهم القديمة، ويدينون بالدين الإسلامي، المذهب السني”. ونلاحظ أن العرب اختفوا وبالفعل تماماً من الإحصائيات السكانية التي جرت في الاتحاد السوفييتي السابق بعد ذلك التاريخ، فماذا حل بهم؟ ولماذا هذا الانقراض السريع؟
والجواب نجده في السياسة السوفييتية المعلنة آنذاك، والتي تقول (بالحرف الواحد) في واحدة من الموسوعات السوفييتية: أنه “في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، هيئت كل الظروف لتطور كل الشعوب والقوميات. وفي المجتمع الاشتراكي “القومية” و”اللغة الأم” يعتبران مفهومان مستقلان، لهذا في برنامج تعداد السكان لعام 1920 اعتبرت اللغة الأم هي اللغة التي يتحدث بها أفراد الأسرة، وفي الأسر المختلطة اعتبرت لغة الوالدة اللغة الأم للأسرة. وفي إحصاء عام 1926، اعتبرت اللغة الأم هي اللغة التي يتحدث بها الشخص المعني بطلاقة (الغريب أن هذا المبدأ طبق على عرب الاتحاد السوفييتي فقط، ولم يتعرض لسواهم من الأقليات التي فقدت لغاتها الأصلية)، وفي إحصائيات عامي 1939 و1959، اعتبرت اللغة الأم هي اللغة التي يفضلها الشخص ذاته. وهو الأسلوب الذي أتبع في إحصاء السكان خلال عامي 1970، و1979. وفي نفس الوقت أخذت اللغة الثانية التي يتحدث بها الشخص بطلاقة بعين الاعتبار”.
وخلال الأعوام الممتدة من عام 1970 وحتى عام 1979 تضاعف عدد الأوزبك الذي يتكلمون الروسية بطلاقة 5.5 مرات، ووصلت نسبتهم في عام 1979 إلى 52.9% بين الأوزبك، بينما كانت 13.1% عام 1970. وبلغ عدد أبناء القوميات الأخرى الذين يقطنون أوزبكستان عام 1979، ويعتبرون اللغة الأوزبكية اللغة الأم لديهم 133680 نسمة، بينما كان عددهم 72618 نسمة في عام 1970″. ونعتقد أن العرب قد واجهوا الضغوط التي وجهت ضدهم طيلة فترة الاحتلال باختيار اللغة الأوزبكية والحياة في كنف إخوتهم الأوزبك في أوزبكستان، والطاجيكية في طاجكستان، وهكذا في بقية جمهوريات آسيا المركزية، هرباً من سياسة الاضطهاد الروسي والسوفييتي. وهو الخيار الصائب الذي اختاروه.
وأعتقد أننا لا نحتاج هنا إلى تعليق، بل إلى إضافة أن السلطات السوفييتية استبدلت الحرف العربي بالحرف اللاتيني في كتابة اللغات المحلية بآسيا الوسطى بتاريخ 1/12/1928، واستبدلته بالحرف الروسي بتاريخ 9/1/1940، قاطعة بذلك الصلة بين شعوب المنطقة وثقافتهم وتاريخهم المكتوب. وأرفقتها بمضاعفة حملتها الشعواء ضد الأديان، وإغلاق المساجد والكنائس، ومحاربة رجال الدين، وهو ما يمكن تصوره من الحالة المرثية التي وصل إليها الناطقين بلغة الضاد خلال تلك الفترة العصيبة من تاريخ آسيا الوسطى، الذين تعتبر لغتهم من مسببات استمرار زخم الدين الإسلامي الحنيف في المنطقة كما اعتقد السوفييت، حيث فقدت الأقلية العربية بذلك ليس ثقافتها ولغتها وحسب، بل وفقدت شخصيتها الذاتية داخل المجتمع المحلي التي هي جزء لا يتجزأ منه أصلاً، وبقي الدين الإسلامي في قلوب شعوب المنطقة رغماً عن أنف المستعمر، الدين الذي يلقى رعاية الدولة رغم فصل الدين عن الدولة في الدستور. وخير مثال على ذلك افتتاح الجامعة الحكومية الإسلامية بطشقند رسمياً في احتفال خاص جرى تحت رعاية رئيس الجمهورية إسلام كريموف، وإلقاء أبو بكر عباس رفيع سفير المملكة العربية السعودية، والدكتور ممدوح شوقي سفير جمهورية مصر العربية في أوزبكستان كلمات في المناسبة التي جرت في مطلع أيلول/سبتمبر 1999. إضافة إلى إنشاء صندوق الإمام البخاري الدولي والتوسع بتدريس اللغة العربية والدين الإسلامي في مؤسسات التعليم الحكومية على جميع المستويات قبل ذلك، وإصدار أول مصحف شريف باللغة العربية مع تفسير معانيه إلى اللغة الأوزبكية في طشقند عام 2001.
والأكثر من ذلك أنه من بين عشرات المراكز الثقافية القومية التي أنشأتها الأقليات العرقية من بين مواطني جمهورية أوزبكستان بعد الاستقلال كان المركز الثقافي القومي العربي الذي أسسه المواطنون الأوزبكستانيون من أصول عربية بولاية قشقادرايا ورغم مرور 17 عاماً على استقلال جمهورية أوزبكستان لم أقرأ في أي صحيفة يومية محلية ولم أسمع عبر الإذاعتين المسموعة والمرئية عن أي هدية أو دعم مادي أو معنوي تلقاه ذلك المركز من أي دولة عربية أو دعوة لزيارة تلك الدول للتعريف بواقعهم وأصولهم العربية والتعريف بجمهورية أوزبكستان أو أي نشاط ثقافي مشترك أقامته جهة عربية في أوزبكستان كما تفعله السفارات المعتمدة الأخرى من التي لها جاليات بين المواطنين الأوزبكستانيين وتحضرها شخصيات كبيرة وتغطيها وسائل الإعلام الجماهيرية المحلية في وقتها.
وما يحتاجه أبناء عمومة العرب اليوم هو الاستثمارات الإنتاجية الكبيرة التي تؤمن فرص العمل المنتج لهم وفتح الأسواق العربية بأفضلية أمام منتجات المنطقة من أجل تحسين الأوضاع الاجتماعية الحالية وتدعيم اقتصاد دول المنطقة وخاصة أوزبكستان. وتهيئ الظروف المناسبة لربطهم ثقافياً بأوطان أجدادهم ليكونوا من عوامل تقوية أواصر الصداقة بين تلك الأوطان التاريخية وبين وطنهم المعاصر أوزبكستان.


اترك رد